وقفات مع قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم)
عدد الزوار : 9814
تاريخ الإضافة : 30 ذو القعدة 1424
MP3 : 19088 kb
PDF : 282 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

وقفات مع قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم)

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على خير رسول، محمد صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً.

أيها الإخوة: حري بالمؤمن الصادق الذي يخاف على إيمانه، ويخاف أن يختطف منه هذا الإيمان، وأن يتحول بعده إلى الشك أو النفاق، حري به أن يتضاعف خوفه في هذا الزمان، وذلك لما تعانيه الأمة من هجمة ضخمة في كل المجالات؛ هجمة عسكرية، وهجمة إعلامية، وهجمة بالشبهات التي يرددها أعداء الله -عز وجل-، ومن كان ردءًا لهم من بني جلدتنا ممن يتكلمون بألسنتنا، ممن يلبسون مسوح الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب.

أيها الإخوة: لقد صرنا إلى حال أبرز فيها أهل الأهواء قرونهم، واستنسر فيها البغاث، وصار أهل السنة والجماعة، وهم أهل الحق، صاروا هدفاً لكل آسر وكاسر، يشككون في ثوابتهم، في عقيدتهم، يشككون في أصولهم الكبار من كتاب الله -عز وجل-، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، ويلمزون أئمتهم من منظري منهجهم، وهم أئمة أعلام، أطبق أهل السنة وأجمعوا على الشهادة لهم بالإمامة والعلم، وصار هؤلاء الأعلام علكاً يلوكه من لا يحسن أن يتكلم، وصار الجُهال يتكلمون في المسائل العظام في وضع عجيب قلّ أن يمر بالأمة مثله.

حري بنا أيها الإخوة ونحن نسأل ربنا -تبارك وتعالى- في كل ركعة أن يهدينا الصراط المستقيم، ونحن نسمع أن نبينا -صلى الله عليه وسلم- كان يكثر أن يقول في سجوده -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)([1])، فإذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسأل ربه التثبيت، فحري بمن دونه أن يسأل ربه التثبيت.

وإن من دعائم هذا التثبيت أيها الإخوان الذي نحتاج أن نتواصى به في مثل هذه الأيام هو أن نقف عند هذا التوجيه الرباني، والخلق الإسلامي، وذلك في آية الإسراء في قوله -تبارك وتعالى-: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا الإسراء:36.

ففي هذه الليلة التي أسأل الله -عز وجل- أن ينيلنا بركتها وبرها، وأن يجعل اجتماعنا هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يغفر لي ولكم أجمعين، سيكون حديثنا في هذه الليلة عن بعض توجيهات هذه الآية، وما يستنبط منها من الفوائد، والمسائل، كل ذلك تكريساً لهذا الأصل الكبير، وهو مقومات التثبيت في زمان الفتنة، واختلاط الأمور على كثير من الناس.

في هذه الدعوة الكريمة من ربنا -تبارك وتعالى-: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌالإسراء:36، دعوة إلى التحري والتثبت في كل الأمور، عليك يا عبد الله أن تتثبت في كل خطوة تخطوها، فلا تقدم على شيء حتى تتثبت أن هذا من محابِّ الله -عز وجل-، ولا تتكلم بكلام حتى تعلم أن هذا مما يُرضي الله -تبارك  وتعالى-، ولا تتبع أحداً في اعتقاد أو فعل من الأفعال حتى تعلم أن هذا مما يقربك إلى الله -تبارك وتعالى.

النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله تعالى عنه-، وهو حديث شهير لما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخير والشر، كان مما سأله عنه: وهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: (نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها)([2])، تبلغ كلمتهم في هذا الزمان الآفاق، دعاة على أبواب جهنم ليسوا كالدعاة السابقين، إن الدعاة السابقين لربما يتكلم الواحد منهم في مجمع قد لا يتجاوز العشرات، أو المئات، ثم تموت كلماته، وقد يكتب ذلك في كتاب لربما لا يُنسخ منه إلا نسخ قليلة، ولا يقرؤه إلا الأفراد، ثم يموت بعد ذلك، وما كان لله فهو يبقى، وأما في هذا الزمان فيخرج هؤلاء يكتبون في صحف سيارة، ويظهرون في لقاءات على قنوات يشاهدها الملايين من الناس، ثم بعد ذلك تعلق هذه الشبهات والأهواء في قلوب فئام من الناس لا يستطيعون الخروج منها، ولو أبصروا ولو تعقلوا هذه الآية وهذا التوجيه لما وقعوا في هذا المحذور، وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًاالإسراء:36.

ليس لك أن ترخي سمعك في المجالس أو أمام هذه القنوات، أو أن تسرِّح طرفك فيما يحل لك أن تسرح طرفك فيه وما لا يحل، وما يحل لك أن تسمعه وما لا يحل، ثم بعد ذلك تقع الفتنة في قلبك، ولا تستطيع الخروج منها، من عرض نفسه للفتنة أولاً لم ينجُ منها آخراً، عليك إذا أردت أن تعتقد أن تعلم أن هذا الاعتقاد صحيح، وإذا أردت أن تتبع أحداً من الناس عليك أن تعلم أن ما دعاك إليه هذا الإنسان أنه خارج من مشكاة النبوة، وأمّا أن تقبل كل شيء يُصاغ، وكل ما يُذاع، وكل ما يَقِيئه أئمة الضلال والفساد والشر والفتنة فهذا أمر لا يليق بالمؤمن بحال من الأحوال.

أيها الإخوان: التثبت في الأمور كلها دليل على حُسن الرأي والنظر، وهو بإذن الله -عز وجل- مؤذن بحسن العاقبة، أن تكون عاقبة الإنسان إلى خير وإلى طمأنينة، وإلى ثبات وإيمان في زمان يتزلزل فيه كثير من الناس، إذا التبست على المؤمن الأمور فإن الواجب عليه أن يقف، وقد مثل ذلك بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في الفتنة التي وقعت بين أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما دعاه بعض الفريقين إلى المشاركة في القتال، فماذا قال؟شبه حالهم بقوم يسيرون في طريق في سفر، فهبت ريح فعمّت عليهم هذا الطريق، فبعضهم ذهب يميناً، وبعضهم ذهب شمالاً، وبعضهم وقف حيث علم أن أقدامه على الطريق ولم يتجاوز ذلك حتى تنجلي بما انجلت عليه.

