إلى من أسرته الأوهام
عدد الزوار : 10852
تاريخ الإضافة : 5 جمادى الآخر 1428
MP3 : 40190 kb
PDF : 518 kb

إلى من أسرته الأوهام

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد،وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فحديثنا في هذه الليلة عن الأوهام، وهو حديث ذو شجون، وسيتضمن هذا الحديث -بإذن الله -عز وجل- ست قضايا:

الأولى: في بيان حقيقة الأوهام.

الثانية: في بيان قابلية الإنسان للوهم.

الثالثة: في خطر الأوهام على الأفراد والمجتمعات.

الرابعة: في أسباب التعلق بالأوهام.

الخامسة: في ذكر نماذج من الأوهام.

السادسة: في العلاج.

أولاً: حقيقة الوهم.

الوهم أيها الإخوة والأخوات من خطرات القلب.

يقال "توهم الشيء" إذا تخيله وتمثله، سواء كان ذلك في الوجود أو لم يكن.

يعني: قد نتخيل أمراً لا وجود له، ولا حقيقة له، كـ"العنقاء" طائر يُذكر كثيراً في كلام المتكلمين من الشعراء وغيرهم، ولكنه لا وجود له أصلاً في هذا العالم.

فحقيقة الوهم أنه اعتقاد فاسد ناتج من تصور خاطئ.

ثانياً: قابلية الإنسان للوهم.

أكثر الخلق نفوسهم مطيعة للأوهام، وقد يعلمون بكذبها، وكثير من إقدام الناس وإحجامهم إنما هو بسبب الأوهام التي تسيطر عليهم.

فالإنسان كما يقول الحافظ ابن القيم –رحمه الله– وقبله الغزالي: قد ينفر طبعه عن المبيت في بيت فيه ميت، مع أنه يقطع بأن هذا الميت لا يتحرك، ولكنه يتوهم في كل لحظة أنه قد يتحدث أو يتحرك، أو يصدر منه شيء يتخوفه[1].

فالواقع شاهد بتأثير الوهم والإيهام، ولذلك يمكن للإنسان أن يمشي على هذا الخط الممتد في صف المسجد، ويجري عليه دون أن يشعر بأي ارتباك، ولكن حينما يكون هذا الخط هو عبارة عن جدار في الدور العاشر، فإنه قد لا يستطيع أن يجلس عليه فضلاً عن أن يمشي، أو يجري فوق هذا الجدار، لماذا؟

لاستيلاء الوهم على النفوس.

والأطباء ينهون صاحب الرعاف عن النظر إلى الأشياء الحمراء، كما أنهم ينهون المصروع عن النظر إلى الأشياء قوية اللمعان أو الدوران؛ وذلك أن النفوس -كما ذكرتُ- خلقت مطيعة للأوهام، والطبيعة فعالة، والأحوال الجسمانية، تابعة للأحوال النفسانية.

حتى الحيوانات، لهذا يذكر أن الهر إذا أراد أن يصطاد الفأر في سقف الدار -وكانت الدور قديماً بالخشب، وفيها الفئران وفيها ما فيها- فإنه يجلس تحته، يجلس على الأرض ويرفع يديه ورجليه ويحركها أمام الفأر، فما يتمالك هذا الفأر حتى يسقط بين يديه.

ولربما جاء الكلب إلى الحيوان الذي يمشي على الجدار، فضرب ظله برجله فيسقط فيصطاده.

بل ذكر بعض أهل العلم كالحافظ ابن القيم –رحمه الله– أن الغزال أسرع من الكلب، فإذا انطلق الغزال وانطلق في أثره الكلب فإن الغزال يسبقه، ولكن الكلب يصيده.

وذلك أن الغزال حينما يسرع في المشي يتوهم أنه مدرك لا محالة، فيلتفت إلى الكلب، فإذا التفت إليه خارت قواه فيتمكن منه الكلب.

فأقول: هذه الأوهام علة عليلة تقع للإنسان وللحيوان على حد سواء، ولذلك تجد البهيمة يسحبها الجماعة من الرجال، وهي قد مكنت يديها ورجليها من الأرض لا تتحرك؛ لأنها تتوهم أنها ستنتقل إلى مكان يفضي بها إلى الخطر، وقد تكون تُنقل من أجل الطعام أو الشراب، أو نحو ذلك.

ثالثاً: خطر الأوهام.

سلوك الإنسان يبقى مترتباً على ما بنفسه، بغض النظر عن صواب ذلك الذي في النفس أو خطئه، فما ينطبع في نفس الإنسان يتسلط على سلوكه ومواقفه إزاء الأحداث والأشخاص.

وأعمال الناس تأتي نتيجة لما في نفوسهم من المعتقدات والأفكار والتصورات، ولهذا قيل: "الناس أسرى بأفكارهم ومعتقداتهم".

وهذا كما يقع للأفراد يقع كذلك لأي أمة من الأمم، إذا حملت أفكاراً وهمية عن أعدائها، أو أصدقائها.

فالعقيدة التي يحملها الإنسان في صدره ذات أثر كبير في سلوكه، بل نستطيع أن نقول: إن السلوك العملي للإنسان في حياته ومواقفه تجاه الأحداث التي تواجهه في رحلة الحياة ما هي إلا ترجمة حية لما يحمل بين حنايا قلبه من عقيدة

 

إن السلوك العملي للإنسان في حياته ومواقفه تجاه الأحداث التي تواجهه في رحلة الحياة ما هي إلا ترجمة حية لما يحمل بين حنايا قلبه من عقيدة

 

، وما ينطوي عليه فؤاده من المبادئ والقيم.

وقد قيل: كل إناء بما فيه ينضح.

ويقول الشاعر شوقي:

               .........................              والناسُ في أوهامهم سجناءُ

فهذه قضية بدهية مسلّمة، لا يخرج عنها إلا المنافق الذي يتصنع، ويظهر ويفعل أشياء لا يعتقدها، ولا ينطوي عليها فؤاده.

والوهم ضرب من الاعتقاد بهذا الاعتبار، فالإنسان إذا توهم أمراً من الأمور في جانب من جوانب الحياة، دفعه هذا الوهم لاتخاذ مواقف معينة، وسلوك محدد يتفق نصًّا وروحاً مع ما يمليه هذا الوهم، فهذا الوهم صار عقيدة بالنسبة إليه، ولو لفترة مؤقتة.

ولذلك هذا الوهم قد يجر صاحبه إلى المهالك، وقد يرديه في الدنيا، أو يذهب ماله، أو يذهب أهله، كما سيتضح لنا من خلال النماذج التي نذكرها.

فكم شتّتت الأوهام من طاقات، وبددت من جهود، وعطلت من أعمال، وخربت من بيوت، وإذا وقع ذلك لمن بيدهم تدبير الأمور، أو توجيه الناس كالدعاة إلى الله -عز وجل- وأهل الإصلاح، فلا تسأل عن حال الناس بعد ذلك.

إذا كان الداعية الذي يدعو إلى الله -عز وجل- ويعالج مشكلات المجتمع تأسره الأوهام، ويتحرك في دائرة من الأوهام، فإن هذا يفسد أكثر مما يصلح.

رابعاً: أسباب التعلق بالأوهام.

التعلق بالأوهام، واتباع الأوهام يرجع إلى أمور متعددة:

أولاً: ما كان نتيجة لخداع الحواس.

فحواس الإنسان كالسمع أو البصر تخدعه، فيتوهم شيئاً من غير شيء، يتوهم صوتاً يسمعه ولا صوت، ويتوهم شبحاً يراه وهو في الحقيقة لم يشاهد شيئاً.

فيدخل في هذا سحر التخييل كما قال الله -عز وجل-: فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى طه: 66، وكما قال الله –تعالى-: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُم الأعراف: 116.

فمن أنواع السحر ما يكون من هذا القبيل، فيتخيل الإنسان أشياء لا حقيقة لها.

ونوع آخر مما يحصل للحواس: وهو ما يعرض لها في بعض الأحوال من أمورٍ خادعة، ولهذا قالت العرب: "في النهار ساعات تتغير فيها مناظر الأشباح، وتتضاعف أعدادها، فربما رئي الصغير كبيراً، والكبير صغيرًا، والواحد اثنين، وقد يُسمع لأصوات الفلا والحراب مثل الدويّ".

ولذلك قال الشاعر ذو الرُّمة:

                  إذا قال حادينا لتشبيهِ نَبْأةٍ *** صهٍ لم يكن إلا دويُّ المسامعِ[2]

النَّبأة: الصوت الخفي.

وبهذا سميت "الفلاة" دويّة كأن الدوَّ حكاية ما يسمعون، ثم نُسب المكان إليه كما قال الأعشى:

فوقَ دَيمومةٍ تُخيَّل للسَّفْ *** رِ قفارًا إلا من الآجالِ[3]

"فوق ديمومة" يعني الفلاة الواسعة، "تُخيَّل للسَّفر" يعني: أنهم يرونها مرة على هيئة، ومرة على هيئة، "قفاراً إلا من الآجال" جمع إِجْل، وهو قطيع البقر الوحشية.

وقال كعب بن زهير:

وصرماءَ مذكارٍ كأنّ دويَّها *** بُعيدَ جنانِ الليل مما يُخيَّلُ

مذكار يعني لا يقطعها إلا الفحل من الرجال، هو يصف صحراء، أرض بلا نبت ولا ماء "صرماء".

دويها: يعني صوتها.

والمعنى: أنهم بُعيد الظلمة -ظلمة الليل- يسمعون أصوات الرياح، أو ما يتوهمونه من الأصوات، ويظنون أنها أشياء من الجن وغيرها.

يقول:

حديثُ أناسيٍّ فلما سمعتُه*** إذا ليس فيه ما أُبينُ فأعقلُ[4]

يقول: يخيل لي أصوات ناس في هذه الصحراء الموحشة.

ومن هذا قول الأخطل يذكر فلاة رأى الصغير فيها كبيراً:

ترى الثعلبَ الحَوْلىَّ فيها كأنّه ... إذا ما علا نَشزًا حِصانٌ مُجلَّلُ[5]

يقول: الثعلب يتبدى أنه كبير وضخم في هيئته مثل الفرس.

ومن ذلك قول النابغة:   

وحَلّتْ بُيوتي في يفاعٍ ممنَّعٍ   ...  تخال به راعي الحمولةِ طائرَا[6]

يعني: بيوته على مكان مرتفع من الأرض، على ربوة، إذا رأيت الأشياء من أسفل فالذي يحمل حمولة -جمل مثلا عليه أحمال- كأنه طائر صغير.

ويقول ابن أحمر في تضاعف الأعداد:

وازدادت الأشباحُ أخيلةً *** وتعلل الحِرباء بالثَّغرِ[7]

وهكذا ما يراه الإنسان من السراب في الصحراء بوقت الظهيرة: يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا النور: 39، فالبصر قد يخدعه، والسمع قد يخدعه.

ثانياً: ما يعتري الإنسان من الأمراض.

وهي أنواع، فمنها:

- وهم التخيل، وهذا نوع من الأمراض يعرفه الأطباء، فهذا المريض بهذا الوهم يتخيل من يكلمه، أو من يلاحقه، أو أن فلاناً يكرهه، أو يكيد له، وأن هناك من يتآمر عليه، لربما يتوهم أن أحداً يضاحكه، فتجده في المجلس يضحك، ولا يوجد ما يُضحك، ولربما توهم أنه قد رُكب فيه جهاز، وأن هذا الجهاز يوجهه إلى أي مكان، وهذه الأمور التي أتحدث عنها شاهدت نماذج منها في حياة أناس، نسأل الله -عز وجل- العافية للجميع.

أقول: من أعراض هذا أنه قد يشعر صاحبه بصداع في الرأس، أو توتر، أو منامات مزعجة، وكوابيس، وشكوك، ووساوس، واتهام الآخرين بالخيانة، وعدم الثقة بالنفس، أو بالآخرين.

وقد يقع ذلك لبعض الناس بسبب السحر، وقد يقع أيضاً بسبب تعاطي بعض العقاقير المخدرة، فإن هذه تورث أوهاماً، وتتلف على الإنسان بعض خلايا المخ، وهذا شيء مشاهد ومعروف.

