أحبولة الشيطان
عدد الزوار : 7514
تاريخ الإضافة : 1 محرّم 1428
MP3 : 14064 kb
PDF : 312 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

أحبولة الشيطان

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

ففي سورة الإسراء، وسورة الكهف ذكر الله -عز وجل- الكثير من المواعظ، والزواجر، والأوامر، والنواهي، حيث نوع الله -عز وجل- الخطاب، وبيّن غاية البيان لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ق:37.

أخبرنا الله -عز وجل- في سورة الإسراء أنه ينزّل من القرآن ما هو شفاء فقال: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا الإسراء:82، فجعله شفاءً، ولم يقل: وننزل من القرآن ما هو دواء ورحمة للمؤمنين؛ لأن الدواء قد يحصل به المقصود، وقد لا يحصل.

وأما هذا القرآن العظيم فهو شفاء محقق لمن أقبل عليه بصدق، ولمن أخلص نيته في الانتفاع منه، ولمن تدبر مواعظه، وزواجره، وأوامره، ونواهيه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا الإسراء:82، فهو شفاء لأمراض القلوب، كما أنه شفاء لأمراض الأبدان.

فالأبدان تُشفى بإذن الله -عز وجل- حينما ترقى بهذا القرآن، وكذلك القلوب، فإن في هذا القرآن الشفاء المحقق لها من أمراضها التي تكون من جهة الشبهات، والتي تكون من جهة الشهوات.

 

فالأبدان تُشفى بإذن الله -عز وجل- حينما ترقى بهذا القرآن، وكذلك القلوب، فإن في هذا القرآن الشفاء المحقق لها من أمراضها التي تكون من جهة الشبهات، والتي تكون من جهة الشهوات.

 

لقد بين الله -عز وجل- في هاتين السورتين الكريمتين أنه ضرب لنا فيه كل الأمثال.

فقال في سورة الإسراء: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ الإسراء:89، أي: نوعنا لهم الأمثال، وقال في سورة الكهف: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ الكهف:54.

ومما قصه الله -عز وجل- علينا في هاتين السورتين الكريمتين -كما قصه في سور أخرى من كتابه -تبارك وتعالى- ما وقع لأبينا آدم -صلى الله عليه وسلم- مع عدونا إبليس.

ففي سورة الإسراء: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء:61-62.

ومعنى: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا كأنه يأخذهم محتنكاً لهم، وإذا أُخذ الإنسان هذا المأخذ فإنه لا يستطيع الخلاص؛ لأن عدوه يكون قد تمكن منه غاية التمكن لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا الإسراء:62-63، ثم قال: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ الإسراء:64 وهو الغناء الخبيث([1])، وما إلى ذلك من أصوات الشيطان ومزاميره.

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ استفزاز هؤلاء إلى المعصية، وإلى الانحراف، والضلال، وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا الإسراء:64.

 ثم بعد ذلك قال: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ الإسراء:65، فهؤلاء العباد هم أهل العبودية الخالصة المحضة، وكلما كان العبد أكثر تحقيقاً للعبودية لخالقه وبارئه كلما كان له نصيب من هذا الوعد الرباني الذي وعد الله -عز وجل- به عباده المؤمنين: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ.

واليوم نجد أن سبل الشيطان التي يغوي فيها بني آدم كما وعد: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء:62، هذه السبل قد تنوعت، وتشكلت بصور شتى، حتى جاء الوادي الذي طم القرى، حتى جاءت هذه الشبكة التي صارت باباً واسعاً للضلال بنوعيه، أعني: الشهوات، والشبهات.

لقد فُتح على الناس بابٌ عظيمٌ في الخير، والشر، فُتح عليهم في هذه الشبكة -أعني: الإنترنت-، فُتح عليهم بسبب ذلك فتوح في الدعوة إلى الله -عز وجل-، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وفُتح عليهم فتوح في العلم، حيث تنقل العلوم والمعارف عبر هذه الشبكة، وفي المقابل فإنه فتح عليهم بسببها فتوح في أبواب الشبهات، وأبواب الشهوات.

