سورة الإخلاص كاملة
عدد الزوار : 6248
تاريخ الإضافة : 19 محرّم 1435
MP3 : 19491 kb
PDF : 294 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الإخلاص كاملة

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، أما بعد:

فاللهم اغفر لنا، ولشيخنا، ولوالدينا، وللحاضرين، وللمستمعين، تفسير سورة الإخلاص وهي مكية، روى الإمام أحمد عن أبيّ بن كعب أن المشركين قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: يا محمد انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ الإخلاص:1-4([1])،وكذا رواه الترمذي، وابن جرير، زاد ابن جرير والترمذي: "الصمد الذي لم يلد ولم يولد؛ لأنه ليس شيء سيولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيُورَث، وإن الله -عز وجل- لا يموت، ولا يُورَث، "ولم يكن له كفوًا أحد" ولم يكن له شبيه، ولا عِدل، وليس كمثله شيء"([2])، ورواه ابن أبي حاتم، والترمذي، فذكره مرسلاً، ثم قال الترمذي: وهذا أصح.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه السورة سورة الإخلاص، ويقال: سورة قل هو الله أحد، ويقال أيضاً: سورة التوحيد، وسورة الصمد، وبعضهم سماها بسورة الأساس، بمعنى أنها تتحدث عن الأساس، وهو التوحيد، فهذه السورة هذا الاسم المشهور لها -سورة الإخلاص- هو تسمية لها بمضمونها، يعني أنه لم يرد فيها لفظ يذكر فيه الإخلاص

 

سورة الإخلاص، ويقال: سورة قل هو الله أحد، ويقال أيضاً: سورة التوحيد، وسورة الصمد، وبعضهم سماها بسورة الأساس، بمعنى أنها تتحدث عن الأساس، وهو التوحيد، فهذه السورة هذا الاسم المشهور لها -سورة الإخلاص- هو تسمية لها بمضمونها، يعني أنه لم يرد فيها لفظ يذكر فيه الإخلاص

 

، هذه اللفظة ما ذكرت، كثير من سورة القرآن قد تسمى بأولها مثل قد سمع، وهذه يقال أيضاً: قل هو الله أحد، وقد تسمى بلفظة وردت فيها، وهذه السورة بهذا الاسم الإخلاص سميت بمضمونها، وهي تتحدث عن توحيد الله -تبارك وتعالى-، الذي هو توحيد المعرفة، التوحيد العلمي الخبري، فهي في صفة المعبود -جل جلاله-، والسورة التي قبلها وهي سورة الكافرون تتحدث عن النوع الآخر من أنواع التوحيد، وهو التوحيد العملي، توحيد القصد والإرادة، فهاتان السورتان بمجموعهما يتحدثان عن التوحيد من جانبيه -بنوعيه-، يقول: وهي مكية، هذا ليس محل اتفاق، لكن القول بأنها مكية هو قول الجمهور، وهو مروي عن ابن مسعود، ورواية عن ابن عباس -رضي الله عنهم-، وبه قال جماعة من السلف، كالحسن، وعطاء، وعكرمة، وجابر، لكن القول بأنها مدنية هو رواية عن ابن عباس، وبه قال أيضاً قتادة، والضحاك، والسدي، وأبو العالية، والقرظي محمد بن كعب، والذين قالوا بأنها مكية باعتبار الرواية هنا في سبب النزول أنها من سؤال المشركين، إذًا السورة مكية، هذا غير الاعتبارات الأخرى التي ينظرون إليها من كون ترتيب السور في الروايات الواردة في نزولها في سردها هذه نزلت بعد هذه، وهذه نزلت قبل هذه، ونحو ذلك، أو بين السورتين، لكن الروايات الواردة في ترتيب نزول سور القرآن لا يصح منها شيء، أن هذه نزلت أولاً ثم هذه، ثم هذه، ثم هذه، وهكذا إلى آخر القرآن، فهم حينما يقولون: هذه مكية أو مدنية ينظرون إلى أمور متعددة: منها سبب النزول، ومنها هذه الروايات في ترتيب السور، ومنها أشياء راجعة إلى معانٍ تضمنتها الآيات كما سبق.

والذين قالوا بأنها مدنية باعتبار أنه ورد في بعض الروايات في أسباب النزول أنها نزلت بسبب سؤال اليهود، سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يصف ربه، فهذه لو صحت لأمكن أن يقال بأن السورة نزلت مرتين مرة بمكة، من سؤال المشركين، ومرة بالمدينة، ولا إشكال في تكرر النزول، لكن هذا لابدّ فيه من صحة هذه الروايات، لكن حينما لا تصح الرواية من كونها من سؤال اليهود فتبقى الراوية الثابتة أنها من سؤال المشركين: انسب لنا ربك.

