وقفات مع قوله تعالى: (والعاقبة للمتقين)
عدد الزوار : 8691
تاريخ الإضافة : 28 ربيع الأول 1425
MP3 : 40917 kb
PDF : 131 kb
بسم الله الرحمن الرحيم
وقفات مع قوله تعالى: (والعاقبة للمتقين)


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:
في سلسلة الهزائم والنكبات والأوصاب التي تصيب هذه الأمة، وتحل بها حيناً بعد حين، وتتابع النكبات يصيب كثيراً من النفوس الإحباط، ولربما أظلم الأفق في وجه بعض المسلمين، وظن أنه لا مخرج من هذه البلايا والرزايا، وأنه لا سبيل لنهوض الأمة وعودتها إلى عزها من جديد، ولربما حمل ذلك بعض النفوس التي لم تتربَّ تربيةً صحيحةً إلى فعل ما لا يليق ولا يجمل ولا يحسن، حينما ينفرط صبرهم مع قلة علمهم، وقصر نظرهم، ولربما حمل ذلك بعض المسلمين إلى الدعوة إلى الارتماء في أحضان عدوهم، والاستسلام والخضوع الكامل لهؤلاء الأعداء الذين ظنوا أنهم ملكوا زمام الأقدار، ولكن نقول كما قال الله -تبارك وتعالى-: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ 83 سورة القصص.
إن الأمور لا تقاس بيومٍ ولا شهرٍ ولا سنةٍ ولا بعشر سنوات، بل ينبغي لمن أراد أن يعرف حقائق الأمور، ويحكم على الأشياء بأحكام صحيحة أن يستعرض التاريخ، وأن ينظر نظراً بعيداً طويلاً ممتداً فيعرف هذه الحقيقة -أن العاقبة للمتقين-.
إن أول ما وقع الشرك كان في قوم نوح -عليه الصلاة والسلام-، كذبوه، وبقي فيهم مدةً طويلة، بقي ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً، وهم في غاية المكابرة وتوعدوه وهددوه: لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ 116 سورة الشعراء فماذا كان بعد ذلك؟
دعا ربه: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ 75 سورة الصافات، فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ 10 سورة القمر فماذا كان، وما هي النتيجة؟
النتيجة هي: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ* وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ* وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ* تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ 11-14 سورة القمر.
هكذا أهلكهم الله -تبارك وتعالى- ودمرهم، ونجَّى نوحاً -صلى الله عليه وسلم-، ومن معه من المؤمنين، وزال الكفر من على وجه البسيطة، ولم يبق له أثر.
ثم بعد ذلك عاد الكفر من جديد، ثانيةً، فجاء هود -صلى الله عليه وسلم- ووقف أمام قومه يدعوهم إلى الله -جل وجلاله- ويتحداهم وهو واحد، ويقول: إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ* مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُون* إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  54- 56 سورة هود فكذبوه وكابروا غاية المكابرة، فدعا ربه: قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ 26 سورة المؤمنون.
وقد قص الله -عز وجل- علينا خبرهم فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً 15 سورة فصلت، إلى أن قال الله -عز وجل-: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ 16 سورة فصلت، فأهلكهم الله -عز وجل- عن بكرة أبيهم، ونجّى هوداً ومن معه من المؤمنين.
ثم بعد ذلك عاد الكفر ثالثةً، فأرسل الله -عز وجل- صالح -عليه الصلاة والسلام-، أرسل نبيه صالحاً فجاءهم بآيةٍ بينةٍ واضحةٍ لا لبس فيها، وهي الناقة فكابروا وكفروا وعتوا عن أمر ربهم وعقروا الناقة، وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا 77 سورة الأعراف وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ* قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ  48- 49 سورة النمل، فأنجاه الله -عز وجل- من ذلك وأخذته الرجفة فهلكوا عن بكرة أبيهم، وأنجى الله -عز وجل- نبيه ومن معه من المؤمنين.
ثم جاء إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- فجابهه الكفار وكابروا غاية المكابرة، ووضعوه في المنجنيق، ثم بعد ذلك قذفوه في النار،، فجعلها الله -عز وجل- عليه برداً وسلاماً.

 

جاء إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- فجابهه الكفار وكابروا غاية المكابرة، ووضعوه في المنجنيق، ثم بعد ذلك قذفوه في النار،، فجعلها الله -عز وجل- عليه برداً وسلاماً.