ولذلك أقول محذراً إخواني من الوقوع في فخ الشيطان، ومن الوقوع في هذا الوعد الذي توعد به بني آدم في إضلالهم، وإزاغتهم، أقول محذراً من الوقوعِ في هذا الباب عبر هذه الشبكة، أو غيرها من الأبواب الكثيرة، ولكن لماذا أخص الحديث عن هذه الشبكة مع كثرة طرق الشيطان في إضلال بني آدم، أقول: إن ذلك لخمسة أمور:

أولها: هو خطر هذه الشبكة، الخطر المُحدِق المحقق من جهتيه، من جهة الشبهات، ومن جهة الشهوات، هذه الشبكة من دخل عليها وجد ملل الأرض، ووجد سائر الديانات، والفرق، والأهواء، والنحل، وجد ديانات متصارعة، وأهواء متشابكة، ويجد فيها من ألوان الإضلال، وتزيين الباطل ما يُستغوَى بها قلبه.

وكثير من الناس يدخلون في منتديات للحوار، يسمعون فيها ما يقوله القائلون مشافهةً، ويدخلون معهم في حوارات، ولربما حضروا يستمعون ما يجري من نقاش، ومناظرات، ولربما كان ذلك عبر الكتابة.

ثم هذه الشبه تقتحم قلوب هؤلاء الأغرار الجهلة، ثم لا يستطيعون انتزاعها منها، فقد قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "من جعل دينه عرضه للخصومات أكثر التنقل"([2]).

وما عليك إذا أردت أن تسمع لأي ملة من ملل الأرض إلا أن تفتح هذه الشبكة، فتسمع أقوال ضُلالها، وأقوال مروجيها، يعرضونها بأبها حُلّة، ويناقشون مناقشةً في كثير من الأحيان بمنتهى الصبر، والحلم، والأناة، ومهما وجهت إليهم من الشتائم، والمعائب فإنهم يستقبلون ذلك في غالب الأحيان منك بصدر رحب، كل ذلك من أجل  أن يضلوك، ومن أجل أن يوقعوك في شراكهم.

وأما الشهوات فباب واسع، لقد اتصل عليّ قبل ليلتين رجل يسأل عن كفارة في نقض صومه، يقول: نقضت صومي بسبب النظر إلى بعض المشاهد عبر هذه الشبكة، لم يفعل شيئاً آخر، إنما نظر إلى بعض المشاهد، فأدى ذلك إلى بطلان صومه، حيث إنه استفرغ شهوته بمجرد النظر!، فانتبهوا إلى خطورة هذا النظر، وهذه المشاهد التي شاهدها.

يا ترى ماذا شاهد حتى أدى به الأمر، وبلغ به الحال أن يستفرغ شهوته من غير تصرف منه، سوى هذا النظر بعينه؟.

وقد اتصل أحد الأشخاص يسأل: هل له من توبة؟ وماذا عليه من كفارة؟

فقلت: إن الله -عز وجل- قد فتح باب التوبة، ولا يغلق إلا إذا طلعت الشمس من مغربها، أو إذا غرغر الإنسان، فماذا جنيت؟ أقول لهذا السائل، بغض النظر عن حاله، هل هو رجل، أو امرأة.

فقال: كان لدي اشتراك في هذا الإنترنت، وكان لي صاحب لم يكن يعرف فيه شيئاً، فكنت أدخل إلى بعض المواقع الإباحية، وأستخرج بعض الصور، وأطبعها، ثم أعطي هذا الإنسان من باب المفاكهة.

يقول: وما علمت أن هذا الإنسان سيبلغ به الأمر مبلغاً عظيماً، حتى إنه أدى إلى بيع عرضه، ولم يتمالك، ولم يصبر، ولم يسيطر على نفسه لما رأى تلك المشاهد!.

يقول: حتى بلغ به الأمر أن أصيب بالإيدز، ودخل المستشفى، يقول: فزرته في آخر أيامه، فأردت منه أن يحللني، فأبى، حتى مات، فيقول: هل لي من كفارة؟، وماذا أصنع حتى أستدرك ما فات؟

دمر هذا الإنسان، دمره في دينه، ودمره في أخلاقه، ودمره في عرضه، وفضح أسرته؛ بسبب مشاهد، وصور، فهذا خطر دائم محقق يسترعي أن ننتبه له، وأن نتفطن له.

وأمر آخر من الأمور التي تجعلني أطرح هذا الموضوع بين أيديكم، وهو: غفلة كثير من الأولياء عن خطورة هذه الشبكة، وعما يدور فيها.

 تجد الكثيرين من الآباء، والأمهات إذا سئلوا عن أبنائهم، أو بناتهم، يقول: هو ينظر في هذه الشبكة، وهو يتشاغل بها، وهو منهمك فيها، وإذا سألتهم إلى أي شيء ينظر، وإلى أي أماكن وإلى أي موقع يدخل؟ فليس عندهم معلومات عن ذلك.  

