استعرض النسخة الجديدة من الموقع
مجلسان في الفرق بيننا وبين جيل الصحابة
عدد الزوار : 12729
تاريخ الإضافة : 2 جمادى الأول 1429
MP3 : 1104 kb
PDF : 57 kb

فضيلة الشيخ/ خالد بن عثمان السبت
 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإذا أردنا أن نعرف الفرق بيننا وبين جيل الصحابة -رضي الله عنهم-، الذين فتحوا القلوب قبل البلاد، ونشر الله -عز وجل- على أيديهم هذا الخير وهذا الدين حتى انتشر انتشار الشمس، ووصل إلينا، فنحن ننعم ببعض ذلك الجهد الذي بذلوه -رضي الله عنهم وأرضاهم-.
وإذا أردنا أن نعرف الفرق بيننا وبينهم، وأن نعرف السر والسبب في ضعف نتائج أعمالنا، وما لأعمالهم من النتائج الباهرة، والنجاح الكبير الذي حققوه في فترة وجيزة في سنوات قليلة، فتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وبشرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بسواري كسرى، ولبسه أعرابي منهم، وما ماتوا حتى رأوا -رضي الله عنهم وأرضاهم- شموس الإسلام تشع على أرجاء المعمورة، ونحن نبقى أزمنة متطاولة، ويبقى عملنا محدوداً، وجهودنا قليلة ومحدودة.
إن كان ذلك في الجهاد في سبيل الله فقد كان جهادهم نطحة أو نطحتان ثم تفتح البلاد الشاسعة في غضون أيام، واليوم يبقى المسلمون يكابدون عشرات السنين -كما هو الحال في فلسطين على سبيل المثال- وهم لا يزالون يتراجعون إلى الوراء، فهو جهد طويل، ونفوس تزهق، وكرامة تهدر، وأموال تبذل من غير تحقيق للنتائج الملموسة التي كان الصحابة -رضي الله عنهم- في تلك الفترة يحققونها في أيام، ونحن لا نحققها في عشرات السنين، فما هو السبب؟
سر قوة الصحابة -رضي الله عنهم-:
أقول: السبب هو أن حالهم في الاستجابة لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- تختلف عن حالنا واستجابتنا، والله تعالى يقول: يا أيُّها الّذِين آمنُواْ اسْتجِيبُواْ لِلّهِ ولِلرّسُولِ إِذا دعاكُم لِما يُحْيِيكُمْ
[الأنفال: 24] إذا دعاكم لما يحييكم في كل شيء.
وهذه الآيات التي قرأت في الصلاة اشتملت على معاني عظيمة لو سئل عنها بعض من سمعها ماذا قرأ الإمام؟ فربما لا يدري ما قُرِئ، ومن درى فربما لا يفهم معنى ذلك، ومن فهم ربما لا يتحرك قلبه، ولو سألت كثيراً من المصلين حينما يخرج من المسجد، ما هي المعاني التي خرجت بها من هذه الآيات التي سمعتها لربما سألك ما هي الآيات التي قُرِأتْ أصلاً؟! وبهذا كانت صلاتنا لا تنهانا عن الفحشاء والمنكر، ولا تأمرنا بكل معروف.
بعض أحوال الصحابة مع القرآن:
ماذا كان يفعل الصحابة -رضي الله عنهم- حينما كانوا يسمعون الآيات؟
الله -عز وجل- يقول: لن تنالُواْ الْبِرّ حتّى تُنفِقُواْ مِمّا تُحِبُّون
[آل عمران: 92] سمعها أبو طلحة -رضي الله عنه- فجاء مباشرة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إن أحب أموالي بيروحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((بخٍ بخٍ، ذاك مال رابح))(1) وكانت من أفضل الأموال، وفيها بئر عذبة شديدة العذوبة، وهي مقابل المسجد في موقع قريب جداً، وكانت من أطيب وأفضل بساتين المدينة مع قربها، فأشار عليه -صلى الله عليه وسلم- أن يجعلها في الأقربين.
