الوصايا العشر للحجاج
عدد الزوار : 14498
تاريخ الإضافة : 16 رمضان 1429
PDF : 76 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

الوصايا العشر للحجاج

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإليك أخي الحاج عشر وصايا نافعة لصلاح القلب واللسان والجوارح في حال أداء المناسك، فيكون حجك مبروراً، وسعيك مشكوراً، وعملك صالحاً مقبولاً، أسأل الله لك ذلك كله.

الوصية الأولى: الإخلاص لله تعالى: فليكن قصدك صحيحاً، وتذكر أن الأعمال بالنيات، والله -عز وجل- يقول: ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)).

ومن حكمة الله تعالى أن جعل الحج في أرض ليست مُصْطَافاً ولا مُترَّبعاً، وإنما هو وادٍ غير ذي زرع، وذلك أدعى لخلوص القصد والنية.

فعليك أخي الحاج أن تقف مع نفسك وتسألها: ماذا أردت بهذا الحج؟ الرياء؟ أو الفُرجة؟ أو المؤانسة؟ أو مرضاة الله تعالى؟.

الوصية الثانية: اختيار الرفقة الصالحة: لما للرفقة من أثر بالغ على الإنسان؛ إذ الطبع سرَّاق، والسفر يُسفر عن أخلاق الناس، لا سيما في الحج؛ حيث يواجه الإنسان ما يواجه من الزحام وألوان المشقات، فإذا حصل مع ذلك رفيق سيء الخلق فذاك عناء آخر.

فاحرص على ذوي الديانة والاستقامة ممن يعينك على طاعة الله، مع الاحتمال والصبر وحسن الخلق وقلة المخالفة.

الوصية الثالثة: تذكر أن نفقتك في طاعة: فاحتسبها عند الله ولا تتبرم أو تستثقل ذلك، والله يقول: وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [(272) سورة البقرة]، وهذا يشمل كل نفقة أنفقتها من أجرة حملة، أو قيمة هدي، أو غير ذلك، فهذا قدوتنا -صلى الله عليه وسلم- أهدى مائة من الإبل، وأهدى عن أزواجه البقر.

وكان حكيم بن حزام -رضي الله عنه- يقف بعرفة ومعه مائة مقلدة ومائة رقبة، فيعتق رقيقه فيضج الناس بالبكاء والدعاء، ويقولون: "ربنا هذا عبدك قد أعتق عبيده، ونحن عبيدك فأعقتنا".

وكان أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، وفعل مثل ذلك في الإسلام، وأهدى مائة بدنة وألف شاة، وأعتق بعرفة مائة وصيف في أعناقهم أطواق الفضة منقوش فيها: عتقاء الله عن حكيم بن حزام.

الوصية الرابعة: العبرة بإحسان العمل: فليكن حرصك على اتباع السنة وتصحيح العمل دون أن يكون همك الإسراع في قضاء المناسك، أو التخلص من العبادة على أي وجه كان، والله يقول: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [(110) سورة الكهف]، والعمل الصالح: هو الصواب الموافق للسنة.

وقال الله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [(2) سورة الملك]، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))، وقال: ((خذوا عنِّي مناسككم))، وإياك وتتبع رخص الفقهاء، فإن ذلك لا تسلم معه من التبعة، ولا تبرأ به الذمة.

الوصية الخامسة: أنت -أخي الحاج في موسم عظيم، اجتمع لك فيه شرف الزمان وعظمة المكان، وإنما تتقلب بين أعمال شريفة، فهذه الليالي هي التي أقسم الله تعالى بها في قوله: وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [(1-3) سورة الفجر]، وقد فسر ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ((إن العشر: عشر الأضحى، والوتر: يوم عرفة، والشفع: يوم النحر)).

وهذه العشر هي الأيام المعلومات المذكورة في قوله تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ [(27) سورة الحـج]، ومما يدل على فضلها: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحبّ إلى الله من هذه الأيام))، وفي الحديث الآخر وصفها بأنها أفضل أيام الدنيا، وقد فهم منه جماعة من أهل العلم -كابن تيمية وتلميذه ابن القيم وابن رجب- أن أيامها خير من أيام العشر الأخيرة من رمضان.