وأمر ثالث: وهو الإحصاءات، والأرقام المذهلة التي تصدر بين حين وآخر، في بعض الإحصاءات أكثر من 95% من الداخلين على هذه الشبكة في أوربا، وأمريكا قد دخلوا في يوم من دهرهم إلى مواقع إباحية، هذا وحياتهم كلها إباحية، فكيف بشباب عندنا هم يتوقون إلى رؤية هذه المشاهد التي يشعرون أنهم يحجزون عنها؟، ثم أيضاً في بعض الإحصاءات وُجد أن أكثر من 60% من شبابنا، وفتياتنا الذين يرتادون هذه الشبكة يدخلون إلى مواقع الحوار، ومواقع الحوار منها ما يكون عبر الكتابة، ومنها ما يكون بالصوت، تسمع صوت المحاور، ومنها ما يكون بالصوت والكتابة، ومنها ما تشترك معه الكاميرا، فيكون عند المتحاورين كاميرا فيستطيع هذا الإنسان أن يسلط الكاميرا على أي موضع من جسده، وينظر إليها الطرف الآخر، و لربما طلب منه أن يريه كذا من جسده، أو أن تريه هذه المرأة كذا من جسدها، المرأة التي قد تستحي قد لا تظهر وجهها، ولكنها تظهر ما سوى ذلك؛ لأنها في زعمها غير معروفة؛ لأنهم يدخلون إلى هذه الشبكة بأسماء مستعارة، تصور هذا الرجل -أو هذه الفتاة- يحادث الآخر إلى ساعة متأخرة من الليل، بل إلى طلوع الفجر، ثم يتحدث معها، وتارة تكشف له صدرها، وتارة تكشف له ما بين رجليها، فماذا تتوقع أن يبقى من عقل هذا الشاب، بل من عقل ذلك الشيخ الكبير الهرم الذي يرى تلك المشاهد؟، لا والله لا يبقى من عقله شيء، إنها فتن تشيب لها مفارق الصبيان.

ثم أيضاً في هذه الحوارات يحصل إرسال الصور، وتبادل الصور، أيًّا كان نوع هذه الصور، قد يرسل لهذه الفتاة صورة في غاية الإغراء والفتنة، مما يطيش معه عقلها، وهكذا العكس.

ويستطيع هؤلاء أيضاً أن يرسلوا الصور المسجلة عبر كاميرا الفيديو، فيبثونها إلى ما شاءوا من المواقع، أو إلى ما شاءوا من الأشخاص، فيحصل تبادل ذلك، ويحصل فساد عظيم.

وأمر رابع يدعو إلى الحذر: وهو سهولة الوصول إلى المطلوب عبر هذه الشبكة، أما الخبراء فإنهم  يستطيعون الوصول إلى كل ما يريدون الوصول إليه من غير اعتبار للحواجز التي توضع لهم.

ونحن هنا لا يوجد بلد على وجه الأرض -حسب ما أخبرني أهل الخبرة- يحجز المواقع السيئة كهذا البلد، ومع ذلك أهل الخبرة يستطيعون أن يتخطوها بطرق يعرفونها، وأما الذين لا معرفة لهم بذلك فإن شياطين الإنس يخبرونهم، ويتبرعون لهم بالطرق خطوة خطوة التي يستطيعون بها أن يتخطوا الحواجز.

بل أكثر من ذلك، قد يستطيع أن يتوصل إلى ذلك عبر مقاهي الإنترنت، وهي مواخير، وكلمة مواخير قليلة عليها، ولا يحل لأحد كائناً من كان أن يفتح مقهى للإنترنت، وما يكسبه عبر هذه المقاهي فهو سحت، وكل عامل يعمل في هذه المقاهي فهو يكتسب بالحرام، ويروّج الحرام، وقد تواتر أن الذين يدخلون -إلا من عصم الله- من الفتيات والشبان إلى هذه المقاهي يدخلون إلى مواقع إباحية، ولربما تبرع لهم الذي يشرف على هذه المقاهي بدلالتهم على المواقع السيئة، بل إنهم إذا فتحوا هذا الجهاز يجدون فيه ألوان الصور، بل لربما دخلوا على الأماكن التي يكثر تردادها فيجدون فيها البلايا العظام.

ثم أيضاً عبر الأصدقاء، والصديقات في الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، والجامعة، وعبر الزملاء في العمل لربما أعطوه دسكاً صغيراً، شريطاً صغيرًا، تراه الأم أو الأب، ولا يعبئون به، وفيه الموت الناقع.

