(2) من قوله تعالى" إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا..." أية 8 إلى قوله تعالى" سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا..." الآية 15
عدد الزوار : 6964
تاريخ الإضافة : 30 ربيع الأول 1435
MP3 : 35253 kb
PDF : 6342 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الفتح من الآية (8) إلى الآية (15)

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وبعد.

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا *إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا سورة الفتح:8-10.

يقول تعالى لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا أي: على الخلق، وَمُبَشِّرًا أي: للمؤمنين، وَنَذِيرًا أي: للكافرين، وقد تقدم تفسيرها في سورة الأحزاب.

لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ قال ابن عباس -رضي الله عنهما- وغير واحد: تعظموه، وَتُوَقِّرُوهُ من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام، وَتُسَبِّحُوهُ أي: تسبحون الله، بُكْرَةً وَأَصِيلًا أي: أول النهار وآخره.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

 فقوله -تبارك وتعالى-: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا "شاهدا" هنا منصوبة على الحال المقدرة، أرسلناك على كونك شاهداً، ويقول ابن كثير -رحمه الله- هنا: أي: على الخلق، وبعضهم يقول: على أمتك كما قال الله -عز وجل-: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا سورة النساء:41 النبي -صلى الله عليه وسلم- يشهد على أمته، والذين قالوا بهذا -يعني أنه شاهد على أمته بتبليغ الرسالة إليهم- يحتجون بمثل هذا، فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وجعلوا ما بعده أيضًا لأمته -عليه الصلاة والسلام-، وَنَذِيرًا أي: لهم، لأمتك، أي: تبشرهم وتنذرهم، هنا قال: "شاهداً" على الخلق، "ومبشرًا ونذيرًا" مبشرًا للمؤمنين ونذيرًا للكافرين، يعني عموماً، والذين حملوا الأول على معنى أخص وهو الأمة حملوا ما بعده أيضا كذلك: مبشرًا لأمتك ومنذرًا لهم.

لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ هنا نقل عن ابن عباس معنى التعزير التعظيم وَتُوَقِّرُوهُ من التوقير وهو الاحترام والإعظام، وَتُسَبِّحُوهُ أي: تسبحون الله بُكْرَةً وَأَصِيلًا، الآن قوله -تبارك وتعالى-: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ هذه القراءة التي نقرأ بها، يعني لتؤمنوا كون ذلك الخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولأمته؛ لأنه داخل في الخطاب كما هو المقرر عند الأصوليين، هذا الأصل، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- داخل في الخطاب العام، ولكن على القراءة الأخرى قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالياء {ليؤمنوا بالله}، لاحظ {ليؤمنوا بالله ورسوله} وهذا كأنه قرينة أيضاً على أن ذلك لأمته -صلى الله عليه وسلم- {ليؤمنوا بالله} بخلاف قول من قال: إن ذلك على الخلق أجمعين، نعم النبي -صلى الله عليه وسلم- شاهد على أمته، وهذه الأمة تشهد على سائر الأمم، وهنا في قوله: وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا تعزروه وتوقروه وتسبحوه هذه الضمائر ترجع إلى أي شيء؟

لاحظوا الكلام عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فآخر ما ذكر هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتعزروه: الأصل أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، يعني النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتوقروه: النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتسبحوه: الله، بكرة وأصيلاً، إلى هذا ذهب طوائف من أهل العلم، وهذا يقتضي تفريق الضمائر، وهناك قاعدة معروفة هي: "أن توحيد مرجع الضمائر أولى من تفريقها"، فهذا الموضع يتنازعه قاعدتان، القاعدة الأولى: وهي عود الضمير إلى أقرب مذكور، وهو الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهذا يقتضي تفريق الضمائر، وهو مخالف لقاعدة أن توحيد مرجع الضمائر أولى من تفريقها، ومن هنا اختلفت أقوال أهل العلم في هذا الموضع، فالتعزير هنا فسره بالتعظيم، والتفخيم كما قال به الحسن -رحمه الله-، وكذلك الكلبي.

وفُسر بالنصر أيضاً، التعزير بمعنى النصر، تنصروه، كما يقوله ابن جرير -رحمه الله-، وهو قول قتادة قبله، وهو بمعنى كلام عكرمة أي: تقاتلوا معه بالسيف، هذا التعزير، النصر: تجاهدوا معه.

ويكون التوقير بمعنى التعظيم كما يقول ابن جرير، وهذا أقرب -والله تعالى أعلم-، يكون وَتُعَزِّرُوهُ بمعنى تنصروه، وَتُوَقِّرُوهُ أي: تعظموه، وما ذكره ابن كثير أنه من التوقير والاحترام والإجلال والإعظام هو بهذا المعنى، معنى التعظيم، فيكون كأنه من قبيل التكرار، لكن إذا فسر التعزير بمعنى النصر، والتوقير بالتعظيم فيكون ذلك من باب التأسيس وهو مقدم على التوكيد.

وهكذا قول من قال كالسدي: إن معنى وَتُوَقِّرُوهُ أي: تسوّدوه، فإن هذا يرجع إلى معنى التعظيم.

هنا الضمير الأول والثاني: لّتُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ هذان الضميران من أهل العلم من قال: يرجعان إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- باعتبار أنه أقرب مذكور، والضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وهذا الذي اختاره ابن جرير -رحمه الله-

 

الضمير الأول والثاني: لّتُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ هذان الضميران من أهل العلم من قال: يرجعان إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- باعتبار أنه أقرب مذكور، والضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وهذا الذي اختاره ابن جرير -رحمه الله-

 

، وعلى هذا يكون الوقف تامًّا عند قوله: "وتوقروه"، لّتُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ، ويقف، ثم يقول: وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، أي: الله، وهذا يقتضي كما سبق تفريق الضمائر، لكن يكون لقرينة وهي أن التسبيح إنما يستعمل في القرآن في حق الله تعالى مع أن معناه التنزيه، وهذا المعنى يصح في حق النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكنه في الاستعمال القرآني إنما يستعمل في حق الله -عز وجل-، فهذه تكون قرينة لحمله على غير ما يرجع إليه الضمير في الأول والثاني، وبعضهم يقول: كل الضمائر ترجع إلى الله، لّتُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ، أي: الله، "وتوقروه" يعني تعظموا الله، وهذا كله لا إشكال فيه من جهة المعنى، ولكن صار الضمير فيه يرجع إلى غير الأخير من المذكورات، ويكون "تسبحوه": تنزهوه من كل قبيح أو تصلّوا له، كما يقول ابن جرير، فالصلاة يقال لها: تسبيح.