ولربما تورث هؤلاء غيرة زائدة مرضية، الغيرة قضية شرعية ومطلوبة، وهي فطرة وضعها الله -عز وجل- في قلوب الخلق، ولكن ذلك قد يتحول إلى ظاهرة مرضية، فهذا الإنسان قد يتهم زوجته العفيفة الشريفة بالزنا، ويتكلم في المجالس، ولربما مسح مقبض الباب، ولربما مسح العتبة؛ لينظر بعد ذلك إلى مواطئ الأقدام، وبصمات الأيدي، علّ أحداً قد عقبه إليها بعد أن فارقها، فهذا أمر قد لا يستطيع من يعانيه الخلاص منه إلا بالذهاب إلى الأطباء وتناول العقاقير والعلاج، ونحو ذلك.

ونوعٌ آخر من أنواع هذا الوهم، وهو الوهم المرضي، وهو:

وهم الإحساس، فهذا كله داخل بسبب المرض، هذا الإحساس، لربما يكثر عند هذا الإنسان، يقلق، يقول: أحس أن مكروهاً سيقع بي، أحس أني سأموت.

وهذا كثير، ويسأل عنه بالذات كثير من النساء، ثم تبدأ تشعر بمشاعر، ببرودة في الأطراف، في القدمين، والرجلين، ثم بخدرٍ يعم الجسد، ثم بنبض لربما يُسمع له صوت في صدرها، وتقطُّع في نبضات القلب، حتى تشعر أنها قد أشرفت على الهلاك والموت، وليس بها بأس.

كذلك قد يشعر ويتوهم، فيترك سفراً، يترك مناسبة، يشعر أن مكروهاً سيقع في هذا المكان، فيترك هذه المشروعات التي أراد أن يفعلها من سفرٍ، أو زيارة، أو حضور مناسبة، أو نحو ذلك.

وهذه الأوهام التي تقع عند هذا المتخيل الذي يزعم أنه يحس بأشياء لربما يكون ذلك أيضاً بسبب القرين، أو يكون ذلك الإنسان قد بُلي بالسحر، فيقع له شيء من ذلك، كأن يقول هذا الإنسان: سيهاتفني فلان الآن، أنا أشعر بهذا.

ثم يدق الهاتف فعلاً، ويكلمه فلان، وفلان بعيد جدًّا عنه، ولربما جاءه آخر وقال له: ما هذا الذي في جيبك؟

فقال: لا شيء.

قال: بلى، هو حلوى.

فإذا أدخل يده وجد هذه الحلوى فعلاً في جيبه.

من الذي أخبره بهذا؟ هو القرين، والقرين لا يعلم الغيب، لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ النمل: 65، لكن هذا القرين يطلع على ما في جيبه، فهذا أمر لا إشكال فيه.

وهم المرض، وهذه حالة تقع لكثير من الناس، لربما هذا الإنسان يكون منشغلاً مهتماً اهتماماً زائداً مفرطاً بصحة بدنه، مشغولاً بذلك، فهو دائماً يتلمس، يتلمس رقبته، ويتلمس صدره، والمرأة تتلمس صدرها، وتتلمس بطنها، وتتلمس وجهها، ولربما تأمّل أشياء عادية موجودة عند كل الناس، لكنه ما تأملها قبل ذلك من حبيبات في موضع في الجسد، أو أن هذه الجهة أضخم من هذه الجهة، وهو أمر طبيعي في الإنسان، فيجلس تلك الليلة لا ينام، يتوهم أنه قد بُلي بمرض خطير، وأن هذا تورم، أو أن هذا نوع سرطان في الجلد، أو نحو ذلك.

ثم قد يكبت هذه المشاعر، وقد يقضي أياماً ولربما أسابيع وهو يصارع هذه المشاعر في نفسه، ولا ينام، ويحاول أن يأكل أمام أهله، أمام أولاده، أمام من حضره من أجل أن لا يبين، ولا يظهر ما به من علة، ولكنه كأنما يمضغ الحصى أو البلاستيك من شدة الهم والغم، فهو لا يجد طعماً لطعام، ولا يجد لذة لشراب، ولا أُنساً، ولا غير ذلك؛ لأن هذا الوهم صار يسيطر عليه، فهو ينظر في كل تقلص لعضلة، وكل نبضة لقلب، ويذهب إلى الأطباء كثيراً، ولديه تقارير كثيرة، وأشعة كثيرة، وأدوية كثيرة جدًّا، ولربما أصر على أنه يعاني من العلة الفلانية، ولربما تلكأ أمام الطبيب وينظر إلى عينيه ووجهه، ماذا سيقول له بعد الفحص والنظر في حالته؟.

ويكون أنسُ هذا وراحته، ولذته وسروره إذا شاركه الآخرون في هذه القضايا، ويتحدث معهم لربما بنبرة فيها المرض، والحزن، والكآبة، لربما يستعطف هؤلاء الآخرين، هو لا يتصنع هذا، وإنما هذه أمور تغلبه فلا يستطيع الخلاص والفكاك منها.

فينقضي العمر وهو يعيش بين أمراض موهومة لا حقيقة لها، ولربما يصر على إجراء بعض العمليات الجراحية، وهذه قد تُفعل في بعض البلاد، عملية ليست حقيقية، وإنما هي سطحية في الجلد، ثم يظهرون له ما يضعون من الأشياء اللاصقة والأدوية، ونحو ذلك، والتخدير، فيوهمونه أنهم أخرجوا من بطنه كيساً أو أنهم وجدوا فيه التصاقات في الأمعاء، أو أنهم وجدوا عنده بعض الأورام، أو نحو ذلك، وأنهم قد أزالوها.

وهكذا بعضهم قد يتصور أنه قد صرعه الجن، أو أنه قد ابتلي بسحر، أو نحو ذلك، فيذهب إلى هذا الراقي أو ذاك، ولربما ذهب إلى السحرة، ورأيت أحد هؤلاء الرقاة مرة يضغط على عرقٍ، فيقع الشخص مغشياً عليه، فسألته: هل هؤلاء يعانون من علة؟

قال: أبداً، هؤلاء يتصورون أنه لن تخرج هذه العفاريت من أجسامهم -وليس بهم بأس- إلا إذا جاءوا عندي.

هذا الرجل كان من أشهر الرقاة قبل سنين، فيسقطون، ثم بعد ذلك يقول له: اخرج، اخرج.

ثم يقوم يضرب صدره، ويقوم ويظن أنه قد خرج ما به من مسٍّ وجن وتلبس، ونحو ذلك، وهو ليس فيه شيء إطلاقاً.

فمتوهم هذه الأمراض يركز على هذه القضايا، ويتخيل أشياء لا حقيقة لها، وينزعج تماماً إذا قيل له: إنه ليس بك بأس، وأنت إنسان تتوهم.

وينفر من ذلك تماماً، ولذلك تجد مثل هؤلاء يحبون العزلة كثيراً، والناس لا يحبون كثرة مجالستهم؛ لأنهم إنما يتحدثون عن عللهم وأمراضهم، ولا يتحدثون عن قضايا اجتماعية وقضايا تتعلق بمصالح أخرى ينتفع منها المُجالِس.

ومن أسباب توهم المرض: أن الإنسان قد يقرأ أحياناً عن بعض الأشياء، أو يسمع بعض التفصيلات، قد يزور إنساناً، ويسمع تفاصيل المرض الذي أصابه –عافانا الله وإياكم وجميع المسلمين – كأن يسمع منه تفاصيل المرض الخطير الذي أصابه من سرطان مثلاً في الناحية الفلانية، فيأتي هذا الإنسان، ويتخيل أن هذا الأمر يشبه ما يمر به الآن في هذه المرحلة، في أول أمره ومبدئه –يعني مبدأ ذلك المصاب– ثم يبدأ يتوهم هذه الأشياء، ويشعر بحرارة في جسمه، ونحو ذلك، نفس الأعراض.

بل رأيت من تساقطوا في بعض السنين القديمة، حينما سمعوا شرحاً عن مرض الكوليرا، وأن هذا الوباء يحتاج الناس معه إلى تطعيم، وجاء الأطباء يطعمون الناس، فسقط اثنان وأصابتهم نفس الأعراض –أعزكم الله– من الاستفراغ، واستطلاق البطن، وذهبوا بهم في الإسعاف، وليس بهم بأس، إنما هو الوهم.

ولذلك أقول: هذه علل عليلة، وأدواء قد تقعد الإنسان، فلا يستطيع أن يقوم على رجليه إذا تخيل وتوهم أنه قد أصيب بمرض معين.

ولذلك تجد أحياناً من يقرأ مثلاً عن بعض الأمراض النفسية، يقرأ عن الاكتئاب مثلاً، لربما يشعر أن كل هذه الأوصاف موجودة فيه، ويشعر أنه مكتئب، خاصة المرأة تشعر أنها تود البكاء، وهذه أمور طبيعية، ليس معنى ذلك أنها مكتئبة، لكن تشعر أنها قد ابتليت فعلاً بهذا المرض.

وهكذا قد يقرأ الإنسان، أو يسمع، أو يحضر عند أولئك الرقاة الذين يحضر عندهم كثير من الناس، فيسمع بعض الأعراض  للسحر، من أعراض في الجانب الفلاني، أو في الرأس، أو في المكان الفلاني، أو نحو هذا، فيتوهم هذه الأشياء أنها موجودة فيه.

ولربما يُرقَى -وقد رأيت بعض من وقع له هذا- فيسقط أثناء الرقية، وتحصل له الأعراض نفسها التي وجدت لذلك الإنسان المصاب بهذا المرض، أو بهذا المس، أو بهذا السحر، فالوهم شأنه عجيب.

ومن أنواع هذه الأوهام المرضية:

وهم العظمة، وهذا أمر لا يخفى، قد يوجد هذا لفرد من الأفراد، فيشعر أنه فوق العالم، ويتكبر، ويترفع عليهم غاية الترفع، وينظر إليهم باحتقار، وقد يكون هؤلاء الذين يحتقرهم هم أبوه وأمه الذين ربوه، وإخوته الذين يعيش معهم في بيت واحد، أو نحو هذا.

ثالثاً: الخوف.

والخوف الناشئ من الوهم المتسلط يشل جهد الكائن الحي حتى في مجال الحيوان، ومن ذلك ما تذكره العرب من الحكايات عن الفيافي والقِفار التي تكون ناشئة بسبب المخاوف.

ذكرت لكم أمثلة بسبب تخيّل، أو غلط، أو ما يحصل للبس للحواس، وكذلك يقع لهم بسبب الخوف كما نقل ابن قتيبة –رحمه الله– عن بعضهم: أن الذي حمل كثيراً من الأعراب على توهم ما يذكرون من الأخبار من عزيف الجن، وتغوّل الغيلان أن أصل هذا الأمر ومبتدأه أن القوم لما نزلوا بلاد الوحش عملت فيهم الوحشة[8].

وقد قيل: من انفرد وطال مقامه في البلاد، والخلاء والبعد من الأنس استوحش، لاسيما مع قلة الأشغال والمذاكرين.

والوحدة لا تقطع أيامَهم إلا بالمُنى أو التفكير، والفكر السلبي قد يورث الإنسان الوسوسة.

فإذا استوحش الإنسان تمثل له الشيء الصغير في صورة الكبير، وارتاب، وتفرق ذهنه، وانتقضت أخلاطُه فرأى ما لا يُرى وسمع ما لم يُسمع، وتوهّم على الشيء اليسير الحقير أنه عظيم جليل، ثم جعلوا ما تصور لهم من ذلك شعراً تناشدوه وأحاديث توارثوها، فازدادوا بذلك يقيناً وإيماناً، ونشأ عليه الناشئ، ورُبِّي به الطفل الصغير فصار أحدهم حينما يتوسط الفيافي وتشتمل عليه الغيطان في الليالي الحنادس، فعند أول وحشة وفزعة، وعند كل صياح بومٍ ومجاوبة صدى، يكون قد رأى كل باطل، وتوهّم كل زور، وربما كان في أصل الخلق والطبيعة كذاباً نفّاجاً، وصاحب تشنيع، وتهويل، ومبالغة، فيقول في ذلك من الشعر على حسب هذه الصفة، فعند ذلك يقول: رأيت الغيلان، وكلمت السِّعلاة.

ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول: قتلتها.

ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول: رافقتها.

ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول: تزوجتها.

وهكذا أولئك الذين يزعم الواحد منهم أنه رافق الذئب، وعشّاه، وصاحبه، وما أشبه ذلك من الأساطير والحكايات الباطلة التي يتناقلها بعض العامة.

وهذا رجل معروف يقال له "أبو البِلاد الطُّهوي" ويكنى بـ"أبي الغول" لأنه فيما زعم رأى غولاً فقتلها، وهذا تأبط شرًّا وهو من شياطين العرب - كما عُرف بذلك – زعم أنه لقي الغول فقتلها.