 

ثم بعد ذلك جاء لوط -صلى الله عليه وسلم- ونهى قومه وأمرهم ودعاهم إلى الله -تبارك وتعالى- وقال لهم: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ 80 سورة الأعراف فكذبوه ورموه بما يتنزّه عنه، واستهزؤوا به غاية الاستهزاء، وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ 82 سورة الأعراف، ولما جاءه الملائكة الذين جاؤوا بالعذاب، وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ  78 سورة هود، فقال لهم كلامه المحزن: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ 80 سورة هود، فطمأنوه وقالوا له: يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ 81 سورة هود... إلى آخر ما قالوا له، فأهلكهم الله -تبارك وتعالى- بأن قلب قراهم وديارهم عليهم، يقول الله -سبحانه وتعالى- واصفاً حالهم هذا: فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ* مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ  82-83 سورة هود.
ثم بعد ذلك جاء شعيب -صلى الله عليه وسلم- فاستهزأ به قومه، وقالوا له: يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ* قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ  92-93 سورة هود، فلما لم يستجيبوا له نزل بهم عذاب الله فأخذتهم الصيحة وأهلكهم الله -عز وجل- فلم يبق لهم أثراً.
ثم بعد ذلك تتابع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وقتل منهم من قتل، كما قال الله -عز وجل-: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ 146 سورة آل عمران، يعني جماعات كثير من أتباعه، فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ* وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ 146- 147 سورة آل عمران، فكانوا في غاية الثبات مع قتل مقدمهم وكبيرهم وإمامهم وقدوتهم، وهو نبيهم -عليه الصلاة والسلام- على هذه القراءة المتواترة: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ 146 سورة آل عمران.
وعلى القراءة الأخرى: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وفي القراءة الأولى على الوصل: وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قتل مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، أي أن القتل وقع على جماعات من أتباعه كثير، فما فت ذلك في أعضادهم، وما وهنوا، وما ظهر الضعف عليهم، وما استكانوا لعدوهم، وما خضعت قلوبهم، وإنما بقوا ثابتين صابرين، متمسكين بالحق الذي عرفوه.
ثم بعث الله -عز وجل- نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- فكانت حياته حافلةً بالآلام، حافلةً بالمصائب، حافلةً بالأوجاع، وكان -صلى الله عليه وسلم- في غاية الثبات.
كان -صلى الله عليه وسلم- أشرف الخلق، وأحب الخلق إلى الله -جل جلاله-، ومع ذلك تتابع عليه هذه الآلام والمصائب والأوجاع، ثم بعد ذلك يتساءل بعض المسلمين في أيامنا هذه: كيف تنزل على هذه الأمة هذه البلايا؟ وكيف يسلط عليها عدوها وهم على الحق؟
النبي -صلى الله عليه وسلم- لما بعثه الله -تبارك وتعالى- كذبه المشركون ورموه بالسحر، ورموه بالجنون، ورموه بالعظائم، ثم تعاقدوا على حبسه ومن معه في الشِّعب –شعب أبي طالب- فحبسوا ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة، وبقوا محبوسين ومحصورين مضيقاً عليهم جداً مقطوعاً عنهم الميرة والمادة نحو ثلاث سنين حتى بلغهم الجهد وسمع أصوات صبيانهم بالبكاء من وراء الشعب.
وبعد ثلاث سنين خرج هؤلاء جميعاً من الشعب؛ لكنهم لم يفض بهم هذا الخروج إلى راحةٍ وهناءةٍ، بل مات أبو طالب بعد خروجهم من الشعب بستة أشهر، وكان يحوط النبي -صلى الله عليه وسلم- ويكلؤه ويحميه، وما كان المشركون يستطيعون إيصال الأذى إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع وجود أبي طالب.
فلما مات أبو طالب قام هؤلاء المشركون وتطاولوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وازدادت ضراوة عداوتهم.
ثم بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام ماتت زوجته التي كانت ترعاه، وكانت تكلؤه، وكانت تواسيه، خديجة -رضي الله عنها وأرضاها-.
تتابعت المصائب على رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، فاشتد البلاء عليه، فخرج -عليه الصلاة والسلام- إلى الطائف، فآذاه أهل الطائف، ونالوا منه، وأقام بينهم عشر أيام لا يدع أحداً من أشرافهم إلا جاءه وكلمه، فقالوا له: اخرج من بلدنا، ثم أغروا به سفاءهم، ووقفوا له سماطين[1]، وجعلوا يرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه الشريفتان -عليه الصلاة والسلام-، ومعه مولاه زيد بن حارثة يقيه بنفسه وبدنه، حتى أصابه شجاج في رأسه، فرجع النبي -صلى الله عليه وسلم- محزوناً، وأقام بنخلة بين مكة والطائف أياماً، فقال له زيد -رضي الله عنه-: كيف تدخل على أهل مكة وقد أخرجوك؟! فقال: (يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه)[2].
ثم انتهى النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة، ولم يستطع -صلى الله عليه وسلم- دخولها، حتى بعث رجلاً من خزاعة إلى رجل من المشركين وهو المطعم بن عدي، وقال له: (أدخل في جوارك؟)[3] فقال: نعم.
فدخل النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة في جوار هذا الرجل.
ثم بعد ذلك كان ما كان من اجتماعهم بدار الندوة على قتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو محاصرته أو غير ذلك مما أرادوا به، فنهض النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى هاجر مستخفياً -عليه الصلاة والسلام- وقد جعلوا الرصد على الطرق المعروفة المؤدية إلى المدينة، فلما وصل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مدينته الطيبة بسلام لم يفض به هذا الوصول إلى راحة،؛ ذلك أن المسلمين كانت لهم مواجهات عديدة مع أولئك الكفرة من قريش ومن أعظم تلك المواجهات غزوة بدر الكبرى.