فيكون عندنا قولان في مرجع الضمير، هو تفريق الضمائر، نفرق الضمائر، أو نوحد الضمائر.

لا يقال: إن ذلك جميعًا يرجع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، والقولان متقاربان، كل قول له وجه.

ولو قيل: أعملنا قاعدة توحيد مرجع الضمائر هنا لكان هذا مرجحًا، يعني لو قلت: كل هذه الضمائر ترجع إلى الله، لّتُؤْمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزّرُوهُ وَتُوَقّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فلا يكون الوقف عند قوله: "وتوقروه"، فنكون أعملنا هذه القاعدة، وتركنا القاعدة الأخرى أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور لقرينة، لكن لو قلنا: إن الأول والثاني يرجعان إلى الأقرب، والثالث يرجع إلى الأول نكون قد تركنا العمل بالقاعدتين، والله أعلم.

"وتسبحوه": قال: تسبحون الله -كما عرفنا-، بعضهم يقول: من التنزيه، وابن جرير يقول: تصلون له، وإن كان الأكثر في الاستعمال أن التسبيح يرد في القرآن للتنزيه، سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى سورة الأعلى:1، سَبَّحَ لِلَّهِ سورة الحشر:1، وما أشبه ذلك.

لكن ما القرينة التي حملت ابن جرير -رحمه الله- على القول بأنها الصلاة؟.

ذكر البكرة والأصيل، البكور والأصيل، كما في الغدو والعشي، ومضى الكلام في البكرة والأصيل، وقلنا: إن هذا الوقت: البكرة يكون من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وإن الأصيل يقال لما بعد العصر، وقد يقال لمعنى أخص، وذلك حينما تنكسر حدة الشمس ويذهب البياض، لا تكون بيضاء نقية، ولكن تميل إلى الصفرة، ومن أهل العلم من ذكر أن الأصيل يقال لما هو أوسع من هذا، يعني لما بعد الزوال، كل هذا أصيل، ولكن هذا خلاف المشهور، ولا شك أن الذكر يكون في البكور والعشي، تسبحوه بكرة وعشيًّا، فعلى القول الذي يكون محمل الأصيل فيه أوسع يكون ذلك يشمل صلاة الظهر والعصر، على تفسيره بالصلاة، والبكرة صلاة الفجر، وهذا يحتمل أن يكون هذا هو التسبيح المراد، ولكن الصلوات خمس، ولربما يقول صاحب هذا القول: إنما ذكرت هذا الصلوات؛ لأنها في طرفي النهار، لكنه لا شك أنه وقت للذكر، ولهذا فإن عامة أهل العلم حملوا ذلك على التسبيح الذي هو بمعنى التنزيه، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا سورة الأحزاب:42.

وإذا كان ذلك يرجع جميعًا إلى الله: تسبحوه، وتعزروه وتوقروه، يكون الخطاب للأمة ومعها النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما سبق على القراءتين: بالياء، والتاء.

ثم قال -عز وجل- لرسوله -صلى الله عليه وسلم- تشريفاً له وتعظيماً وتكريماً: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ كقوله -جل وعلا-: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ سورة النساء:80، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أي: هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ سورة التوبة:111.

قوله -تبارك وتعالى-: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ؛ لأن ذلك إنما هو بأمر الله -تبارك وتعالى-، فهم إنما يفعلون ذلك طاعة له، يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ هنا ابن كثير يقول:هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو المبايع بواسطة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فيه إثبات صفة اليد لله -عز وجل- على ما يليق بجلاله وعظمته، وأن هذه البيعة لله حينما يبايعون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأن الله -تبارك وتعالى- مؤيدهم ومقويهم وناصرهم، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ النكث بمعنى النقض، يعنى نقض بيعته، فإن ذلك يرجع إليه، فهو الذي يحصل له الضرر والنقص بسبب ذلك؛ لأنه لا يضر الله شيئًا، فالله غني عن خلقه.

وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً أي: ثواباً جزيلاً، وهذه البيعة هي بيعة الرضوان وكانت تحت شجرة سمر بالحديبية، وكان الصحابة -رضي الله عنهم- الذين بايعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذ قيل: ألفاً وثلاثمائة، وقيل: وأربعمائة، وقيل: وخمسمائة، والأوسط أصح.

نعم، ألف وأربعمائة، وهذا الذي عليه الجمهور، والروايات صحت في أنهم ألف وخمسمائة، وألف وثلاثمائة، وكذلك ألف وأربعمائة، ومثل هذا لا يستغرب؛ فإن التقديرات تختلف عادة فيما عايشه الناس ورأوه بأنفسهم، نحن فيما نشاهده يختلف الناس في تقدير هذه الأعداد.

وقوله -تبارك وتعالى-: وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ لاحظواأنها جاءت هنا بالضم "عليهُ"، ما قال: عليهِ، ما السبب؟

هذه لغة، يعني ليست حركة إعراب، وإنما حركة بناء، فهي إحدى اللغتين في الهاء، عليهِ، عليهُ، يعني في هذا الموضع وفي غيره.

روى البخاري عن جابر -رضي الله عنه- قال: "كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة"([1])، ورواه مسلم.

هذا عند مسلم والبخاري، ألف وأربعمائة، حديث جابر -رضي الله عنه-.

وأخرجاه أيضًا عن أبي جابر -رضي الله عنه- قال: "كنا يومئذ ألفاً وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى رووا كلهم"([2]).

كان في الحديبية بئر لا يكاد يكفي لواحد يحتاج إلى معالجة من أجل استخراج الماء منه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- وضع يده الشريفة وأصابعه -عليه الصلاة والسلام- فالماءُ شرب منه جميع من كان مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فكفاهم وما معهم من الدواب.

وهذا مختصر من سياق آخر حين ذكر قصة عطشهم يوم الحديبية، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعطاهم سهمًا من كنانته فوضعوه في بئر الحديبية، فجاشت بالماء حتى كفتهم، فقيل لجابر -رضي الله عنه-: كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا ألفا وأربعمائة ولو كنا مائة ألف لكفانا([3])، وفي رواية في الصحيحين عن جابر -رضي الله عنه- أنهم كانوا خمس عشرة مائة([4]).

لاحظ يعني ألفًا وخمسمائة فهذا مما يقع فيه التردد أو النسيان والذهول، وكذلك أحيانا يجبر الكسر قد يكون ألفًا وأربعمائة وكسر، فيجبر الكسر فيقال: ألف وخمسمائة.