هكذا ينبغي للمؤمن، وقد كثر السائلون في هذه الأيام عن كثير من الأمور التي لربما كانت من الباطل المحض، أو كان مما يجتمع فيه الحق والباطل، ويحتاج إلى ميزان صحيح حتى يتميز ما فيه من صواب وخطأ، كثُر السائلون يسألون عن المخرج، وعن التصور الصحيح في مثل هذه القضايا.

أقول: ليس عليك أيها المؤمن أن تحكم في كل قضية عارضة عرضت لك من هذه الأمور المستجدة، وهذه المشكلات، الله -عز وجل- سيسألك عن ربك وعن دينك وعن نبيك، وهذا ولله الحمد يورث المؤمن طمأنينة في قلبه، لن تُسأل: هل أخطأ فلان في تنظيره للقضية الفلانية من القضايا المستجدة أو أصاب؟، لن تُسأل عن هذا، وهناك الكثير من الأمور والقضايا لم يُطلب فيها رأيك أصلاً، ولم يُطلب فيها مشاركتك بقليل ولا بكثير، فيمكن للمؤمن إذا اشتبهت عليه الأمور أن يُعِرض عن ذلك كله، ويبقى عند حد ما يعلم، عليكم بما عرفتم من دين الله -عز وجل- الثابت الصحيح؛ فإن الأمور التي تحصل بها النجاة قد حسمها الله -عز وجل-، ولم يترك فيها قولاً لقائل، وهناك أمور قابلة للاجتهاد والنظر، يجتهد فيها المجتهدون، ويتكلم فيها الناس، قد يصيبون وقد يخطئون، فلا ينبغي لعامة المسلمين ولناشئتهم أن يشغلوا قلوبهم ويقلقوا نفوسهم في كل قول قاله قائل، أو في كل كتابة كتبها كاتب أن يشغل نفسه في توصيف الحكم على هذا القول، أو هذه الكتابة، الله -عز وجل- قد جعل لك مجالاً واسعاً في الإعراض عن ذلك كله مما اشتبه عليك، والتبس أمره. 

فأقول: يا عباد الله، الزموا ما عرفتم واثبتوا عليه، وعضوا عليه بالنواجذ حتى تلقوا الله -عز وجل-، وأما من جعل سمعه وبصره وقلبه ميداناً لهذه المقالات والشبهات والأهواء والاختلافات فإن ذلك يورثه الحيرة في أقل أحواله، وقد لا يملك كثير من الناس آلةً من العلم تمكنهم من التمحيص، والتدقيق، ليستنبطوا الأحكام اللائقة بمثل هذه النوازل، وكم من هذه القضايا ما لو اجتمع عليه أهل بدر لربما تحرجوا من الحكم فيه، أو لربما اختلفت آراؤهم فيه، فكيف بنا مع قلة العلم، وبُعد العهد عن شمس النبوة والرسالة، وضعف الإيمان وكثرة الفتن وغلبة الشهوات؟!.

أقول أيها الإخوان: المتثبت الذي امتثل أمر الله -عز وجل- في هذه الآية يُعمل عقله، ونظره ويشاور في الأمور دون أن يركب رأسه، ويُصر على أمور لا يعلمها هل هي من الحق أو من الباطل.

المتثبت الذي يتحرى التحري الذي تبرأ به ذمته لا يسارع في تصديق الآخرين بمجرد السماع لهم، فيطرق سمعه قول القائل فيتبعه مباشرة.

المتحري والمتثبت لا يصدق كل ما يقال من الشائعات، ومن أخبار المجاهيل مما ينشر هنا وهناك عبر وسائل مختلفة من هذه الشبكة العنكبوتية وغيرها.

المتثبت والمتحري أيها الإخوان: لا يتكلم إلا بالكلام الذي يستطيع أن يقيم عليه البرهان، وينبغي أن يكون منهجاً للمؤمن في هذا الزمان أن لا يتكلم إلا بشيء يستطيع أن يحققه، وأن يثبته، وعنده فيه من الله -عز وجل- برهان أنه حق أو باطل، كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع.

والله -عز وجل- ما خلق لنا القلب والسمع والبصر من أجل أن نشغلها بكل كلام يقوله القائلون فنستمعه، وما خلق الله -عز وجل- هذا اللسان إلا ليقول الحق، وليقرأ كتاب الله -عز وجل-، وليذكر ربه، وينشغل بما ينفعه في آخرته، أمّا أن يهرف الإنسان بما لا يعرف، وأن يكون نُقَلَة للإخبار فإن ذلك لا يليق بحال من الأحوال بمن يرجو الله واليوم الآخر، إذا فعل العبد ذلك فإنه يجتاز أسباب الندم والحسرة، يجتاز الأسباب الجالبة له، الجالبة للشقاء.

ثم تأمل قول الله -عز وجل-: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌالإسراء:36، فإن هذا التركيب -النهي مع الفعل المضارع- يدل على العموم، ولا تَقْفُ لا تتبع، مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، وذلك يتوجه إلى الأزمان جميعاً، وإلى الأشخاص جميعاً، وإلى الأحوال جميعاً، لا تتبع ما ليس لك به علم في كل زمان، وفي كل مكان، وفي كل حال من الأحوال، ليس لك أن تغير مبدأك إذا انتقلت من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفار، فينزع الحياء، ويفعل الإنسان ما لا يليق، وتتبرج المرأة المسلمة، وتتخلى عن رمز عفتها وشرفها وهو الحجاب

 

لا تتبع ما ليس لك به علم في كل زمان، وفي كل مكان، وفي كل حال من الأحوال، ليس لك أن تغير مبدأك إذا انتقلت من بلاد المسلمين إلى بلاد الكفار، فينزع الحياء، ويفعل الإنسان ما لا يليق، وتتبرج المرأة المسلمة، وتتخلى عن رمز عفتها وشرفها وهو الحجاب

 

، لا تقف: لا تتبع ما ليس لك به علم في جميع أحوالك، لن تعذر إذا سارعت في اتباع المبطلين والمضلين في القنوات الفضائية مثلاً، ثم تحتج أن هذه القنوات لا يخرج عليها العلماء الثقات، لست معذوراً بهذا عند الله -عز وجل-؛ فمَن أمرك أن ترخي سمعك لهؤلاء؟ من أراد العلم فإنه سيجده عند أهله، سيجده في مظانه، فليس للمسلم أن يتبع ما ليس له به علم في حالٍ يقول فيها: لم أجد العلماء، ثم بعد ذلك يتبع أئمة الضلال من دعاة جهنم.