تقول إحدى النساء الصالحات: لي ابن نشأ نشأةً صالحة، ثم انحرف رأساً على عقب، ولم يجاوز الخامسة عشرة من عمره، تقول: فلما نظرنا فإذا لديه من الصور ما يقف له الشعر، فسألته: كيف تحصلت على ذلك؟ قال: دخلت بالإنترنت، ووضعت اسماً مستعاراً باسم امرأة،  فانهالت عليّ الصور، لماذا؟ لإغوائها.

ثم أيضاً قد يأتي أجهل الناس في هذا الموقع، ويدخل إلى ساحة من ساحات الحوار، ويقول بكل سفاهة: أريد موقعاً، وهم يفهمون ما يريد، فتأتيه ألوان البلايا، حيوانات مع أوادم، رجال مع رجال، نساء مع نساء، رجال مع نساء، في صور لا تخطر على بال أحد، ولا تخطر على بال المتزوجين فضلاً عن الشباب الصغار في سن الخامسة عشرة، وما دون ذلك، وما فوقه، ماذا تتوقعون أن يبقى من عقل هؤلاء الشباب، والفتيات إذا رأوا هذه الصور؟.

وأمر خامس: وهو سهولة الإغواء عن طريق هذه الشبكة، وذلك عبر وسائل شتى، قد تدخل المرأة الصالحة إلى موقع فيه درس علمي، ثم كل داخل هذا الموقع يضع له رمزاً، أو اسماً مستعاراً، أو اسماً حقيقًّا، ثم يأتي أي إنسان من المتلصصين، فيدخل إلى هذا الموقع، ثم يعمد إلى هذا الاسم، ويستطيع أن ينفرد به في المحادثة، فيظهر أمام الآخر مثل هذا المكبر في شاشته، فيعلم أن ثمّة إنساناً يريد أن يتحدث معه، ثم بعد ذلك إذا أذن له بالحديث تحدث معه بطريقه أو بأخرى، لربما أرسل له صورة خليعة في غاية الخلاعة، ولربما أرسل له كلاماً كتبه كتابة، ولربما أسمعه قولاً، وبعضهم لربما دخل بصورة يلبس مسوح الضأنِ من اللين، وهو ذئب أطلس، يسأل هذه المرأة بكل براءة  -فيما يزعم- هل أنت متحجبة؟، يا أمة الله، اتقي الله، أو يقول لها: أريد أن أهتدي على يدك! أريد أن ترسلي لي ببعض المطويات، أو ببعض المواعظ، أو بأشرطة فلان، أو بكلمات فلان، فتفرح المسكينة الفريسة الضعيفة، وما علمت أنه ذئب محترف، ثم ما يلبث أن يتعرف على رقم بريدها الإلكتروني، ويستطيع أن يدخل على جهازها إذا كان محترفاً، ويأخذ ما فيه من المعلومات الخاصة، وإذا كان فيه بعض الصور الخاصة، ثم يهددها بها، ثم لا يزال يبعث إليها بألوان الصور، وألوان الصور المسجلة عبر كاميرا الفيديو مما يفتنها به.

ثم أيضاً قد يُظهر هذا الإنسان الموافقة عبر ساحات الحوار، ومعلوم أن الناس كأسراب القطا، جُبلوا على تشبه بعضهم ببعض، ومن أظهر لك الموافقة فإن قلبك يميل إلى قلبه.

ولقد حضرت مجلساً، وجدت فيه الحاضرين من أنحاء مختلفة من بلاد العالم، فعجبت، فلما قرأ من دعاني إلى هذا المجلس في عيني التساؤل، والحيرة،  كيف اجتمع هؤلاء؟ وكيف تعرفوا؟

قال: أختصر لك الطريق، لقد تعرفنا عن طريق الإنترنت، وهم أناس من الصالحين، فقلت: كيف ذلك؟

فقال: نكتب عبر هذه الساحات، فأكتب كتابةً فيوافقني أناس عليها، ويؤيدون ذلك بالكتابة مرةً بعد مرة، حتى عرف بعضنا بعضاً، وأصبحنا نمثل فكراً متقارباً، فأدى ذلك إلى التعارف فيما بعد.

وهكذا يفعلون مع المرأة إذا دخلت في ساحات الحوار، يظهرون لها التأييد، والموافقة، والإعجاب بكتابتها، أو قصيدتها مرة، وثانية، وثالثة، وعاشرة، ومائة، حتى تتكون العلاقات.

وقد تكون هذه العلاقات في بدايتها من باب التواصي على البر، والتقوى، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ثم تتحول إلى تبادل بأرقام الجولات، هكذا باتباع لخطوات الشيطان التي قال الله -عز وجل- فيها: لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ النور: 21.