روى البخاري عن عمرة بنت عبد الرحمن، وكانت في حجر عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-، عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعث رجلاً على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟)، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أخبروه أن الله تعالى يحبه)([3])، هكذا رواه في كتاب التوحيد، وقد رواه مسلم، والنسائي أيضاً.

روى البخاري في كتاب الصلاة عن أنس -رضي الله عنه- قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله أحد، حتى يفرغ منها، ثم كان يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبروه الخبر، فقال: (يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟، وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟)، قال: إني أحبها، قال: (حبك إياها أدخلك الجنة)([4])، هكذا رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به.

لاحظوا الآن الحديث الأول: كان الرجل الأمير على هذه السرية، والسُّنة أن الأمراء على السرايا هم الذين يصلون بالناس، ولو كانوا الأقل قراءة، فكان يصلي بهم ويقرأ لهم الفاتحة وسورة ويختم بقل هو الله أحد في كل قراءة.

والثاني: هذا يؤمهم في قباء وكان يفتتح القراءة بعد الفاتحة بسورة قل هو أحد، ثم يقرأ سورة أخرى، يعني عكس الأول، فهنا هاتان حادثتان واقعتان، هذا يفتتح، وهذا يختتم القراءة، النبي -صلى الله عليه وسلم- أقرهما فصارت سنة تقريرية، والله -تبارك وتعالى- أمر أن يُقرأ ما تيسر، فمن قرأ بسورة واحدة بعد الفاتحة أجزأه، ولو أنه اقتصر على الفاتحة صحت صلاته في الفريضة، وفي النافلة، ولو أنه قرأ سورتين في الركعة غير الفاتحة فإن ذلك أيضاً لا إشكال فيه، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كما هو معلوم- قرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة([5])، وذلك في صلاة الليل، وما صح في النافلة صح في الفريضة، هذا هو الأصل.

فالمقصود أن هذا لا إشكال فيه أن يقرأ بسورتين، لكن الكلام في المواظبة على قراءة سورة قل هو الله أحد في مفتتح القراءة، أو في ختمها، أن يواظب على هذا، فهذا محل إشكال، وذلك أنه لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومن ثَمّ فإن الملازمة على هذا هو فعل شيء لم يشّرعه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته، الملازمة، يقرأ سورة معينة يفتتح بها أو يختتم بها -التكرار- فهذا محل الإشكال، ولهذا سألوا النبي  -صلى الله عليه وسلم- عن فعله فأقره النبي -صلى الله عليه وسلم- فصارت سنة تقريرية، لكن يرد السؤال وهو أنه قبل إقرار النبي -صلى الله عليه وسلم- كيف ساغ له ذلك؟ الأول والثاني، كيف ساغ له هذا؟ فيقال: وقع ذلك في زمن التشريع ودلت نصوص الشريعة المتواترة الكثيرة على أنه لا يُعبد الله -عز وجل- إلا بما شرع، قال: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رَد)([6])، والبدع إما محدثة منشأة من أصلها، فهذه البدع الأصلية، وإما أن تكون بصفتها أو من جهة متعلقها، بمعنى أصل العمل مشروع، ولكنه جعله في زمان أو مكان أو حال قيده بما لم يقيده به الشارع، مثل هنا فهذه في الأصل تسمى: "البدعة الإضافية" هي في أصلها مشروعة لكن من جهة التقييد تكون من قبيل البدعة، لكن هذا ليس ببدعة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقره، والسنة إما أن تكون قولية أو فعلية أو تقريرية فهذا من قبيل السنة التقريرية، بل يمكن أن يعد من قبيل السنة القولية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبره أن الله أحبه، يعني ليس ذلك بالسكوت عنه حينما علم النبي -صلى الله عليه وسلم- فحسب، بل أخبر أن الله أحبه لكونه يحب هذه السورة، وكان يقرؤها بهذه الطريقة ويلازمها هذه الملازمة، كيف ساغ له هذا قبل أن يقره النبي -صلى الله عليه وسلم-؟، كيف قام بهذا الفعل؟ يقال: فعله اجتهادًا منه، لم يبلغه من النصوص ما يجعله يتوقف عند الحد الذي بينه النبي -صلى الله عليه وسلم-، كل ذلك وارد، لكن حينما أقره النبي -صلى الله عليه وسلم- صار ذلك مشروعًا وعليه فليس لأحد أن يقيد ما لم يقيده الشارع أو أن يحدث من نفسه عبادة قولية أو فعلية لم ترد عن الشارع يلتزمها فيكون واقعًا في البدع، زمن التشريع وقعت مثل هذه الأمور أشياء أنكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل: الرجل الذي نذر أن يصوم، ولا يستظل، ويقف في الشمس، فأقره النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصيام، ولكنه أمره أن يجلس ويستظل([7])، فهناك أشياء أنكرها -صلى الله عليه وسلم- من كون الإنسان يحرم على نفسه الطيبات تعبدًا وتقربًا إلى الله -تبارك وتعالى-، وهناك أشياء أقرها: الرجل الذي قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقال: "ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يبتدرونها أيهم يكتبها أول)([8])، أقره النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا، فهذا يكون من قبيل السنة، لكن ذلك أسهل مما نحن فيه، يعني كون الإنسان يقرأ سورة يفتتح أو يختتم ويلازم هذا، ويقرأ في الصلاة الجهرية مثلاً، أو أن يقول ذكراً من الأذكار في الصلاة على قول طائفة من أهل العلم: إن ذلك ليس على سبيل اللزوم والوجوب، يعني أن يتقيد بما ورد فيما يقال بعد الرفع من الركوع، أو ما يقال بين السجدتين أو نحو ذلك، فبعض أهل العلم يقولون: لا يجب أن يقول ما ورد أن يلتزم به، هذا قول معروف لبعض أهل العلم، أنا لا أقول: إن هذا هو الذي يقال، وإن هذا هو المشروع، أنا أقول: هذا قول معروف لبعض أهل العلم، فله مساغ عند هؤلاء، لكن التزام سورة معينة يفتتح بها ويختتم بها دائماً هنا وجهه واضح، فهذا يحتاج إلى دليل، فيقال: هذا وقع في زمن التشريع، فأقره النبي -صلى الله عليه وسلم-، كيف ساغ له قبل أن يقره؟ نقول: اجتهد الرجل وتصرف هذا التصرف وظن أن هذا لا إشكال فيه، فجاء التقرير، واجتهد آخرون والنبي -صلى الله عليه وسلم- رد اجتهادهم، وبين أن هذا لا يُشرع، فليس لأحد بعد ذلك أن يأتي بشيء من عند نفسه ويجتهد، ثم بعد ذلك يتعبد لربه -تبارك وتعالى- بما لم يشرعه الله، فيكون واقعاً في البدعة، وما يدريه أن الشارع يقره على هذا؟، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال قولاً فصلاً: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَد)، والله يقول: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ الشورى:21، والنصوص في هذا الباب كثيرة.