ولا تتبع ما ليس لك به علم في كل شيء، سواء كان ذلك فيما يتعلق بحقوق الله -عز وجل-، أو بحقوق المخلوقين، ثم إن قوله -تبارك وتعالى-: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ يدل أيضاً على عموم آخر، وهو أن كل ما لا تعلم فإنه يحرم عليك أن تتبعه، عليك أن تتحقق في الأمور كلها، وأن تستثبت حتى تطمئن أن ذلك مما يَرضى اللهُ -عز وجل- عنه، وتحصل به النجاة، وترتفع به عنك المؤاخذة.

وقوله: مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ سواء كان ذلك في أعراض المسلمين حينما يقع الإنسان فيها، أو كان ذلك من قبيل البهتان أو الكذب، أو مما يقال أمام الناس أو يقال من وراء ظهورهم، كل ذلك داخل فيه.

فإن قوله -تبارك وتعالى-: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أصل القفو هو الاتّباع، وهو مأخوذ من القفا؛ لأن من يتبع غيره كأنه يمشي في قفاه، ولهذا قال من قال من السلف -رضي الله تعالى عنهم- في تفسير هذه الآية: إن المراد بها ما يقال في القفا من غير حق كالغيبة، والمعنى أعم من ذلك، ولا شك أن الغيبة حرام، وأنها داخلة فيه، فمن اغتاب غيره فقد قفا ما ليس له به علم، ومن بهت غيره ولو في وجهه فقد قفا ما ليس له به علم، ومن نقل كلاماً لم يتثبت منه فقد قفا ما ليس له به علم، ومن اعتقد اعتقاداً بغير دليل فهو مقتفٍ ما ليس له به علم، فيدخل فيه ما يبتدئه الإنسان من الأقوال التي يصدرها، والأحكام التي يطلقها، وهكذا ما يتلقفه من الآخرين مما يقرؤه أو يسمعه، فإنه مطالب بأن يمحص ذلك كله فلا يقبل منه إلا ما كان صواباً، وما كان من قبيل الصواب من هذه الأمور فإنه لا يجوز له أن يطلق لسانه فيه حتى يعلم أن الكلام فيه هو عين المصلحة، (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)([3])، لا ينبغي للإنسان أن يحدث بكل ما يعلم ولو كان ذلك من قبيل الصواب والحق الثابت، من الكلام أو من العلم ما يُطوى ولا يصح أن يُروى؛ لأن روايته للناس تكون سبباً لفتنة قلوبهم، هذا فضلاً عن الأمور الأخرى التي ليست بصواب أصلاً؛ فإنه لا يجوز للإنسان أن يتحدث بها، ولهذا جاء في الأثر: (كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع)([4]).

ومن هنا أيها الإخوان: إذا وقفنا عند هذا التوجيه انكفّ اللسان عن الوقوع في أعراض المسلمين، وتوزيع التهم عليهم، وكأن الإنسان واقف على باب الجنة، يحكم لهذا بالصلاح، ولهذا بالفلاح، ولهذا بالشقاء، ولهذا بالضلال، وفلان هالك، وفلان تالف، وفلان زنديق، وفلان، وفلان، وفلان، وفلان، في النفس شغل عن ذكر الآخرين، ومن عرف ما طولب به شغله ذلك عن غيره، نحن رسل هداية أيها الإخوان، نعلم الجاهل، وننصح المقصر، أما أن يكون شغل الإنسان الشاغل: ماذا قال فلان؟ وماذا رد عليه فلان؟ وماذا كتب فلان؟ وهل أصاب أو أخطأ؟ هل هذا هو شغل الآخرة أيها الإخوة؟.  

إنما يشتغل بذلك البطّال الذي ثقلت نفسه عن العمل، وتباطأت عن طاعة ربها ومليكها، وتحقيق العبودية له ظاهراً وباطناً، فاشتغل بما يضره واستروح لذلك.

وإذا عرفت المرأة المسلمة هذا الأدب، وهذا الخلق فإنها لا تتبع الصَّرَعات والموضات التي ينادي بها أئمة الفتنة في مشارق الأرض ومغاربها، لا تلبس إلا لباساً يليق بالمسلمات، ولا تفعل شيئاً في يوم زواجها، وفي غيره في جميع مناسباتها وأحوالها، في بيتها وفي خارجه، حتى تعلم أن هذا يرضي الله -تبارك وتعالى-، وإذا دعاها دعاة الفتنة، وزينوا لها الخروج والتبرج والاختلاط، وبينوا لها أن ذلك هو رمز المرأة العصرية، فإنها تقف؛ لأن الله -عز وجل- يقول: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَىالأحزاب:33، فالمرأة التي تخالط الرجال، وتخرج متبرجة رَجِلة فإن هذه امرأة جاهلية بنص كتاب الله -عز وجل-، يكون في المسلم من أخلاق الجاهلية بحسب ما توفر فيه من أوصافهم، فتبرج النساء من أوصاف الجاهلية، والمرأة المتبرجة متصفة بوصف أهل الجاهلية؛ لأن أهل الجاهلية كان نساؤهم يتبذلن ولا يحتشمن الحشمة المطلوبة، فليس ذلك من زي المسلمات ولا من خلق الكريمات، ولا يليق بمن تؤمن بالله واليوم الآخر أن تظهر صورها على الصفحات الأولى من الصحف بلباس وهيئة تسخط ربها -جل جلاله-، هذا أمر لا يليق، ولا يليق بأولياء النساء أن يسمحوا لهن بمثل هذا التبرج والاختلاط، وعلى كل من بسط الله يده أن يردع المسيئين، وأن يوقف هؤلاء من دعاة الفتنة والشر، أن يوقفهم عند حدهم.

هؤلاء الذين يغرون المرأة المسلمة بالتحضر، هل وقع هذا حينما لبس كثير من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها القبعة، ولبسوا ربطة العنق وتبرج نساؤهم واختلطن بالرجال؟ لا زالوا يتمرغون في عالم البطالة وما يسمى بالعالم الثالث، نُزع الحجاب من بعض بلاد المسلمين قبل أكثر من مائة سنة، فهل تحضروا؟

وهل صاروا في مصاف الدول الصناعية كما يقال؟.