ولا ريب أن أفضل ما يُعمل فيها: حج بيت الله الحرام، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ((أفضل الجهاد حج مبرور))، فينبغي الاجتهاد فيها بالعمل بطاعة الله تعالى والمسابقة في مرضاته كما كان السلف الصالح يفعلون، فهذا سعيد بن جبير -رحمه الله- كان إذا دخلت العشر اجتهد اجتهاداً شديداً حتى ما يكاد يُقدر عليه، وكان يقول: "لا تطفئوا سُرجكم ليالي العشر"؛ تعجبه العبادة، ويقول: "أيقظوا خدمكم يتسحرون لصوم يوم عرفة".

والمقصود أن هذه الأيام يجتمع فيها أمهات العبادات من صلاة وصيام وصدقة وأعمال الحج، وفيها يوم عرفة الذي أقسم الله به في قوله: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ [(3) سورة البروج].

وقد فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- اليوم المشهود بيوم عرفة، وفي الحديث: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله -عز وجل- فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو -عز وجل- ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟))، وأخبر أن الله يباهي بأهل عرفات ملائكة السماء فيقول: ((انظروا إلى عبادي هؤلاء جاؤوني شعثاً غبراً)) وفي الحديث الآخر: ((إن الله تطوَّل عليكم في جمعكم هذا فوهب مسيئكم لمحسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل))، كما أخبر أن خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وسُئل -صلى الله عليه وسلم- عن صيامه فقال: ((يكفر السنة الماضية والباقية))، وفي حديث آخر: ((يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أ:كل وشرب)).

وفي هذه العشر: يوم النحر، ويوم الحج الأكبر كما صحَّ ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ففيه يجتمع عيد المكان وعيد الزمان، وفيه الحجُّ كله؛ حيث يصح الوقوف في ليلته، ويكون الرمي والنحر والحلق والطواف في يومه، وفي الحديث: ((إن أعظم الأيام عند الله -تبارك وتعالى-: يوم النحر ثم يوم القر)).

ثم تذكر -أخي الحاج- أنك في هذه الأوقات الشريفة، ومع تلك الأعمال العظيمة، أنك في ضمان الله -عز وجل-؛ كما في الحديث: ((ثلاثة في ضمان الله -عز وجل-: رجلٌ خرج إلى مسجد من مساجد الله -عز وجل-، ورجلٌ خرج غازياً في سبيل الله تعالى، ورجل خرج حاجاً)).

ثم إنك منذ خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام فإن لك بكل وطأة تطأها راحلتك يكتب الله لك بها حسنة ويمحو عنك بها سيئة.

وأما تلبيتك فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه أو عن شماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا)).

وفي الحديث الآخر: ((ما أهلَّ مهلٌّ قط، ولا كبَّر مكبرٌ قط إلا بشِّر)) قيل: يا رسول الله بالجنة؟ قال: ((نعم)).

وأما طوافك واستلامك للحجر فقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مسح الركنين كفارة للخطايا، وقال: ((من طاف بهذا البيت أسبوعاً -أي: سبعة أشواط- فأحصاه كان كعتق رقبة))، وقال: ((لا يضع قدماً ولا يرفع أخرى إلا حطَّ الله عنه خطيئة، وكتب له بها حسنة)).

وأما صلاتك في المسجد الحرام فأفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه.

وأما وقوفك بعرفة فإن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول: ((هؤلاء عبادي جاؤوني شعثاً غبراً من كل فجٍ عميق؛ يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني، فكيف لو رأوني؟، فلو كان عليك مثل رمل عالج، أو مثل أيام الدنيا، أو مثل قطر السماء ذنوباً غسلها الله عنك)).

وأما رميك الجمار فإنه مذخور لك، وأما حلقك أرسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة، فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، وفي الحديث: ((اللهم اغفر للمحلقين))، قالها ثلاثاً.

الوصية السادسة: الحج فرصة للتغيير: فالحاج حينما يرى أخلاط الناس ويرى تفاوتهم في الأعمال والأخلاق والقوى والقدرات يستفيد مما يشاهده من المحاسن، وينأى بنفسه عن المدنسات والمساوئ، كما يكتشف ضعفه وعجزه وجوانب القصور عنده، ويجعل ذلك كله ميزاناً لترويض النفس على مكارم الأخلاق من الحلم والعفو والصبر والتحمل والكرم والجود والإيثار وألوان الإحسان، فالحج فرصة عظيمة للإحسان بأنواعه (بالعلم، والمال، والجهد بالبدن)، وهذا خير من أن يكون شغل الإنسان التندر بجهالات الناس أو ذمَّهم، أو مخاصمتَهم، أو التعالي عليهم، فعليك بالتذلل لله تعالى والتواضع للخلق.