انتصر المسلمون انتصاراً ساحقاً في غزوة بدر، لكن ما لبثوا أن جاءهم التهديد بعدها بسبعة أيام فنهض النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى غزو بني سليم، حتى بلغ ماءً يقال له: الكُدْر، فأقام عليه ثلاثاً بعد أن بلغهم تهديدهم مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ولم ينته التهديد بعد ذلك فبعد بدرٍ بشهرين حينما رجع فَلُ المشركين موتورين إلى مكة محزونين، نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماءٌ حتى يغزو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليثأر منه، فخرج في مائتي راكب، حتى أتوا العريض في ناحيةٍ من المدينة، وبات ليلةً واحدة عند سلام بن مشكم اليهودي فسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس، فلما أصبح قطع أصواراً من النخل، ثم قتل رجلاً من الأنصار وحليفاً له، ثم كر راجعاً إلى مكة، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فتبعه وطلبه حتى بلغ النبي -عليه الصلاة والسلام- غرغرة الكدر، وفاته أبو سفيان، وطرح أبو سفيان ومن معه سويقاً كثيراً كان معهم؛ ليتخففوا ليكون ذلك أدعى إلى الانفلات والفرار من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لئلا يدركه المسلمون فما أدركوه فسميت تلك الغزوة بـ(غزوة السويق).
ثم رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، وبقي فيها شهر ذي الحجة، ثم جاءه التهديد من جديد من جهة نجد، فغزا النبي -صلى الله عليه وسلم- نجداً يريد غطفان، فأقام هناك صفراً كله من السنة الثالثة، ثم انصرف ولم يلقَ حرباً، ثم رجع إلى المدينة، وأقام بها ربيعاً الأول ثم خرج يريد قريشاً، فبلغ بحران من ناحية الفرع حيث بلغه التهديد من هناك، ولم يلق حرباً، فأقام هناك ربيعاً الآخر وجمادى الأولى.
ثم بعد ذلك نكث يهود قينقاع عهدهم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حيث جاءت امرأة إلى السوق من المسلمين فراودها يهودي لتكشف وجهها فأبت، فاحتال عليها فعقد ذيلها عقدةً بأعلى ثوبها فلما قامت بدت عورتها فصاحت يا للمسلمين، فقام إليه رجل من المسلمين فأطار برأسه، فتعادى اليهود على هذا المسلم فقتلوه، فجهز لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- جيشاً، فحاصرهم خمس عشرة ليلة حتى نزلوا على حكمه، وكانوا سبعمائة مقاتل حتى شفع فيهم رئيس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول.
ثم بعد ذلك نقض يهود بني النظير العهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان ذلك بعد بدرٍ بستة أشهر -على ما ذكره الإمام البخاري -رحمه الله- وسبب ذلك أنهم تآمروا على النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما جاء ومعه نفر من أصحابه ليعينوه على دية رجلين قتلهما عمرو بن أمية الضمري -رضي الله عنه-، فأسندوا إلى رجلٍ منهم ليلقى رحىً من فوق حجرةٍ على رأس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد كان استظل بظلها، فأخبره الوحي، فانطلق سريعاً إلى المدينة، وجهز لهم الجيش.
وفي بعض الروايات: أنهم طلبوا من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يخرج في مائةٍ من أصحابه، وأن يخرج أحبارهم في مائةٍ من أجل أن يتحاوروا في منتصف الطريق، ثم بعد ذلك تذاكروا بينهم وقالوا: إن خرج في مائةٍ من أصحابه فإنهم يمنعونه، فقالوا: اخرج في عشرة ونخرج في عشرة، فلما همّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخروج وقد أرادوا الغدر به وقتله أخبره الوحي بذلك، وكان ذلك نكثاً منهم للعهد فجهز لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- الجيش.
ثم بعد ذلك جاءت وقعت أحد في يوم السبت في السابع من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة، وحصل فيها ما حصل، قتل سبعون من المسلمين، وممن قُتل حمزة ومصعب بن عمير -رضي الله عنهم وأرضاهم- ومثّل بهم وبقر بطن حمزة -رضي الله عنه- وجدع أنفه، وقطعت أذناه، وفعل بالمسلمين ما فعل من الجراح.
ولقد شجّ وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- وسال الدم على وجهه الشريف، وكسرت رباعيته، وسقط في الحفرة التي حفرها له أبو عامر الراهب، وحصل بلاء عظيم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه، ثم بعد تلك الغزوة خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى حمراء الأسد في اليوم الآخر لما بلغه أن المشركين يفكرون في الرجوع ثانيةً إلى المدينة، وخرج معه من خرج في أحد بآلامهم وجراحهم ودمائهم وبعد ذلك أنجاهم الله -عز وجل- من كيد المشركين.
ثم بعد ذلك أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة شوال وذا القعدة وذا الحجة ومحرماً، فلما استهل هلال المحرم بدأ التهديد من جديد، فبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن طلحة وسلمة ابنا خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما من العرب يدعوان بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا سلمة وعقد له لواءً وبعث معه مائة وخمسين من الأنصار والمهاجرين، فخاف المشركون، ولم يلق المسلمون كيداً.
لم ينته التهديد للمسلمين من قبل أعدائهم، فما أن كان الخامس من شهر محرم بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي قد جمع له جموعاً، فبعث إليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن أنيس فقتله.
ولم ينته التهديد بعد ذلك، فلما كان شهر صفر قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وجراح المسلمين لم تندمل بعد من وقعة أحد، قدم عليه قوم من عضل والقارة وذكروا أن فيهم إسلاماً، وسألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبعث معهم من يعلمهم الدين ويقرؤهم القرآن فبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معهم عشرة من خيار أصحابه، وأمَّر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي -رضي الله تعالى عنه- وفيهم خبيب بن عدي -رضي الله عن الجميع-، فذهبوا معهم فلما كانوا بالرجيع -وهي لهذيل بناحية الحجاز- غدروا بهم، واستصرخوا عليهم هذيلاً، فجاءوا حتى أحاطوا بهم إحاطة السوار بالمعصم، فقتلوا عامتهم واستأسروا خبيباً -رضي الله عنه- وزيد بن الدثنة، فذهبوا بهم وباعوهم بمكة، وكانا -رضي الله تعالى عنهما- قد قتلا من رؤوس المشركين في بدر.
أما خبيب -رضي الله عنه- فمكث عند المشركين بمكة محبوساً، ثم أجمعوا على قتله، فخرجوا به من الحرم إلى التنعيم، فلما أجمعوا على صلبه قال: "دعوني أصلي ركعتين" فتركوه فصلاهما فلما سلم قال: "والله لولا أن تقولوا: أن ما بي جزع لزدت"، ثم قال: "اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً"، ثم قال وصفاً حاله وحالهم -رضي الله عنه وأرضاه-:

لقد أجمع الأحزاب حولي وألّبوا *** قبائلهم واستجمعوا كل مجمعِ
وكلهم مبدي العداوة جاهداً *** علـيّ لأني فـي وثـاقٍ بمضيـعِ
وقد قربوا أبناءهم ونساءهم *** وقربـت من جـذعٍ طويـل ممنّعِ
إلى الله أشكو غربتي بعد كربتي *** وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي *** فقد بضّعوا لحمي وقد ياس مطمعي
وقد خيّروني الكفر والموت دونه *** وقـد ذرفـت عيناي من غير مجزعِ
وما بي حذار الموت إني لميت *** وإنـي إلـى ربي إيـابي ومرجـعي
ولست أبالي حين أقتل مسلماً *** علـى أي شقٍ كان في الله مضجعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ *** يبـارك علـى أوصـال شلوٍ ممـزّعِ
فلست بمبدٍ للعـدو تخشعـاً *** ولا جـزعاً إنـي إلـى الله مرجـعي.

فكان يتجلد أمام هؤلاء، وفي هذه الأثناء قال له أبو سفيان: أيسرك أن محمداً عندنا تضرب عنقه وأنك في أهلك آمن؟ فقال: "لا والله ما يسرني أني في أهلي وأن محمداً في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه".