أبداً، إذا سافرت إلى تلك البلاد، ومررت بطرقاتها في الضحى وجدت أكداساً ممن يلعبون من الرجال والنساء في المقاهي يلعبون ألعاب البطالين، يشاهد ذلك كل من زار تلك البلاد، في إحصائيات هائلة مما يعانيه أولئك من البطالة والفساد والشرور والآثام التي ينغمسون فيها، ولا يكاد الواحد يفيق من سكره في أهوائه وشهواته، ينبغي للمؤمن أن يفيق وأن يعقل، وأن يتبصر في الأمور كلها.

أقول: فهذا توجيه لجميع المسلمين من الرجال والنساء أن يقفوا عند حد معلومهم، ولو أن الإنسان التزم ذلك في نفسه وفيمن استرعاه الله -عز وجل- لصلحت أحوالنا كثيراً عما هي عليه اليوم.

والله -عز وجل- يحب منا إذا تكلمنا أن نتكلم بعلم وعدل، وإذا فعلنا فعلاً من الأفعال أن يكون ذلك الفعل عن علم، وأن يكون ذلك يراد به وجهه -تبارك وتعالى-، فإذا أردت أن تُقدم على أمر من الأمور ينبغي أن تجلس مع نفسك وأن تقف وقفة هل هذا مما يرضي الله -عز وجل-؟، هل حينما أقوم في هذا المقام والله يراني ويسمع كلامي وبصره نافذ فيّ، هل هو راضٍ عني؟ أم أن الله -عز وجل- يمقتني ويسخط عليّ؟

والعبد ضعيف لا يستطيع أن يواجه ربه -تبارك وتعالى- بمساخطه فيكون عدوًّا من أعدائه، ومحارباً له، لا نستطيع؛ من نحن؟ يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)([5])، هذه المسافة فقط في هذا المخلوق الملك، مسافة سبعمائة سنة مدة طيران الطير، والطير في متوسط طيرانه يقطع بين السبعين والثمانين كيلو في الساعة، فاحسب هذه المسافة تستطيع أن تتصور شيئاً ما من عظمة هذا المخلوق، هذا الملك كم طوله؟ ما مقداره؟ شيء لا تصل إليه عقولنا، والله هو الذي خلقه وهو ربه ومالكه، فنحن لا نستطيع أن نواجه الله -تبارك وتعالى- بمساخطه، وبمخالفة حدوده، والدعوة إلى الانحراف والفساد أيًّا كان شكله وصورته.

ثم تأمل في قوله -تبارك وتعالى-: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌالإسراء:36 أيضاً، فإن هذا نهي، والنهي يدل على التحريم إلا لقرينة تصرفه إلى معنى آخر، ومن هنا نعرف أنه يحرم على الإنسان أن يتبع ما ليس له به علم، ولهذا الذي أنصح به نفسي، وأنصح به إخواني أن يكون الإنسان وقّافاً عند هذه الآية، وإذا سمع إنساناً يهذي في مجلس من المجالس في أمور لا يستطيع أن يحققها، يقول له: توقف، سبح، اشتغل بما ينفعك وينفعني، دون أن ينقاد لمثل هذه الأمور التي لربما يسود بها في المجلس من كان أكثر جمعاً للأخبار.

ثم أيضاً أيها الإخوان: إذا عرفنا أن القفو هو الاتباع، فهذا يدل على أن هذا الإنسان المتبع في اعتقاده وسلوكه وأفكاره وأعماله أنه مأسور لهذه الأفكار، والناس كما قيل: أسرى لمعتقداتهم، وهنا تكمن الخطورة أيها الإخوان، يتحول هذا الإنسان الوديع المسالم الذي يملأ قلبه الإيمان ومحبة الله -عز وجل- ومحبة المؤمنين إذا اتبع ما ليس له به علم، قد يتحول إلى عدو لدود لأهل الإيمان، قد يتحول إلى مفسد من المفسدين، قد يتحول إلى سبب لهلاك كبير يقع هنا أو هناك، انظر إلى هذه اليد التي امتدت فقتلت علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وهو خير أهل زمانه، كيف اجترأ هذا الإنسان عليه وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وكان يتقرب إلى الله بهذا الفعل، حتى مدحه صاحبه بقوله:

يا ضربةً مِن تقي ما أراد بها *** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا.

فهذا الإنسان الذي ينتسب إلى الإسلام حينما عمد إلى أشرف أهل زمانه، وأفضلهم وأكملهم إيماناً، وأكثرهم علماً، كيف امتدت يده إلى قتل هذا الإمام الخليفة الراشد -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-؟!، السبب هو أن هذا الإنسان قفا ما ليس له به علم، فسيطرت عليه عقائده وآراؤه وأفكاره فأعمته، فصار يرى هذا الطاهر الطيب شيطاناً مريداً يجب الخلاص منه، وأن عز الأمة ومجدها يكمن في التخلص منه، رأيتم كيف انقلبت الموازين؟.

وهكذا تجد أيضاً من اختلت فهومهم، وانعكست أنظارهم، يرون العدو الكافر هو حامل الحرية إلى بلاد المسلمين، وأنه هو المخلص لهم، فيتنادون هنا وهناك يستمطرون منه المدد والدعم والمساندة من أجل تحقيق مآربهم المشبوهة، أليس هذا مما هو واقع عند كثير من المسلمين؟ كيف مُسخت فطر هؤلاء الناس وانتكست مفاهيمهم، فصاروا يرون في عدوهم مُخلصاً مما هم فيه من جهل وانحطاط وتخلف؟، متى كان العدو هو الذي يقدم لنا هذه الأمور؟.

ثم تأمل قول الله -عز وجل-: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ لماذا؟ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا الإسراء:36، فإن هذا يشعر بالتعليل، يبين السبب، لماذا نهانا الله -عز وجل- عن اتباع ما ليس لنا به علم؟، لأن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً، ومعنى هذا أنه لا يحل لك يا عبد الله أن تستعمل هذه النعم من سمعك وبصرك وعقلك في غير ما خلقت له مما يعود عليك بالضرر، والفساد والإثم والشرور العاجلة والآجلة، الله أعطاكها لتشكره عليها، والله يمتحنك في ذلك، وستحاسب عليه، سيسألك عنها جميعاً، فلا تستعمل نعمته في معصيته، هذا البصر لا تنظر فيه إلا إلى ما يرضي الله -عز وجل-، لا تنظر إلى الصور المحرمة، وإذا أغرتك نفسك تذكر أن الله يراك، وهذا هو الإحسان، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذا السمع الذي أنعم الله -عز وجل- به عليك ينبغي أن يكون آلة لسماع ذكره، وكتابه، ومحابِّه من العلم النافع، وأما أن تجعل هذا السمع آلة لسماع مساخطه من الغناء والغيبة، والنميمة، والكذب، والطعن في إخوانك المسلمين فهذا أمر لا يليق بحال من الأحوال، هذا من كفر النعمة، الله يمتن علينا بهذه الحواس، الله يقول: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَالنحل:78 أي: من أجل أن تشكروا، أعطانا هذه النعم من أجل أن نشكره، لا من أجل أن نكفره وأن نستعملها في محاربته واتباع ما يبغضه ويسخطه. 