ومن ذلك قول زهير:

تسمعُ للجنِّ عازفين بها *** تضبحُ عن رهبةٍ ثعالبُها[9]

يعني: تصيح.

ومنه قول حُميد بن ثور:

مفزَّعةٌ تستحيل الشخوصَ *** من الخوفِ تَسمع ما لا تَرى[10]

وقد قالوا: إن من أحناش الأرض، وأحناش الطير في المَهامِه والرمال ما لا يظهر ولا يصوِّت إلا بالليل كالصدى، والضُّوع، والبوم، واليَراع، فإذا سمع أحدهم وهو خائف حسيس هامة أو زُقاء بومٍ، أو رأى لمع يراعة من بُعد وجب قلبه، وقفّ شعره، وذهبت به الظنون كل مذهب.

وهكذا الخائف المنهزم الذي يفر في الأرض قد طارده العدو، أو توهّم أن العدو يطارده، يتوهم كل شيء أنهم رجال، وجيوش يلاحقونه ويطاردونه.

ومن هذا قول جرير يهجو الأخطل:

ما زلتَ تحسِب كلَّ شيء بعدهم *** خيلاً تكر عليكمُ ورجالا [11]

المنهزم يتخيل حتى الأشجار أنها خيول ورجال يلاحقونه.

ومن ذلك قول المتنبي:

وضاقت الأرضُ حتى كان هاربُهم *** إذا رأى غيرَ شيءٍ ظنه رجلا

وهكذا من خاف المرض، أو من عظم خوف المخلوق في نفسه، كما قال الله -عز وجل-: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ الحشر: 13.

ومن طريف ما تؤثره الأوهام ما ذكره صاحب الوافي بالوفيات، قال: ترافق القرطبي المفسر، والشيخ شهاب الدين القرافي في السفر إلى الفيوم، فلما دخلاها ارتادا مكاناً ينزلان فيه، فدُلا على مكان، فلما أتياه قال لهما إنسان: يا مولانا، بالله لا تدخلاه فإنه معمور بالجان.

فقال الشيخ شهاب الدين للغلمان: ادخلوا ودعونا من هذا الهذيان.

ثم إنهما توجها إلى جامع البلد إلى أن يفرش الغلمان المكان، ثم عادا، فلما استقرا بالمكان سمعا صوت تيس يصيح من داخل الدار، وكرر ذلك الصياح، فامتقع لون القرافي، وخارت قواه، وبهت، ثم إن الباب فُتح وخرج منه رأس تيس وجعل يصيح، فذاب القرافي خوفاً، وأمّا القرطبي فإنه قام إلى الرأس وأمسك بقرنيه، وجعل يتعوذ ويبسمل ويقرأ: آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ يونس: 59.

ولم يزل كذلك حتى دخل الغلام، ومعه حبل وسكين، وقال: يا سيدي، تنحَّ عنه.

وجاء إليه، وأخرجه، وأنكاه، وذبحه، فقالا له: ما هذا؟

فقال: لمّا توجهتما رأيته مع واحد فاسترخصته واشتريته لنذبحه ونأكله، وأودعته في هذا المكان، فأفاق القرافي من حاله وقال: يا أخي، لا جزاك الله خيراً، ما كنتَ قلتَ لنا وإلا طارت عقولنا، أو كما قال[12].

رابعا: مقارنة المكروه.

ومن ذلك -كما ذكر الحافظ ابن القيم -رحمه الله- في مفتاح دار السعادة-: نفرة من نهشته الحية من الحبل المرقَّش الذي فيه ألوان بحيث إنه يشبه الحية؛ لأنه وجد الأذى مقروناً بهذه الصورة، فتوهم أن هذه الصورة مقرونة بالأذى[13].

وكذلك قد ينفر من بعض الأطعمة؛ لأنه يتخيل شيئاً يكرهه وينفر منه طبعه، فيُشبِّه هذا وهذا، فيقترن هذا بذاك، فلا يأكل مثل هذا الطعام، ويستقذره، ويتباعد منه.

وهكذا أيضاً لربما نفر الإنسان من آلة لربما بذل فيها أموالاً، لكن لأن يده أو يد ولده قد دخلت فيها ففرمتها وسالت دماؤه عليها فهو منظر كريه، إذا رأى هذه الآلة تذكر هذا فهو لا يريد أن يمسها بعد ذلك، ولا يقترب منها، ويريد أن تُخرج من بيته.

وهكذا حينما يقع لإنسان حادث شنيع مؤلم يتشحّط بعض من يحبهم في دمائهم في هذا الحادث، في هذا المكان، أو في هذه القرية، أو في تلك الناحية، فإنه لا يريد سماعها ويتشاءم منها أحياناً، ولا يريد ذكرها، بل لربما يتشاءم ويكره السفر بالسيارة بالكلية ولا يسافر إلا بالطائرة.

وهكذا لربما يقع له موقف صعب في الطائرة وتوشك أن تقع، فبعد ذلك لا يستطيع أن يركب الطائرات ويعزف عنها تماماً.

وهكذا أيضاً مسألة الاقتران، لربما يسمع الإنسان قاعدة يستحسنها فإذا رُكِّبت عليها الأمثلة وجيء بقول لشيخٍ يعظمه قولُه يناقض هذه القاعدة التي استحسنها السامع فإنه يقول: هاه، ويبدأ يتراجع؛ لأنه ينفر من هذه القاعدة الآن؛ لأنها قرنت بتخطئة شيخٍ يحبه.

وهكذا تجد ذلك في كثير من أحوال المتعلمين والمتعصبين.

الخامس من أسباب الأوهام: الشعور بالكمال الزائف.

هذا قد يكون على مستوى أمة مثل من يقول عن هذه الأمة مثلاً: إنها لا تحتاج إلى علاج، والأمة قوية، وممكَّنة، وظاهرة، وأن الأمة ليس فيها أدواء، ولا علل، ولا أمراض، ونحو ذلك.

فيبقى يعيش في مثل هذا الوهم.

وهكذا أيضاً قامت أمم وشعوب على وهم كبير، العنصرية مثلاً، قامت "النازية" على وهم نقاء الجنس الآري وخلوصه إلى أعلى درجات البشرية، وبنوا على هذا أموراً كثيرة كما هو معلوم.

و"الفاشية" قامت على وهم نقاء العرق الروماني في إيطاليا.

وهكذا ما وقع في أقصى الشرق لدى اليابانيين حيث توهموا نقاء العرق الياباني.

وهكذا اليهود حين قالوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ المائدة: 18، لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى البقرة: 111،لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةًالبقرة: 80، فأسرفوا على أنفسهم بالذنوب، بناء على وهمٍ اعتقدوه وهو أنهم ينجون عند الله -عز وجل.

وهكذا على مستوى الأفراد، فالله -عز وجل- قد وصف الكافر: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فصلت: 50.

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًامريم: 77.

وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًاالكهف: 35، 36.

فهؤلاء بنوا أمورهم على أوهام كاذبة لا حقيقة لها.

انظروا إلى عقيدة الهندوس مثلاً، هاجر قبل قرون طويلة -قبل الميلاد- قوم من أوروبا وهم "الآريون" بسبب حروب وقعت هناك، هاجروا إلى بلاد الهند وشكلوا المجتمع على طبقات، وجعلوا ذلك ديناً وعقيدة، جعلوا المجتمع على أربع طبقات:

الطبقة الأولى: البراهمة، وهم الذين زعموا لهم أن الإله خلقهم من رأسه، أو أنهم من فم الإله.

الطبقة الثانية: الكاشتر، وهم الذين خلقهم الإله من ذراعيه، هؤلاء هم الذين يتعلمون، ويقدمون القرابين، ويحملون السلاح للدفاع، يعني الجنود.

الطبقة الثالثة: هم الويش وهم الذي خلقهم الإله في زعمهم من فخذه، هؤلاء الزراع والتجار، ينفقون على المعاهد الدينية.

الطبقة الرابعة: وهم المسحوقون، وهم الشودر، وهم الذين خلقهم الإله من رجليه، فهم طبقة منبوذة، عملهم مقصور على خدمة الطوائف الثلاث السابقة، فهم يعملون في المهن الحقيرة والقذرة، ولا يجوز للرجل من طبقة "الشودر" أن يتزوج طبقة أعلى من طبقته بحال من الأحوال.

أما "البرهمي" فهو صفوة الخلق وقد ألحقوه بالآلهة، فلهم أن يأخذوا من أموال "الشودر" ما يشاءون، و"البرهمي" رجل مغفور له، ولو أباد العالم بذنوبه.

ولا يجوز للملك مهما اشتدت الظروف أن يأخذ جباية، أو إتاوة من البرهمي، وإن استحق البرهمي القتل لم يجز للحاكم إلا أن يحلق رأسه، أما غيره فيقتل.

و"البرهمي" الذي في العاشرة من عمره يفوق "الشودري" الذي ناهز المائة، فيكون بمنزلة الوالد لولده.

ولا يصح لبرهمي أن يموت جوعاً في بلاده.

أما المنبوذون فهم أحط من البهائم، وأذل من الكلاب، بحسب اعتقادهم وديانتهم، وعلى الجميع أن يسلم بذلك.

ومن سعادة المنبوذ أن يخدم البرهمي من غير أجر ولا ثواب، وإذا مد أحد المنبوذين إلى "برهمي" يداً أو عصاً ليبطش به قطعت يده، وإذا ضربه برجله تقطع رجله، وإذا همّ أحد المنبوذين بمجالسة "برهمي" فعلى الملك أن يكوي مقعدته.

وإذا ادعى أحد المنبوذين أنه يعلِّم برهميًّا فإنه يُسقى الزيت المغلي[14].

ومن الأوهام: ما يتوهمه الجاهل من أنه عالم، ويتحول ربما إلى مفتٍ، ولربما يجتمع حوله بعض الجهلة، ويعظمونه، ويمدحونه، ويصدق ذلك، ويفتيهم، فيضل خلقاً كثيراً.

وهذا هو الذي وقع للخوارج حينما تركوا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وشيخوا جهلة من بينهم، فصاروا يفتونهم، فضلوا وأضلوا، ولربما فعل ذلك بعض الشَّبيبة في زماننا هذا ينتقدون العلماء وينتقصونهم حتى يسقطوهم، ثم بعد ذلك من هو العالم؟ ومن هو المفتي؟ ومن هو الكبير؟ هو واحد من هؤلاء الشَّبيبة، الذي ما شم رائحة العلم فيتحول إلى مفتٍ وعالم، فيفتيهم في الأمور الكبار فيقع ما لا يحمد عقباه.

وقد يتوهم الإنسان أنه مكمل للإيمان، وأنه متحقق بالصبر، والتوكل، والرضا، وقوة القلب، والثبات، وما أشبه ذلك، وإذا جاء الجد تبين أنه من أقل الناس صبراً وتوكلاً، ومن أعظم الناس خوفاً من المخلوقين، ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموه فاصبروا)[15].

وانظروا إلى حال الصحابة –رضي الله عنهم– في غزوة الخندق، ما الذي حصل؟ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لهم -وفيهم أبو بكر وعمر-: من يأتيني بخبر القوم، وأضمن له الجنة؟[16].

وما يقوم أحد، وفيهم أبو بكر وعمر، والواحد منا لربما يتوهم أنه لو كان موجوداً لطار من أجل أن يحقق هذا المطلب.

لكن هؤلاء فيهم أبو بكر وعمر –رضي الله تعالى عن الجميع.

ولربما يظن بعض الناس أنه مستغنٍ عن حضور مجالس العلم؛ لأن عنده من المعارف والثقافة ما يكفيه، فهو ليس بحاجة لأن يثني ركبه عند أحد، ولذلك لا تجده يحضر مجلساً من مجالس العلم إطلاقاً، فهو مستغنٍ عن هذا كله.

وقد يتوهم الإنسان أنه في شغل، ولربما يذهب ويجيء وأهله لا يجلسون معه، وأولاده لا يجلسون معه، دائماً مشغول، ولربما لو نظرت إلى وقته والأشغال التي يزعم أنه قد شُغل فعلاً بها لوجدت أن ذلك يمكن أن يقضى بقليل من الوقت، ولكنه يعيش في ربشة تربكه، فهو يذهب ويجيء، ويخرج ويمشي، ويحمل معه لربما حزمة من المفاتيح، فهو لا يفيق إلى شيء، وهو يعيش في وهمٍ كبير، والواقع أنه يبدد أوقاته في أمور يمكن أن تقضى بأقل من ذلك بكثير، أو يمكن أن يقضيها الآخرون.

