وقفات مع قوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)
عدد الزوار : 7613
تاريخ الإضافة : 20 محرّم 1433
MP3 : 37350 kb
PDF : 447 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

وقفات مع قوله تعالى: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حديثنا في هذه الليلة -إن شاء الله- يدور مع قوله -تبارك وتعالى-: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً الأنفال:25، فهذا أمر من الله -جل جلاله- لعباده أن يتقوا الفتن، تلك الفتن التي تعم الجميع، ولربما أصابت الصالح والطالح، ولم يسلم منها رجل ولا امرأة، ولا كبير ولا صغير.

وهذا الحديث أُحب أن يتسع النظر فيه؛ من أجل أن نُدرك أن الفتن لا تختص بنوع لربما يكون فيه حروب، وما إلى ذلك من الشرور -القتال بين الناس-، فهذا لون من ألوان الفتن العظيمة، ولكن الفتن أوسع من هذا معنى ومفهوماً، ومن ثَمّ فإن العبد ينبغي أن يدرك أنه لربما لا ينفك من ملابسة الفتن في يومه وليلته، فيحتاج إلى الحذر الدائم والتوقي التام، والصبر على طاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والتقوى، وما إلى ذلك من الأمور.

إذ أن الفتنة تعني الابتلاء والاختبار، تعني ما يقع للإنسان، ويعتوره مما يَبين به حاله، وينكشف عنه مصيره ومآله من الخير والشر، ولهذا جُعلت الفتنة كالبلاء حيث صارت بمفهومها الأوسع تعني ما يُدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وإن كان ذلك يُستعمل في الشدة أكثر من استعماله في الرخاء، ولكن الله -تبارك وتعالى- يقول: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَالأنبياء:35، فنحن نُقلب في هذا البلاء صباح مساء بين خير تحبه النفوس وتقبل عليه وتلتذ به، وتُسر، وبين أمور مكروهة لربما كان ذلك من المصائب والآلام، ولربما كان في أمور أخرى لا يدركها كثير من الناس؛ ولهذا فإن الكثيرين لربما يتساءلون عن أنفسهم أو عن غيرهم ولربما عن بعض أهل الفضل والصلاح سواء كان أولئك من الجيل الأول من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو من غيرهم، حيث لا يعرفون عن بعض هؤلاء أنه ابتُلي وفُتن، والواقع أن الابتلاء بالمعنى الذي أشرت إليه لا ينفك منه أحد، فهذا جواب موجز يكفي طالب العلم للخروج عن مثل هذا السؤال والإشكال الذي يُطرح بين حين وآخر.

فالابتلاء كما دلت عليه هذه الآية يكون بالنعمة وبالغنى وبالمحابِّ، كما أنه يكون بالشر والأمور التي تكرهها النفوس وتعافها وتأباها، فهذا تنوع في الفتنة من جهة كونها دائرة بين الخير والشر، بين المحبوب والمكروه، كما أنها أيضاً تتنوع من حيث متعلق هذه الفتنة من جهة توصيفها، فقد تكون من قبيل الشبهة، وقد تكون من قبيل الشهوة، ونحن نعلم أن النوع الأول -أعني فتنة الشبهة- أخطر وأشد، أنها أعظم ضرراً وأثراً وفتكاً سواء كان ذلك على مستوى الأفراد الذين يبتلون بها، أو كان على سبيل المجتمعات، ولذلك تجد الواحد من هؤلاء الذين ابتلوا بفتنة الشبهات سواء كان ذلك في البدع المشهورة المعروفة التي لها جذورها في التاريخ، وبقيت على أسمائها المعروفة، أو كان ذلك مما يتفرع عنها أو بعضها في زماننا هذا مما قد يُسمى أحياناً بفكر، أو نحو ذلك مما يُخالف الاعتقاد الصحيح، ويناقض دين الإسلام من الانحرافات الفكرية التي تأخذ أسماء متنوعة كاللبرالية وغيرها، لربما تجد الواحد من هؤلاء من أصحاب الأهواء قديماً وحديثاً -بل هذا حالهم- يفتخر بهذا الانتساب، وذلك الهوى، ويناظر فيه، ويموت دونه، ويسأل ربه أن يثبته على ذلك إن كان ممن يعرف ربه. 