ثم تأمل في قوله -تبارك وتعالى-: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ الإسراء:36، فقدم السمع أولاً، ثم ذكر البصر ثانياً، ثم ذكر الفؤاد ثالثاً، لماذا قدم السمع؟ ولماذا أخر الفؤاد؟ ولماذا جعل البصر ثانياً؟.

أقول: أما القلب فهو مستقر الإرادات، وهو مستقر الاعتقادات، وأما السمع والبصر فهما ميزابان يصبان في القلب، القلب بمنزلة الوعاء، والسمع والبصر ميزابان، آلتان تلتقطان الصور والأصوات، ثم يقذف ذلك جميعاً في القلب، تأمل هذا المعنى وانظر كيف قدم الله -عز وجل- السمع على البصر؛ وذلك -والله أعلم- لأن السمع أنفع من البصر، السمع يمكن للإنسان أن يسمع الأمور التي لا تُبصَر كصوت الهواء، الريح، وصوت الرعد

 

القلب فهو مستقر الإرادات، وهو مستقر الاعتقادات، وأما السمع والبصر فهما ميزابان يصبان في القلب، القلب بمنزلة الوعاء، والسمع والبصر ميزابان، آلتان تلتقطان الصور والأصوات، ثم يقذف ذلك جميعاً في القلب، تأمل هذا المعنى وانظر كيف قدم الله -عز وجل- السمع على البصر؛ وذلك -والله أعلم- لأن السمع أنفع من البصر، السمع يمكن للإنسان أن يسمع الأمور التي لا تُبصَر كصوت الهواء، الريح، وصوت الرعد

 

، وبالسمع يدرك الإنسان الأمور المعنوية والأمور المنصرمة، كيف نعرف أخبار الماضين وأخبار المعاصرين التي لم نشاهدها؟ عن طريق السمع، بالتلقي، بالسماع، والسمع يسمع به الإنسان ما فوقه، وما تحته، وما عن يمينه وشماله، ومن أمامه، ومن خلفه، وأما البصر فإنه لا يبصر به إلا ما أمامه، ولا يبصر إلا المتشخصات فقط من الأعيان الماثلة كالشجرة، والإنسان، والمسجد، والدار، والسيارة وما أشبه ذلك، أما الرياح فنحن لا نبصرها، ثم أيضاً الإنسان قد يفقد البصر، والعلماء -رحمهم الله- يقولون: إن من فقد حاسة البصر أعقبه ذلك بصيرة، أو قوة في بصيرته، ولذلك تلاحظون لو سألناكم مثلاً: من أعلم الناس في عصرنا هذا ممن نعرف؟ هو سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله وأسكنه فسيح جناته-، وكان -رحمه الله- فاقداً للبصر منذ صغره، فما ضره ذلك، كثير من العلماء فقدوا أبصارهم، وكان ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- يقول:

إنْ يأخذ الله من عينيّ نورهما *** ففي فؤادي وقلبي منهما نورُ

عقلي ذكيٌّ وقلبي غير ذي دخَلٍ *** وفي فمي صارم كالسيف مشهورُ

              ويقول آخر:

إذا أبصر القلبُ المروءة والتقى *** فإنّ عمى العينين ليس يضيرُ.

أما ترون الإنسان قد يفقد بصره، ويروغ روغان الثعلب يمنة ويسرة، وقد لا يحتاج إلى قائد، وقد يمر على الحفرة فيجتنبها من غير أن يُخبَر بذلك، وإذا عمي قلب الإنسان، إذا فقد عقله -والعقل في القلب- فإنه يقع على النار، ويقع في الحفرة، ويأخذ الجمر، أليس الحال هكذا أيها الإخوان؟.  

فإذن السمع أنفع وأعظم من البصر، فقُدم السمع، إِنَّ السَّمْعَ، ثم قال: وَالْبَصَرَ، ثم ذكر الفؤاد، كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا الإسراء:36.

ثم لو نظرت في نفسك، في مكنوناتك ومعلوماتك، ونظرت في أغلبها، هل هو مستقى من حاسة البصر أو من حاسة السمع؟، هل كل المعلومات التي عندك والأحداث شاهدتها بنفسك؟

الجواب: لا، سمعت كثيراً منها، وقرأت كثيراً منها، وما وقفت إلا على القليل من ذلك، ومن هنا نعرف قيمة السمع، وأنه أشمل وأعظم من إدراك البصر.

ثم تأمل هذا التعبير: "السمع والبصر والفؤاد"، لماذا عبر بهذه اللفظة "الفؤاد"، قيل له: الفؤاد -وهو القلب- نظراً لكثرة تفؤده، أي لكثرة توقده، فهو دائم التفؤُّد والتوقد بالإرادات والأفكار، إذا أغمض الإنسان عينه فإنه لا يرى، وإذا سد أذنه فإنه لا يسمع، وقد لا توجد أصوات تُسمع في مكانه أصلاً، وقد يكون في ظلمة دامسة فلا يرى، يتعطل البصر والسمع، وأما الفؤاد فإنه يكون قد استغشى ثيابه في ظلمة الليل، ولكن قلبه يتحرك بالأفكار والخواطر والإرادات، وتتلجلج هذه في نفسه، ولربما يستعيد كل ما مر في يومه مما سمعه أو شاهده، يمر بذلك جميعاً على قلبه، فالفؤاد قيل له: فؤاد؛ نظراً لكثرة هذا التفؤُّد، فهو آلة الإدراك ومستقر العلم.