ومما يتعلق بوهم الكمال: طلب المثالية، لربما يبالغ الإنسان إذا أراد أن يتزوج، أو المرأة إذا أرادت أن تتزوج، هذه تحكي عن صديقة لها مهندسة تخطت الثلاثين من عمرها، طرق بابها الكثيرون، ولكنها كانت ترفضهم؛ لأنها تتخيل زوجاً وفارس أحلام يحقق لها السعادة بما فيه من التدين، والوسامة، والثراء، وما أشبه ذلك من الوظائف المرموقة، ونحو ذلك.

ثم تفوت الأيام، ثم تكتشف أنها كانت تعيش بعقلية ناقدة، مثالية، لا تمت إلى الواقع بصلة، ثم بعد ذلك تجد نفسها قد ركبت في قطار العنوسة، وفاتتها فرص الزواج.

وهذا شاب يتوقد ذكاء، إلا أنه لا يستطيع أن يتخذ قراراً في حياته، فهو دائماً إذا لاحت له فرصة من الفرص يفوّتها بدراسة البدائل، والنظر في كثير من الأمور الدقيقة التي تضيع عليه الزمان، وتطير من بين يديه الفرص، حتى أصيبت شخصيته بالتردد والخوف، ثم بعد ذلك صارت تقع له الإحباطات، والمشكلات، والتراجع في عمله، وفي دراسته قبل ذلك، حتى صار لا يستطيع أن يتخذ قراراً حتى في أموره الشخصية البسيطة، وصار من حوله من أهله يتخذون القرارات نيابة عنه.

ويلحق بهؤلاء أيضاً أولئك الذين يطلبون الكمالات من غير مظانها، الذين يدرسون في هذه الدورات التي تأخذ أموالهم وتفضي بهم إلى وهم كبير، الذين يدرسون في هذه البرمجة العصبية طلباً للثروة، ويقال له: إذا درست هذه الدورات ستكون ثريًّا، ستكون من أصحاب المليارات.

ثم يدرس المسكين، ولا يجد إلا الفَلَس والخيبة، وهكذا من يظن أنه سيعالج الأمراض، يدرس في هذه الدورات، ويقال له: تخيّل هذا المرض الآن في دائرة سوداء تجتمع في إنسان أمامك مسجى، وأن هذا المرض يخرج منك الآن بدائرة سوداء، ثم ينتقل، تخيله الآن ينتقل، ينتقل إلى هذا الإنسان المقابل، والآن تخلصت من المرض.

كيف يتخلص من المرض؟ إنسان في بطنه -في جوفه- طاعون، فيه علة، فيه مرض، كيف يخرج مثل هذا المرض بهذه الخيالات الفاسدة؟.

وهكذا أولئك الذين يتبعون المظهرية الجوفاء، فالكمال عندهم بنوع الساعة التي يلبسها هذا الإنسان الذي أمامهم، ونوع المركب الذي يركبه، وقد يكون هذا ينطوي على أمور لا حقيقة لها، بل قد يكون هذا الإنسان لا يحمل أي معانيَ ولا مبادئ، ولكنه لُبِّس هذه الساعة، أو هذا الثوب، أو رُكِّب في هذا المركب.

وهكذا أولئك الذين يعتمدون على النسب والحسب، ويظنون أن هذا تُكَأة يتكئون عليها من أجل السمو والرقي، والإنسان إنما يسمو بعلمه وعمله، والكمالات التي حصلها بيمناه بعد توفيق الله -عز وجل.

وبعض أولئك الشباب المساكين الذين يظن الواحد منهم أنه قد تمسك بالثريا، وأخذ بمعاقد العز إذا غبّر سيارته، أو إذا أوقفها وقد فرّ عجلتها إلى ناحية اليمين أو اليسار، أو إذا جلس يفحط فيها، وبدأت تلاحقه كاميرات الجوال أو كاميرات أخرى، ثم بعد ذلك طار عقله وحلق في عالم الجنون، وحاله يقول: إني مستهلكٌ، ميتٌ، متفانٍ لا يبالي في أي وادٍ هلك، المهم أن الجماهير قد اصطفت لتتفرج عليه وتصوّر مثل هذه الحماقات، فيظن أن هذه من الكمالات العظيمة، وأنه قد أخذ بمعاقد العز، وأنه قد سما في عالم الكبار.

وهم السعادة:

طلاب السعادة الذين يظنون أنهم يحصلونها في المال لا شك أنهم قد أخطئوا.

ولستُ أرى السعادةَ جمعَ مالٍ *** ولكنَّ التقيَّ هو السعيدُ

انظروا هذا المثل، هذه امرأة يونانية ثرية يقال لها "كريستينا" ابنة الملياردير "أونسايس" هذا يملك جزراً وأموالاً طائلة، ماتت أمها، ثم أبوها، ثم مات أخوها بعدما سقطت به طائرته التي كان يعبث ويلهو بها، وصارت زوجة أبيها هي الوارث الوحيد مع هذه الفتاة لتلك الثروات الطائلة، ورثت من أبيها ما يزيد على خمسة آلاف مليون، وصارت تملك أسطولاً بحريًّا، وجزراً بأكملها، وشركات طيران.

وكانت أمها قد ماتت بعد حياة مأساوية كان آخر فصولها الطلاق، وأما أبوها فقد اختلف مع زوجته الجديدة "جاكلين كيندي" وهذه زوجة الرئيس الأمريكي الأسبق، فتزوجها هذا الرجل بالملايين بحثاً عن الشهرة، وكان من بنود العقد ألا تنام معه في فراش، وأن لا يسيطر عليها، وأن ينفق عليها الملايين حسب رغباتها، ثم بعد ذلك اختلف معها، وبعد وفاته اختلفت مع ابنته.

أما هذه البنت فقد تزوجت في حياة أبيها برجل أمريكي، وبقيت معه شهوراً ثم طلقها، وبعد أبيها تزوجت برجل يوناني، وعاش معها شهوراً ثم طلقها، ثم تزوجت شيوعيًّا روسيًّا، وحينما سألها الصحفيون عن ذلك، قالت: أبحث عن السعادة.

ثم ذهبت معه إلى روسيا في وقت الشيوعية، حيث النظام الذي لا يسمح بامتلاك أكثر من غرفتين، ولا يسمح بخادمة، فجلست تخدم في بيتها، ولما سئلت عن هذا، قالت: أبحث عن السعادة.

فبقيت معه سنة ثم طلقها، ثم أقامت حفلة في فرنسا، وسألها الصحفيون: هل أنتِ أغنى امرأة؟

قالت: نعم، أنا أغنى امرأة، ولكني أشقى امرأة.

ثم تزوجت برجل فرنسي، ثم طلقها، ثم عاشت تعيسة وحيدة، ثم وجدت ميتة في شاليه في الأرجنتين، ثم دفنت في جزيرة أبيها.

وهكذا أولئك الذين يظنون أن السعادة في الشهرة.

هذا ممثل مشهور، معروف، تزوج ممثلة يهودية معروفة، وقد كتبت في مذكراتها أنه كان ممثلاً بسيطاً، فقال: أتمنى أن أملك مليون جنيه حتى لو أصبت بالمرض.

فقالت: وما ينفعك هذا المال إذا جاءك المرض؟

فقال: أنفق جزءًا من المال في العلاج وأعيش ببقيته سعيداً.

فملك أكثر من مليون جنيه، وابتلي بسرطان الكبد، فأنفق المليون وزيادة، ولم يجد السعادة، حتى إنه كان لا يأكل إلا قليلاً، فهو ممنوع من كثير من الأطعمة، ثم مات بمرضه هذا.

الشهادات الكبيرة: المرأة التي يزين لها أنها إذا صارت طبيبة، أو نحو ذلك، أنها ستكون سعيدة، هذه امرأة كتبت بقلمها، تقول: السابعة من كل صباح، في كل يوم، وقت يستفزني، يستمطر أدمعي، لماذا؟ أركب خلف السائق متوجهة صوب عيادتي.

ثم تقول: بل مدفني، بل زنزانتي، وعندما أصل مثواي أجد النساء بأطفالهن ينتظرنني وينظرن إلى معطفي الأبيض وكأنه بردة حرير فارسية، هذا في نظر الناس، وهو في نظري لباس حدادٍ لي.

ثم تقول: أدخل عيادتي، أتقلد سماعتي، وكأنها حبل مشنقة يلتف حول عنقي، العقد الثالث يستعد الآن لإكمال التفافه حول عنقي –يعني: بلغتُ الثلاثين – والتشاؤم ينتابني عن المستقبل.

أخيراً تصرخ وتقول: خذوا شهاداتي، ومعاطفي، وكل مراجعي، وجالب سعادتي الزائفة –تعني المال-.

تقول: وأسمعوني كلمة: "ماما".

ثم تقول هذه الأبيات:

لقد كنتُ أرجو أن يقال طبيبةٌ *** فقد قيل فما نالني من مقالها

فقل للتي كانت ترى فيَّ قدوةً *** هي اليوم بين الناس يُرثى لحالها

وكل مناها بعضُ طفلٍ تضمه *** فهل ممكنٌ أن تشتريه بمالها؟

السادس: العائق الوحيد.

انظر إلى بعض من يشتغلون بالرسائل الجامعية، الماجستير، والدكتوراه، لو طلب منه كلمة في مسجد، أو أي مشاركة فهو يعتذر دائماً بأنه مشغول بهذا البحث، ولو نظرت كم يستغرق عليه هذا البحث في اليوم والليلة لربما لا يستغرق أكثر من أربع ساعات، فأين الباقي من الوقت؟ أين عشرون ساعة؟

وقل مثل ذلك أيضاً فيما يتوهمه كثير من الناس من أنه سيتوب بعد أن يبلغ الأربعين، أو بعدما يحج، أو بعدما يتزوج، أو نحو هذا مما يردده بعض من يتبعون الأوهام.

السابع: التضليل.

فهو سبب من أسباب الأوهام، وهذا التضليل يقع من جهات متعددة، أولها: "تضليل الشيطان" –أعاذنا الله وإياكم منه– وهذا يكون تارة باستراق السمع وإلقاء ما استرق، فيضلل بذلك كثيراً من الناس، وقد بيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- طريقة حصول الكهّان والسحرة على بعض المغيّبات، كما في حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كالسلسلة على صفوان، فإذا فُزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟، قالوا لِلذي قال الحقَّ وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر -ووصف سفيان بيده، وفرج بين أصابع يده اليمنى، نصبها بعضها فوق بعض- فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه، وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه، إلى الذي هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الأرض -وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض- فتُلقى على فم الساحر، فيكذب معها مائة كذبة، فيَصدق، فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا، يكون كذا وكذا، فوجدناه حقًّا؟ للكلمة التي سُمعت من السماء)[17].

فهؤلاء الذين يدعون علم الغيب، وما يسمى بالتنبّؤ من المشعوذين والعرّافين، قارئ الفنجان، والذي يخط في الرمل، أو يقرأ الكف، أو بطريق الجمع والطرح في الأرقام، أو النظر في الأبراج، أو غير ذلك، وهي للأسف رائجة في هذه الأيام عن طريق بعض القنوات الفضائية، وعن طريق مواقع في الإنترنت، وعن طريق الاتصالات أحياناً بالهاتف، يتصل بهم بعض الدجالين، ويقول له: أنت مسحور، اسمك فلان بن فلان الفلاني، وقد سحرتك قريبةٌ لك، ويكلمه من تشاد، أو من بلاد أفريقية، من نيجيريا، أو غير ذلك، فيصدقه، ولربما تسلب أمواله بهذه الطريقة، ويتبع الأوهام والدجل، وما أشبه ذلك.

كثير من الناس، وربما بعض الفتيات، لربما في أول العام الدراسي، أو عند الاختبارات تقرأ في بعض الكتب التي في الأبراج، هل ستدخل في الجامعة التي تريدها؟، وهل ستتفوق في هذا الاختبار أو نحو ذلك؟، هل ستتزوج بإنسان يسعدها، أو نحو هذا؟

وبين يدي مقابلات مع بعض هؤلاء الفتيات اللاتي وقعن أسرى لمثل هذه البلايا والرزايا.

وهكذا ما يفعله بعض المخادعين من الدجالين، يأتي بحيوان، ويأتي بأوراق ويكتب في هذه الأوراق أشياء من الحظوظ، ويأتي الناس ويدفعون له بعض المال، ويقف في الأماكن السياحية أحياناً، ونحو ذلك، في بعض البلاد، وهذا الحيوان يأخذ ورقة، أو نحو هذا، ثم يفتحها هذا ويقول: حظك كذا وكذا وكذا، وما يدري هذا الحيوان؟!. 