وروى البخاري من حديث قتادة قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قلت فإن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال -رحمه الله-: وهم، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة([5])، قال البيهقي: هذه الرواية تدل على أنه كان في القديم يقول: خمس عشرة مائة، ثم ذكر الوهم فقال: أربع عشرة مائة([6]).

هذا كلام البيهقي أنه تذكر ثانية، لكن كلام سعيد بن المسيب: هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة، أن الأول هو الوهم هذا كلام ابن المسيب، والبيهقي يؤيده، فالبيهقي يقول بأنه عكس ذلك كذا، البيهقي يقول بالعكس، وهذا يحتمل أنه وهم، ويحتمل أنه جبر الكسر إن وُجد كسر، والله أعلم.

قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: ثم دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ليبعثه إلى مكة، ليبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشاً على نفسي وليس بمكة من بني عدي بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظي عليها، ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأتِ لحرب، وأنه إنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظمًا لحرمته، فخرج عثمان -رضي الله عنه- إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلّغ رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فانطلق عثمان -رضي الله عنه- حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أرسله به، فقالوا لعثمان -رضي الله عنه- حين فرغ من رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين أن عثمان -رضي الله عنه- قد قتل، قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: (لا نبرح حتى نناجز القوم)([7])، ودعا رسول الله الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الموت، وكان جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- يقول: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يبايعهم على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر، فبايع الناس ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة، فكان جابر -رضي الله عنه- يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته قد ضبأ إليها يستتر بها من الناس.

الله المستعان، هذا الوحيد الذي لم يدخل هذه البيعة، ولم يشمله هذا الفضل العظيم ومعروف أن أفضل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- هم الخلفاء الأربعة، ثم العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، فهذا المحروم لم يكن أهلا لهذه البيعة، وهنا يظهر سبب هذه البيعة وهو أنهم لما احتبسوا عثمان -رضي الله عنه- ثم أشيع أنه قد قتل، وأمّا ما بايعهم عليه النبي فقد صح في الروايات عن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أن بعضهم قال: بايعهم على الموت، وأن بعضهم قال: بايع على ألا يفروا، كل هذا ثابت، فيحتمل أن يكون شيء من ذلك مما فهمه بعضهم، فهم البيعة هكذا، أو يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- بايع بعضهم على الموت أو أن بعضهم قال ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- مبتدئاً له به، أي قال له: أبايعك على الموت، ليس فقط على ألا يفر، هذا كله مما يحتمل، فهؤلاء الذين بايعوا بعضهم ينقل أن بيعته كانت على الموت، والآخرون على أن ذلك كان على ألا يفروا، ويمكن أن تكون هذه البيعة فيها هذا وهذا، يعني أن بعضهم بويع بهذا، وبعضهم بويع بهذا، هذا يحتمل، أو أن ذلك من قِبل الفهم أي: أن بعضهم فهم هذا، والبعض الآخر فهم غيره، قال: ثم أتى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أن الذي كان من أمر عثمان -رضي الله عنه- باطل.

هنا أمران: انظر إلى حال قريش حينما جاءهم عثمان -رضي الله عنه-، وفرغ من رسالة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليهم قالوا: وإن شئت أن تطوف بالبيت فطف هذا مع شدة العداوة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهم كفار محاربون له، لكن هكذا كانوا يتعاملون مع رسوله وما كانت عليه العرب في جاهليتهم، وكذلك ما تعارف عليه الأمم جميعًا في التعامل مع الرسل في جميع الحالات في وقت الحرب وغيره، وانظر إلى أفعال بعض من ينتسب إلى الدين أو الجهاد ويفعل ما لا يفعله -نسأل الله العافية- كبار هؤلاء الكفار، وكذلك أيضا هنا بايعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وطلب منهم البيعة بناء على هذا الخبر وهو أن عثمان -رضي الله عنه- قد قتل، والنبي -صلى الله عليه وسلم- معهم ويوحى إليه ومع ذلك ذاعت هذه المقولة لمّا حُبس عثمان -رضي الله عنه- عن الرجوع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والرسل لا تحبس، وليس معنى حُبس أنه سجن، لا، وإنما لم يمكنوه من الرجوع مباشرة بعد أن بلغ رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإذا كان هذا حصل في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا الخبر انتشر وصدقه الكثيرون وأخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- البيعة على أصحابه بناء على صحة هذا الخبر بمعنى أنه إن صح فسيناجزهم، إذا كان هذا في ذلك الزمان الشريف ومعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم بهذه المثابة ففي وقتنا ينبغي أن يكون هذا دافعًا لمزيد من التحري وأن لا يصدق الإنسان ما يتناقله الكثيرون من الأخبار والمعلومات التي تذاع وتشاع، فإن شياطين الإنس والجن على حد سواء في مثل هذه الأوقات لا شك أنهم يرتعون في تضليل الناس، والإفساد، وإشاعة الفرقة والاختلاف، والوقيعة بين أهل الإيمان، إرجاف على قدم وساق في مثل هذه الأوقات، فالتحري والتثبت وأن ينظر في كلام الناس أنفسهم، وما يصدر عنهم، وما يقولونه، ثم بعد ذلك يحكم عليهم بمقتضاها، أما ما يتناقله عنهم خصومهم وأعداؤهم ونحو هذا فهذا لا يصح قبوله، نسأل الله العافية.

ثم أتى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- أن الذي كان من أمر عثمان -رضي الله عنه- باطل.

وروى الحافظ أبو بكر البيهقي عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: لما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان -رضي الله عنه- رسولَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل مكة، فبايع الناس، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم إن عثمان في حاجة الله تعالى وحاجة رسوله)، فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعثمان -رضي الله عنه- خيراً من أيديهم لأنفسهم([8]).

وروى البخاري عن نافع -رضي الله عنه- قال: إن الناس يتحدثون أن ابن عمر -رضي الله عنهما- أسلم قبل عمر وليس كذلك، ولكن عمر -رضي الله عنه- يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار، أن يأتي به، ليقاتل عليه ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبايع عند الشجرة، وعمر -رضي الله عنه- لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله -رضي الله عنه-، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر -رضي الله عنه-، وعمر -رضي الله عنه- يستلئم للقتال، فأخبره أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر -رضي الله عنهما-.

يعني كونه بايع قبل أبيه، ومعنى يستلئم للقتال يستعد ويلبس السلاح، لأمة الحرب.

ثم روى البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن الناس كانوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس محدقون بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال -يعني عمر -رضي الله عنه-: يا عبد الله، انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوجدهم يبايعون فبايع، ثم رجع إلى عمر -رضي الله عنه-، فخرج فبايع([9]).