ثم أيضاً في ذكر الفؤاد هنا مع السمع والبصر دليل على أن الإنسان يؤاخذ على أعمال القلوب كما يؤاخذ على أعمال الجوارح، كما أن الإنسان يحاسب على النظر ويحاسب على السمع، يحاسب على القلب، الله تجاوز عنا إذا هم العبد بالمعصية فلم يعملها، ولكن العزم المصمم على الفعل يحاسب الإنسان عليه، النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (القاتل والمقتول في النار)، فسئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن المقتول، قالوا: (هذا القاتل، فما بال المقتول؟، -قُتل- قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)([6])، بمعنى أنه كان عازماً على قتله لو تمكن منه، فدخل النار وهو مقتول، (القاتل والمقتول في النار)، فدل على أن العزم المصمم على الفعل في حكم الفعل، وأن الإنسان يحاسب عليه ويؤاخذ.

ثم أيضاً الإنسان يحاسب على اعتقاداته، الشرك هو أعظم الذنوب، وهي قضية تتعلق بالقلب أولاً، يحاسب الإنسان على النفاق وهي قضية تتعلق بالقلب أولاً، يحاسب الإنسان على كل دنس يقع في قلبه من الحسد والغل والغش وأشباه ذلك، كما أن الإنسان أيضاً يثاب على الأعمال القلبية الطيبة كالخوف من الله، والتوكل، والمحبة، والرجاء والإنابة وما أشبه ذلك، هذه أمور يحبها الله -عز وجل-، ويثيب عليها وهي من أعمال القلب، فإذاً ذكر القلب مع السمع والبصر يدل على أننا نحاسب على أعمال قلوبنا الطيبة والسيئة.

فالسمع والبصر والقلب، وغير ذلك من المنافع التي أولانا الله -عز وجل- إياها إنما تنفع حيث وضعت فيما خلقت له، فالشم هذه حاسة من الحواس، فإذا أراد الإنسان أن يستعملها في السمع فإنه لن يُفلح، والسمع يدرك به الأصوات، فلو أراد الإنسان أن يبصر بالسمع فإنه لن يفلح، وهكذا.

فالإنسان إما أن يضع هذه الأمور في غير موضعها، فهذا هو الخسران، يضع السمع في سماع ما لا يُرضي الله، والبصر فيما يسخط الله، والقلب في اعتقاد الضلال والكفر والشر، وإما أن يكون الإنسان معطلاً لها، لا ينتفع بسمعه، ولا ينتفع ببصره، ولا ينتفع بقلبه فهذا هو الغبن والخسران المبين، فإذا وضع الإنسان هذه الأمور فيما خلقت له فهذا هو العدل والكمال، وهذا هو الصواب الذي يجني به الثمرات التي تحصل من جراء خلق هذه المنافع لهذا الإنسان، وسيد هذه الأعضاء ورأسها وكبيرها هو هذا القلب، واسمه يدل عليه، هو القلب، وإذا أراد الناس أن يعبروا عن أهمية شيء من الأشياء فإنهم يصفونه بذلك، يقولون: هو القلب النابض لهذا المشروع، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)([7])، فكما أن السمع وضع لإدراك المسموعات، والبصر لإدراك المبصرات، فالقلب إنما وضع ليعقل الإنسان به، ويميز بين الأمور النافعة والأمور الضارة، نحن ميزنا الله -عز وجل- على الحيوانات، الحيوانات لها سمع وبصر ولكن لا عقل لها، لا قلب لها، فإذا مُيّز الإنسان بهذه المزية فإنه لا يجوز له بحال من الأحوال أن يلغيها ثم بعد ذلك يتحول إلى حال العجماوات، والله -عز وجل- جعل الفِكر للقلب كالإصغاء للأذن، فإذا أعمله الإنسان حصلت له الأفكار الطيبة، والعقائد الصحيحة، ومَيّز بين الصواب والخطأ، وامتلأ قلبه من الإيمان واليقين والمحبة لله -عز وجل- ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، وإذا عطله الإنسان بقي خاوياً، وإنما قيمة الإنسان بحسب ما يحسن، الإنسان بأصغريه قلبه ولسانه، وليس بضخامة البدن وحسن اللباس، فإن هذا التقويم تقويم معكوس يفعله أو يقيّم به من لا يدرك الأمور على حقائقها   

خذ بنصل السيف واترك غمده ***..............

فهذا القلب هو قيمتك الحقيقية؛ فإذا كان القلب ساهياً لاهياً تعطلت سائر الجوارح عن الاشتغال بما ينفعها، إذا كان القلب بطالاً يحب الدعة والراحة تعطلت هذه الجوارح، ولم تتعب في تطلب مراقي السعادة والفلاح، والمراتب العالية في سلم العبودية، وحتى المنافع الدنيوية، يؤثر النوم والإخلاد إلى الراحة، ويكره التعب.

إذا مُلئ القلب بالأفكار السيئة والآراء المنحرفة اشتغلت جوارح الإنسان بما يضره، وأنسى اللهُ -عز وجل- العبد نفسه، نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ الحشر:19، فصار شغله وكده ونفقاته في أمور تسخط الله -عز وجل- عليه، وهذا فضل الله -تبارك وتعالى- يؤتيه من يشاء، أن يوفق الإنسان لملء قلبه بما ينفعه، وتخليته عن كل أمر يضره، فتعقّل هذا المعنى، وأمسك عليك هذين الميزابين، فلا يصبان في قلبك إلا ما تنتفع به، ولا تسمح لأحد أن يلقي شبهة في قلبك، ولا تسمح لعينك أن تنظر إلى شيء يضر قلبك؛ فإن النظر سهم مسموم، النظر إلى الحرام سهم مسموم يقع على شغاف القلب، ويصيب سويداء القلب  

يسر مقلته ما ضر مُهجته ***............

يتلذذ بالنظر في أمور تورثه ألماً وحسرة في قلبه، هل يفعل هذا العاقل أيها الإخوان؟.

هذا أمر لا يليق بالمسلم أن يفعله.

وتأمل قول الله -عز وجل-: كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا الإسراء:36، أولئك يعني السمع والبصر والفؤاد، "كل أولئك"، ما قال: كل هذه، السمع والبصر والفؤاد ليست إنساناً، وإنما يستعمل اسم الإشارة "أولئك" فيما يعقل، وإذا أردت أن تشير إلى ما لا يعقل قلت: هذه السارية، هذا الكأس، هذه الحديدة، لا تقول: أولئك السواري، فلماذا قال الله -عز وجل- عن السمع والبصر والفؤاد: أُوْلَئِكَ، فأشار إليها بهذه الإشارة التي عادة تعود إلى العقلاء؟.