وهكذا ما يلقيه الشيطان من الوساوس في الاعتقاد، وقد جاء في حديث صفية بنت حيي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)[18].

وجاء في حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- جاء ناس من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به.

قال: (وقد وجدتموه؟).

قالوا: نعم.

قال: (ذلك صريح الإيمان)[19].

وفي رواية من حديث ابن مسعود –رضي الله عنه-: سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الوسوسة، فقال: (تلك محض الإيمان)[20].

والمقصود: أن ما وجده الإنسان من القلق، والخوف، والانزعاج بسبب هذه الوساوس فدافعها، وردها، وكرهها أن ذلك دليل على حياة القلب بالإيمان، الإيمان حي نابض في قلبه، فمنعه من قبول هذه الوساوس وتصديقها، كما قال ذلك القرطبي، والخطابي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغير هؤلاء –رحم الله الجميع.

ومن ذلك ما يلقيه الشيطان من الوساوس في الأمور العملية، يوهمه أنه لم يتوضأ كما ينبغي، أو أن وضوءه قد انتقض، أو أنه لم يكبر تكبيرة الإحرام، ولربما يجلس الواحد من هؤلاء من بعد العصر إلى الساعة الثانية عشرة من الليل وهو يعيد الوضوء في دورة المياه –أعزكم الله.

هذه أمراض، ولربما يبكي، ولربما يقف عنده بعض أهله، ويقول له: غسلت وجهك، وغسلت يديك، مسحت رأسك، غسلت رجليك.

ثم بعد ذلك ينقض هذا كله، ثم يرجع من جديد، ولربما يكبر مع الجماعة ثم يخرج ويتوضأ، ثم يكبر، ثم يرجع ويتوضأ، ولربما يلبس في الساعة ثياباً متعددة؛ لأنه يتوهم أن هذه الثياب قد تنجست مع أن هناك أمورًا واضحة مثل: "اليقين لا يزول بالشك" وهذه قاعدة.

قاعدة أخرى: "الشكوك إذا كثرت طُرحت"، يعني لا يلتفت إليها.

قاعدة أخرى: "الشك في العبادة بعد الفراغ منها لا يؤثر".

ومن طريف ما وقع في هذا أن رجلاً جاء للفقيه ابن عقيل الحنبلي، فقال له: أنغمس في الماء مرارًا كثيرة وأشك: هل صح لي الغسل أم لا؟

فما ترى في ذلك؟

فقال له الشيخ: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة.

قال: وكيف؟

قال: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَالنّائمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَالصَّبىِّ حَتّى يَبْلُغَ)[21][22].

ومن ينغمس في الماء مراراً، ويشك هل أصابه الماء أم لا فهو مجنون.

ومن ذلك أيضاً -مما يلقيه الشيطان-: ما يلقي للإنسان في نومه من الرؤى والمنامات المزعجة، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الرؤى السيئة من الشيطان، وعلمنا كيف نستعيذ، وينقلب الإنسان إلى جانبه الآخر، وأنها لا تضره، وأنه لا يحدِّث بها.

وكثير من الناس في أوقات الأزمات -كما في هذا الزمان- يتعلقون بالرؤى، ويتشبثون بها، ويبنون عليها أموراً كبيرة من انتصارات، أو نحو ذلك، ولربما حددوا ذلك باليوم، والساعة، والتاريخ، سيحصل هذا الانتصار، وسيصلي الناس في المسجد الأقصى في اليوم الفلاني بتاريخ كذا، ثم يأتي هذا اليوم وتتلاشى هذه الأوهام.

فيتشبث كثير من الناس ويتعلقون بالرؤى، مع أن الرؤى يُستأنس بها -الرؤى الصالحة-، لكنه لا يُبنى على الرؤى حكمٌ كما هو معلوم، ولربما عادى الإنسان أناساً وأبغضهم، أو والى آخرين بسبب رؤى ألقاها الشيطان.

وكم من دعوى للمهديّة مبنية على الرؤى، فلربما يلقي الشيطان فعلاً في نفوس هؤلاء الناس، فيأتون إلى هذا الإنسان، ويقولون: هذا هو المهدي.

ويراه أناس ما عرفوه قبل ذلك، ويقسمون الأيمان المغلظة أنهم رأوه في المنام، وأنه هو المهدي الذي بشّر به النبي -صلى الله عليه وسلم.

أكثر من مائة إنسان يرونه في المنام، وتتضافر هذه الرؤى، ثم يأتي هذا المسكين، وينخدع، ويصدق، ويصدقه هؤلاء، ثم يبنون على ذلك أموراً عظيمة، وفساداً كبيراً كما حصل فيما شاهدنا وعاصرنا.

ولا زالت هذه القضايا تتجدد إلى يومنا هذا، يأتي أناس ويدّعي هذا أنه المهدي، وآخر يدّعي أنه القحطاني، وآخر يدّعي أنه كذا أو كذا، بناء على هذه الرؤى، ولربما لا أستبعد أن بعض من يفسدون في الأرض ولا يُصلحون هذه الأيام بهذه الأعمال التي يقومون بها من تفجير ونحوه، لربما يبني بعضهم بعض هذه الأشياء على رؤى يراها، فيخرج للناس كأنه واثق متيقن أن ما هو عليه حق، وأنه من دين الله -عز وجل-، وما علم أن الشيطان يتلاعب به غاية التلاعب.

مع أننا لا ننكر أن الرؤيا الصالحة من الله، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الرؤيا الصالحة جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)[23]، كما أخرج ذلك الشيخان.

وكما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له)[24]. متفق عليه.

لكن، هل كل ما يراه الناس هو من الرؤى الصالحة؟

وكذلك هل يكون هذا الرائي صادقاً؟ ومعلوم أن أصدق الناس لهجة وحديثاً هو أصدقهم رؤيا.

وكذلك هل هذا التعبير أصلاً صحيح كما ينبغي أو أنه وقع فيه الخطأ؟.

وهكذا ما يلقيه الشيطان من الشبه والشهوات في قلوب الناس من التمنية بالتوبة والمغفرة، يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا النساء: 120، وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ إبراهيم: 22،هذا الشيطان يتبرأ منهم.

ومن عجيب كيد الشيطان وتضليله: ما جاء في حوادث سنة 79 من الهجرة مما ذكره الحافظ ابن كثير –رحمه الله – في تاريخه، قال: وفيها قتل عبد الملك بن مروان الحارث بن سعيد المتنبي الكذّاب، ويقال له: الحارث بن عبد الرحمن بن سعيد الدمشقي، وكان الحارث الكذاب كما قال عبد الرحمن بن حسّان: من أهل دمشق، وكان له أب بالجَولة، فعرض له إبليس، وكان رجلاً متعبداً زاهداً، لو لبس جُبة من ذهب لرؤيت عليه الزهادة والعبادة، وكان إذا أخذ بالتحميد لم يسمع السامعون مثل تحميده، ولا أحسن من كلامه، فكتب إلى أبيه:

يا أبتاه، أعجِل عليّ، فإني قد رأيت أشياء أتخوف أن يكون الشيطان قد عرض لي.

قال: فزاده أبوه غيًّا على غيّه، فكتب إليه:  

يا بنيّ، أقبل على ما أُمرت به، فإن الله تعالى يقول: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ الشعراء: 221، 222.

ولست بأفّاكٍ ولا أثيم، فامض لما أمرت به، وكان يجيء إلى أهل المسجد رجلاً رجلاً، فيذاكرهم أمره، ويأخذ عليهم العهد والميثاق، إن هو يرى ما يرضى وإلا كتم عليه.

قال: وكان يريهم الأعاجيب، كان يأتي إلى رخامة في المسجد، فينقرها بيده، فتسبح تسبيحاً بليغاً حتى يضج من ذلك الحاضرون.

قال ابن كثير: وقد سمعت شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية –رحمه الله– يقول: كان ينقر هذه الرخامة الحمراء في المقصورة فتسبح، وكان زنديقاً.

وقال ابن أبي خيثمة في روايته: وكان الحارث يطعمهم فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وكان يقول لهم: اخرجوا حتى أريكم الملائكة.

فيخرج بهم إلى دير المَراق، فيريهم رجالاً على خيل، فيتبعه على ذلك بشرٌ كثير، وفشا أمره في المسجد، وكثر أصحابه وأتباعه حتى وصل الأمر إلى القاسم بن مخيمرة.

قال: فعرض على القاسم أمره، وأخذ عليه العهد إن هو رضي أمراً قبِله، وإن كرهه كتم عليه.

قال: فقال له: إني نبي.

فقال القاسم: كذبت يا عدو الله، ما أنت نبي.

وفي رواية: ولكنك أحد الكذابين الذين أخبر عنهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن الساعة لا تقوم حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنت أحدهم، ولا عهد لك.

ثم قام فخرج إلى أبي إدريس، وكان على القضاء بدمشق، فأعلمه بما سمع من الحارث، فقال أبو إدريس: نعرفه.

ثم أعلم أبو إدريس عبد الملك بذلك.

وفي رواية أخرى: أن مكحولاً وعبد الله بن أبي زائدة دخلا على الحارث، فدعاهما إلى نبوته، فكذباه، وردا عليه ما قال، ودخلا على عبد الملك، فأعلماه بأمره، فتطلبه عبد الملك طلباً حثيثاً، واختفى الحارث، وصار إلى دارٍ ببيت المقدس يدعو إلى نفسه، واهتم عبد الملك بشأنه حتى ركب إلى النصرية، فنزلها، فورد عليه رجل هناك من أهل النصرية، ممن كان يدخل على الحارث وهو ببيت المقدس، فأعلمه بأمره وأين هو، وطلب من عبد الملك أن يبعث معه بطائفة من الجند الأتراك ليحتاط عليه، فأرسل معه طائفة، وكتب إلى نائب القدس ليكون في طاعة هذا الرجل، ويفعل ما يأمره به.

فلما وصل الرجل إلى النصرية ببيت المقدس بمن معه، انتدب نائب القدس لخدمته، فأمره أن يجمع ما يقدر عليه من الشموع، ويجعل مع كل رجل شمعته، فإذا أمرهم بإشعالها في الليل أشعلوها جميعًا في سائر الطرق والأزقة حتى لا يخفى أمره.

وذهب الرجل بنفسه، فدخل الدار التي فيها الحارث، فقال لبوابه: استأذن على نبي الله.

فقال: في هذه الساعة؟ لا يؤذن عليه حتى يصبح.

فصاح النصري: أسرجوا.

فأشعل الناس شموعهم حتى صار الليل كأنه النهار، وهم النصري على الحارث، فاختفى منه في سرب هناك، فقال أصحابه: هيهات، يريدون أن يصلوا إلى نبي الله؟، إنه قد رفع إلى السماء.

قال: فأدخل النصري يده في ذلك السرب، فإذا هو بثوبه، فاجتره فأخرجه، فأخذوه فقيدوه، فيقال: إن القيود والجامعة سقطت من عنقه مراراً، ويعيدونها، وجعل يقول: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ سبأ: 50.

وقال لأولئك الأتراك: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ غافر: 28.

فقالوا له بلسانهم ولغتهم: هذا كُرآننا، فهاتِ كرآنك.

أي هذا قرآننا، فهاتِ قرآنك.

فلما انتهوا به إلى عبد الملك، أمر بصلبه على خشبة، وأمر رجلاً فطعنه بحربة فانثنت في ضلع من أضلاعه، فقال له عبد الملك: ويحك! أذكرت اسم الله حين طعنته؟

فقال: نسيت.

فقال: ويحك، سم الله ثم اطعنه.

قال: فذكر اسم الله ثم طعنه، فأنفذه[25].

فهذا مثال يدل على عظم كيد الشيطان لابن آدم وتغريره.

هذا الرجل لو خرج في قناة فضائية في هذه الأيام، كيف يكون حال كثير من الناس؟ والله المستعان.

وكذلك أيضاً شياطين الإنس، وما يحصل على يدهم من التضليل، مثل دعاة البدع، والأهواء، والضلالات الذين مثلاً يدعون الناس إلى عبادة المشاهد والقبور، ويبنون عليها القباب، وكان ذلك لا يعرف في سلف الأمة –رضي الله تعالى عنهم– في القرون المفضلة، وإنما ظهر ذلك على يد الباطنية من بني بُوَيه، على يد القرامطة بأرض المشرق والمغرب.