ولذلك أقول: إن هذا النوع من الفتن -فتن الشبهات- شديدة الخطر، وهي أعلق بالقلب من الجرب، وقد يجتمع في العبد هذا وهذا، يجتمع فيه شبهة ويجتمع فيه شهوة، وقد كثر في هذا الزمان أن يخلط كثير من أصحاب الشهوات تلك الشهوات والانحرافات السلوكية التي كانوا يتوارون لاسيما أولئك المتراجعين أو المتنكسين، فلربما يخجل الواحد منهم أن يلقى الناس، أو أن يلقى أحداً من أصحابه ومعارفه، ورفقاء دربه، وأما اليوم فقد تغيرت الحال لدى كثير من هؤلاء فأصبح الواحد يبرر انحرافه، ويغلفه بشبهة، ثم يخرج يتبجح ولربما خرج مناكفاً في بعض الوسائل الإعلامية من القنوات، أو غيرها يتحدث عن فهم الإسلام الصحيح، وعما كان فيه من الخلط بين العادات والعبادات، وما كان عليه من سوء فهم لدين الله -جل جلاله وتقدست أسماؤه-، فصارت الأمور إلى حال لا يمكن أن تُفسَّر فيه بغير الاستحلال، مع أن منشأ ذلك عند الكثيرين إنما هو شهوة، ولكن من أجل أن يُبرر لنفسه هذا الانحراف والتراجع أصبح يقول بأن هذا هو الحق، وهذا هو الاعتدال، وهذا هو الفهم الصحيح للإسلام، فاجتمع فيه شبهة وشهوة أدى به إلى حال من الاستحلال لما حرم الله -عز وجل-، وقد يكون ذلك من قبيل الاستحلال لما هو معلوم التحريم في دين الله -عز وجل- بالضرورة كالربا، فيخرج من لا علم له ولا معرفة بدين الله -جل جلاله- ولا فقه في الدين ويتحدث عن هذه القضايا الكبار، ويستحلها على الملأ، ويُعلن ذلك بلا خوف ولا حياء، لا من الله ولا من الناس، فهذا الأمر خطير، فقد يجتمع في الواحد هذا وهذا، وقد ينفرد أحدهما وهذا هو الغالب على أولئك الذين لم يُبتلوا بمثل هذه الشبهات، وتلك القراءات لقوم من المنحرفين الذين كانوا شيعاً على مذاهب مرذولة بعيدة عن الإسلام، ثم لبسوا ثوباً آخر واصطبغوا بصبغة أخرى وبدأوا يكتبون عن الإسلام كتابة مشوبة بتلك الانحرافات القديمة التي نشأوا عليها وتربوا عليها ردحاً من الزمان، فيأتي بعض من قلَّ بصره بدين الله -تبارك وتعالى- ويقرأ مثل هذه الكتابات، ثم بعد ذلك يخرج بفهم سقيم، مشوه عن الإسلام. 

فينبغي للعبد أن يقف مع نفسه وقفة صادقة، وأن ينظر فيما يخلصه حينما يقف بين يدي الله -تبارك وتعالى-، وأن مثل هذه المقالات هل تُنجيه وتكون عذراً له بين يدي ربه وخالقه عند موقف الحساب.

لقد ذكر الله -تبارك وتعالى- الفتنتين، فتنة الشهوة وفتنة الشبهة في قوله -تبارك وتعالى-: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْالتوبة:69، أي: تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها، فهذه فتنة الشهوة، فالخلاق هو النصيب المقدر، ثم قال: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا التوبة:69، فهذا هو الخوض بالباطل وهو الشبهة، هذه هي الشبهات التي يحصل بها فساد القلوب والأديان وينتج عن ذلك ويتبعه فساد السلوك والأخلاق بعد أن يحصل الفساد في التصورات؛ لأن الناس أسرى لأفكارهم، ومعتقداتهم، فهي تقودهم وتوجههم ويموتون في سبيل الذب عنها، وحمايتها وحياطتها.

الشبهات التي يحصل بها فساد القلوب والأديان وينتج عن ذلك ويتبعه فساد السلوك والأخلاق بعد أن يحصل الفساد في التصورات؛ لأن الناس أسرى لأفكارهم، ومعتقداتهم، فهي تقودهم وتوجههم ويموتون في سبيل الذب عنها، وحمايتها وحياطتها.

 

ففساد الدين إما أن يكون بالاعتقاد الباطل والتكلم به كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله-، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح، فالأول: هو الانحرافات الفكرية، البدع والضلالات والأهواء.

والثاني: هو الانحرافات السلوكية الانحراف في العمل، الانحراف في لزوم الصراط المستقيم، من جهة الاستقامة والصلاح، وتحقيق العبودية لله -جل جلاله وتقدست أسماؤه-، فهذان فسادان: فساد الشبهات، وفساد الشهوات.

وإذا نظرت في فتنة الشهوات تجد أنها تتنوع، وهي كثيرة جدًّا، والناس يتفاوتون فيها، ولا بأس أن أُشير إلى بعض هذه الأنواع، فمن ذلك:  