وعن جابر -رضي الله عنه-، قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فبايعناه، وعمر -رضي الله عنه- آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وقال: بايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت([10]). رواه مسلم.

وروى مسلم عن معقل بن يسار -رضي الله عنه- قال: لقد رأيتُني يوم الشجرة والنبي -صلى الله عليه وسلم- يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر([11]).

وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت الشجرة. قال يزيد: قلت يا أبا سلمة على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت([12]).

لاحظ الآن هذه الرواية في البخاري على الموت من أحد المبايعين، وجابر -رضي الله عنه- حديثه مخرج في الصحيحين على ألا يفروا، مثل هذا قد يكون من قِبل الفهم، بايع على هذا، فهم أنه على الموت، أو أنه قال ذلك من قِبل نفسه، يعني أن بعضهم بايع النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- طلب من بعضهم أن تكون بيعته على الموت، وهذا أولى من أن ينسب الراوي إلى الوهم.

وروى البخاري عن سلمة -رضي الله عنه- قال: بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية، ثم تنحيت، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (يا سلمة ألا تبايع؟)، قلت: قد بايعت، قال -صلى الله عليه وسلم-: (أقبل فبايع)، فدنوت فبايعته، قلت: علام بايعته يا سلمة؟ قال: على الموت([13]).

لاحظ هذا تكررت منه البيعة للنبي -صلى الله عليه وسلم- بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم شجعان الصحابة، علام بايعته؟، على الموت، قد يكون وضع يده على يد النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: أبايعك على الموت، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- اكتفى من البعض أن يبايعهم على ألا يفروا.

وكذا روى البخاري عن عباد بن تميم أنهم بايعوه على الموت([14]).

وروى البيهقي عن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا تُرويها، فقعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على جَبَاها -يعني الركي-، فإما دعا وإما بصق فيها فجاشت فسَقيْنا واستقيْنا.

قال: ثم إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعا إلى البيعة في أصل الشجرة، فبايعتُه أول الناس، ثم بايع وبايع حتى إذا كان في وسط الناس قال -صلى الله عليه وسلم-: (بايعني يا سلمة)، قال: فقلت يا رسول الله: قد بايعتك في أول الناس، قال -صلى الله عليه وسلم-: (وأيضا)، قال: ورآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: عزلا فأعطاني حَجَفة أو دَرَقة.

عزلا يعني لا سلاح معه، والحَجَفة الترس الذي يكون من جلد أو خشب، جلد قاسٍ طبعاً يكون في صلابته كالحديد أو الخشب، أو دَرَقة بمعنى واحد، حَجَفة أو دَرَقة هما بمعنى واحد: ترس.

 ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال -صلى الله عليه وسلم-: (ألا تبايع يا سلمة؟)، قال: قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم، قال -صلى الله عليه وسلم-: (وأيضا) فبايعته الثالثة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يا سلمة أين حَجَفتك أو دَرَقتك التي أعطيتك؟)، قال: قلت: يا رسول الله لقيني عامر عزلا فأعطيتها إياه، فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: (إنك كالذي قال: اللهم ابغني حبيباً هو أحب إليّ من نفسي)...

يقصد بعامر عم سلمة الذي أصيب أين؟، في خيبر، القصة المعروفة لما أهوى بالسيف ليضرب به خصمه الكافر فأصاب السيف ساقه فمات -رضي الله عنه-، هنا لاحظ: سلمة تكررت منه البيعة مراراً، ويقول: بايع على الموت، فالوهم يبعد أن يتطرق إلى مثل هذا لاسيما مع تكرر ذلك من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، يعني أن القائل به غير واحد، يعني البخاري عن عباد بن تميم أنهم بايعوه على الموت، ولكن يبدو أن ذلك لم يكن للجميع.

 قال: ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح حتى مشى بعضنا في بعض فاصطلحنا، قال: وكنت خادما لطلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه- أسقي فرسه وأجنبه وآكل من طعامه.

وأجنبه: يعني هو عند مسلم "وأحُسُّه" يعني أحك ظهره، المحسة: يعني أزيل عنه الغبار ونحوه، يحكون ظهر الفرس ويأنس بهذا، وأجنبه هذه الرواية، كذلك الآخر رواية ثابتة عند مسلم لا إشكال.

 وتركت أهلي ومالي مهاجراً إلى الله ورسوله، فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها، ثم اضطجعت في أصلها -في ظلها-...

كسح شوكها يعني كنس ما تحتها من الشوك، أو قطع شوكها، كل ذلك يقال: كسح وكسحه، شجر العظاه هذا معروف في الحجاز، شجر له ظل لكنه كثير الشوك، وشوكه لربما يبلغ الخنصر بطوله، طويل وقوي، وله شعب يتساقط تحت الشجر، فمن أراد أن يستظل به يحتاج إلى تنظيف للمحل -للموضع- وهو في غاية الأذى، هذه الأشواك كبار قوية ذات شعب، يعني تجد الشوكة بهذا الشكل، والمكان مليء فيحتاج إلى تنظيف للمكان، لكن إزالة شوك الشجر هذا أمر متعذر؛ لكثرته لأن الشجر كله شوك، يزيل ماذا؟، يحتاج إلى أيام حتى يزيل هذا الشوك.

 فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأبغضتهم وتحولت إلى شجرة أخرى فعلقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادى منادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قتل ابن زُنيم، فاخترطت سيفي.

ابن زُنيم: ابن الجوزي يقول: ما نحفظ من الصحابة من يقال له: ابن زُنيم إلا شخصين الأول سارية بن زُنيم، والثاني أخوه أنس بن زُنيم، وهنا لم يبين.

 فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة، وهم رقود، فأخذت سلاحهم وجعلته ضغثا في يدي.

"ضغثًا" الضغث الحزمة وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا سورة ص:44 يعني حزمة، فجعل سلاحهم مضمومًا، ضم بعضه إلى بعض هكذا، جمع سلاحهم وضمه إلى بعض في يديه.

ثم قلت: والذي كرم وجه محمد -صلى الله عليه وسلم- لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه، قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: وجاء عمي عامر برجل من العَبَلات يقال له: مِكْرز من المشركين.

العبلات من قريش يقولون: هم أمية الأصغر وأخواه نوفل وعبد الله بن عبد شمس بن عبد مناف، العبلات نسبة إلى أم لهم، يعني هم من قريش نسبوا إلى أم لهم يقال لها: عبلة من بني تميم، هي ليست قرشية نسبوا إليها، العبلات.

ومِكْرز بن حفص بن الأخيف.