السبب -والله تعالى أعلم- هو أن الله نزلها هذه المنزلة؛ لأنها تُسأل وتجيب، كما قال يوسف -صلى الله عليه وسلم-: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَيوسف:4، ما قال: رأيتها لي ساجدة، الأصل أن يقال عن  الشمس والقمر -لأنها لا تعقل-: رأيتها لي ساجدة، قال: رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ؛ لأنها فعلت فعلاً من أفعال العقلاء وهو السجود، فعوملت معاملة العقلاء في التعبير عنها.

ثم أيضاً لاحظ هذا القدر من الآية: كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًاالإسراء:36، قال: "كل أولئك"، يعني هذا يدل على الإحاطة والشمول، كل هذه الأشياء؛ السمع والبصر والقلب "كان عنه مسئولا"، ولم يقل الله -عز وجل-: إن السمع والبصر والفؤاد ستُسأل عن كل ما وقع منها إلى آخره، وإنما قال: كُلُّ أُوْلَئِكَ ليؤكد أن جميعها سيُسأل، ثم أكد ذلك أيضاً بتأكيد آخر، وهو المجيء باسم الإشارة "أولئك"، فلم يقل: كلها كان عنه مسئولاً، مع أن الكلام يصح، لكنه قال: كُلُّ أُوْلَئِكَ؛ ليؤكد هذا المعنى لأهميته، وأكده بتأكيد ثالث بـ "كان" التي تدل على الدوام والثبات والرسوخ، كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا الإسراء:36، ستسأل عنها يا عبد الله، وتحاسب عليها.

ثم تأمل في قوله -تبارك وتعالى-: عَنْهُ مَسْئُولًا، لماذا لم يقل الله -تبارك وتعالى-: كل أولئك كان مسئولاً عنه، لماذا قدم "عنه"؟، لا شك أن التقديم يدل على الاهتمام بالشيء، وهذه قاعدة عامة، والمعنى: كل السمع والبصر والفؤاد كان مسئولاً عن نفسه ومطالباً بأن يبين المستند الذي جعله يبصر هذه الأمور، أو يسمع هذه الأمور، أو يعقل هذه الأمور.

ثم أيضاً تأمل في قوله -تبارك وتعالى-: كَانَ عَنْهُ، إلى أي شيء ترجع كَانَ عَنْهُ؟، يمكن أن ترجع إلى الإنسان، بمعنى أن السمع والبصر والقلب ستوجه إليها الأسئلة في الحساب، تُسأل عنك: ماذا عملتَ بها؟ وبأي شيء تم استغلالها؟ في الحساب، وهذا يدل عليه آيات في كتاب الله -عز وجل-، كقوله -تبارك وتعالى-: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ يس:65 الآية، فجوارح الإنسان وحواسه تُسأل، وتشهد عليه عند الله -عز وجل-، وكذلك في قوله -تبارك وتعالى-: شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ فصلت:20.

ويحتمل المعنى أن يكون المراد كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا، أي: أن الإنسان سيُسأل عن هذه الأشياء، ماذا عمل بها؟ بأي شيء تم استغلالها؟ بطاعة الله؟ بمعصيته؟ فيحاسب الإنسان على هذه النعم التي أولاه الله -عز وجل- إياها، ويدل على هذا المعنى قول الله -تبارك وتعالى-: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَالحجر:92-93، كما يدل عليه قوله: وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ النحل:93، وهذان المعنيان صحيحان على كل واحد منهما دلت آيات في كتاب الله -عز وجل-، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع)([8])، فإذاً القرآن يعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة، وإذا احتملت الآيتين معنيين فأكثر وأمكن حملها على هذه الآيات من غير معارض فإنها تحمل عليها جميعاً، فماذا نقول في تفسير الآية؟.

نقول: كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا أي: أن الإنسان يُسأل عنها، وهي أيضاً تُسأل عنه، فدلت الآية على المعنيين في وقت واحد، وهذا من إعجاز القرآن لكثرة ما يدل عليه من المعاني الصحيحة بعبارات قليلة مختصرة.

ثم تأمل في قوله -تبارك وتعالى-: مَسْئُولًا، هذه اللفظة تدل على التبعة، تقول للإنسان: أنت مسئول عن هذا التصرف، معنى هذا أنك تقول لهذا الإنسان: قف وانظر وتحرَّ؛ فإنك ستحاسب على تصرفك هذا الذي تفعله، أو أنت مسئول عن هذا الكلام، فيجعل الإنسان يقف ويبحث عن الأمور التي تدل على صحته وأنه صدق وصواب، فهكذا كما قال الله -عز وجل-: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَالنور:24، ستُسأل عن ذلك كله، وسيشهد عليك لسانك، وقدمك، ورجلك عن كل ما فعلت.

ثم تأمل هذه اللطيفة في الآية: كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا وفي أول الآية: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، المخاطب من؟، واحد، بأسلوب الخطاب: لا تقف أنت، ثم يقول: كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ بضمير الغائب، هذا تنشيط للسامع وهو ما يسمى بالالتفات عند أهل البلاغة، يجدد الخطاب، كما نقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ الفاتحة:2-5، كنت تتحدث عن الغائب أليس كذلك؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، إِيَّاكَالفاتحة:5، ما قال: الحمد لك يا رب العالمين، يا رحمن، يا رحيم، يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك.. ما قال هكذا، قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، هو رب العالمين، هو الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِالفاتحة:3، هو مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِالفاتحة:4، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُالفاتحة:5، فهذا للتنشيط والتجديد والتفنن في الخطاب، وهذه الألوان من الاستعمالات هي من الأسباب التي جعلت القرآن في غاية البلاغة والفصاحة، وبالتالي هل أحد من المسلمين في يوم من الأيام ملّ من كثرة سماع الفاتحة مثلاً؟.

الجواب: لا، لا يشبع منه السامعون ولا يمله الناس من كثرة الرد والتكرار، فهو أعلى الكلام، وأطيبه وأبلغه وأفصحه وأرفعه.