لقد أطلعني بعض الإخوان على أمر قبل مدة يسيرة دخلوا في ساحة من ساحات المحادثة، فقالوا: انظر بنفسك، وضعوا اسم امرأة، ثم أخذوا شخصاً من هؤلاء الناس الذين قد رمزوا لأسمائهم، وقالوا: انظر، فقالوا له: هل يمكن أن نتحدث بالكتابة؟.

فقال: نعم، مرحباً، وضعوا له اسم امرأة، فقالوا: ما اسمك؟، فذكر لهم اسم رجل، فقالوا: سَيسأل الآن من أي بلد؟ فقالوا له: من هذه البلاد، فقالوا: سَيسأل من أي مدينة؟ فقالوا: من هذه المدينة، يقولون ذلك لخبرتهم، ويسأل كما أخبروني، ثم ماذا كان بعد ذلك؟ قالوا: سيسأل الآن كم العمر؟ فذكروا له عمراً مغرياً لهذه المرأة المزعومة، ثم قالوا: سيسأل الآن هل أنت متزوجة؟ فكتبوا له: لا، قال لها: لدينا موقع جديد، نحب أن تدخلي به، وفجأة ظهر أمامنا على الشاشة لون من الألوان الزاهية التي تصلح للنساء، وفيه اضغط على علامة موافق، فقالوا لي: هذا فخ، لو ضغطت على هذا المكان فإنه يستطيع أن يدخل على جهازك، ويعرف رقم الاشتراك، والاسم الحقيقي، فإذا كانت امرأة بدأ بها بالمكر الكبار، يأخذها من هنا، كلما فتحت الجهاز ظهر ذلك في علامة في جهازه، فيستطيع أن يدخل عليها، ويستطيع أن يرسل إليها من الكلام ما شاء، ومن الصور، ومن الإغراءات، ومن الأفلام في موقعها، مما يجعلها تخرج من طورها، ومن عقلها، ويمحو كل أثر للتربية التي قد تربت عليها.

هذا شيء شاهدته بنفسي، بل قالوا لي أبلغ من ذلك، قالوا: سل ما شئت، واطلب ما شئت من المواقع، بالصور، أو بالأفلام، الآن نعرضها أمامك، فقلت: لا حاجة لي بذلك، ولله الحمد لم أر قط صورة، ولا فيلماً يخدش الحياء، فأسأل الله -عز وجل- أن يثبتني وإياكم ما بقينا.

أقول هذا الكلام؛ لئلا يظن ظان ممن يسمع هذا الكلام أني أقول عن خبرة، أنا أقول هذا الكلام بعد الجلوس مع بعض هؤلاء الإخوان الذين مارسوا هذا الجهاز، وعرفوه معرفه دقيقة.

أخيراً: ما هي التوصيات؟

أولاً: المرأة، المرأة لو كانت أطهر من ماء السماء أحذّرها من هذا الجهاز، لقد سمعت بعض الشباب غير المتدينين يحكون عن بعض زملاءهم الذين لهم مراس في هذا الجهاز، يتحدون أصحابهم، يقول: والله لو كانت أطهر من ماء السماء فإني أستطيع أن آتي بها، ووقع بينهم تحدٍّ، يقول: ففعلاً أوقع بعض النساء اللاتي قلنا: إنه يعجز عن الإتيان بهن، أوقعها في شباكه، وأعرف قصصاً، وأمثلة يندى لها الجبين، لا أحب أن أذكرها؛ لئلا تستسهل القلوب ذلك، والمرأة قد تكون نقية طاهرة، فتبتلى، تُرسَل لها الصور في بريدها، إذا دخلت إلى الجهاز ينفرد بها أحد هؤلاء، شاءت، أم أبت، فيرسل إليها ما شاء من الكلام  حتى يغويها.

وأيضاً ينبغي أن نغرس الرقابة الذاتية في نفوس أبنائنا، وبناتنا، وفي نفوسنا جميعًا، الرقابة لله -عز وجل- فإننا أمام فتن لا يعصم منها إلا الله -عز وجل-، يجلس الإنسان بين أربع جدران، إحدى النساء التي تحدث رجلاً إلى ساعة متأخرة من الليل، يخبرني من أخبره، يقول: سألتها، هل يعلم زوجك بذلك؟ فقالت: لا، أتظاهر أني أنوِّم أبنائي؛ من أجل أن لا يزعجوه حتى ينام، ثم أجلس على هذا الجهاز حتى يؤذن الفجر في مشاهد، وصور، ومحادثات يندى لها الجبين.