 حتى وقفنا بهم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سبعين من المشركين.

يعني الذين أرادوا الغدر وأخْذَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بغِرّة يبلغون في الروايات ثمانين رجلاً جاءوا من قبل جبل التنعيم فأُخذوا، في بعض الروايات أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا عليهم فأخذ الله أبصارهم فأُخذوا جميعًا، ثم من النبي -صلى الله عليه وسلم- عليهم فلم يقتلهم.

فنظر إليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: (دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثِناه)....

يعني يكون لهم بدء الفجور -أول الفجور- في صدهم عن البيت -يعني المشركين-، وثِناه يعني بهذا الغدر، يعني ما اكتفوا برد وصد النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن معه وهم محرمون ومعهم الهدي صدوهم عن المسجد الحرام، ثم بعد ذلك أيضًا يأتي هذا الغدر، ثِناه.

فعفا عنهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنزل الله -عز وجل-: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ سورة الفتح:24 الآية، وهكذا رواه مسلم([15])، نحوه أو قريبًا منه.

هذا سبب نزول صريح لهذه الآية: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ يكون المقصود به هذه المجموعة من المقاتلين الذي أرادوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- غِرّة فأُخذوا في الحديبية، ولا يقال: إن كف أيديهم إلخ حينما وقع الصلح مع المشركين في الحديبية فلم يحصل قتال، لا، هو فيما هو أخص من هذا، في هذه المجموعة، أن الله سلم رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه من أذاهم، وكذلك لما سلطه عليهم وتمكن منه لم يقتلهم؛ لأنه في الحديبية النبي -صلى الله عليه وسلم- ما ظفر بالمشركين، وهنا يقول: مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ فمن الذين ظفر بهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذه القضية في الحديبية ولا يقال: إن ذلك في فتح مكة لمّا عفا عنهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسبب النزول يوضح المراد، هي في هذه المجموعة الممثلة بثمانين.

وثبت في الصحيحين عن سعيد بن المسيب قال: "كان أبي ممن بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت الشجرة"، ....

لاحظ: الآن هذا أبوه المسيب بن حسن جاءوا في السنة التي بعدها وخفي عليهم المكان، أضلوه، المكان متشابه -الحديبية- كما ذكرت سابقاً وأنت ذاهب من جدة إلى مكة إذا وصلت عند الشميسي، تعرفون كبري الشميسي الذي فيه التفتيش على اليسار تحتاج أن تمشي ما يقرب ربما من سبعة عشر كيلو أو قريب من هذا إلى اليسار، فتصل إلى الحديبية وبعضها من الحرم وبعضها من الحل، الطريق القديم طريق جدة ومكة هنالك يمرون بها، فتلك الناحية فيها شجر، شجر العضاه، شجر شوك، ومتشابه، من عرف أرض الحجاز الأشجار التي في أرض الحجاز تلتبس عليه، لو أنه خرج من المكان ثم أراد أن يرجع إليه يلتبس عليه في أي موضع المكان الذي نزل فيه.

قال: فانطلقنا من قابل حاجّين فخفي علينا مكانها، فإن كان تبينت لكم فأنتم أعلم([16]).

يقول لنا: كيف عرفتم ونحن من السنة الثانية مباشرة ذهبنا ولم نتعرف على المكان؟، وهؤلاء في زمن التابعين.

وروى أبو بكر الحميدي عن جابر -رضي الله عنه- قال: لمّا دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الناس إلى البيعة وجدنا رجلا منا يقال له الجد بن قيس مختبئا تحت إبط بعيره([17])، رواه مسلم.

وقال الحميدي أيضا: حدثنا سفيان عن عمرو أنه سمع جابراً -رضي الله عنه- قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة، فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أنتم خير أهل الأرض اليوم))، قال جابر -رضي الله عنه-: لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة([18])، قال سفيان: إنهم اختلفوا في موضعها. أخرجاه.

وروى الإمام أحمد عن جابر -رضي الله عنه-، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة)([19]).

وروى عبد الله بن أحمد عن جابر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من يصعد الثَّنيَّة ثنيَّة المِرار فإنه يُحط عنه ما حُط عن بني إسرائيل)، فكان أولَ من صعد خيلُ بني الخزرج، ثم تبادر الناس بعدُ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر)، فقلنا: تعالَ يستغفرْ لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: والله لِأَنْ أجد ضالتي أحب إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم، فإذا هو رجل ينشد ضالة([20])، رواه مسلم عن عبيد الله، به.

هنا لاحظ في الأثر السابق في الصحيحين عن سعيد بن المسِّيب، وابن المسيَّب كل ذلك يقال فيه، ولا يصح عنه أنه قال: سيَّب الله من سيَّبني، قال: كان أبي ممن بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت الشجرة، قال: فانطلقنا من قابل حاجِّين، لاحظ الأثر أنه: فخفي علينا مكانها، فإن كان تبينت لكم فأنتم أعلم. هنا هذا مختصر، الرواية وردت بما هو أوفى من هذا، أن أناسًا اتخذوا مسجدًا عند هذه الشجرة، فسئلوا عن هذا فقالوا: هذه الشجرة التي بايع النبي -صلى الله عليه وسلم- تحتها، فسئل سعيد بن المسيب عن هذا، فقال: كان أبي ممن بايع إلخ، وفي زمن عمر قبل ذلك لمّا نزل منزلا في طريقه -طريق مكة- فصار الناس يذهبون يسرعون إلى شجرة يصلون تحتها، فهذا يدل على ماذا في ذلك الزمن؟، على تسارع الناس إلى مثل هذه الأشياء، فكأنها قضية مما تنجذب إليه النفوس انجذاباً قويًّا، كانوا في ذلك الزمان يتسارعون ليصلوا تحتها، فقطعها عمر -رضي الله عنه-، ثم في زمن التابعين يوجد من اتخذ مسجداً عندها، فماذا عسى أن يقال في زماننا هذا من سرعة الناس إلى مثل هذا؟، لكن في تلك الأوقات في زمن عمر -رضي الله عنه- كان هناك من يأخذ على أيدي الناس فيحصل بذلك استقامة الحال، وإلا لو ترك الناس لذاعت البدع وشاعت، وهذا الذي حصل في القرون التي بعدهم وهكذا في أمور كثيرة متنوعة كما في مثل هذه الواقعة حينما تلكأ أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبطئوا في التحلل وشق ذلك عليهم، وراجعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا، فهو يأمرهم بأن يحلقوا رءوسهم وأن يتحللوا، وهم يتمنعون ويتأخرون ويراجعونه مرة بعد مرة في هذا الأمر، هذا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم خيار أهل الأرض بشهادة النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث، ومع ذلك شق عليهم هذه المشقة العظيمة، فمع غير النبي -صلى الله عليه وسلم- كيف يكون الحال؟، فكيف إذا كان الناس ليس لهم رأس أصلا كما في زماننا هذا؟ وكل واحد منهم هو ابن جَلا وطَلّاع الثنايا حينما يكتب في هذه الوسائل، يكتب في حسابه في تويتر فتجد الاختلاف على أشده، نسأل الله العافية.