فليس لأحد أن يحتج بهذا الموضع على البدع؛ لأن أهل البدع يدندنون حول هذه الأمور المشتبهات؛ لتسويغ الابتداع، ويفتحون الباب على مصراعيه، فيتعبدون لله -تبارك وتعالى- بعبادات لم يشرعها، ويقولون: هذا فعل كذا، وهذا قال كذا، والشاطبي -رحمه الله- في الاعتصام تكلم على هذه القضايا بكلام كثير وطويل، وفصّل، وهو كتاب جدير بالعناية.

روى البخاري عن أبي سعيد: أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ قل هو الله أحد يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالّها.

يعني كأنه يرى أنها قليلة، كيف يقتصر على هذه السورة ليلة كاملة يرددها؟.

فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن)([9])، ورواه أبو داود والنسائي.

روى البخاري عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: (أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟)، فشق ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟، فقال: (الله الواحد الصمد ثلث القرآن)، تفرد بإخراجه البخاري.

سورة قل هو الأحد الأحاديث كثيرة في كونها تعدل ثلث القرآن، هذا أمر ثابت لا مطعن فيه، ولكن يبقى السؤال في بيان وجه كونها تعدل ثلث القرآن، ما وجه ذلك؟ فهنا لو أن أحدًا قرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات، وآخر قرأ ختمة كاملة هل هما سواء؟ ابن عبد البر -رحمه الله- ذكر أن مثل هذا لا يُتعرض له، بمعنى أن الحديث جاء في بيان فضلها، وتفاصيل هذه الأمور ليس عندنا فيها من الله برهان، والمقصود بيان فضل هذه السورة وشرف هذه السورة، وإلا فالإشكال الذي يذكره العلماء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن كل حرف بعشر، ثم هل المقصود حرف التهجي -حروف المباني- التي تركب منها الكلمات؟ أو المقصود حروف المعاني أو الألفاظ؟ زيد هذه حرف، عمر حرف، ذهب حرف، يقول حرف، ومن هنا شيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما نطق بحروف التهجي إنما نطق بأسمائها، فجاء بثلاثة أحرف تهجٍّ في اسم الحرف الواحد، الحرف الأول ألف هذه ثلاثة أحرف، فقال: نطق باسم الحرف، هذه كلمة، فيقول: إن المقصود بالحرف هو الكلمة، يقول: فرقٌ بين النطق بأسماء الحروف وبين النطق بالحرف الذي هو حرف التهجي نفسه، ونقل كلام الخليل أنه قال لأصحابه: كيف تنطقون هذا الحرف -يعني الزاي-؟ قالوا نقول: زاي، قال: هذا ثلاثة أحرف، وإنما يقال: زَهْ، والهاء للسكت، يعني يُنطق بالحرف بمفرده إذا أردت حرف التهجي، وإذا أردت الاسم تقول: زاي، ثلاثة أحرف، فشيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: لا يعهد في لغة العرب التي كان ينطق بها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولغة المخاطبين إطلاق الحرف على حرف التهجي، وإنما يقال للكلمة، فعند شيخ الإسلام -رحمه الله- أن المراد بالحرف هو اللفظة المفردة، كما يقال الحرف أحيانًا للجملة، وأحيانًا يقال للخطبة بكاملها: كلمة