وهكذا الأضرحة التي بنيت عليها القباب، إنما ظهرت على يد هؤلاء، فضريح إسماعيل الساماني المبني سنة 296هـ، وهو أول ضريح عرف أنه بنيت عليه القبة، كان ذلك في مدينة بخارى.

وهذا الساماني نسبة إلى سامان كان مجوسيًّا، فأظهر الإسلام، وهكذا أيضاً الضريح المنسوب إلى علي –رضي الله عنه– في النَّجف بناه الحمدانيون سنة: 317هـ، ثم ضريح محمد بن موسى في مدينة قُم بإيران، سنة: 366هـ[26].

فهذه كانت على يد القرامطة، وبني بويه، والفاطميين -وهم العبيديون-، وكذا من السامانيين، والحمدانيين، وغير ذلك من طوائف الضلالة، من الباطنية ونحوهم.

وانظر إلى القبور التي وجدت، القبر الذي في دمشق ينسب إلى السيدة زينب بنت علي –رضي الله عنه– مازال مكتوبًا عليه إلى اليوم: "قام بعمارة البناية الضخمة عليه والمسجد حولها، والقبة المزخرفة محمد بن حسين نظام وأولاده، مع أن السيدة زينب ماتت بالمدينة، ودفنت بالبقيع.

وهكذا الأضرحة الكبرى لمن ينسب إلى التصوف، وهؤلاء هم من الباطنية في الحقيقة، انطلقوا من العراق، رجل من أتباع الرفاعي انطلق من العراق إلى مصر، ويقال له "أبو الفتح الواسطي" وهو جدّ إبراهيم الدسوقي.

ذهب هناك لنشر دعوة الباطنية بمصر، وكان ذلك في العهد الأيوبي، وبعد موت الواسطي جاء البدوي؛ ليخلفه في دعوته تلك، ثم توزع هؤلاء الدعاة من الباطنية في مصر، فكان الدسوقي بدسوق، وأبو الحسن الشاذلي بالإسكندرية، وأبو الفتح الواسطي ما بين القاهرة، وطنطا، والإسكندرية.

ولما مات الواسطي حل محله البدوي بطنطا، وجميع هؤلاء من فلول العبيديين الذين طردهم صلاح الدين الأيوبي من مصر، ثم حاولوا العودة تحت ستار التّصوّف والزهد[27].

وفي أواخر عهد الفاطميين أنشئوا المشهد الحسيني سنة 550 للهجرة، ليوطدوا ويوطنوا دعوتهم في مصر.

وقام رجل يقال له ابن مرزوق القرشي سنة 564هـ يربي بعض المريدين من الصوفية، فانتظم مجموعة صاروا يمثلون طوائف وطرقًا في البلاد المصرية، وكان أصل هؤلاء من الباطنية، وانتشر بعد ذلك تقديس القبور والأضرحة، وصار ذلك لازماً للطرق الصوفية، وظهرت أضرحة لا حقيقة لها أصلاً، وإنما عن طريق الرؤيا كما يزعمون في المنام، وهو ما يسمونه بأضرحة الرؤيا[28].

ومن ذلك ضريح الحسين في القاهرة، فقد بني عام بضع وأربعين وخمسمائة، وقد جاء عن ابن القسطلّاني أن هذا المشهد مبني على قبر نصراني، وإضافة إلى مشهدي عسقلان والقاهرة هناك ضريح آخر في سفح جبل الجوشن غربيّ حلب ينسب إلى رأس الحسين[29].

وكذلك توجد أربعة مواضع أخرى يقال: إن بها رأس الحسين: في دمشق، والحَنّانة بين النجف والكوفة، وفي المدينة عند قبر أمه فاطمة –رضي الله عنها–، وفي النجف بجوار القبر المنسوب إلى أبيه علي –رضي الله عنه– وفي كربلاء حيث يقال: إنه أعيد إلى جسده[30].

وهكذا الضريح المنسوب إلى السيدة زينب في القاهرة، والذي لم يكن له وجود، ولا ذكر في عصور التاريخ الإسلامي إلى ما قبل محمد علي باشا بسنوات معدودة[31].

ومن أضرحة الرؤيا هذه مشهد السيدة رقية بنت النبي -صلى الله عليه وسلم– بالقاهرة، أقامته زوجة الفاطمي الآمر بأحكام الله، مع أن بنت النبي -صلى الله عليه وسلم- قد ماتت في المدينة –رضي الله عنها– وذلك بلا خلاف[32].

وفي البصرة عدد من الأضرحة المنسوبة إلى الصحابة، منها قبر عبد الرحمن بن عوف –رضي الله عنه– مع أنه مات بالمدينة ودُفن بالبقيع قطعاً[33].

وفي بلدة الرُّها من أعمال حلب ضريح يقال: إنه لجابر بن عبد الله الأنصاري –رضي الله عنه– مع أن جابرًا –رضي الله عنه– توفّي بالمدينة[34].

وفي مدينة نصيبين بالشام قبة يزعمون أنها لسلمان الفارسي، مع أنه -رضي الله عنه- مدفون في المدائن[35].

وكذلك بدمشق بالجانب الشرقي مشهد يقال: إنه قبر أبي بن كعب، وقد اتفق العلماء على أنه ما جاء إلى الشام قط، وأنه مات بالمدينة، وكان بعض العلماء -كما ذكر شيخ الإسلام نقلاً عنهم- يقولون: إنه قبر نصراني، وهذا ليس بمستبعد[36].

ففي الجزائر كان الشعب هناك يؤم بعضهم ضريحاً في بعض المناطق الشرقية ويتبركون بأعتابه، ثم اكتشف أن هذا القبر كان لراهبٍ مسيحي، ولم يصدق الناس ذلك حتى نبشوه وعثروا على الصليب في القبر[37].

وفي دمشق قبور منسوبة إلى أمهات المؤمنين عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأم حبيبة –رضي الله عنهن– مع أنهن جميعاً دفنّ في المدينة، وكذا قبٌر لأسماء بنت أبي بكر –رضي الله عنها–، مع أنها ماتت بمكة قطعاً بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير – رضي الله عنه– بأيام قليلة[38].

وفي الشام قبر ينسب إلى أم كلثوم ورقية بنتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد اتفق العلماء على أنهما ماتتا في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ودفنتا في المدينة[39].

ويوجد قبر يقال له: قبر سيدي خالد بن الوليد في مصر، وضريح يقال له: ضريح الشيخ عمّار بن ياسر، وهو في مصر أيضاً، وهؤلاء لم يموتوا في مصر قطعاً.

وكذلك من المقابر المكذوبة باتفاق أهل العلم القبر المنسوب إلى هود –عليه الصلاة والسلام– بجامع دمشق، وهود –عليه الصلاة والسلام– لم يأتِ إلى الشام أصلاً[40].

وهناك قبرٌ منسوب إليه في حضرموت، وفي حضرموت أيضاً قبر يزعم الناس أنه لصالح –عليه الصلاة والسلام–، مع أن المعروف أنه مات بالحجاز، وله أيضاً –عليه السلام – قبر في فلسطين[41].

ويونس –صلى الله عليه وسلم– له ضريح في بلدة "حَلحول" في فلسطين، وضريح آخر بقرية نينوى قرب الموصل بالعراق، وثالث في غارٍ بضيعة قرب نابلس في فلسطين[42].

وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن بعض جيران القبر الذي بجبل لبنان، الذي يزعم بعض الناس أنه قبر نوح –صلى الله عليه وسلم– ويقولون: إنه ظهر أثناء المائة السابعة، وأن أصله أنهم شموا رائحة طيبة من قبر، ووجدوا عظاماً كبيرة في تلك الناحية، فقالوا: هذه تدل على عظيم في الخِلقة[43].

فقالوا: إنه نوح، مع أنه وُجدت في نفس البقاع قبور لموتى كثيرين عظامهم كبيرة.

بل وصل الادعاء، والاختلاق إلى انتحال شخصيات لا حقيقة لها، ففي تركيا قبر يزعمون أنه لصحابي اسمه: كِيسك باش، وفي معرّة النعمان ضريح لرجل يدعى أنه عطا الله، ويقولون: إنه صحابي اسمه عطا الله[44]، وما في صحابي اسمه عطا الله، ولا كِيسك باش.

وذكر المقريزي أن في القاهرة قبرًا يزعمون أنه لصحابي يدعى: زارع النوى"[45].

وفي مدينة الشهداء بمصر ضريح داخل مسجد منسوب إلى "شبل بن الفضل بن العباس"[46]، يعني: ابن عم النبي -صلى الله عليه وسلم.

مع أن المعروف أن الفضل بن العباس –رضي الله عنه– لم ينجب إلا بنتاً واحدة اسمها "أم كلثوم"، فلا يوجد أحد اسمه شبل بن الفضل بن العباس.

بل أعظم من هذا أن رجلاً يقال له: صالح أبو الحديد، هذا رجل من قطاع الطرق، واكتشف أمره، فذهب إلى مغنية، وتظاهر بالجنون فوضعت في يديه ورجليه الحديد، فلما جاءوا إليه وجدوه قد اختلف، وتظاهر بالجنون، أو أنه قد جن حقيقة –الله أعلم– فبدأت تُظهر هذه المرأة المغنية مع صويحباتها أنه تظهر عليه يديه ألوان الكرامات، فصدق الناس ذلك، وأقبلوا عليه بالهدايا، وذاع صيته حتى زاره الخديوي إسماعيل، واستبشر به، وبنى له قبراً بقبة عالية بعد وفاته، ووقف عليه الأرض وغيرها[47].

وهكذا تفشت هذه الضلالات، والشركيات في مشارق الأرض ومغاربها.

يوجد في مصر مثلاً أكثر من ستة آلاف قرية، في كل قرية مشهد مزعوم.

في الشام، في دمشق فقط مائة وأربعة وتسعون ضريحاً ومزاراً.

في تركيا، وفي أستانه عاصمة السلطة العثمانية السابقة، كان يوجد أربعمائة وواحد وثمانون جامعاً، يكاد لا يخلو جامع منها من ضريح.

وفي الهند يوجد أكثر من مائة وخمسين ضريحاً مشهوراً يؤمها الآلاف من الناس.

في بغداد كان يوجد أكثر من مائة وخمسين جامعاً في أوائل القرن الرابع عشر الهجري، وقلّ أن يخلو جامع من ضريح.

وفي الموصل يوجد أكثر من ستة وسبعين ضريحاً مشهوراً، كلها داخل جوامع[48].

ومن طرق دعاة الضلالة اختلاق الأحاديث المكذوبة الباطلة التي يلبسون بها على الناس.

مثلاً حديث: (من حدّث بحديث فعطس عنده فهو حق)[49].

وهذا يؤدي إلى مشكلات، يصدق الناس هذا الحديث، وكذلك يعتقد بعضهم أنه إذا طنّت أذنُه فإن أحداً ذكره بخير بناء على حديث مكذوب (إذا طنّت أذن أحدكم فليصل عليّ، وليقل: ذكر الله بخيرٍ من ذكرني)[50].

وهكذا أنه لو أحسن ظنه بحجر لنفعه، بناء على حديث: (لو أحسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به)[51]

يقول ابن القيم: هذا من كلام عَبَدة الأصنام الذين يحسنون ظنهم بالأحجار[52].

ومن ذلك هؤلاء المضللين الذين يتاجرون بعقول الناس، وأديانهم، وأجسادهم، أرباب الحيل، الذين يلبسون.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله– كثيراً مما كان يظهره هؤلاء من الخوارق من الدخول في النار، وتعرفون ما وقع له مع طائفة الأحمدية من الصوفية، حيث كانوا يظهرون أمام السلطان أنهم يدخلون النار، ولا يحترقون، فشيخ الإسلام طالبهم أن يدخل معهم النار بعد أن يغتسلوا بما يذهب الحيلة، وكُشفوا بعد ذلك[53].

وهكذا أيضاً لبّسوا على بعض الأمراء آنذاك، فكانوا يدخلون الرجل قبراً، ويتكلم، ويزعم أنه فلان من الأولياء، ويطالب بأموال، فيتبرع ذلك الأمير بأموال طائلة.

وربما خيلوا له من بعيد حيث يأتون برجال يقفون على أعمدة من خشب على جبل، فينظر إليهم من بعيد ويقولون: هؤلاء رجال الغيب.

ثم بعد ذلك يطالبونه بأشياء وأموال لإيصالها لهم.