تمزق شديد واختلاف، ويكاد أن يكون لكل واحد رأي يباين به الآخرين، ثم يأتي من يأتي بالعجائب والغرائب ولا يردهم شيء، ولا يقفون عند شيء، حتى يكفر العلماء وطلبة العلم، ولا يبقي ولا يذر، ويكفر أهل الجهاد، وهو ذاهب في زعمه ليجاهد، ولكنه بعد ذلك يتحول إلى جهاد في سبيل الشيطان، نسأل الله العافية.

وقد حدثني أحد الرجال الذين بقوا في أفغانستان سبع عشرة سنة وتزوج أفغانية، سبع عشرة سنة منذ الجهاد الأول من بدايته، سبع عشرة سنة لم يرجع هنا، يقول: كنت أجادل واحداً من هؤلاء يعني في غلوه في التكفير فذكر له بعض الأمثلة، وكان مما ذكر له أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاتبه الله فقال: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ سورة التحريم:1 يعني هو تكلم على مسألة من وقع بشيء من الكفر -الكفريات- فإنه يكفر مباشرة، وكان يناقشه يقول له: النبي -صلى الله عليه وسلم- قال الله له: لِمَ تُحَرِّمُ قال: النبي -صلى الله عليه وسلم- كفر بهذا ولكنه لم يقر عليه، ولم يصر، فرجع وتاب، إذا وصل الأمر بهذا الجاف الجلف أن يقول ذلك في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- يا إخوان، وهذا رجل أنا أعرفه معرفة لا يُتهم، ولم يكن بحاجة، ولم يقل لي هذا الكلام في هذه الأيام في هذه الفتن، هذا الكلام سمعته منه قبل نحو خمس عشرة سنة حينما لم تكن هذه الأمور ظاهرة، وإنما كانت حالات شاذة، فكان يحكيها هناك، هو لا يتكلم اليوم، الكلام الذي سمعته قديم قبل ما تظهر هذه المشكلات الجديدة، وهؤلاء الزعانف الذين عم شرهم وبلاؤهم وضررهم، فصاروا يتقربون إلى الله بقتل أهل الإيمان، ويكفرونهم، ويكفرون صلحاء الأمة وخيارها، وهؤلاء ثِقوا ثقة تامة أنهم سيرجعون على أنفسهم بالتكفير، هم يكفرون أنفسهم، وقد آل الأمر ببعضهم في بعض النواحي إلى هذا، وذكرت لكم في بعض المناسبات في أرض اليمن جاءهم من بعض النواحي رجل في قرية فكان يأخذ النصوص التي لا يفقه معانيها وينزلها على من يقعون في المعاصي، ثم بعد ذلك حج هو وصاحبه ممن أغواهم، فصاحبه سأله قال: هذا الموسم هؤلاء الحجاج جميعًا ما في حاج غيري وغيرك فقط، نحن الذين أقمنا الموسم قال: نعم، هؤلاء كلهم كفار ولا حج لهم، فهذا ما استطاع أن يستوعب أن الحج ما قام إلا باثنين فقال: إذًا أنا معهم، إذا كان هؤلاء كلهم كفار والحج ما قام إلا بي وبك فأنا مع هؤلاء، فكان هذا سبباً لرجوعه لما حج معه، فتن وشرور، وكون الإنسان يحلق لحيته وينغمس في الشهوات ويزني ويشرب الخمر واللهِ أحبّ إليّ من أن ينغمس في هذه البلايا والشرور فيقتل أهل الإيمان ويكفرهم ويستحل دماءهم ويحكم عليهم بالردة، أهون بكثير أن يأتيك خبر إنسان أنه صار في حال من الفسق والمجون ويقارف الكبائر، فهذا أسهل من أن يقارف هذه العظائم التي قد يمرق معها من الدين كما يمرق السهم من الرمية، والمسألة ليست سهلة، ماذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخوارج؟ الخوارج أهل عبادة، وقيام ليل، وصيام نهار، وبين أعينهم مثل رُكب المَعِز من السجود، ومع ذلك كفّروا أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكانوا من أشجع الناس، وأصدق الناس، ولذلك حديث الخوارج العلماء يقبلونه، والبخاري أخرج لبعض من هؤلاء؛ لأنهم من أصدق الناس، واليوم ابتلينا بمن هم أكذب الناس، وأقل الناس عبادة، وأضعفهم أمانة، وأغدرهم بالعهد، كل هذا موجود للأسف ومع ذلك ينتسب للجهاد، ومع ذلك لا نعلم عمى بصائر كما في مثل هذه الحال التي نشاهدها، وما تبديه الأيام مع ذلك الإصرار على هذا الانحراف والضلال المبين، لا أعلم عمى في البصيرة مثل هذا، كما قال الله -عز وجل- عن أولئك الذين أعمى بصائرهم: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ سورة الأنعام:110، -نسأل الله العافية-، وقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ سورة الأنفال:24 فيبقى في أودية الهلكة -نسأل الله العافية-، لا يرجع عنها، فهذا أمر لا يجوز السكوت عنه ويجب التحذير منه، الإنسان يخاف على نفسه، ويتقي الله -عز وجل- ويتوب، ولا ينغمس في شيء من هذه الضلالات، والأهواء التي صارت الشياطين عن طريقها تتلاعب بالناس، -نسأل الله العافية-.