فتنة الدنيا: ففي حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- مرفوعاً: (إن أكثر ما أخاف عليكم ما يُخرج الله من بركات الأرض)، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: (زهرة الدنيا)، فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى ظننا أنه يُنزل عليه، ثم جعل يمسح جبينه فقال: (أين السائل؟)، قال: أنا، قال: (لا يأتي الخير إلا بالخير، إن هذا المال خَضِرة حلوة، وإن كل ما أنبت الربيعُ يقتل حبَطاً، أو يُلم)، يقتل حبَطاً: الحَبَط هو انتفاخ بطن الدابة إذا أكلت كثيراً، (أو يُلم، أو يُقارب، إلا آكلة الخَضِرة أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فاجترّت، وثلطت وبالت، ثم عادت فأكلت، وإن هذا المال حلوة، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع)([1])، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر أن أكثر ما يتخوف على أمته زهرة الدنيا، ما هي زهرة الدنيا؟، المال، التنافس في الأموال، التكاثر، أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُالتكاثر:1، ومما يدخل في هذا التكاثر دخولاً أوليًّا التكاثر في الأموال، التكاثر في جمع الدينار والدرهم، التكاثر في العقارات، التكاثر في الدور والقصور والعمارات والمراكب والأثاث وما أشبه ذلك، فتنشغل القلوب به عن ربها ومليكها وخالقها، وتنشغل عن الدار الآخرة، وجاء في حديث كعب بن عياض -رضي الله عنه- مرفوعاً: (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال)([2])، سماه فتنة، ولكل أمة فتنة، فهذا المال يجعله يأخذ الرُّشى، ويأكل الربا، ويقتطع حقوق الآخرين، ويقطع الرحم، ويفعل كل قبيح، ولا يقف عند حد ولا شرع بسبب غلبة الطمع، والله يقول: وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ النساء:128، وقال: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الحشر:9، علق الفلاح بالوقاية من شح النفوس، وأضاف الشح إليها؛ لشدة ملازمته لها، فكان الخلاص منه والوقاية سبباً للفلاح، بل إن الله علق الفلاح به، وجاء بضمير الفصل بين طرفي الكلام؛ لتقويته وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ الحشر:9، إشارة للبعيد هُمُ الْمُفْلِحُونَ وهذا يشبه الحصر، كأنه لا مفلح إلا -والفلاح هو إدراك المطلوب والنجاة من المرهوب- مَن يوق شح نفسه، وهذا الشح بناء على التشبث والتمسك في الدنيا والتعلق بها، وجاء في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن)([3]).  

فتنة النساء: وكلنا يعلم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)([4])، لاحظ هناك (فتنة أمتي المال)، الرجال والنساء جميع الأمة، والله يقول: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ آل عمران:14، فقدمها "من النساء"؛ لأن شهوة النساء أعظم من شهوة المال، وإن كثيرًا من الناس لربما يحرص على المال ويجمعه لشهوتيه، لشهوة الفرج وشهوة البطن، ولو نظر العاقل واعتبر لوجد أن ذلك أدنى ما في الإنسان، وأحط ما في الإنسان، وتكفي الإشارة عن كثير من العبارة، وأول ما يُنتن في الإنسان بطنه، هذا الشبر المعدة، يُسخِّر الإنسان القُدر والإمكانات والذكاء والعقل والدراسة لربما عشرات السنين حتى يحصِّل المراتب العالية والشهادات المتقدمة من أجل هذا الشبر، وأمه تُمشطه وهو صغير يذهب إلى الروضة، وتمنيه وتذكره بالغاية العظمى والهدف الأسمى هذا الشبر أن يكون كذا، وأن يكون كذا، لا أن يتقي الله -عز وجل- أو أن يكون عالماً من علماء الأمة، أو أن يعمل ما فيه صلاح الأمة ونفعها في أي تخصص كان، لا، من أجل أن يُحصِّل حظه، وأن يحصِّل المال الكثير، فهكذا يُربى الجيل، الحافظ ابن حجر -رحمه الله- يعلق على قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)، يقول -بعدما استشهد له بالآية التي أشرت إليها-: "فجعلهن من حُب الشهوات -يعني في الآية-، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك"([5])، ويقول الإمام النووي -رحمه الله- معلقاً على هذا الحديث وقولِ النبي -صلى الله عليه وسلم- بعده: (فاتقوا الدنيا واتقوا النساء): "وتدخل في النساء الزوجات لدوام فتنتهن وابتلاء أكثر الناس بهن"([6])، قد تكون هذه الزوجة جميلة فتسيطر على مجامع قلبه وتأخذ بلبه فتديره كما تشاء، ويسلم قياده لها، فيكون تابعاً بدلاً من أن يكون متبوعاً، ويكون عبداً ذليلاً بدلاً من أن يكون سيداً وقيماً، ولربما كان ذلك كما قال الله -تبارك وتعالى-: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْالتغابن:14، فجاء هنا بمِن التي للتبعيض، في الأموال قال: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ التغابن:15، فجعل جميع الأموال والأولاد فتنة؛ لأن ذلك لا يخلو القلب منه، بحيث يكون فيه نوع علوق بالقلب واشتغال، فهذه فتنة، ولكن في الآية الأخرى: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ التغابن:14، فهذه العداوة كما قال الحافظ ابن القيم -رحمه الله-: الجالب لها الشفقة والمحبة([7])، فإذا أراد أن يُحصِّل الشيء من المطالب العالية أثنوه عنها وأقعدوه، إذا أراد أن يتصدق ثبطوه، فأشفق عليهم، وإذا أراد أن يحج أو يطلب العلم، أو أن يفعل فعلاً يُحصِّل به الدرجات العُلى عند الله -تبارك وتعالى- أقعدوه وثبطوه، فالنتيجة في المآل أنهم يفعلون به فعل عدوه الذي يقعده ويثنيه عن تحصيل الرُتب الرفيعة، والمطالب العالية، لكن الدافع لذلك هو الشفقة والمحبة، ليست عداوة بغض وكراهية، لا، إذا أراد أن يحج قالوا: نريد أن نكون في العيد سويًّا، لا نصبر على فراقك، إذا أراد أن يعتكف في رمضان وهم في غنى عنه، قالوا: لا، نريد أن نأنس بك، نريد كل يوم أن نكون على الإفطار كما عودتنا من أول رمضان، فيقعدونه عن الاعتكاف، وهكذا إذا أراد أن يوقف بعض ماله، وقد يملك الملايين أو المليارات، لربما أقاموا عليه دعوى في المحكمة، ولربما اتهموه بأنه قد أُصيب في عقله، وأنه يحتاج إلى حجر بحيث يُمنع من التصرف بماله، يقولون: نحن أحق بهذا المال فيقعدونه عن الصدقة والمعروف والإحسان وما إلى ذلك، إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ التغابن:14.