إذا فتح الإنسان بعض هذه المواقع -مواقع المحادثات- يجد عناوين جاهزة في الإغواء، لا يحتاج أن يكلف نفسه شيئاً كثيراً.

أمرٌ آخر: لابد من بث الوعي، للأسف حينما نسمع كلام هؤلاء يتكلمون في هذا الجهاز مشافهة، أو مكاتبة، نجد كلاماً، وعبارات يندى لها الجبين، تقول: هذا لا يكتبه إنسان يؤمن بالله واليوم الآخر، في غاية القبح، كأن الحياء قد ترحل تمامًا.

وأمر آخر: (كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته)([3]) يجب على الآباء، والأمهات أن يقوموا على أبنائهم، وبناتهم، وليس ذلك مقتصراً على الأبناء، والبنات.

كثير من الزوجات يشكين أزواجهن، هؤلاء الأزواج أصابتهم مراهقة متأخرة، فوق الأربعين، اشتركوا في الإنترنت، تقول الزوجات: كوّنوا علاقات، ويدخلون إلى مواقع إباحية، وينظرون إلى أشياء يندى لها جبين العاقل، وبعضهم ممن قل حياؤه تماماً، وتدنّى يدعو امرأته، ويقول: انظري! هذه التي تحسن مالا تحسنين، يلمز امرأته العفيفة الشريفة بذلك، ثم ماذا تتوقعون من شاب نشأ على هذه المشاهد أيّ امرأة تعجبه إذا تزوجها؟ يرى أشياء لا يمكن أن يجدها عند زوجته؛ لأنها عفيفة، شريفة، لم تنشأ على هذه الأمور، ولا تعرفها، وتخرج في هذه المواقع متمرسات على الرذيلة.

بعد ذلك أقول: مما ينبغي الوقوف عنده هو قوله -تبارك وتعالى- في الوصايا التي ذكرها الله -عز وجل-  في سورة الإسراء:وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا الإسراء:23، إلى أن قال فيها: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا الإسراء:31.

وقال في الوصايا التي في سورة الأنعام، وهي تشبهها: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ الأنعام: 151، ففي سورة الإسراء قال: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ، وفي الأنعام: مِنْ إِمْلَاقٍ، وفي الإسراء: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ، وفي الأنعام: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.

 والسبب في هذه الفروقات هو أنهم في سورة الإسراء يخشون الفقر، فهو فقر ليس بواقع، وإنما هو متوقع فهو يقول: لا تقتلوهم خشية الفقر، وإنما الله -عز وجل- سيرزقهم، ويرزقكم معهم، فالرزق يأتي معهم.

وهذا فيه رد علي أصحاب المؤتمرات الجاهلية، مؤتمرات السكان الذين يطالبون فيها، أو يقننون فيها تحديد النسل، بكل صورة من صوره، ولم أرد الحديث عن هذا، وإنما أردت الحديث عن نقطة  معينة، وهي: أن الله قال: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ المعروف في التاريخ أنهم كانوا يقتلون البنت وهي حية، وكان ذلك في بعض بطون العرب، وفي بعض قبائلهم، ولفظ الأولاد يصدق على الذكور والإناث، والمقصود به هنا البنات، والإملاق هو: الفقر، من أملق الرجل إذا لم يبقَ له إلا المَلَقات، وهي الحجارة الملساء([4]).

فكأنه قد بقي له الحصى، لم يبقَ له شيء لفقره، لا تقتلوهم خشية إملاق.

معروف في التاريخ أنهم يقتلون البنت خشية العار، والله يقول: لا تقتلوهم خشية الفقر، وليس بين ذلك منافاة، فقد كانوا يقتلون البنت؛ خشية الفقر الذي بسببه تضطر إلى بيع عرضها، كانوا على جاهليتهم يغارون على الأعراض، وقد ذكرت لكم بالأمس ما يتلاعب به شياطين الإنس بنساء المسلمين، وذكرت لكم حال تلك البنت التي فتنت زميلاتها حتى أصيبت بالإيدز، وماتت بسبب ذلك.

أقول: إذا كان أهل الجاهلية يغارون هذه الغيرة فحري بأهل الإسلام أن يغاروا، كان الواحد منهم يخاف أن تفتقر ابنته، ثم تبيع عرضها، كما قال أحدهم:

إذا تذكّرتُ بنتي حين تندبني *** فاضتْ لعبرة بنتي عبرتي بدمِ

يقول: أنا أملك مشاعر رقيقة، وأحاسيس، ولكن لا أتنازل في قضية العرض.