ولا يقولن قائل: إن الخوارج يكفرون فاعل الكبيرة وهؤلاء لا يكفرون فاعل الكبيرة، المسألة ليست مقررات نظرية، الخوارج الذين قاتلهم علي -رضي الله عنه- ما كانوا يقولون: نكفر فاعل الكبيرة، ما تبلورت هذه الأفكار إلا فيما بعد، كانت القضية كيف تحكّم الرجال؟ فلا حكم إلا لله، ما كانوا يقولون: نحن نكفر فاعل الكبيرة، فالذي يكفر من خالفه ولم يفعل كبيرة -بل هم خيار الناس-، كل من خالفه رماه بالردة ويعلق رءوسهم ويصور بجانبهم فرحان مستبشرًا ماذا يقال له؟! الذين يفكر بهذه الطريقة ويعمل هذه الأعمال لا يحتاج أن يقول: أنا أكفر بالكبيرة، الذين كانوا في زمن علي -رضي الله عنه- ما كانوا يقولون: نكفر بالكبيرة، كانوا يقولون: لا حكم إلا لله، نفس العبارة اليوم لا حكم إلا لله، وهؤلاء يحكّمون ماذا؟ لكن كانوا جهلة، واليوم جهلة، هات عالمًا واحدًا، لا يوجد، العلماء ضرب عليهم كلهم هؤلاء العلماء بين مرجئ، ومرتد، مرجئ يعني الآن صارت تزكية؛ لأن الرمي بالردة صار حنانيك يُرمى بالإرجاء أسهل من أن يرمى بالردة، لا يقبل من أحد، -نسأل الله العافية-، فهذا حال نسأل الله -عز وجل- أن يهدي الجميع، وأن يعيذنا وإياكم من ذلك، وأن يتوفانا ويقبضنا إليه غير مفتونين، الموت راحة للمؤمن ولا يُبتلى بشيء من هذا، -نسأل الله العافية-.

فينبغي الخوف والحذر، يخاف الإنسان على نفسه يتقي الله، ويعتبر وليست القضية بالمظهر، الخوارج الذين كانوا في زمن علي -رضي الله عنه- ومن بعدهم من الأزمان كانت لحاهم طويلة، وثيابهم إلى ما تحت ركبهم، وهذا لا يمنع من أن يكون الإنسان على صيام وقيام وذكر وعبادة لكن لا يجاوز تراقيهم -نسأل الله العافية-، هذه السيرة وهذه الأحاديث وهذه الوقائع في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي الأزمان التي بعدهم انظر إلى جرأة هذا الرجل، عند نفسه أنه شجاع آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم، اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، هذه قسمة ما أريد بها وجه الله([21])، عبارات تردد في وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- خير الخلق، فإذا قيل هذا في حق النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله مثل هؤلاء، فماذا عسى أن يقال في حق غيره؟ ماذا يمكن أن يقال في حق العلماء والهداة؟! ما شاء الله! شجاع، اعدل يا محمد فإنك لم تعدل، هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، العدل عنده هو، هو الذي يعدل، هو الذي يعرف الحق، وينزل ذلك في مواضعه، ومن أين تعلم هذا؟!.

الثَّنيَّة الطريق التي يكون فيها وعورة، طريق فيها جبل يصعب اجتيازه.

وعن أبي الزبير أنه سمع جابراً -رضي الله عنه- يقول: أخبرتني أم مُبشِّر أنها سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول عند حفصة -رضي الله عنها-: (لا يدخل النار -إن شاء الله تعالى- من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحدٌ)، قالت: بلى يا رسول الله، فانتهرها، فقالت حفصة -رضي الله عنها-: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا سورة مريم:71، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: قد قال الله تعالى: ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا سورة مريم:72([22])، رواه مسلم.

أم مُبشِّر هذه هي أمرأة زيد بن حارثة -رضي الله عنه.

وفيه أيضا عن جابر -رضي الله عنه- قال: إن عبدًا لحاطب بن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله، ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كذبت، لا يدخلها فإنه قد شهد بدرًا والحديبية)([23])، ولهذا قال تعالى في الثناء عليهم: إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، كما قال -عز وجل- في الآية الأخرى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا سورة الفتح:18.

هو هذا المشهور من الروايات أنهم ألف وأربعمائة.

سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا * وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا سورة الفتح:11-14

يقول تعالى مخبرًا رسوله -صلوات الله وسلامه عليه- بما يعتذر به المخلفون من الأعراب الذين اختاروا المقام في أهليهم وشغلهم وتركوا المسير مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فاعتذروا بشغلهم لذلك، وسألوا أن يستغفر لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد بل على وجه التقية والمصانعة، ولهذا قال تعالى: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا أي: لا يقدر أحد أن يرد ما أراده الله فيكم -تعالى وتقدس-، وهو العليم بسرائركم وضمائركم وإن صانعتمونا ونافقتمونا، ولهذا قال تعالى: بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.

هنا في قوله -تبارك وتعالى-: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ تركوا المسير مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أين؟، إلى الحديبية، هذا هو المشهور، والسياق كله في هذه الحادثة في قصة الحديبية، وهذا قال به جماعة من السلف كمجاهد وغيره

 

قوله -تبارك وتعالى-: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ تركوا المسير مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أين؟، إلى الحديبية، هذا هو المشهور، والسياق كله في هذه الحادثة في قصة الحديبية، وهذا قال به جماعة من السلف كمجاهد وغيره

 

، هؤلاء الأعراب سماهم بعض السلف قالوا: غفار وجهينة وأسلم وأشجع والدؤل، ينسب إليه الدؤلي، هؤلاء من الأعراب الذين كانوا حول المدينة، وبعضهم يقول: هذا كان عام الفتح، ولكن هذا بعيد؛ فالسياق في الحديبية، كأن الذين قالوا: إنه عام الفتح نظروا إلى أن الحديبية إنما ذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها للنسك، ذهب للعمرة، ولكن حملُه على ما يدل عليه السياق أولى، وكذلك ما بعده فإنه مرتبط به، فإن ما سيأتي بعده في كون هؤلاء يقولون: ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ سورة الفتح:15 في مسيرهم إلى خيبر وكان هذا قبل فتح مكة، ومُنعوا من الذهاب إلى خيبر، وقولهم: شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا يعني بماذا اشتغلوا؟، بإصلاحها والقيام عليها، شغلهم ذلك عن الخروج مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فَاسْتَغْفِرْ لَنَا هذا الكلام لا يدل على إيمان أو أنهم شعروا بالتقصير، وإنما يقولون ذلك نفاقاً بدليل: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فهذا يشمل الدعوى الكاذبة شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا أنه لم يكن ثمّةَ ما يمنعهم من الخروج مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما كانت هذه أعذارًا كاذبة، وكذلك أيضاً في طلبهم من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يستغفر لهم فإن ذلك ليس عن إيمان وخوف من الله -تبارك وتعالى-: قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا هكذا في هذه القراءة التي نقرأ بها بالفتح، فهو مصدر بهذا الاعتبار، وفي القراءة الأخرى المتواترة قراءة حمزة والكسائي بالضم "ضُرًّا" وهذا باعتبار أنه اسم لما يضر، يقال له: ضُر، والضَّر يكون بهذا الاعتبار مصدرًا، وبعضهم يقول: هما لغتان، الضَّر والضُّر بمعنى واحد.