ومن فتنة الدنيا هذه الفتن التي فُتن كثير من الناس وابتلوا بها واستعملوها في وجه يضرهم ولا ينفعهم، وهي كغيرها من أمور الدنيا فيها خير وشر، فمن ذلك ما نتج عن ثورة الاتصالات في هذا العصر، فهذه فيها من الخير ويسرت كثيراً من الأسباب، وأصبح الناس يتواصلون، وأصبحوا بهذه الوسائط والوسائل يوصلون ما شاءوا من الحق والخير والمعروف إلى الآفاق وهم في بيوتهم، دون أن يكلفهم ذلك شيئاً، وصار العلم الشرعي يسيراً سهل المنال، إلى غير ذلك مما نعرفه جميعاً، ولكن من الناس من لا يوفق فيستعمل مثل هذه الوسائل فيما يضره، سواء كان ذلك في أمور الشهوات، أو كان في أمور الشبهات، أما أمور الشهوات فنعرفها جميعاً، وأما ما يتعلق بالشبهات فالقراءة للمنحرفين، ما عادت الأمور كما كانت من قبل، الكتاب يُمنع ولا يستطيع الإنسان غالباً أن يُدخله من بلاد أخرى، وإنما صار ذلك ميسوراً لكل أحد، ما شاء من الكتب، كتب الإلحاد، كتب السحر، كتب الشبهات، كتب الأفكار المنحرفة، المذاهب الديانات بجميع أنواعها، يستطيع أن يطلع على ما شاء وهو في بيته، ثم ماذا تكون النتيجة؟    

*** فصادَفَ قلباً خاوياً فتمكّنا

مَن عرّض نفسه للفتنة أولاً لم ينجُ منها آخراً، ولهذا كان السلف -رضي الله عنهم- يقولون: القلب ضعيف، فما كانوا يصغون للشبهات، ولا يسمحون لأحد أن يعرض شبهة بمحضرهم، أئمة كبار الواحد منهم يضع أصبعيه في أُذنيه، فيكلمه صاحب الهوى والبدعة، يقول: أُكلمك بكلمة، فيُشير بأصبعه، وقد ذهب وتركه، يقول: ولا بنصف كلمة([8])، وهذا يقول لآخر: اجلس معي هنا أُكلمك، قال: لا، قال: لمه؟، قال: "لأن القلب ضعيف"([9])، وآخر يقول: "اذهب إلى شاكٍّ مثلك فكلمه"([10])، ولهذا جاء عن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- وغيره: "من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل"([11])، وفي بعض ألفاظه: "أكثر التحول"، بمعنى كل يوم على فكر جديد، على انحراف جديد، على اعتقاد جديد، من جعل دينه عرضة للخصومات، ولهذا لما جاء رجل إلى الإمام مالك -رحمه الله- ليناظره، قال: فإن غلبتني؟، قال: تتبعني، قال: فإن غلبتك؟، قال: أتبعك، قال: فإن جاء ثالث فغلبنا؟، قال: نتبعه، قال: "أهكذا يكون المؤمن كل يوم على دين؟!"([12])، فما كانوا يغامرون بأنفسهم، ولا يسمحون لأحد أن يلقي بمحضرهم ضلالة وهوى وبدعة، فكيف بالذي يطوف في المواقع لاسيما بعض المواقع المعروفة بحرب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكلنا يعرفها، بيوت الضرار في الإنترنت، ثم يقول: أقرأ، أطلع، أنظر ما يقولون وما يكتبون، ثم ما يلبث أن تعلق بقلبه شبهات لا يستطيع الخلاص منها، وكما قد قيل: الشُّبه خطافة، قد تعلق بالقلب ولا يمكن إخراجها منه، كما قال الإمام أحمد -رحمه الله- معللاً الامتناع من عرض الشبهات، ثم بعد ذلك قد لا يقتنع بالردود والإجابات حينما يسأل، وقد رأينا من هذا صوراً وألوانًا تدرك معها أن الله -تبارك وتعالى- قد فاوت في هذا الخلق، كما فاوت في أشكالهم وصورهم وأرزاقهم فاوت في فهومهم وعقولهم، أشياء تتعجب كيف يقتنع بها، وابن الجوزي -رحمه الله- في كتاب المنتظم ذكر كلاماً عن الباطنية القراطمة، وذكر شيئاً من خزعبلاتهم وضلالاتهم التي لا تقبلها البهائم، وذكر جملة من الأسباب التي جعلت كثيرين في ذلك الوقت يتبعونها لربما مئات الآلاف في بعض القرون، بل القتلى في بعض المعارك من كل فريق كما يذكر بعض المؤرخين يصل عددهم إلى مليون قتيل، من أين هذا؟، وكيف حصل مثل هذا الانتشار؟، وكيف حصلت هذه التحولات لهؤلاء الناس؟، وبعض هؤلاء الذين يتلقفون هذا من الملوك وعلية القوم، ما الذي جعل هذا الإنسان ينحرف؟، الشبهة خطافة.