إذا تذكّرتُ بنتي حين تندبني *** فاضتْ لعبرة بنتي عبرتي بدمِ

أحاذر الدهرَ يوماً أن يُلمَّ بها *** فيُهتَك السترُ عن لحمٍ على وَضَمِ

يعني: أن تصاب بالفقر.

أخشى عليها فظاظة عمٍّ أو جفاء أخٍ *** وقد كنتُ أخشى عليها من أذى الكَلمِ

يقول: لا أريد أن تقال لها كلمة جارحة.

تهوى حياتي وأهوى موتها شفقًا *** والموت أكرمُ نزّال على الحُرَمِ([5])

وآخر عنده بنت اسمها: مودة، يقول:

مودةُ تهوى عمرَ شيخٍ يسره *** لها الموتُ قبل الليل لو أنها تدري([6])

وآخر عنده بنت يقال لها: الجرباء، خطبها خاطب، فتمثل أبوها قائلاً:

إني وإنْ سيق إليّ المهرُ *** ألفٌ وعُبدانٌ وذَودٌ عَشرُ

  أحبُّ أصهاري إليّ القبرُ([7])

هؤلاء في الجاهلية، يتغلب الواحد منهم على مشاعر الأبوة، ويدس ابنته بالتراب، كل ذلك من أجل الغيرة، فأين رجال المسلمين؟، وأين الغيرة على الأعراض؟.

ثم إن الله -عز وجل- قال في سورة الإسراء: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ الإسراء:36 ضِمن تلك الوصايا إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا والقَفْو هو الاتباع، َلَا تَقْفُ أي: لا تتبع ما ليس لك به علم، و"ما" تدل على العموم، أي: كل ما ليس لك به علم فلا يجوز لك أن تتبعه؛ لأن السمع، والبصر قنوات تصب في القلب، هما ميزابان للقلب، فإذا شاهد الإنسان تلك الصور الفاتنة، أو قرأ فإن الشُّبه تنقدحح في قلبه، ثم يتحدث بها العوام في المجالس للأسف الشديد، وقد لا يستطيعون الخروج من تلك الشبه، وهكذا الدخول في تلك الغرف التي تحصل بها تلك الحوارات.

كل ما ليس لك به علم فلا يجوز لك أن تتبعه؛ لأن السمع، والبصر قنوات تصب في القلب، هما ميزابان للقلب، فإذا شاهد الإنسان تلك الصور الفاتنة، أو قرأ فإن الشُّبه تنقدحح في قلبه، ثم يتحدث بها العوام في المجالس للأسف الشديد، وقد لا يستطيعون الخروج من تلك الشبه، وهكذا الدخول في تلك الغرف التي تحصل بها تلك الحوارات.

 

فتن الشهوات، وفتن الشبهات َلَا تَقْفُ لا تتبع ما ليس لك به علم، كل ما ليس لك به علم فلا يجوز لك أن تتبعه، ولا تعرِّض سمعك وبصرك لأمر يورث قلبك فتنة، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا أي: أنها تُسأل عن الإنسان.

فالإنسان كما قال الله -عز وجل-: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ يس:65، فالجوارح تشهد, الجلود تشهد: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ فصلت:21-22.

فهذه الأشياء كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ أي: أن هذه الأشياء تُسأل عنك، عن الإنسان عَنْهُ أي: الإنسان.

والمعنى الثاني: ذكره طوائف من السلف كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا الإسراء:36، أي: أن الإنسان يُسأل عنها([8])، (لن تزول قدم عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع)([9])، فسنحاسب على السمع، والبصر، ماذا عملنا به؟، وعن هذه المنافع، والحواس، فينبغي النظر في ذلك.

قبل أن أختم أنبه تنبيهاً يسيراً: هذه العشر ينبغي أن تُستغل، أن يشمر في ليلها بالصلاة، وقراءة القرآن، "فكان النبي-صلى الله عليه وسلم- إذا دخلت العشر أيقظ أهله، وشد المئزر -يعني: لا يطأ امرأته-، وأحيا ليله "([10])، وما كان النبي-صلى الله عليه وسلم- يحيي الليل إلا في العشر، فلا تستطيلوا أن يقرأ الإمام وجهين، أو ثلاثة، أو خمسة في ركعة، هذا أبو الدرداء -رضي الله عنه- يقول:  كنت أصلي بهم في كل ليلة بربع القرآن".