*** وكِلْمةٌ بها كلامٌ قد يُؤم([10])

ويقال: ألقى كلمة، فشيخ الإسلام يقول: اللفظة المفردة هي الحرف، وليس المقصود حرف التهجي، مع أن كثيراً من أهل العلم يقولون: المقصود حروف التهجي، فهنا إذا كان كل حرف -سواء كان الحرف المقصود به اللفظ أو حرف التهجي- بعشر (لا أقول ألف لام ميم حرف)([11])، فهذا قرأ القرآن كاملاً، وهذا قرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات، قل هو الله أحد كم حرفًا؟ فلا نسبة بين حروفها -سواء قلنا: حروف التهجي أو الألفاظ- وبين حروف القرآن، لا نسبة بينهما، فهذا قرأ كثيرًا وهذا قرأ قليلًا، فتعدل ثلث القرآن هذا وجه السؤال والإشكال، شيخ الإسلام -رحمه الله- أجاب بجواب مختصر واضح، وهو أن الحرف بعشر لكن من الحسنات ما هو كبار، ومنها ما هو صغار، فقل هو الله أحد من ذوات الحسنات الكبار، فعلى قلة حروفها إلا أن الحسنات كبار، ومن هنا نظر إلى أن المسألة تتعلق بالثواب، ولكن هذا ليس محل اتفاق، إذ إن من أهل العلم من نظر إلى أن ذلك يرجع إلى المعاني، فقسموا الموضوعات التي يدور عليها القرآن إلى أقسام ثلاثة كقول بعضهم: الأحكام، والقصص والأخبار، والقسم الثالث العقائد، قالوا: هذه السورة تتحدث عن هذا القسم، مع أنه يرد على هذا إشكال؛ لأن الآيات والسور التي تتحدث عن العقيدة ليست فقط هذه السورة، فالتي قبلها سورة الكافرون هي تتحدث أيضاً عن هذا، فلماذا الأحكام جعلت في قسم على كثرتها، والقصص والأخبار على كثرتها في قسم، والعقائد كأنها بهذه السورة فقط صارت تعدل ثلث القرآن كأنه لم يرد إلا هي؟، فيرد عليه إشكال.

وبعض أهل العلم يقولون: إن ذلك في فضلها وثوابها، ولكن لا يعني ذلك أنها بمثابتها من كل وجه، ومثلوا لهذا بأمثلة: قول بعض الأذكار كأنما أعتق رقبة، أو أربع أنفس، أو نحو ذلك، فلو كان عليه كفارة عتق رقبة هل يقول هذا ويكفيه؟، الجواب: لا.   

عند من يُحسّن الحديث: يصلي الصبح ثم يجلس يذكر الله -عز وجل-، ثم يصلي ركعتين، إذا ارتفعت الشمس تعدل حجة وعمرة تامتين تامتين، عند من صحح الحديث، هذا هل يقول: إن ذلك يجزئه عن حجة الإسلام؟ هل يجزئه عن العمرة -لأن الراجح أن العمرة واجبة في العمر مرة-؟، قطعاً لا، طيب هل هو مثل ذاك الذي سافر وتعنّى وأنفق أمواله ومشى وتنقل في المشاعر وحج أو اعتمر؟، لا، فرقٌ بين أن يكون له أجر عمرة، وبين أن يكون له نفقات ومشي وخطوات، فهذا الذي قرأ القرآن قضى وقتًا طويلاً في هذه العبادة وتحرك بها لسانه، وحصل له من النفع من الاعتبار والتذكر، والتفكر، والخشوع، والرقة، أمور كثيرة تحصل لقارئ القرآن لم تحصل لهذا الذي اقتصر على قل هو الله أحد فقرأها ثلاث مرات في دقيقة واحدة، وهذا إذا كان يقرأ قراءة سريعة لربما يحتاج إلى ما لا يقل عن ست ساعات القراءة المتواصلة السريعة جدًّا، الذي يقرأ ختمة كاملة سريعة، ففرق بين هذا وهذا، ابن عاشور -رحمه الله- ذكر بعض التوجيهات في هذا المعنى، انظر على سبيل المثال يعني حتى من قرأ القرآن كاملاً من غير أن يقرأ سورة قل هو الله أحد -هي تعدل ثلث القرآن- الأقوال في هذا كثيرة لكن هو يرى أنها ترجع إلى أربعة:

الأول: أنها تعدل ثلث القرآن في ثواب القراءة، يعني إذا قرئ بدونها، حتى لو كررها القارئ ثلاث مرات كان له ثواب من قرأ القرآن كله.  