والإنسان ينبغي أن يحذر، ثم عليه هو أيضاً أن ينظر في حاله وما يكتبه فضلاً عما يتابعه، ويقرؤه، هي القضية مجرد تغريدات كما يقال أو تعليقات أو إثبات حضور، ومرور، وشكراً على مرورك، باعتبار أنه موجود وحاضر وكل قضية لابد أن يعلق عليها حتى قضايا خاصة تتعلق بالناس، أو مصائب تجد تعليقات أحياناً يندى لها الجبين، والله -تبارك وتعالى- سيسألهم عما خطت أيديهم، يكتبون في أمور لا بصر لهم بها ولا معرفة، ولا خلفية، ولربما كان الواحد منهم كالحكم يحكم بين الناس، ويحكم عليهم بمجرد خبر يقرؤه في بعض المنتديات، خبر!، هذا فضلاً عما يُروج عبر هذه الوسائل من معلومات غير صحيحة، ومفاهيم، وضلالات، لربما يريد أن يتميز بعض الشبيبة عن زملائه فلا يكون على الطريقة كما يقولون التقليدية فهو يريد أن يبدو أنه مثقف، وأنه يستخدم بعض العبارات، وله بعض الاهتمامات في القضايا المجتمعية فيتحدث عن قضايا لا يُحسنها، ويقرر أموراً لو عرف أبعادها ومضامينها وما تنطوي عليه لربما كان ذلك أحياناً يخرجه من الإسلام، لكنه قد يُعذر بجهله؛ لأنه لا يعرف ما تنطوي عليه مثل هذه الكلمات التي كتبها، وخذ من العبارات الكبار التي تُنشر هنا وهناك وليست بخافية على أمثالكم، هذا فضلاً عما يتصل بقضايا الشهرة، فهذه فتنة، لربما كان الإنسان مغموراً لم يحصّل كثيراً من العلم ولا العمل، وذلك يتطلب ألوان المجاهدة والصبر، وقد لا يُحصّل؛ لأن الإنسان قد يطلب العلم ولا يحصل له منه كبير طائل، وقد يكون بهامش الناس كما يقال، فهو يريد أن يكون مقدماً وأن يُعرف، فلربما تشبث بقضية في أصلها باطلة، وروجها في المجتمع، وأكثر من طرحها وطردها، وتردادها بعبارات مختلفة وأصل القضية مخالف للشرع، عُرف بذلك، وإذا نظرت إلى الأتباع أو إلى المعجبين أو إلى المغردين معه تجد عشرات الآلاف، وإذا نظرت إلى البضاعة فهي لا تُسعف، ولكن الإنسان لا يُبصر عيوبه، وهذه قضية يصعب تصويرها أحياناً، ولكن أحاول أن أقربها أحياناً ببعض الأمثلة، أنا أقول لبعض الشباب: اقرأ ما كتبته مما تُعجب بمثله قديماً في المرحلة الابتدائية، أو المتوسطة اقرأه في المرحلة الجامعية، وإذا كنت كتبت شيئاً في المرحلة الجامعية اقرأه بعد عشر سنوات، ستجد أن التنور أولى به، وأن الناس ينبغي أن لا يطلعوا عليه؛ لأنه نوع من الخزي في الأسلوب والمضمون، وعند نفسه حينما كتبه كان شعوره أنه المحرر المدقق، وأنه قد خاط هذه المسألة خياطة بحيث لا يرد عليها وارد، هذا موجود، والإنسان لا يزال ينمو عقله وعلمه إذا كان يواصل الاطلاع والقراءة، لكن من يُبصره بعيوبه حينما كان في تلك المرحلة، هو يقول: هذا لا يستحق النشر مثلاً، وقل مثل ذلك حينما يذهب الإنسان كما يقول بعض أهل العلم -أعزكم الله- يقول: كمن هو في مدبغة، دباغة الجلود فيها روائح لا تطاق، لكن الذي يعمل في الجلود هو يعيش هذا الجو وهو لا يشعر، لكن إذا دخل الإنسان من الخارج لم يطق، الناس قد يوجدون في مكان ضيق ويزدحمون فيه فإذا دخل عليهم أحد من الخارج لم يُطق البقاء لحظة؛ لتغير الهواء، أليس كذلك؟ لكن هؤلاء الذين في ذلك المكان لا يشعرون، فهكذا الإنسان من حيث الفكر والنظر والتصور تتحول بصيرته تماماً، كما يغير الإنسان نظارته فيرى الأشياء بحسب لون الزجاج ثم قد يُجادل في ذلك، ويرى أنه يرى الأشياء على حقائقها وأنه على حق، هذا التحول في البصائر يصير بسببين اثنين في الأصل يرجع إليهما ما عداهما:   