وآخر كان إذا افتتح الصلاة لم يركع حتى يقرأ العنكبوت"([11])، من أول القرآن إلى سورة العنكبوت.

وآخر: كان إذا قرأ بهم دون البقرة في ليلة واحدة من أيام رمضان، كانوا يقولون: قصرت بنا يرحمك الله.

والإمام البخاري -صاحب الصحيح- كانوا يختمون كل سبعة أيام في التراويح، وكان يقوم بعدهم لوحده، يختم كل ثلاث في الصلاة([12])، كل ثلاث ليالٍ، من أول رمضان إلى آخره.

والشافعي كان يختم كل يوم ختمتين في رمضان([13]).

وجاء بإسناد صحيح أن عثمان بن عفان وقف خلف المقام، وافتتح القرآن، وختمه في ركعة واحدة، ولما سئل قال: "هي وتري"([14])، وتر ركعة واحدة، من أول القرآن إلى آخره.

وآخر من السلف يقول: "وددت أن أقوم حتى يشتكي صلبي"([15])، يعني: من طول القيام.

ونحن اليوم إذا قرأ الإمام وجهين، أو ثلاثة، بدأنا نتململ، ونفرقع أصابعنا، ونتلفت يمنة ويسرة، نبحث عن مسجد آخر، لعله يقرأ نصف وجه، أو آيتين، أو ثلاث!.

وينبغي للإنسان أن يستحي من ربه، وإذا قارن الإنسان بين حاله، وحال أولئك، والله إنها صلاة مخجلة، والله إن الإنسان ليستحي من الله -عز وجل-، والله إن الإنسان ليستحي من هذه الصلاة، وقد لا تتصور هذا، على الأقل اذهب إلى مكة، وإذا صليت معهم التراويح  ليلة، وجئت هنا قلت: سبحان الله، نحن لا نصلي، يصلون ثلاثًا وعشرين ركعة، وإذا جئت هنا -سبحان الله- كأننا لا نصلي، فكيف بمن قام الليل أجمع؟!، الكلمة والصلاة وكل شيء ما يبلغ ساعة؟!.

فأقول: ينبغي للإنسان أن يشمر في طاعة الله -عز وجل-، وهي أيام وستنقضي، ثم تخرج إلى دكانك، (لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، وأجلها، فاتقوا الله، وأجْمِلوا في الطلب)([16]) تخرج إلى أين؟ أي مكان أفضل من هذا المسجد، ومن سماع القرآن، ومن عمارة القلوب به؟ لا يوجد شيء أفضل من هذا، فالله الله، شمّروا في العبادة.

أسأل الله -عز وجل- أن ينفعني وإياكم، وأن يعيننا وإياكم على ذكره، وشكره، وحسن عبادته، وأن يصلح قلوبنا، وأعمالنا، وأحوالنا.



[1]- تفسير الطبري: (17/490).

[2]- إحياء علوم الدين: (3/117).

[3]- أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا التحريم:6، رقم: (5188)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية، رقم :(4828).

[4]- الصحاح في اللغة: (2/180).

[5]- فوات الوفيات (1/164).

[6]- لسان العرب (3/ 455)، وتاج العروس (9/ 284).

[7]- تفسير القرطبي (10/118).

[8]- تفسير ابن كثير (5/75).

[9]- أخرجه الطبراني في الكبير(11/102)، رقم: (11177)، والبيهقي في شعب الإيمان(3/280)، رقم: (1648)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: صحيح لغيره، رقم: (3593).

[10]- أخرجه مسلم، كتاب الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان، رقم: (2844).

[11]- أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 64)، وأحمد بن حنبل في الزهد (ص: 143)، برقم (971)، وانظر: سير أعلام النبلاء (4/ 602).

[12]- انظر: تاريخ بغداد (2/ 330)، وتهذيب الكمال في أسماء الرجال (24/ 446)، وسير أعلام النبلاء (12/ 439)، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي (2/ 224).

[13]- سير أعلام النبلاء (10/ 83)، وشذرات الذهب (8/213).

[14]- أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب الوتر بركعة واحدة ومن أجاز أن يصلى تطوعًا ركعة واحدة رقم (4783).

[15]- حلية الأولياء (3/64)، وسير أعلام النبلاء (4/ 602).

[16]- أخرجه ابن ماجه، كتاب التجارات، باب الحث على المكاسب، رقم: (2144)، والبيهقي في الشعب، (2/457)، رقم: (1219)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم: (1743)، وفي صحيح الجامع، برقم (2742).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 5
teleqram
trees
about