ثم قال تعالى: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا أي: لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاصٍ بل تخلف نفاق بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا أي: اعتقدتم أنهم يُقتلون وتُستأصل شأفتهم، وتُستباد خضراؤهم ولا يرجع منهم مخبر وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا أي: هلكى، قاله ابن عباس -رضي الله عنهما- ومجاهد وغير واحد، وقال قتادة: فاسدين، وقيل: هي بلغة عمان.

هنا يقول: هذه أعذار كاذبة لا حقيقة لها، وإنما حقيقة الأمر بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا يعني ظنوا أنهم يُستأصلون في مخرجهم هذا، وهكذا حكم الله -عز وجل- قال: وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ فهذا الظن السيئ كما قال الله -تبارك وتعالى-: الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ سورة الفتح:6 فالدائرة: المكروه يرجع إليهم ويقع بهم، ما يتخوفونه ينزل بهم، وأما الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإن الله يكلؤه ويحوطه ويرعاه وينصره ويؤيده ومن معه من أهل الإيمان، وهكذا من ظن أن أهل الإيمان يحصل لهم الاستئصال، وأنهم لن يرجعوا إلى أهليهم أبداً، وما إلى ذلك فتخلى عن إيمانه أو عن مبادئه أو عن دعوته ومالأ أهل الباطل والشر والمنكر والفساد والنفاق فإن ذلك إنما يرجع ضرره عليه هو، وأما أهل الإيمان فهم من رفعة إلى رفعة، ومن تمكين إلى تمكين، وإن عمي ذلك على أصحاب البصائر الخفاشية

خفافيشُ أعماها النهارُ بضوئهِ *** ووافقها قِطعٌ من الليلِ مظلمُ

فهذه الآية فيها عبرة للمؤمن، وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا يعني: هلكى، وأهل اللغة يقولون: يقول بعضهم كصاحب الصحاح: البور هو الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه، ولهذا يقال: أرض بور، يعني لا نبات فيها، لا شيء فيها، ويقال ذلك لمن لا خير فيه، ومن ثم قيل ذلك للهالك؛ لأن من هلك لم يُبقِ شيئاً، يعني أن هلاكه ذهب بكل ملذاته وشهواته وما يحترز له.

ثم قال تعالى: وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي: من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر، ثم بين تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السموات والأرض يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا أي لمن تاب إليه وأناب وخضع لديه.

قال تعالى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا سورة الفتح:15.

يقول تعالى مخبراً عن الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الحديبية، إذ ذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- إلى خيبر يفتتحونها: أنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم ومصابرتهم، فأمر الله تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن لا يأذن لهم في ذلك معاقبة لهم من جنس ذنبهم، فإن الله تعالى قد وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم، لا يشاركهم فيها غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعاً ولا قدرًا؛ ولهذا قال تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قال مجاهد وقتادة وجويبر: وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية، واختاره ابن جرير.

وهكذا السياق كله في هذا كما سبق، وأن ذلك في خيبر هي التي حصلت فيها مغانم كثيرة، ابن جرير -رحمه الله- يحتج في هذا -كما سيأتي في الآيات بعدها- بأن أول غنيمة كبيرة حصلت بعد الحديبية كانت في خيبر غنمها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحصَلت لهم أموالٌ كثيرة منها.

قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أي: وعد الله أهل الحديبية قبل سؤالكم الخروج معهم، فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا أي: أن نشرككم في المغانم، بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي: ليس الأمر كما زعموا ولكن لا فهم لهم.

هم يفهمون أن هذه قضايا نفسية من قبيل الحسد والأثرة، والأمر أن الله حكم بذلك، فأهل الإيمان يتقيدون به، لكن لما كان هؤلاء لا فقه لهم نظروا إلى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما ينظرون به لأنفسهم من الأثرة عندهم والحسد الموجود في نفوسهم، فظنوا أن الناس من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- على شاكلتهم بَلْ تَحْسُدُونَنَا.



[1]- رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ الفتح:18، برقم (4840)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة، برقم (1856).

[2]- رواه البخاري، كتاب الأشربة، باب شرب البركة والماء المبارك، برقم (5639).

[3]- رواه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم (3576).

[4]- رواه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم (3576)، وبرقم (4152)، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، ومسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة، برقم (1856).

[5]- رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، برقم (4153).

[6]-  انظر: دلائل النبوة للبيهقي (4/97).

[7]- انظر: سيرة ابن هشام (2/315)، والسيرة النبوية لابن كثير (3/319).

[8]- رواه أبو داود، كتاب الجهاد، باب فيمن جاء بعد الغنيمةِ لاسَهْمَ له، برقم (2726)، والترمذي، أبواب المناقب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب في مناقب عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وله كنيتان، يقال: أبو عمرو، وأبو عبد الله، برقم (3702)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي، برقم (765).

[9]- رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، برقم (4187).

[10]- رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة، برقم (1856).

[11]- رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة، برقم (1858).

[12]- رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب البيعة في الحرب أن لا يفروا، وقال بعضهم: على الموت، برقم (2960)، وبرقم (4169)، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الحديبية، ومسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة، برقم (1860).

[13]- رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب البيعة في الحرب أن لا يفروا، وقال بعضهم: على الموت، برقم (2960).

[14]- رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب البيعة في الحرب أن لا يفروا، وقال بعضهم: على الموت، برقم (2959)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة، برقم (1861).

[15]- رواه مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد وغيرها، برقم (1807).

[16]- رواه مسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة، برقم (1859).

[17]- رواه الحميدي في مسنده، برقم (1314)، وأبو يعلى في مسنده، برقم (1908)، وقال محققه حسين سليم أسد: "رجاله رجال الصحيح".

[18]- رواه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، برقم (4154)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة، برقم (1856)، والحميدي في مسنده، برقم (1314).

[19]- رواه أبو داود، كتاب السنة، باب في الخلفاء، برقم (4653)، والترمذي، أبواب المناقب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب في فضل من بايع تحت الشجرة، برقم (3860)، وأحمد في المسند، برقم (14778)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط مسلم"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (7680).

[20]- رواه مسلم، في أوائل كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، برقم (2780).

[21]- رواه البخاري، كتاب الأدب، باب الصبر على الأذى، برقم (6100)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، برقم (1062).

[22]- رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان -رضي الله عنهم-، برقم (2496).

[23]- رواه مسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، باب من فضائل أهل بدر -رضي الله عنهم- وقصة حاطب بن أبي بلتعة، برقم (2495).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about