وعمر -رضي الله عنه- لما سمع هذه الآية ماذا فعل؟ قال: بت أتفكر في أفضل مالي، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن أفضل ما أملك هو سهمي في خيبر -مزرعة في خيبر-، وإنها صدقة لله ورسوله، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أرى أن تحبس الأصل وأن تسبل الثمرة، فالحاصل أن هؤلاء هكذا كانوا يتأثرون .
وعبد الله بن عمر -رضي الله عنه- كان عنده جارية رومية شديدة الجمال، يحبها محبة شديدة، يقال لها: مرجانة، فلما سمع هذه الآية وجد أن هذه الجارية هي أفضل شيء عنده فأعتقها لله، ويقول: لو كنت راجعاً في شيء مما جعلته لله لتزوجتها، فزوجها مولاه نافع
(2) ولا يريد أن يرجعها بطريقة أخرى، وكان الرجل منهم إذا تصدق بصدقة لا ترجع إليه ولو بطريق من الطرق المعتبرة، فلو وجد الفرس الذي تصدق به يباع في السوق كره شراءه، فلا ترجع إليهم صدقاتهم ولو بالشراء.
وعمر -رضي الله عنه- كان قد اشترى جارية جميلة من السبي الذي بيع في جلولاء -كما أوصى بذلك أبا موسى الأشعري رضي الله عنه-، فنظر إليها فقال: اذهبي فأنت حرة لن تنالُواْ الْبِرّ حتّى تُنفِقُواْ مِمّا تُحِبُّون
[آل عمران: 92].
فإذا أردنا أن نعرف الفرق والنتائج وسبب التفاوت في النتائج فلنعرض أنفسنا على القرآن، ولننظر إلى حال أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- مع القرآن وحالنا معه، فمن منا الذي يقول: أفضل أموالي هي الأرض الفلانية، التي هي في موقع كذا وشارع كذا، وقيمتها كذا وكذا من المال، وهي صدقة لله -عز وجل-؟ من منا يقول: أفضل مالي هو الأرض الفلانية أجعلها مسجداً لله -عز وجل-؟ من الذي يقول: أفضل سياراتي هي السيارة الفلانية وهي صدقة لله؟ خذوها يا توعية الجاليات، من منا يقوك ذلك؟ وأنا أبدأ بنفسي أولاً، والمشكلة عندنا تحتاج إلى معالجة، وأول طريق إلى العلاج هو أن يبصر الإنسان تقصيره وعيوبه؛ لأن الذي لا يدرك تقصيره وعيوبه لا يعالج، والإنسان الذي يقول: لا يوجد فيّ شيءٌ، وأنا ما قصرت، وليس عندي مشكلة هذا لا يمكن أن يتغير، فأول شيء يحتاجه الإنسان أن يبصر ويعرف أنه مقصر، وإذا عرف أنه مقصر فقد وضع قدمه على أول الطريق، فإذا استمر وصل -بإذن الله تبارك وتعالى-، لكن الغفلة تغلف قلوبنا، ومن ثم نعمى عن كثير من عيوبنا فلا نتقدم كثيراً.
فنسأل الله -عز وجل- أن يصلح قلوبنا وأعمالنا، ونياتنا وذرياتنا، وأن يغفر لموتانا، وأن يشفي مرضانا، وأن يعافي مبتلانا، وأن يجعل آخرتنا خير من دنينا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
والحديث له بقية يسيرة -إن شاء الله-.

______________________

1-  متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب الزكاة باب: الزكاة على الأقارب (2/530) رقم (1392)، ومسلم في كتاب الزكاة باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد (2/693) رقم (998).
2- أخرجه الحاكم في المستدرك (3/647)، لكن اسم الجارية في المستدرك: رضية، وليست مرجانة فإن كان في كتاب آخر، فالله أعلم.
 


 

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about