وقف مطرف بن عبد الله بن الشخير وبكر المزني بعرفة، فقال أحدهما: "اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي"، وقال الآخر: "ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم".

ووقف الفضيل بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة، وقد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال: "واسوءتاه منك وإن عفوت".

وقال لشعيب بن حرب بالموسم: "إن كنت تظن أنه شهد الموقف شراً مني ومنك فبئس ما ظننت".

يقول ابن المبارك -رحمه الله-: "جئتُ إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟"، قال: "الذي يظن أن الله لا يغفر لهم".

ولما نظر الفضيل إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة، قال: "أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقاً -يعني سدس درهم- أكان يردُّهم؟"، قالوا: لا، قال: "والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق".

أخي الحاج: إن مما يعينك على التغيير تذكر جملة مما ورد عن نبيك -صلى الله عليه وسلم- في الأخلاق الفاضلة، ((إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً))، ((ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حُسن الخلق))، ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم))، ((إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)).

وحينما تتحرك في النفس مشاعر الغضب تذكر قول الله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [(134) سورة آل عمران].

خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [(199) سورة الأعراف].

وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [(43) سورة الشورى].

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأشج عبد القيس: ((إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة))، ولما قال له رجل: أوصني، قال: ((لا تغضب))، فردد مراراً، قال: ((لا تغضب)).

والحاج أحوج ما يكون إلى الرفق؛ لئلا يؤذي من معه، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العتق))، وقال: ((إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه))، وقال: ((من يُحرم الرفق يحرم الخير كله))، وقال: ((إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق))، وقال: ((إن الله إذا أحب أهل بيت أدخل عليهم العنف))، وقال: ((التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة))، وقال: ((يا أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع)) أي: الإسراع.

وكان -صلى الله عليه وسلم- يسير العَنَق -أي سيراً رفيقاً- فإذا وجد فجوة -أي مكاناً متسعاً غير مزدحم- نصَّ -أي أسرع-.

الوصية السابعة: هل تعلم إلى أين تتجه؟: إنك تتجه إلى حرم الله، إنها بقعة يؤاخذ الإنسان فيها على مجرد الهم بالإلحاد فيها، وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [(25) سورة الحـج].

وفي الحديث: ((إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة...))، وقال: ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة)).

فإياك والعدوان في أرض الحرم، سواءً كان ذلك بمضايقة الناس وأذيتهم، أو أخذ أموالهم، أو انتهاك حرمة المسجد الحرام بأي لونٍ كان.

الوصية الثامنة: إذا لحقك مشقة فتذكر أن أجرك على قدر مشقتك: كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، والمشقات وإن كانت لا تطلب قصداً لكن إذا وقعت احتسبها الإنسان، وكان زيادةً في أجره.

واعلم أن التنعم ليس مطلوباً في الحج، وإياك والطواف حول النفس، والبحث عن شهواتها، والرضا والغضب لذلك؟ وقد ثبت في الحديث: ((الحاج الشعث التفل..)).

الوصية التاسعة: الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة: وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه))، والفسق: وصف عام ينتظم أموراً كثيرة، كإطلاق النظر إلى ما حرم الله، وترك اللسان بلا زمام، فيتفوه بما لا يليق من غيبة ونميمة وكذب وسخرية وما إلى ذلك.

الوصية العاشرة: لا يخلو حال الإنسان بعد الحج من أن ينصرف مغفوراً له أو مردوداً: فإن كانت الأولى فلا يليق أن يسود صحيفته من جديد، وإن كانت الثانية فجديرٌ به أن يبكي على نفسه، وأن يتوب من سوء عمله الذي حال بينه وبين القبول.

لما أحرم الحسن بن علي واستوت به راحلته اصفرَّ لونه وارتعد، ولم يستطع أن يلبي، فقيل له: مالك؟ فقال: "أخشى أن يقول لي: لا لبيك ولا سعديك".

أسأل الله للجميع القبول والرحمة والمغفرة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about