الأول: قضية الانحرافات الفكرية -الاعتقاد- تطمس البصيرة طمساً كليًّا أو جزئيًّا.

والثاني: هو المعاصي والذنوب ومواقعة ما حرم الله -عز وجل-، فينطفئ نور البصيرة في القلب، ويضعف فلا يبقى للقلب شفافية، فلا يبصر، ولا يرى الأشياء كما هي، فتزين له أعماله السيئة. 

فهذه الفتن فتنة الإعلام فتنة الشهرة، ولربما يجد من يستقبله ويرحب به ويدفعه دفعاً إلى الإقدام في هذا المجال، فيحاول أن يُخرج شيئاً أو أن يتكلم في أمور لا يُحسنها، فيكون ذلك نقصاً في حقه لو أنه عقل، حينما تسمع كلام بعض من لم يتأهل في بعض القضايا وتحدث عنها تقول: ليته سكت، هذا يضر نفسه، ويُزري بها أمام الآخرين، فيكون شماتة، ثم يُستهدف، ولكن من الناس من يريد أن يُعرف ولو بالبول -أعزكم الله- ببئر زمزم، وكما قال بعضهم: هل ذكرني الخطيب في كتابه؟ فقيل: لا، قال: ولا في الضعفاء؟ قيل: ولا في الضعفاء، قال: ليته ذكرني ولو في الضعفاء، هو يريد أن يدخل التاريخ، لكن يدخل التاريخ بماذا؟!، والله يقول: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا الإسراء:36.

الإنسان الذي له رسوخ في العلم قد يُفتن بسبب هذا الإعلام، فإذا خرج أمام القنوات صور له الشيطان أنه يجلس أمام أطياف كما يقال ومشارب فينبغي أن يُزين كلامه، فيكون مقبولاً من جميع الطوائف أيًّا كانت هذه الطوائف فهو لا يريد أن يُسخط أحداً، فتأتي الأحكام بصورة مشوهة، ولا يكون ذلك كطريق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في بيان الحق والدعوة إليه، وإنما بأسلوب مموه، لا تأخذ منه حقًّا ولا باطلاً، ليست هذه دعوة الأنبياء، وإنما الذي يحدو أحياناً لمثل هذا هو الشعور أحياناً بالعالمية، أنه عالمي، أو أنه يخاطب العالم فهو لما يتكلم يستشعر أن الذين يتابعونه الآن من مشارب شتى، وفيهم من أهل الرُّتب والمقامات في مجتمعاتهم وبلادهم، فهو يريد أن يكون مقبولاً عند هؤلاء، فتأتي أحكامه وفتاواه بطريقة تضيع الحق، هذا إذا لم ينطق بالباطل، ويستحل ما حرم الله -عز وجل- بشبهات وأمور تتعجب كيف يخفى مثل هذا على مثل هذا؟!، هل يمكن وهي قضايا قد لا تخفى على صغار طلبة العلم؟! فيزين الباطل، فالسبب أحياناً فتنة الإعلام والشهرة، ولربما تحول ذلك إلى لون من التجارة، والكسب، ومعلوم أن القنوات المرموقة -كما يقال- ذائعة الصيت والانتشار التي يتابعها لربما مئات الملايين هذه لا تستقطب أي أحد، لا تريد أن تأتي بشخص لربما في نظر الناس أو في نظرهم هم أنه متشدد، يريدون الانفتاح، فهو يريد أن يدخل في هذا الإعلام، وفي هذه القنوات فيخرج من قناة إلى قناة، وينتقل وهكذا، فتتلقفه هذه القنوات؛ لأنه لا يصادم أهواء الناس وشهواتهم، لا يعرف كلمة حرام، لا يجوز، لا يعرف هذا ضلال، هذه بدعة، فمثل هذا فتنة، هذه فتنة لا تقل: أنا لم أصل إلى هذه المستويات، أنت قد تكتب في بيتك في الإنترنت وقد يصفق لك كثيرون، ويكثر المتابعون فقد يغتر الإنسان، ويُمعن في أمور لا يجوز له الإمعان فيها ليستكثر وذلك داخل في قوله تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ التكاثر:1، كثرة المتابعين وذلك لا يدل على حق.   