الثاني: أنها تعدل ثلث القرآن إذا قرأها من لا يحسن غيرها من سور القرآن، وهذا لا دليل عليه.

الثالث: أنها تعدل ثلث معاني القرآن باعتبار أجناس المعاني؛ لأن معاني القرآن أحكام وأخبار وتوحيد، وهذا فيه الإشكال الذي أوردته، يقول ابن عاشور: "إن ذلك كان قبل نزول آيات مثلها مثل: آية الكرسي، أو لأنه لا توجد سورة واحدة جامعة لما في سورة الإخلاص"([12])، كأنه يحاول أن يجيب عن هذا الإيراد والإشكال الذي أوردته.

الرابع: أنها تعدل ثلث القرآن في الثواب، مثل التوجيه الأول، ولكن لا يكون تكريرها ثلاث مرات بمنزلة قراءة ختمة كاملة، ونقل كلامًا لابن رشد، قال: "أجمع العلماء على أن من قرأ قل هو الله أحد ثلاث مرات لا يساوي في الأجر من أحيا القرآن كله"([13])، لكن هذا لا يصح إجماعًا، دعوى الإجماع هنا غير صحيحة، يقول: "فيكون هذا التأويل قيدًا للتأويل الأول"، هذا إجماع غير صحيح، يقول ابن رشد: "واختلافهم في تأويل الحديث لا يرتفع بشيء منه عن الحديث الإشكال، ولا يتخلص عن أن يكون فيه اعتراض، وقال أبو عمر ابن عبد البر: "السكوت على هذه المسألة أفضل من الكلام فيها"([14])، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- بين منزلتها وشرفها لكن ليس هذا يعني أن الإنسان يبقى يقرأ هذه السورة يرددها ثلاث مرات، ويقول: لا داعِيَ أن أقرأ القرآن، أنا سأترك قراءة القرآن والحمد لله، لا في رمضان ولا في غير رمضان، يكفيني أن أردد سورة قل هو الله أحد دقيقة واحدة ثلاث مرات، ولا أحتاج أن أقرأ ختمة، وأضع لي حزبًا يوميًّا من القرآن، نقول: هذا الكلام غير صحيح، هذا الذي يذهب إلى مسجد قباء ويصلي فيه ويقول: ما في داعٍ أن أذهب للعمرة لا في رمضان ولا غير رمضان، الحمد لله، نقول: هذا لبيان شرف هذا المسجد، ومنزلته، والصلاة فيه، ولكن الذهاب إلى العمرة فيه أمور أخرى لا تتحقق بمجرد الذهاب إلى مسجد قباء، هذه عبادة، وهذه عبادة.

روى الإمام مالك بن أنس عن عبيد بن حنين قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فسمع رجلاً يقرأ: قل هو الله أحد، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وجبتْ)، قلت: وما جبت؟، قال: (الجنة)([15])، ورواه الترمذي، والنسائي من حديث مالك، وقال الترمذي: "حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث مالك"، وتقدم حديث: (حُبُّك إياها أدخلك الجنة).

يعني قد يكون وجبت لحبه إياها مثلاً، النبي -صلى الله عليه وسلم- علم أنه يحبها مثلاً، أو لكون من قال ذلك فقد حقق التوحيد فوجبت له الجنة، فشهد النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا الرجل؛ لأنه قرأها خالصًا من قلبه، فمن حقق التوحيد وجبت له الجنة، لكن ليس ذلك يعني أن كل من قرأ سورة قل هو الله أحد وجبت له الجنة، فإنه قد لا يكون مخلصًا في هذه القراءة، قد توجد موانع، أو تنتفي شروط.

روى عبد الله ابن الإمام أحمد عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه قال: أًصابنا طَشٌّ، وظلمةٌ، فانتظرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصلي بنا، فخرج فأخذ بيدي فقال: (قل)، فسكتُّ، قال: (قل)، قلت: ما أقول؟ قال: (قل هو الله أحد، والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثًا تَكْفِك كل يوم مرتين)([16])، ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وقال الترمذي: "حسن صحيح غريب"، وقد رواه النسائي من طريق أخرى ولفظه: ((تَكْفِك كل شيء))([17]).   