ثم أيضاً تأمل في ذكر هذه الأشياء الثلاثة السمع والبصر والفؤاد، وأنها ستسأل عنك جميعاً، وأنك ستسأل عنها، وما يُدرَك بالسمع والبصر والقلب أنواع، منه ما يرضي الله، ومنه ما لا يرضي الله -عز وجل-، والعبد سيسأل عن ذلك جميعاً، فهذا يدفعه إلى المراقبة الدائمة على السمع وعلى البصر وعلى القلب، ومن ثَمّ فإن العبد يستريح كثيراً من ألوان الشبهات والشكوك، ويستريح كثيراً مما يقع في قلبه من حقد وغل وغش بسبب ما يسمعه، إذا جاء من يغتاب أحدًا أو ينقل لك نميمة عن أحد إخوانك المسلمين قل له: لا تنقل، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول، يرشد أصحابه، يبين لهم أنه يريد أن يخرج إلى أصحابه وهو طيب القلب، ليس في قلبه على أحد شيء، فلا تسمح لأحد أن ينقل لك شيئاً يكدر صفو القلب، وهكذا، ومن ثم قرر أهل السنة كثيراً في عشرات النصوص، وعليه دل الشرع أن الإنسان لا يتلقف الشبه، ولا يسمح لأصحاب الشبه أن يعرضوها على سمعه، فتعاهد هذه الأمور جميعاً واجعلها في القسم الآخر الذي ينفعك، وهذا هو حقيقة التزكية، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا الشمس:9-10.

أيها الإخوان: إذا كان أول الخطاب في هذه الآية: وَلا تَقْفُ والنصوص كلها في هذه الوصايا موجهة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهو توجيه للأمة، خطاب لها في شخص قائدها -صلى الله عليه وسلم-، إذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مخاطبًا بهذا فنحن من باب أولى.

ثم في هذه الآية إصلاح اجتماعي يجنب الأمة الوقوع في المهالك، الأمة إذا أهملت هذه المنافع والحواس انطلقت جوارح الإنسان، انطلقت يده فاعتدت على الآخرين، وانطلقت رجله في السعي في المظالم وأذية الخلق، وانطلق لسانه في سبهم وشتمهم والوقوع في أعراضهم، وامتلأ قلبه من سوء الظن بالناس ولو كانوا أقرب الناس إليه، فتعم العداوة، وتتقطع أواصر المجتمع، وتفشو قالة السوء، ويشتغل الناس بعضهم ببعض، ليس لهم هم إذا اجتمع اثنان إلا التناجي بالإثم والعدوان، هكذا يقع إذا تركنا الحبل على الغارب، ولم تُزم هذه الأمور بالزمام الصحيح ولم نوقفها عند حدها الذي حده الله -عز وجل.

ثم أيضاً ينبغي أن نعلم أن ذكر هذه الأمور الثلاثة لا يعني أن الإنسان يسأل عنها فقط ولا يسأل عن البقية، لا، ستسأل، يسأل الإنسان عن عمره فيم أبلاه، عن جميع النعم التي أعطاه الله -عز وجل- إياها، وخص هذه الأمور الثلاثة؛ لأنها الأهم والأخطر، ولأنها التي تكوِّن الإنسان، تصوغ عقله وقلبه وفكره، كيف ينظر إلى الآخرين، كيف يتعامل معهم، كيف يتصرف في المواقف، ماذا يعتقد، بماذا يمتلئ قلبه، فيكون هذا الإنسان من الأخيار، أو من الأشرار، أو ممن خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، كل ذلك بسبب هذا الانفلات أو هذا الانضباط في مثل هذه الأمور.

ثم أيضاً في تخصيص هذه الأمور الثلاثة بالذكر أمر آخر وهو أنها تميزنا بمجموعها عن الحيوانات؛ نحن نسمع فنعقل، ونبصر فنعقل، الحيوان يسمع ولا يعقل، ويبصر ولا يعقل، ولهذا شبه الله -عز وجل- مخاطبة من لا عقول لهم من الكفرة المعرضين بالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، كالذي ينعق يصيح بالماشية، بالدواب وهي لا تفقه شيئاً مما يقول، هكذا يكون حال هذا الإنسان. فالمقصود أيها الإخوان أن الله -عز وجل- يقول: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَالنحل:78، وقال: ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَالسجدة:9، وقال: وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةًالأحقاف:26، وقال عن الكافرين أيضاً: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌالبقرة:7، وقال أيضاً عن الكفار: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَاالأعراف:179.

فهذه بعض الفوائد والملاحظ والتوجيهات من هذه الآية الكريمة، وهذا يدلنا على عظمة القرآن، وكثرة معانيه، فهذه الآية القصيرة انظروا ما تحتها من المعاني، فلو أنا تبصرنا في كتاب الله -عز وجل- وتفقهنا فيه لتغيرت حالنا تماماً، ولما شبعنا من كتاب الله -عز وجل-، ولهذا كان كثير من العلماء يتحسر في آخر حياته أنه لم يشغل جميع وقته في تفهم القرآن وتعقل معانيه، والاستنباط منه، كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كان يتحسر في آخر أيامه على ذلك، مع أنه كان ينظر في الآية الواحدة في أكثر من مائة تفسير، ومع ذلك كان يتحسر، وتحسر كثير من العلماء من المعاصرين ومن غيرهم على تفريطهم في القرآن، فهذا المجلس نخرج منه بنوعين من الفوائد:

الأول: هو ما وصفته في هذه الساعة من الاستنباطات والتوجيهات.

والثاني وبطريق غير مباشر: هو عظمة هذا القرآن، وكثرة معانيه.

هذه بعض الوصايا، وكنت قد كتبتها في بعض المناسبات في بعض المجلات، وأسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وأن يعيننا وإياكم على ذكره، وشكره، وحسن عبادته.



[1]- أخرجه الترمذي، أبواب القدر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن، برقم (2140)، وابن ماجه، أبواب الدعاء، باب دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (3834)،  والنسائي في الكبرى، برقم (7690)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (7987).

[2]- أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، برقم (3606)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، برقم (1847).

[3]- أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، برقم (5).

[4]- المصدر السابق.

[5]- أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في الجهمية، برقم (4727)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (854).

[6]- أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَاالحجرات:9، برقم (31).

[7]- أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، برقم (52)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، برقم (1599).

[8]- أخرجه الطبراني في الأوسط، برقم (9406)، وابن أبي شيبة في المصنف (34694)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، برقم (1922).

وأخرجه الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب في القيامة، برقم (2416)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (7299)، بلفظ: (لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس، عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about