هذا الإنترنت هو امتحان كبير للإيمان والأخلاق والعقول، أبواب الشر مُشرعة، وأبواب الخير مترعة، فلا ينبغي للإنسان أن يُفرط الثقة بنفسه، لا في مجال الشبهات، ولا في مجال الشهوات، وأُذكِّر من عرّض نفسه للفتنة أولاً لم ينجُ منها آخرًا، لا تقل: أُجرب، لا تفتح باباً من أبواب جهنم فقد لا تستطيع الرجوع، وقد سمعت من كثيرين دخلوا في مواقع إباحية للاطلاع ثم تحولت الحال إلى نوع من الإدمان، وكثير من هؤلاء حتى لا يمني نفسه أنه يتزوج فيفارق مثل هذه المقارفات، كثير من هؤلاء من المتزوجين، وممن جاوزوا الأربعين، ويقولون: لا نستطيع، والله يقول: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ الأنفال:24، ومما يدخل في هذا المعنى أن يحول بينه وبين التوبة، فلا يستطيع التوبة، يحاول لكن لا يستطيع، فهذه الثقة يقول: أنا أقرأ أي شيء، أنا أعرف نفسي، أنا واثق من نفسي، أو يقول له بعض الناس: نتحاور، نتجادل، ألست تثق بنفسك؟، فيُستفز، وقد دخل في المجادلات رجال من أذكياء العالم من علماء الكلام في القرون السابقة، فكيف تحولت حالهم؟، بعض رءوس الخوارج لم يكن كذلك، لكن بمجلس، بقعدة كما قال بعض السلف، حوله بقعدة، حاور شابًّا جاء من عُمان فقلبه بقعدة من رءوس الخوارج، صار من رءوسهم، من قادتهم، وهو بزعمه يريد أن يحاور وأن يناقش وأن يقنع الآخرين بمذهب أهل السنة والحق، بقعدة يعني بمجلس واحد حوله، فكيف بمن قل علمه وقل بصره ولا زال في مقتبل العمر؟!، فهذا أمر خطير.   

فالمقصود أن الإنسان إذا كتب ينبغي أن يستحضر أنه يملي على الملك مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌق:18، وابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وتابعه على ذلك جماعة كالحافظ ابن القيم -رحمه الله- يقول: "الملك يكتب كل شيء حتى ما لا يتعلق به الجزاء ثم يُمحى، إلا ما يتصل به الحساب والعقاب والثواب"([13])، أخذاً من العموم في قوله: "ما"، فهي دالة على العموم، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ، نكرة في سياق النفي ومسبوقة بمن التي تنقلها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، والنكرة في سياق الشرط والنهي والنفي والاستفهام كل ذلك للعموم، وهكذا تظل النفس ساكنة وغرائزها كامنة فإن حُركت تحركت نوازعها إلى الشر سواء كان ذلك في مسموع أو مقروء أو مشاهد، فتثور كوامنها، فيلتهب القلب ويتبعه الجسد، فيجد حر النار في الدنيا قبل الآخرة، يجد ناراً تلظّى في قلبه وجوارحه حتى يقضي نهمته، ثم بعد ذلك يرجع إليه صوابه، ثم بعد ذلك يوقدها حتى تضطرم من جديد، هذه النوازع قوية لا تحتاج إلى تحريك، فكيف إذا أوقدت النار من تحتها؟، ومنشأ كل فتنة تقديم الرأي على الشرع كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله-([14])، والهوى على العقل، فتقديم الرأي على الشرع هو فتنة الشبهة، وتقديم الهوى على العقل هو أصل فتنة الشهوة، لو أن إنساناً سلم للنصوص ولم يُعرض قلبه للشبهات فإنه يسلم، وإنما إذا قال: أنا أرى، وبدأ يتكلم بهذه الطريقة فإن ذلك هو الباب، وإذا جعل ذلك أصلاً كما يقول بعضهم لبعض من يحاول إضلاله: لا تُسلم عقلك للآخرين، لك عقل لا تُعره لهؤلاء، يقصد الشيوخ، فيثبطه عن حضور مجالس العلم، ويقول: إن عقلك هو الذي ينبغي أن تحكِّمه في كل شيء، يعني: أن يُحكم في نصوص القرآن وفي نصوص السنة، وما هذا العقل وما مقداره؟، وما حال أولئك الذين حكّموا العقول من كبار النُّظار حيث اختلفوا، وصار الواحد يكفر صاحبه، والأب يكفر ابنه -نسأل الله العافية- والعكس، واقرءوا في تراجم هؤلاء من المعتزلة وغيرهم، اقرءوا في ترجمة أبي علي الجُبائي شيخ المعتزلة، وترجمة هاشم الجُبائي، الابن والأب كل واحد يكفر الآخر، وهم يرجعون إلى مرجع واحد وهو العقل، ثم أدى بكبارهم هذا الاتباع والابتداع -اتباع الرأي والعقل المزعوم- إلى الحيرة، فصاروا يعبرون عن هذا شعراً ونثرًا:

نهايةُ إقدامِ العقولِ عقالُ ***

 إلى أن قال:

ولم نستفدْ في بحثنا طول عمرنا *** سوى أنْ جمعنا فيه قيل وقالوا.