قوله: (تَكْفِك كل يوم) هكذا الحديث، ولكن هذه الزيادة "مرتين" في مسند الإمام أحمد في بعض النسخ، أو في نسخة من نسخ المسند، وقد ذكر أهل العلم أن هذه اللفظة مقحمة؛ لأن هنا يرد إشكال مع هذه اللفظة، هنا يقول له: (قل هو الله أحد، والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثًا)، يعني يقرأ ذلك مرتين في اليوم في الصباح وفي المساء في كلٍّ ثلاث مرات كما نفعل بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة المغرب

 

هذه الزيادة "مرتين" في مسند الإمام أحمد في بعض النسخ، أو في نسخة من نسخ المسند، وقد ذكر أهل العلم أن هذه اللفظة مقحمة؛ لأن هنا يرد إشكال مع هذه اللفظة، هنا يقول له: (قل هو الله أحد، والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثًا)، يعني يقرأ ذلك مرتين في اليوم في الصباح وفي المساء في كلٍّ ثلاث مرات كما نفعل بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة المغرب

 

، قال: (تَكْفِك كل يوم)، يعني أنك إذا فعلت ذلك كل يوم كفتك، لكن "مرتين" هذا يكون مُشكلاً،ما معنى تكفك كل يوم مرتين؟ أو أن المقصود تكفك كل يوم مرتين تقرؤها في أول النهار وفي آخر النهار؟ لكن يكون تكرارًا والروايات (تكفك كل شيء) هذه التي في السنن وغيرها وعليها رواية الإمام أحمد والنسخ الأخرى غير هذه النسخة التي فيها هذه الزيادة.

والمقصود أن مثل هذا كما سيأتي في الكلام على سورتي الفلق والناس قال: (تَكْفِك كل شيء) يعني من المخاوف، مما تحاذره من شرور الإنس، ومن شرور الجن، ومن غيرهما من الهوام، والدواب، والسباع، وما إلى ذلك مما يحاذره الإنسان، ويتخوفه، (تَكْفِك كل شيء)، وروي في قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (كفتاه)([18])، يحتمل كفتاه عن سائر الأذكار أو كفتاه مما يتخوفه، كفتاه من الشرور، مما يحاذره من شياطين الإنس والجن وما إلى ذلك، هناك يحتمل، لكن هنا (تَكْفِك كل شيء) يعني مما تتخوفه وتتوقاه.  

في الدعاء بما تضمنته من الأسماء روى النسائي عند تفسيرها عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أنه دخل مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسجد فإذا رجل يصلي يدعو، يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد ألا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، قال: (والذي نفسي بيده، لقد سأله باسمه الأعظم الذي إذا سُئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب)([19])، وقد أخرجه بقية أصحاب السنن، وقال الترمذي: حسن غريب.

هذا الحديث الثابت صحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذا الرجل يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد ألا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سأل الله باسمه الأعظم، ما هو الاسم الأعظم؟ والأحاديث الأخرى الصحيحة الواردة في الاسم الأعظم الجامع المشترك فيها جميعاً الذي أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الاسم الأعظم في ثلاث سور مثلاً، أو قال في شيء سمعه إنه سأل الله باسمه الأعظم، الاسم المشترك في هذه الأحاديث جميعًا هو لفظ الجلالة، وهنا يقول: اللهم.

وقال جمع من أهل العلم: إن الاسم الأعظم هو الله، يلي ذلك في القوة الحي القيوم؛ لأنه موجود في سورة البقرة، وفي سورة آل عمران، وفي سورة طه، وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ طه:111، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ آل عمران:2.

 القول الثالث: أنه الواحد الأحد؛ لأن هنا في هذا الحديث الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، فالأحد الصمد هذا ثالثها، فلو أن الإنسان إذا دعا قال: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الحي القيوم أو قال: يا الله يا حي يا قيوم يا أحد يا صمد يكون قد جاء بها جميعاً، يحرص الإنسان على جمع هذه في دعائه، ولو أنه قال مثل هذه الصيغة التي شهد النبي -صلى الله عليه وسلم- لقائلها بأنه جاء بالاسم الأعظم.

في الاستشفاء بهن روى البخاري عن عائشة: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما، وقرأ فيهما: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات"([20])، وهكذا رواه أهل السنن.

هنا قال: للاستشفاء، الذي يظهر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما كان يفعل ذلك للاستشفاء، يعني فرقٌ بين الأذكار التي يقولها الإنسان عند النوم، مثلا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أوى إلى فراشه، فهذا من أذكار النوم، فكأن ذلك يقال من باب التعوذ، يعوذ نفسه بذلك، فهذا من قبيل الأذكار، فيمسح على جسده، ولكن الذي فيه الاستشفاء حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- الآخر لما مرض النبي -صلى الله عليه وسلم- فكانت تقرأ وتنفث عليه، وتمسح بيده -صلى الله عليه وسلم-([21])، فهذا يكون للاستشفاء؛ لأن المسح على نوعين -والعلم عند الله -تبارك وتعالى-: الأول يكون من باب الرقية التداوي، فيكون من باب الاستشفاء يقرأ على المريض أو يقرأ الإنسان على نفسه ويمسح على موضع العلة، موضع الألم، أو يقول ما ورد مثلاً: "اللهم رب الناس، أذْهِب الباس، اشف أنت الشافي، لا شفاءَ إلا شفاؤُك، شفاءً لا يغادر سقماً"([22])، أو يقول مثلاً: "أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك"([23])، ونحو هذا.