ولربما يفعله بعضهم كما ظهر ذلك بشاطئ الفرات أن رجلين جاء أحدهما فاتخذ قبراً، فصارت الأموال تجبى إليه، ويزوره الناس، وينذرون إليه، فعمد الآخر إلى قبر وزعم أنه رأى في المنام أنه قبر عبد الرحمن بن عوف، وجعل فيه من أنواع الطيب ما ظهرت له معه رائحة عظيمة، وصدقه الناس وانقادوا له، فاحتال عليهم بهذه الحيلة[54].

وحيل هؤلاء كثيرة جدًّا قديماً وحديثاً، من هذا: ما وقع لرجل موسيقار محتال، دجال، اجتاز بصحراء، فوجد بها فرخاً من فراخ نوع من الطيور يقال له: البراصل، وكان هذا الفرخ يصفر تصفيراً حزيناً، وكان هذا النوع من الطيور يأتيه بالزيتون، فيطرحه عنده إذا صوّت بهذا الصوت، فجاء الرجل واحتال، واخترع آلة تصوت بنفس صوت هذا الفرخ، ثم جاء وأظهر النُّسك، وعمد إلى هيكل أورشليم الذي لليهود، وسأل عن الليلة التي دفن فيها أسطرخس الناسك القيم بعمارة ذلك الهيكل، فأُخبر أنه دفن في أول ليلة من آب، فاتخذ هذا الموسيقار صورة من زجاج مجوف على هيئة هذا الطائر ونصبها فوق ذلك الهيكل، وجعل فوق تلك الصورة قبة، وأمرهم بفتحها في أول آب، وكان يظهر صوت هذا الطائر بسبب نفوذ الريح في تلك الصورة المجسمة.

وكانت هذه الطيور تأتي بالزيتون وتلقيه على هذا التمثال الذي يصوت بسبب دخول الهواء فيه، فيمتلئ هذا الضريح أو هذا القبر بهذا الزيتون، فظنوا أنه كرامة لصاحب هذا القبر[55].

وذكر الخطيب البغدادي أن الحلاج المعروف الملحد، الذي يدعي التصوف احتال بحيلة مع أحد أصحابه أن يذهب إلى بلدٍ، أو إلى قرية ويظهر لهم العبادة، والنسك، والصلاح.

فإذا رآهم قد أقبلوا عليه، ووثقوا به، وأحبوه، واعتقدوا أنه من الأولياء، يُظهر لهم بعد ذلك أنه قد كُفّ بصره، ثم بعد ذلك يظهر لهم أنه أصيب بالشلل، أنه قد شُلّت قدماه، فهو لا يستطيع المشي، فإذا سعوا في مداواته، يقول لهم: لا ينفعني شيء مما تفعلون.

ثم يظهر لهم بعد أيام -هذه الاتفاقية مع الحلاج-، يظهر لهم بعد أيام أنه رأى النبي –صلى الله عليه وسلم– في المنام، وقال له: إنه سيأتي لهذه القرية القطب الأوحد، وعليه ثياب بيضاء من صوف، وسيذهب إلى المسجد الفلاني، ويستند في الوقت الفلاني إلى العمود الفلاني، فإنه إذا مسح على عينك وعلى قدميك تبرأ.

فجلسوا يترقبون، ثم بعد ذلك وجدوا رجلاً بنفس الصفة، يدخل القرية، ويذهب إلى المسجد، ويتكئ على عمود، وعليه جُبّة من صوف أبيض، فجاءوا إليه، وتمسحوا به، وتبركوا فيه لسوء اعتقادهم، ثم بعد ذلك أخبروا صاحبهم، فقال: نعم، هذا الذي رأيت، اذهبوا بي إليه.

فذهبوا إليه فبصق بيده ومسح عينه، فصار يرى، -وهو ما كان به عمى أصلاً، إنما كان يتظاهر-، ثم مسح على رجله فقام يمشي، فاعتقدوا فيه الولاية، فقالوا له: نجمع لك المال، نعطيك المال.

فقال لهم: لا، ليس بي حاجة إلى هذا المال، وإنما حصل لنا ما ترون بسبب زهدنا بهذه الأموال، ولكن هناك أولياء وأبدال في الثغور، فيمكنكم أن تعطوا هذا فيذهب بها إليهم.

فجلس ذلك الرجل عندهم أياماً وحمّلوه بأنواع الأموال، فذهب بها، رجع إلى الحلاج واقتسم هذه الأموال معه[56].

فهذه من حيل هؤلاء المضلين.

ومن ذلك ما ذكره ابن كثير في تاريخه، فقد ذكر أنه في سنة أربع وثلاثمائة اشتهر في بغداد أن حيواناً يقال له: الزرنب.

طبعاً ما في حيوان اسمه الزرنب، لكن إشاعة انتشرت على الناس، لربما أشاعها بعض اللصوص، يقولون: إنه يطوف بالليل يأكل الأطفال من الأسرّة، وأنه يعدو على النيام، فربما قطع يد الرجل، وثدي المرأة وهي نائمة، ففعلت هذه الشائعة في نفوس الناس فعلها.

فأحيا الناس ليلهم في بغداد، وهم على سطوح المنازل يضربون على النحاس والحديد من أجل إفزاع هذا الحيوان، لا يقترب من بيوتهم، فكانت بغداد تتجاوب أرجاؤها شرقاً وغرباً بتلك الأصوات، واصطنع الناس لأولادهم مكبّات من السعف، من أجل أن يغطوهم فيها، صار الولد كأنه في قفص كالحيوان، حتى لا يدخل عليه هذا الزرنب.

واغتنم اللصوص هذه الفرصة، وصاروا ينهبون ما يشاءون، والناس مشغولون بضرب هذا النحاس والحديد، ويبحثون عن هذا الزرنب، ولم يهدأ الناس إلا عندما احتال عليهم الخليفة، فأمر بأخذ حيوان من كلاب الماء، وصلبه على الجسر ببغداد، فلما شاهده الناس مصلوباً سكنوا؛ لظنهم أن الدولة استطاعت الإمساك بهذا الحيوان المزعوم وقتله[57].

ومن ذلك: أن الخليفة المعتضد بالله كان في وقت الظهيرة يتبدى له رجل معه سيف، وله لحية بصورة وهيئة معينة، وذلك إذا خلا هذا الخليفة بزوجاته أو بإمائه، فكثر ذلك على هذا الخليفة، وكانوا يبحثون ويفتشون فلا يجدون أحداً، فجاء بالرقاة، والذين يخرجون الجن، وما أشبه ذلك، فجعلوا يقرءون في هذا البيت، ونحو هذا، ولم يجدوا له أثراً ولم يعرفوا، وكان هذا يتكرر على الخليفة.

ومضت الأيام، ولم يعرف هذا إلا في أيام المقتدر، وتبين أن ذلك الشخص كان أحد الخدم، خادم أبيض، يقال له: يَقَق، وكان يميل إلى بعض الجواري اللاتي في داخل هذا القصر، يريد أن يراها، ولا تستطيع أن تخرج إليه إلا بهذه الحيلة، فاتخذ لحى من ألوان، وكل يوم يظهر بلحية، ويظهر في القصر ومعه سيف، فإذا لبس تلك اللحى يظهر بصورة غير صورته التي يُعرف بها، فيتسابق إليه الخدم، والخادمات، والإماء، ونحو ذلك، ثم يختفي في بعض الأشجار، ثم يخلع هذه اللحية ويخرج بسيفه، وهو الخادم الذي يعرفونه، فيقول: ما رأيت أحداً من هذه الناحية.

فيجد هذه الجارية التي يريدها، ويتحدث معها، ويستمتع بذلك[58].

ومن ذلك أيضاً ما يفعله بعض الدجالين من أنه يحيي الموتى، يأتي بحمامة، ويضع في يده البنج الذي يتخدر معه الحيوان بالشم، ثم يُظهر أنه يلوي رقبة هذه الحمامة -وهو يشممها هذا البنج-، فتبقى كأنها ميتة، ثم يرميها، وقد تحلّق حوله الناس، ثم بعد ذلك يأخذها، ويضربها حتى تصحو، ثم بعد ذلك يطيرها فيقول: إنه يحيي الموتى.

وما يفعله بعضهم من الحيل، يأتي المشعوذ مثلاً بطبق من السكر، ويريه المشاهدين، ويطلب منهم أن يذوقوه ويتأكدوا أنه سكر، ثم يشير إلى الطبق بعصا في يده، فيشتعل السكر ناراً ويتصاعد منه اللهب، يدعي أنه ولي، أنه صاحب خوارق، أو نحو ذلك.

والسر أن الطبق مكون من جزأين فيه مادتان متساويتان، الأولى: السكر، والمادة الأخرى هي: كلورات البوتاسيوم، وهي مادة كيماوية بيضاء تشبه السكر.

العصا التي معه مغموس طرفها في حمض الكبريتيك، فعندما يشير بهذه العصا، وتلمس المخلوط من المادة الكيماوية يتقد الطبق ناراً، فيظنون أنه يستطيع بإشارة من العصا أن يشعل السكر.

وهكذا في حيل كثيرة جدًّا يُضلَّل بها الناس، من هذا أنه قد يُظهر لهم أنه يغير وجهه من البياض إلى السواد، فيأتي هذا المشعوذ قبل أن يخرج إلى الناس بدهان يضعه بمادة إكسيد البزموت، فتعطي هذه المادة للوجه رونقاً جميلاً، وهي مادة تستخدمها بعض النساء للتجميل.

ثم يضع المشعوذ أمام الناس إناء مليئاً بالماء الممزوج بمادة الهيدروجين، ثم يدعي أنه يشم هذا الماء، فيتحول وجهه فجأة من البياض إلى السواد، وذلك نتيجة للتفاعل الكيماوي بين المادتين، وهذا أمر يعرفه أهل الاختصاص.

ومن التضليل الذي يحصل على يد شياطين الإنس: التضليل بالوسائل الإعلامية التي تقلب الحق باطلاً، والباطل حقًّا.

فمثلاً: قد يصور الغرب للعالم أنه مصدر لكل تقدّم وتطور في الفكر، والثقافة، والسياسة، والاجتماع، وكل جوانب الحياة.

وفي المقابل أن الشرق هو مصدر لكل تخلّف وتأخر في كل مناحي الحياة.

وهكذا قد يصورون للناس أن ما هم عليه من الحرية والديمقراطية أنه هو الحق، أو يصورون للمرأة أنها مظلومة، أو نحو ذلك.

وهكذا قد يصورون أنفسهم أنهم يملكون قوى لا يمكن لأحدٍ أن يقهرها بحالٍ من الأحوال.

خامساً: نماذج من الأوهام.

النماذج من الأوهام كثيرة جدًّا، الدنيا مثلاً قد تكون وهماً كبيراً يتبعه بعض الناس، فيضيع آخرته، فالله -عز وجل- يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ فاطر: 5، 6

وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَالأنعام: 32.

إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَيونس: 24.

إلى غير ذلك من الآيات التي صور الله -عز وجل- بها هذه الحياة، فلا يغتر بها الإنسان.

وهكذا أعمال الكفار التي يتوهمون أنها تنفعهم في الآخرة، والله يقول: مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ آل عمران: 117.

ومن ذلك أيضاً ضلالات المشركين في اتخاذهم وسائط مع الله -تبارك وتعالى-: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ * هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ يونس: 28 - 30.

إلى غير ذلك من الآيات التي بين الله -عز وجل- فيها حقيقة هذا الوهم الكبير الذي أفنى عليه هؤلاء الكفار أعمارهم.

ومن ذلك أيضاً الأوهام التي تقع لأهل البدع والضلالات، من ذلك أن الواحد إذا سافر، أو تزوج في يوم الأربعاء لن يفلح، أو قد يتشاءم بالأعمى، والأعرج، والأبرص، فيغلق حانوته في الصباح، ولربما شتمه، وآذاه، ولعنه؛ لأنه قد كدر عليه يومه، وأفسد عليه تجارته.

ولهذا تجد كثيرًا من الباعة إذا ذهبت إليه في الصباح لتشتري يتمسك بك، ولو باعك بخسارة، يقول: نريد أن نستفتح بك، من أجل هذا المعنى.

وهكذا ما يعتقده بعض هؤلاء من العقائد الفاسدة أن قص الأظفار ليلاً مثلاً، أو في يوم السبت والأحد، أو أنهم إذا كنسوا بيوتهم ليلاً أن هذا يجلب النحس.

وقد نظم بعضهم هذا بقوله:

فِي قَصِّ ظُفْرِكَ يَوْمَ السَّبْتِ آكِلَةٌ ... تَبْدُو وَفِيمَا يَلِيهِ تَذْهَبُ البَرَكَةْ

يعني: يوم الأحد.