ثم صلبوه -رضي الله عنه- وقتلوه، ثم أخذوا زيداً -رضي الله عنه- وابتاعه صفوان بن أمية، فضرب عنقه بأبيه لما قتل في يوم بدر.
ثم لما كان شهر صفر من السنة الرابعة كانت وقعة بئر معونة، وملخصها أن رجلاً يقال له: البراء بن عامر بن مالك الملقب بملاعب الأسنة، قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة، فدعاه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، لم يكابر ولم يرفض الإسلام رفضاً قاطعاً، لكنه لم يسلم، وقال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك لرجوت أن يجيبوهم"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إني أخاف عليهم أهل نجد)[4] فقال أبو البراء: "إني جار لهم"، فبعث معه النبي -صلى الله عليه وسلم- جماعة من الصحابة -كما في صحيح البخاري- وأمّر عليهم المنذر بن عمرو -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- الملقب بالمُعْنِق ليموت، وكانوا من خيار المسلمين، ومن فضلائهم وقرائهم، فساروا حتى نزلوا بئر معونة، وهي أرض لبني عامر عند حرّة بني سُليم، فنزلوا هناك، ثم بعثوا حرام بن ملحان -رضي الله عنه- أخا أم سليم بنت ملحان -رضي الله عنها- بكتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عدو الله عامر بن الطفيل فلم يقرأ الكتاب، ولم ينظر فيه، وأمر رجلاً أشار إليه فطعن حرام بن ملحان -رضي الله عنه- بالحربة من خلفه حتى أنفذها بين ثدييه، فلما رأى الدم -أعني حرام بن ملحان -رضي الله عنه- قال: "فزت ورب الكعبة".
فلما كان شعبان، وقيل: ذو القعدة من العام القابل خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا الموعد في ألفٍ وخمسمائة ومعه عشرة أفراس، وكان الذي يحمل اللواء علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- فلما بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- بدراً أقام بها ثمانية أيام ينتظر المشركين، أما أبو سفيان فكان قد خرج من مكة ومعه ألفان وخمسون فارساً، فلما انتهوا إلى مر الظهران -على مرحلةٍ من مكة- قال لهم أبو سفيان: "إن العام عام جدب، وقد رأيت أن أرجع بكم"، فانصرفوا راجعين وأخلفوا الموعد، فقيل لها: بدر الموعد.
وفي ربيعٍ الأول من السنة الخامسة للهجرة خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- لما بلغه التهديد هذه المرة من جهة دومة الجندل، بلغه -صلى الله عليه وسلم- أنه قد اجتمع جموع كبيرة من المشركين يريدون المدينة فخرج بألفٍ من أصحابه، فلما بلغ ذلك المشركين تفرقوا، ولم يلق النبي -صلى الله عليه وسلم- كيداً.
فلما كان شهر شعبان من السنة الخامسة جاءه تهديد آخر إذ بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق قد سار في قومه، ومن قدر عليه من العرب، يريدون حرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخرج إليهم -عليه الصلاة والسلام- مع أصحابه في يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، فلما بلغهم ذلك تفرق من كان معه من العرب، فحمل المسلمون على من بقي معه حملة رجلٍ واحد، ثم بعد ذلك ظفروا بهم، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد خرج معه نفر من المنافقين لم يخرجوا قبل تلك الغزوة.
وفي تلك الغزوة -أعني بني المصطلق وهي المريسيع- وقع ما وقع حينما تشاجر رجلان، رجل من غفار وهو حليف لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ورجل من جهينة وهو حليف لعبد الله بن أبي، تشاجرا على الماء فقام الغفاري فلطم الجهني، فقال الجهني: يا للأنصار -يعني حلفاءه- وقال الغفاري: يا للمهاجرين، فكاد يقع الشر بين أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فبلغ ذلك عبد الله بن أبي فقال كلامه المشهور المعروف: "أوقد فعلوها، والله ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك"، وقال: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".
ووقع ما وقع في تلك الغزوة، وبدأ المنافقون يتكلمون، وحصلت واقعة الإفك في طريق النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة لما عرس النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض الطريق، وفقدت عائشة -رضي الله تعالى عنها- عقدها -في القصة المشهورة- حيث رجعت ولم تجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه، فبقيت في مكانها حتى غلبتها عينها فنامت، فجاء صفوان بن المعطل -رضي الله تعالى عنه- فحملها على بعيره، وجاء بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في منتصف النهار، فتكلم عبد الله بن أبي بكلامٍ قبيحٍ، واتهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في عرضه، وآذى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتلقف ذلك المنافقون، وتكلم فيه بعض ضعفاء الإيمان، وبقي النبي -صلى الله عليه وسلم- شهراً كاملاً يقاسي الألم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يوحى إليه شيء في أمرها، وهي لا يتوقف لها دمع، تواصل البكاء في ليلها ونهارها.
أشرف بيتٍ عرف في التاريخ يتهم بأقبح تهمة، ويبقى يكابد الآلام والحسرات هذه المدة، ثم يقوم النبي -صلى الله عليه وسلم- على المنبر، ويقول: (من يعذرني من رجلٍ بلغني أذاه في أهلي؟)[5]، فيقوم أسعد بن زرارة -رضي الله عنه- ويقول: "يا رسول الله: إن كان منا معشر الأوس قتلناه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا بأمرك".
فيقوم سعد بن عبادة -رضي الله عنه- وتأخذه الحمية، وهو رجل من خيار الصحابة، فيقول: "كذبت، والله لا تقتله، ولا تقدر على قتله"، ثم يقوم آخر من الأوس فيقول: "بل كذبت أنت، أنت منافق تدافع عن المنافقين".
ثم يكاد الحيان يقع بينهما الشر فيتثاوران، ويبقى النبي -صلى الله عليه وسلم- يخفضهم على المنبر حتى هدؤوا، ونزل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- آلام وهموم ومصائب مجتمعة من كل ناحية حتى برأ الله -عز وجل- هذه الطاهرة العفيفة الشريفة من فوق سبع سماوات.
وبعد هذه الشدائد وفي السنة الخامسة كانت غزوة الخندق، والتي تسمى أيضاً بغزوة الأحزاب، وهي الغزوة التي ابتلى الله فيها عباده المؤمنين، وبعث الإيمان في قلوب أوليائه المتقين، وأظهر ما كان يبطنه أهل النفاق، وفضحهم وفزعهم، حيث جاء المشركون من كل ناحية وأحاطوا بالمدينة وحاصروها في وقتٍ بردٍ وجوعٍ وشدةٍ، فبقي أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يحفرون الخندق، ويربطون الحجر على بطونهم، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يربط الحجرين على بطنه الشريف، حتى انحسر ثوبه عن بطنه، وقد غطاه التراب، فكان يحفر مع أصحابه في غداةٍ باردة ويقولون:

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة *** فاغفر اللهم للأنصار والمهاجرة

لقد أصاب المسلمين ما أصابهم من الخوف الشديد والجوع الشديد في هذه الغزوة، وكما صوّر الله -عز وجل- ذلك المشهد بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا  9 سورة الأحزاب ، إلى أن يقول الله -عز وجل-: إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا 10 سورة الأحزاب.
وفي هذه الظروف الحالكة الحرجة يبدأ المنافقون باستغلال الموقف فيتحركون ويرجفون في الصف ويقولون: يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ، فيكذبهم الله -عز وجل- فيقولوَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا 13 سورة الأحزاب.
ومن إرجافهم الشنيع أنهم كانوا يستهزؤون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه، ويقولون: "إنما هؤلاء أكلة رأس"، يعني أنهم قلة، ويقولون للناس: هلمّ إلينا، يعني من أجل أن نوفر لكم الحماية إذا دخلل المشركون إلى المدينة.

 

ومن إرجافهم الشنيع أنهم كانوا يستهزؤون برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه، ويقولون: "إنما هؤلاء أكلة رأس"، يعني أنهم قلة، ويقولون للناس: هلمّ إلينا، يعني من أجل أن نوفر لكم الحماية إذا دخلل المشركون إلى المدينة.

 