فإذا وضع يده على موضع الداء -موضع العلة-، أو يكون يرقيه بشيء من القرآن ووضع يده على موضع العلة فهذا لا إشكال فيه، يكون من باب الاستشفاء لكن ما نقوله عند النوم هل نقول ذلك من باب الاستشفاء أو من باب الأذكار والتعوذ؟ هو من باب الأذكار والتعوذ، يعوذ نفسه، هو ليس بمريض، ولا يفعل هذا بنية الرقية، وفرق بين القراءة بنية الرقية، والقراءة بنية الذكر، أو التعبد، هذه ثلاثة مواضع.

يقول ابن القيم -رحمه الله-: "فسورة قل هو الله أحد متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته"([24]).

هذا موضوع السورة توحيد المعرفة والإثبات.

"متضمنة لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرب تعالى من الأحدية المنافية لمطلق المشاركة بوجه من الوجوه، والصمدية المثبتة له جميع صفات الكمال، التي لا يلحقها نقص بوجه من الوجوه، ونفي الولد، والوالد الذي هو من لوازم الصمدية، وغناه وأحديته ونفي الكفء المتضمن لنفي التشبيه والتمثيل والتنظير، فتضمنت هذه السورة كل كمال له، ونفي كل نقص عنه، ونفي إثبات شبيه، أو مثل له في كماله، ونفي مطلق الشريك عنه، وهذه الأصول هي مجاميع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك، ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن، فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء، والإنشاء ثلاث: أمر، ونهي، وإباحة، والخبر نوعان: خبر عن الخالق تعالى وأسمائه، وصفاته، وأحكامه، وخبر عن خلقه، فأخلصت سورة قل هو الله أحد الخبر عنه وعن أسمائه وصفاته، فعدلت ثلث القرآن، وخلّصت قارئها المؤمن بها من الشرك العلمي كما خلصت سورة قل يا أيها الكافرون من الشرك العملي الإيرادي القصدي، ولما كان العلم قبل العمل -وهو إمامه وقائده وسائقه والحاكم عليه، ومنزله منازله- كانت سورة قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن"([25]).

ابن القيم يذهب بها إلى جهة المعاني لا الثواب، ولا يمنع هذا أن يكون المراد توجيه ذلك من جهة المعنى وأنها تعدل في الثواب ثلث القرآن.

وقال: "والأحاديث في ذلك تكاد تبلغ مجمع التواتر، وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن، والحديث بذلك في الترمذي من رواية ابن عباس -رضي الله عنهما- يرفعه: (إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن)([26])، رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح الإسناد.

ولما كان الشرك العملي الإيرادي أغلب على النفوس؛ لأجل متابعتها هواها، وكثير منها ترتكبه مع علمها بمضرته وبطلانه؛ لما لها فيه من نيل الأغراض، وإزالتُه وقلعه منها أصعب وأشد من قلع الشرك العلمي وإزالته؛ لأن هذا يزول بالعلم والحُجة، ولا يمكن صاحبُه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه، بخلاف شرك الإرادة والقصد"([27]).

يعني يقصد أن توحيد المعرفة والإثبات أن تبين له ذلك بالحجة والبرهان، تقول له: من صفات الله كذا وكذا، وثبت من أسمائه كذا وثبت من أفعاله كذا وينتهي الإشكال، لكن توحيد القصد والإرادة الذي هو توحيد الإلهية هنا تتعلق به أهواء فقد يُشرب الإنسان في قلبه محبة معبود يتوجه إليه ويعبده، وقد يكون له في الباطل شهرة ومعيشة، ويكون هذا هو السادن للقبر، قد يكون هذا الإنسان هو المقدم عند قومه، هو القائد، هو الذي يأخذ الأموال، والهبات، والنذور لهذه المعبودات، فإذا تلاشى ذلك، وكان من الباطل فسيبقى هذا الإنسان في مؤخرة الركب تتلاشى عنه هذه الأموال، وتتلاشى عنه هذه الرياسة، والشهرة، فتوحيد الإرادة والقصد توحيد الإلهية للنفس من الأهواء ما ليس لها في غيره من أنواع التوحيد. 

وقال: "بخلاف شرك الإرادة والقصد فإن صاحبه يرتكب ما يدله العلم على بطلانه، وضرره لأجل غلبة هواه واستيلاء سلطان الشهوة والغضب على نفسه، فجاء من التأكيد والتكرار في سورة قل يا أيها الكافرون المتضمنة لإزالة الشرك العملي ما لم يجيء مثله في سورة قل هو الله أحد، ولما كان القرآن شطرين شطرًا في الدنيا وأحكامها ومتعلقاتها، والأمور الواقعة فيها من أعمال المكلفين وغيرها، وشطرًا في الآخرة وما يقع فيها، وكانت سورة إذا زلزلت قد أُخلصت من أولها وآخرها لهذا الشطر، فلم يُذكر فيها إلا الآخرة، وما يكون فيها من أحوال الأرض وسكانها كانت تعدل نصف القرآن"([28]).