وَعَالِمٌ فَاضِلٌ يَبْدُو بِتَلْوِهِمَا ... وَإِنْ يَكُنْ فِي الثلاثاء فَاحْذَرِ الهَلَكَة [59]

هذه ضلالات وأوهام.

كذلك من يبحثون عن العلاج بقِطَع، أو بمياه لا حقيقة لها من عين معينة، أو نحو ذلك، نحن نعرف أن البركة في ماء زمزم، أما أن يذهب الناس يسبحون في العين الفلانية، أو يبحثون عن الطين الفلاني، أو عن الحجر الفلاني، أو نحو هذا، أو يذهبون إلى المشعوذين والدّجالين فهذا لا أصل له.

على كل حال، نماذج كثيرة ومتنوعة هي في غاية الكثرة، ولعلي أضرب لكم بعض الأمثلة في ذلك:

من ذلك مثلاً: فندق في أحد المدن البريطانية، توجد على أحد الدرجات في هذا الفندق لطخة من دم، مضى على وجودها مئات السنين، منذ أن جرت جريمة قتل هناك –فيما يقال– هذه الأسطورة تقول: إن من يزيل بقعة الدم هذه يتسبب في موت أحد أفراد أسرته، ولهذا ظلت هذه البقعة هذه المدة الطويلة.

يأتي الزّوّار إلى هذا الفندق لإلقاء نظرة عليها، هذه لطخة لعينة في نظرهم، كما أن العروسين يأتيان للجلوس فوق الدرجة الملطخة ليستجلبا الحظ.

في مدينة في باريس دفعت فتاة جميلة سنة: 1937 أربعة عشر ألف جنيه لأحد العرّافين، ليكتب لها حجاباً يجعل حبيبها الثري يتزوّجها، ولكن الحجاب لم يفعل شيئاً فرفعت شكوى ضد هذا المحتال إلى المحكمة.

في باريس في عام 1973 كانت تباع زجاجات يقولون: إنها تبعث على الأمل والابتهاج، وتساعد على المحبة، قيمة الزجاجة ثلاثة جنيهات آنذاك، ولم تكن هذه الزجاجات تحتوي إلا على بعض حبّات من الفيتامين الذي يباع في الصيدليات بعشر المبلغ.

في أندونيسيا في سنة 1979 ازدهرت تجارة جثث الموتى، وقد وصل ثمن الجثة الواحدة إلى حوالي ثمانين ألف دولار، وقد أدى ارتفاع ثمن الجثث إلى إقبال جماعات كثيرة على سرقتها من المقابر في مناطق مختلفة من البلاد، ويعتقد بعض الناس أن اقتناء جثّة سيمنحه الحظ السعيد، ويبعد عنه الأعداء، ويحميه من الرصاص والطعن بالسكاكين، وقد تستخدم هذه الجثث كذلك عندهم -في زعمهم- لاستحضار بعض المواد التي يعتقدون أنها ستمنحهم طول العمر.

وهذا شاب في الهند قام بقطع لسانه بالموس ثم وضعه عند قدميّ إله يعبده آملاً بذلك أن يرفع هذا الإله الفقر الذي يحيط به وبأسرته.

ووقع رجلان موتى في مدينة أمريكية بعد تناولهما لمادة سامة؛ لأنهما ينتميان إلى طائفة تدعي أنه بإمكان أفراد هذه الطائفة عن طريق الإيمان القوي أن يتعرضوا للأخطار الهائلة بدون أن يصابوا بأذى، كالتعرض لنار لحام الأكسجين، وتناول السموم، والإمساك بالأفاعي، ومع أن الرواد الأوائل من هؤلاء ماتوا وقضوا، لكن البقية بقوا على هذا الاعتقاد، ويزعمون أنهم بحاجة إلى تربية أكثر وتقوية للإيمان[60].

سادساً: العلاج.

الخلاص من الوهم يتطلب إدراكاً صحيحاً للأمور كما هي، وكذلك لا يكون إلا بفتح السمع والبصر.

إذا عرفنا أن الوسيلة هي السبب الموصل للمطلوب فينبغي أن نعلم أن الوسيلة تنقسم إلى نوعين: وسيلة كونية، ووسيلة شرعية.

أما الوسيلة الكونية: فهي كل سبب جعله الله -عز وجل- موصلاً إلى المقصود خِلقة، ويؤدي إلى المطلوب كما جعله الله -عز وجل- كذلك، وفطره عليه، وهذا مشترك بين المؤمن والكافر، من غير تفريق.

من أمثلة ذلك: الماء، إذا شربه الإنسان اندفع عنه العطش، والطعام إذا أكله الإنسان اندفع عنه الجوع، والسيارة تنقله من مكان إلى آخر، أما الوسيلة الشرعية فهي كل سبب يوصله إلى المقصود عن طريق ما شرعه الله -عز وجل- من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، فبين ذلك الله تعالى في كتابه، وبينه نبيه -صلى الله عليه وسلم- في سنته، وهذا لا يكون إلا للمؤمن المتبع لآثار النبي -صلى الله عليه وسلم.

فالطريق الصحيح لمعرفة مشروعية الوسائل الكونية والشرعية هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، والتثبت مما ورد فيهما عن هذه الأمور، والنظر في دلالات النصوص

 

الطريق الصحيح لمعرفة مشروعية الوسائل الكونية والشرعية هو الرجوع إلى الكتاب والسنة، والتثبت مما ورد فيهما عن هذه الأمور، والنظر في دلالات النصوص

 

، وليس هنالك طريق آخر إلى ذلك ألبتّة.

يعني: نحن حتى نعرف أن هذا الأمر مشروع أو غير مشروع لابد أن يكون ذلك عن طريق النظر في نصوص الكتاب والسنة.

أما معرفة الوسائل الكونية فهو النظر السليم، والاختبار بواسطة الحواس، والتجربة حسب المنهاج العلمي المعروف.

فهناك شرطان لجواز استعمال السبب الكوني:

الأول: أن يكون مباحاً في الشرع.

والثاني: أن يكون قد ثبت تحقيقه للمطلوب، أو غلب الظن على ذلك.

وإذا قال إنسان: إن هذا النوع من التربة، أو الطينة، أو نحو ذلك تنفع من علاج مثلاً الفيروس الفلاني في الكبد، أو الوباء الفلاني للجسد، أو نحو ذلك، فينبغي أن يُثبت هذا تحت التجربة في العلم، ويختبر، وإذا ثبت هذا فلا إشكال فيه ما لم يكن ذلك محرّماً، فهذه الطريقة هي التي نتخلص بها من الأوهام.

أما أن يأتي إنسان ويعبد صنماً، أو يعتقد في شجرة، أو يعتقد في عين ماء، أو يعتقد في حيوان معين، أو نحو ذلك، ويتبع هذه الأوهام، ويضيع نفسه، وماله، وآخرته، ويتبع الدجالين في القنوات الفضائية، أو نحو ذلك فلا يلومن إلا نفسه، قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ النمل: 65.

ولذلك أقول: نحن إذا تبصرنا في هذه المعاني فإننا نتخلص بإذن الله -عز وجل- من كثير من العلل والأوجاع، كم من إنسان على الفراش طريح وهو ليس به بأس أصلاً، وإنما يصارع الوهم!.

كم من إنسان يعبد ضلالات وأشياء لا حقيقة لها، ويضيع جهده، ووقته، وماله، وهو يعيش في وهمٍ  كبير لا حقيقة له!.

هذا آخر ما أردت أن أتحدث عنه، وأشكركم على حسن استماعكم، وأعتذر من الإطالة؛ لأن الحديث ذو شجون، وإنما تحدثت في هذا الموضوع لكثرة ما أرى من شكوى الناس وعللهم، وما أرى من تقلبات وأحوال عجيبة يمرون بها، والواقع أنهم يتبعون أوهاماً لا حقيقة لها، ولو تخلصوا منها لحصلت لهم راحة كبيرة جدًّا، وانطلقوا في الحياة مشرّقين ومغربين.

نسأل الله -عز وجل- أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداةً مهتدين، اللهم ارحم موتانا، واشفِ مرضانا، وعافِ مبتلانا، واجعل آخرتنا خيرًا من دنيانا.

وصلى الله على نبينا محمد.



[1] مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (2/47).

[2]غريب الحديث لابن قتيبة (3/696).

[3]غريب الحديث لإبراهيم الحربي (1/127).

[4] عقلاء المجانين لابن حبيب النيسابوري (ص: 16)

([5] نهاية الأرب في فنون الأدب (1/214).

[6] لسان العرب (11/179).

[7] الأزمنة والأمكنة (ص: 443).

([8] انظر: كتاب الحيوان للجاحظ (6/445).

[9] المعاني الكبير في أبيات المعاني (1/302).

[10] المصدر السابق (2/702).

[11] العقد الفريد (3/72).

[12] الوافي بالوفيات (2/87).

[13] مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (2/47).

[14] دراسات في الأديان والفرق وأبرز التيارات والحركات المعاصرة، محمد المختار المفتي، ص: (158-159)

[15] أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس (4/51)، رقم: (2966)، ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء (3/1362)، رقم: (1742).

[16] أخرجه الإمام أحمد (38/358)، رقم: (23334) مطولا.

[17] أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌالحجر: 18 (6/80)، رقم: (4701).

[18] أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولايته القضاء أو قبل ذلك للخصم (9/70)، رقم: (7171).

[19] أخرجه النسائي في السنن الكبرى، (9/246)، رقم: (10426)، وأحمد (15/79)، رقم: (9156). 

[20] أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها (1/119)، رقم:  (133).

[21] أخرجه أبو داود، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًّا (4/141)، رقم: (4403)، والنسائي، كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج (6/156)، رقم: (3432)، وابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم (1/658)، رقم: (2041).

[22] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/134).

[23] أخرجه البخاري، كتاب التعبير، باب: الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (9/31)، رقم: (6989)، ومسلم، كتاب الرؤيا، (4/1774)، رقم: (8).

[24] أخرجه البخاري، كتاب التعبير، باب المبشرات (9/31)، رقم: (6990)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (1/348)، رقم: (479).

[25] البداية والنهاية (9/34-36).

[26] مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، (1/46).

[27] بدع الاعتقاد، لمحمد حامد الناصر، ص: (247).

[28] مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، (1/102-103).

[29] مجموع الفتاوى (27/456).

[30] انظر: الانحرافات العقدية، علي بن بخيت الزهراني ص: (288).

[31] انظر: الوثنية في ثوبها الجديد، لسمير شاهين، ص: (81).

[32] انظر: الآثار الإسلامية في مصر من الفتح العربي حتى نهاية العصر الأيوبي، مصطفى عبد الله شيحة، ص: (143).

[33] الانحرافات العقدية، ص: (291).

[34] انظر: مجموع الفتاوى، (27/494).

[35] الانحرافات العقدية، ص: (290).

[36] مجموع الفتاوى، (27/460).

[37] الانحرافات العقدية، ص: (288).

[38] المصدر السابق، ص: (290).

[39] الانحرافات العقيدة، ص: (290)، ومجموع الفتاوى، (27/170).

[40] انظر: مجموع الفتاوى (27/491).

[41] الانحرافات العقدية، ص: (281).

[42] المصدر السابق.

[43] مجموع الفتاوى (27/459).

[44] الانحرافات العقدية، ص: (290)

[45] المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (3/86).

[46] الوثنية في ثوبها الجديد، سمير شاهين، ص: (82).

[47] الانحرافات العقدية، ص: (299-300).

[48] المصدر السابق، ص: (289-295).

[49] أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (6/316)، رقم: (6509)، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول في أحاديث الرسول (3/5)، وهو حديث باطل، انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (1/261)، رقم: (136).

[50] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (1/321)، رقم: (958)، والأوسط (9/92)، رقم: (9222)، وقال الألباني: موضوع. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (6/137)، رقم: (2631).

[51] أورده السخاوي في المقاصد الحسنة (ص: 542)، رقم: (883). قال ابن تيمية: إنه كذب.

[52] مفتاح دار السعادة (2/214).

[53] مجموع الفتاوى (11/465).

[54] المصدر السابق (27/459).

[55] انظر: عالم السحر والشعوذة، عمر الأشقر (132).

[56] البداية والنهاية (11/156).

[57] المصدر السابق (11/143).

[58] المصدر السابق (11/88).

[59] شرح الزرقاني على الموطأ (4/449).

[60] انظر: جولة في رياض العلماء وأحداث الحياة، عمر الأشقر، ص: (97 – 103).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about