ومع ذلك كله فقد فضح الله –عز وجل- أمر المنافقين، ودفع بأس المشركين، فأنزل نصره ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده وأعز جنده، ورد الكفرة بغيظهم، ووقى المؤمنين شر كيدهم، وحرم عليهم شرعاً وقدراً أن يغزوا المؤمنين بعدها، بل جعلهم المغلوبين، وجعل حزبه هم الغالبين.
ثم بعد ذلك وفي السنة السابعة كانت وقعت خيبر، وانتصر فيها المسلمون، فجاءت امرأة من اليهود من أهل خيبر يقال لها: زينب بنت الحارث، وهي زوجة سلام بن مشكم، فسألت عن أحبِّ اللحم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقيل لها: الذارع، فأهدت له شاةً مصلية، ثم أكثرت السمَّ في الذراع، فنهس النبي -صلى الله عليه وسلم- منها نهسةً، فأخبره هذا الذراع أنه مسموم، وكان قد أكل بعض أصحابه فمات بشر بن البراء -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- ثم بعد ذلك بقي النبي -صلى الله عليه وسلم- يعاني من هذا السم، عاش بعده ثلاث سنين حتى قال في المرض الذي قبض فيه، وهو يعاني من آثار هذا السم: (يَا عَائِشَةُ، مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ)[6].
وبعد خيبر اجتمع خلق كثير من غطفان ولحيان يريدون المدينة، فبعث لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بشير بن سعد -رضي الله عنه- فلما أغاروا عليهم تفرقوا.
وأقبل قيس بن رفاعة –أيضاً- في جمعٍ كثير يريدون المدينة، فبعث لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ابن أبي حدرد الأسلمي في سريةٍ فرمى قائدهم قيساً بسهمٍ في قلبه فشك فؤاده فقتله فتفرق أصحابه.
ثم أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- جيشاً في السنة الثامنة في جمادى الأولى إلى أطراف الشام إلى مؤتة فوجدوا هرقلَ قد اجتمع معه من الروم مائة ألف، وانضم إليهم من قبائل العرب من أهل الشام من لخمٍ وجذام وبلي، مائة ألف، يقابلهم ثلاثة آلاف، ثم بعد ذلك كان ما كان من قتل القادة الثلاثة، زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب وعمره ثلاث وثلاثون سنة، ثم بعد ذلك قتل القائد الأخير، وهو عبد الله بن رواحة -رضي الله عنه- حتى أخذ اللواء خالد بن الوليد -رضي الله عنه- فانحاز بالجيش، ورجع بهم إلى المدينة.
وفي جمادى الآخرة بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن جمعاً من قضاعة قد تجمعوا يريدون المدينة، فبعث لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- عمرو بن العاص، ثم بعث مدداً مع أبي عبيدة -رضي الله تعالى عنه- فتفرقوا.
وبعد أن فتح الله على نبيه -صلى الله عليه وسلم- مكة اجتمع خلق كثير من هوازن وثقيف في وادٍ يقال له: حنين بين مكة والطائف مع أميرهم مالك بن عوف النصري، فاجتمع معه من جشم وسعد بن بكر خلق كثير، وكمنوا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، فلما دخلوا هذا الوادي انهالت عليهم النبال كأنها مطر تزعزعه الريح، فانهزم الذين مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكانوا يزيدون على اثني عشر ألفاً، وما بقي معه إلا عشرة نفر فقط، وتضعضع الباقون، وكان يدعوهم -صلى الله عليه وسلم-: (إليّ عباد الله)[7]، ويستقبل المشركين بصدره -صلى الله عليه وسلم- وبوجهه، وهو على بغلةٍ لا تحسن الكر والفر، ويقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)[8].
وكان مالك بن عوف النصري قد أخرج النساء والأطفال والأموال من الإبل والبقر والغنم من أجل أن يموتوا دون نسائهم وأموالهم، ثم بعد ذلك أظفر الله -عز وجل- نبيه -صلى الله عليه وسلم- بهم، فجاءه رجل من ورائه وهو شيبة بن عثمان الحجبي، وكان رجلاً من المشركين -من أهل مكة- خرج ليقتل النبي -صلى الله عليه وسلم- غيلةً، فأوحى الله إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم-، واطلع على ذلك، فالتفت إليه، ثم أخذه -صلى الله عليه وسلم- فمسح على صدره، فصار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحب الناس إليه، وثبت مع هؤلاء العشرة.
وفي رجب من السنة التاسعة من الهجرة اجتمع الروم في الشام، ومعه لخم وجذام وعاملَ وغسان من قبائل العرب، اجتمعوا لحرب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فتوجه -عليه الصلاة والسلام- إليهم حتى نزل بتبوك، ولم يلقَ كيداً.
وفي العودة لما بلغ -عليه الصلاة والسلام- عقبةً شديدة خيّر أصحابه بين المشي في السهل أو يمشوا على العقبة، فاجتمع أربعة عشر رجلاً من المنافقين، وتآمروا على إلقاء النبي -صلى الله عليه وسلم- من فوق هذه العقبة ليتدحرج أسفل الجبل -عليه الصلاة والسلام-، فزجروا ناقته، فاستقبلهم حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- بعصاً يلطم وجوه رواحلهم، حتى دفعهم عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-.
ثم بعد ذلك كانت المصيبة العظمى والداهية الكبرى التي حلت بالمسلمين، ألا وهي موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ كانت أعظم مصيبة نزلت بالمسلمين، فأظلم من المدينة كل شيء بعد أن أنار منها كل شيء حين قدمها -عليه الصلاة والسلام-.
ثم ارتدت جميع قبائل العرب، وما بقي إلا أهل المدينة، وبقي أهل مكة بعد أن كادوا أن يرتدوا، فثبتهم سهيل بن عمرو -رضي الله عنه- وبقي بنو عبد القيس في الساحل الشرقي في جزيرة العرب، أما القبائل الأخرى فارتدت عن الإسلام، فجهز لهم الجيوش أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- فانطلقوا مشرقين ومغربين يقاتلون هؤلاء على الإسلام.
ثم بعد ذلك مات أبو بكر متأثراً بالسم الذي وضع في يوم خيبر، ثم بعد ذلك جاء عمر -رضي الله عنه- فطعن وهو يصلي الفجر بالمسلمين فمات -رضي الله عنه وأرضاه- ثم جاء عثمان -رضي الله عنه- فقتل في داره مظلوماً -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- ثم توالت الفتن.
وجاء علي -رضي الله عنه- وانقسم المسلمون وتفرقوا، ووقع القتال بينهم في يوم الجمل، ووقعت أمور عظام، وأهوال كبار، ووقعت وقعة صفين حتى تكسرت السيوف، ولم يجدوا إلا الحجارة فكانوا يتراشقون بها، فقتل خلق كثير من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن المسلمين من خيار أبناء المهاجرين والأنصار.
ثم بعد ذلك قتل علي -رضي الله تعالى عنه-، وجرت ثلاث محاولات لقتل معاوية -رضي الله عنه- فأنجاه الله -عز وجل-، ثم بعد معاوية -رضي الله عنه- وقعت وقعة الحرّة، وقتل كثير من خيار أبناء المهاجرين والأنصار، وقتل ابن الزبير، وقتل الحسين، وقتل كثير من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن التابعين.
ولم تزل تنزل بالمسلمين نكبات عظام، فظهرت الفرق المبتدعة، وتفرقت الأمة وتشرذمت ثم آلت الخلافة العباسية إلى المعتزلة، وفتن العلماء وامتحنوا، ومات بعضهم وهو مكبل بالحديد في السجن في مسألة خلق القرآن، ثم أزاح الله هذه الفتنة بعد أن تعاقب في نصرتها جمع من الخلفاء.
ثم جاء التتار وذبحوا الخليفة، وذبحوا نحواً من مليوني مسلم في بغداد وحدها، وفعلوا الأفاعيل حتى جرى نهر دجلة بالدماء، وتغير لونه، وأنتن الهواء من كثرة الجيف، وكان الرجل من التتر يجد مائة من المسلمين وليس معه سلاح، ويقول لهؤلاء: مكانكم -حتى يأتي بالسيف- ثم يرجع ولم يفر واحد منهم من شدة الهلع، ثم يقوم يقتلهم جميعاً.
ثم انطلق هؤلاء إلى الشام، واستباحوا حرمات المسلمين، كان النساء والأطفال يجتمعون في الجوامع في دمشق، فكانوا يدخلون عليهم التتار، ويفجرون بالأبكار أمام ذويهن في الجوامع وهن يصرخن ويستغثن ولا مغيث، وقتل الرجال، وفعلوا كل شيء، وبقي الأطفال بلا مأوى أياماً، ثم بعد ذلك أرسلوا عبيدهم والمرتزقة معهم فاستباحوها، ثم بعد ذلك أحرقوها، وقع ذلك في دمشق، ووقع في حلب، ووقع في غيرها من الأمصار الشامية.
لقد وقعت بالمسلمين أمور عظيمة ونكبات جسيمة كان منها الحروب الصليبية والتي لا تزال تؤذي المسلمين حتى يومنا هذا، فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