لا يصح كون سورة إذا زلزلت تعدل نصف القرآن.



[1]- رواه أحمد في المسند، برقم (21219)، وقال محققوه: "إسناده ضعيف لضعف أبي سعد محمد بن ميسر وأبي جعفر الرازي -وهو عيسى بن ماهان-، أبو العالية: هو رفيع بن مهران"، وحسنه الألباني دون زيادة الترمذي كما في ضعيف الترمذي، برقم (666-3603).

[2]- رواه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ومن سورة الإخلاص، برقم (3364)، والحاكم في المستدرك، برقم (3987)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الألباني: "حسن دون قوله:        "والصمد الذي..."، في ضعيف الترمذي، برقم (666 - 3603).

[3]- رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته إلى توحيد الله -تبارك وتعالى-، برقم (7375)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة قل هو الله أحد، برقم (813).

[4]- ذكره البخاري في صحيحه تعليقاً مجزومًا به، صحيح البخاري (1/ 155)، كتاب الأذان، باب الجمع بين السورتين في الركعة، وأخرجه الترمذي، أبواب فضائل القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في سورة الإخلاص، برقم (2901)، وابن خزيمة في صحيحه، برقم (537)، والحاكم في المستدرك، برقم (878)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وقد احتج البخاري أيضا مستشهدا بعبد العزيز بن محمد في مواضع من الكتاب".

[5]- رواه مسلم، عن حذيفة -رضي الله عنه-، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم (772).

[6]- رواه مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، برقم (1718).

[7]- رواه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب النذر فيما لا يملك وفي معصية، برقم (6704).

[8]- رواه البخاري، كتاب الأذان، باب فضل اللهم ربنا لك الحمد، برقم (799)، ومسلم بلفظ: ((لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها، أيهم يرفعها))، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل قول الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا، برقم (600).

[9]- رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، برقم (33)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، برقم (59).

[10]- البيت من ألفية ابن مالك -رحمه الله-، وصدر البيت: واحدُه كَلِمةٌ والقولُ عَمّ.

[11]- رواه الترمذي، أبواب فضائل القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء فيمن قرأ حرفا من القرآن ماله من الأجر، برقم (2910)، والحاكم في المستدرك، برقم (2040)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (6469).

[12]- التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور (30/ 621).

[13]- المصدر السابق.

[14]- المصدر السابق.

[15]- رواه الترمذي، أبواب فضائل القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في سورة الإخلاص، برقم (2897)، والنسائي، كتاب الافتتاح، باب الفضل في قراءة قل هو الله أحد، برقم (994)، وأحمد في المسند، برقم (8011)، وقال محققوه: "إسناده صحيح".

[16]- رواه أحمد في المسند، برقم (22664)، وقال محققوه: "إسناده حسن".

[17]- رواه النسائي، في أول كتاب الاستعاذة، برقم (5428).

[18]- رواه البخاري، عن أبي مسعود -رضي الله عنه-، كتاب فضائل القرآن، باب فضل سورة البقرة، برقم (5009)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل الفاتحة، وخواتيم سورة البقرة، والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة، برقم (807).

[19]- رواه أبو داود، باب تفريع أبواب الوتر، باب الدعاء، برقم (1493)، وابن ماجه، أبواب الدعاء، باب اسم الله الأعظم، برقم (3857)، والنسائي في الكبرى، برقم (11652)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم (1341).

[20]- رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب فضل المعوذات، برقم (5017).

[21]- رواه البخاري، كتاب الطب، باب الرقى بالقرآن والمعوذات، برقم (5735)، ومسلم، كتاب السلام، باب رقية المريض بالمعوذات والنفث، برقم (2192).

[22]- رواه البخاري، كتاب المرضى، باب دعاء العائد للمريض، برقم (5675)، وبرقم (5742)، كتاب الطب، باب رقية النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومسلم، كتاب السلام، باب استحباب رقية المريض، برقم (2191).

[23]- رواه أبو داود، كتاب الجنائز، باب الدعاء للمريض عند العيادة، برقم (3106)، والترمذي، في أبواب الطب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (2083)، وأحمد في المسند، برقم (2137)، وقال محققوه: "حديث صحيح"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5766).

[24]- زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم (1/306).

[25]- المصدر السابق.

[26]- رواه الترمذي، أبواب فضائل القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في إذا زلزلت، برقم (2894)، والحاكم في المستدرك، برقم (2078)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم (531).

[27]- زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم (1/306-307).

[28]- المصدر السابق (1/ 307).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about