____________________

1- سماطين: أي وقفوا جانبين
2- زاد المعاد (ج 3 / ص 28) فَصْل ٌ[الْخُرُوجُ إلَى الطّائِفِ]، ومختصر سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-(ج 1 / ص 164) للإمام محمد بن عبد الوهاب الطبعة: الأولى، الناشر: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد المملكة العربية السعودية، تاريخ النشر: 1418هـ.
3- المصدرين السابقين.
4- زاد المعاد (ج 3 / ص 221) فَصْلٌ [بِئْرُ مَعُونَةَ].
5- أخرجه البخاري في كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضاً (2518) (ج 2 / ص 942)، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب قول الله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ 38 سورة الشورى (6935) (ج 6 / ص 2682).
6- أخرجه البخاري تعليقاً في كتاب المغازي، باب مرض النبي -صلى الله عليه وسلم (ج 13 / ص 340)، وأخرجه أبو داود في كتاب الديات، باب فيمن سقى رجلا سماً أو أطعمه فمات أيقاد منه برقم (4512) (ج2/ص 582)، ولفظ أبي داود: (ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر فهذا أوان قطعت أبهري)، والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع برقم (7929).
7- السيرة النبوية لابن كثير (ج 3 / ص 44).
8- أخرجه البخاري في كتاب فضل الجهاد والسير، باب من قاد دابة غيره في الحرب (2709) (ج 3 / ص 1051) وفي باب بغلة النبي -صلى الله عليه وسلم- البيضاء (2719) (ج3 / ص 1054) وفي باب من صف أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته واستنصر (2772) (ج3 / ص1071) وفي باب من قال: خذها وأنا ابن فلان (2877) (ج 3 /ص 1071).

 

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 4
teleqram
trees
about