والآخر الذي يقول: "أضع الملحفة على وجهي، وأصابح الصبح، وأقلب بين أقوال هؤلاء وهؤلاء فلا يترجح لي شيء"([15]).

وآخر عند الموت يسأل صاحبه ويقول: "ما تعتقد؟، هل أنت مطمئن؟ يقول: نعم، فيقول: والله لا أدري ما أعتقد، والله لا أدري ما أعتقد، والله لا أدري ما أعتقد"([16]).

وآخر يقول: "أموت على عقيدة عجائز نيسابور"([17])، هؤلاء الكبار الذين يقول الواحد منهم: "لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام"([18])، ثم بعد ذلك يذكر النتيجة التي خرج فيها الحيرة والضلال، هؤلاء أصحاب عقول، وكما قال شيخ الإسلام: "هم من أذكياء العالم"([19])، فكيف يُغر الإنسان بنفسه ولربما ما قرأ كتاباً ولا كتابين؟، كيف يكون هذا؟ هل صارت العقائد والأديان هي أرخص شيء في نفوسنا حيث نعرّضها لمثل هذه الأهواء والشرور والآفات التي تفتك بها؟!، تأملوا في قوله -تبارك تعالى-: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَالإسراء:36، فالسمع والبصر ميزابان يصبان في قالب القلب فيمتلئ بحسب ما يُصب فيه من المشاهدات، والمسموعات، فيفرح تارة، ويحزن تارة، ويكتئب أحياناً، ويمتلئ يقينًا في بعض الأحيان، ويمتلئ شكًّا وريباً في أحايين أُخر، فلماذا يُغرر الإنسان بنفسه؟!.  

إن فتنة الشبهات ترجع إلى ضعف البصيرة وهي بصر القلب، ترجع إلى قلة العلم، فإذا اقترن مع هذا فساد القصد وحصول الهوى فهذه الفتنة العظمى، كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله-: "هي المصيبة الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سيئ القصد الحاكم عليه الهوى لا الهدى مع ضعف بصيرته وقلة علمه بما بعث الله به رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فهو من الذين قال الله فيهم: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ النجم:23"([20])، فهذه الفتنة -فتنة الشبهات- تارة تنشأ من فهم فاسد، وتارة من نقل كاذب، وتارة من حق ثابت خفِيَ على الرجل فلم يظفر به، وتارة من غرض فاسد وهوى متبع، فهي من عمى في البصيرة وفساد في الإرادة، وانظروا إلى حال هؤلاء الذين يناكفون أهل الإيمان، يناكفون أهل العلم والدعاة إلى الله -عز وجل- وجعلوا من أنفسهم حربة تُطعن بها خاصرة الدين في كتاباتهم في صحفهم، في مقالاتهم، في مواقعهم، هؤلاء لماذا لا يرجعون، مع كثرة ما يُرد عليهم ويُبين لهم من حقائق الدين، ولا يكاد أحد منهم يرجع عما هو عليه من الغي والضلالة؟!، إن الإنسان أحياناً يصل إلى حال من طمس البصيرة فقد يُختم على قلبه، فإذا طُبع عليه فعند ذلك لا يصل إليه تذكير المذكرين، ولا وعظ الواعظين، ولسان حاله: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ الشعراء:136.    

ومآل هذه الفتنة -فتنة الشبهات- الكفر والنفاق، ليست كالسابق الواحد لربما يُعافس بعض الشهوات، ويُرجِّي نفسه بالتوبة ويقول: أتوب إلى الله، أسأل الله أن يغفر لي، ولربما إذا جاء رمضان تأثر وأناب، وظهر عليه بوادر الإقبال والعبادة ورق قلبه ولان، الآن أصحبت تعرض على الناس فتن وشُبهات تجتالهم من دينهم أصلاً في أمور يقرؤها أو يسمعها أو يجالس أصحابها فيعلق ذلك بقلبه، هذه فتنة المنافقين كما قال الحافظ ابن القيم -رحمه الله-([21]).

فتنة أهل البدع والأهواء على حسب مراتب بدعهم وأهوائهم، والبصر في هذا الباب يتطلب أموراً عدة: يحتاج إلى علم راسخ، ويحتاج إلى عقل راجح، ويحتاج إلى دين متين، ويحتاج إلى معرفة الأمور على حقائقها على ما هي به، فعند ذلك إذا تكلم الإنسان، وأبدى رأياً في الأمور الواقعة فإنه يُرجى له أن يتكلم بطريقة مرضية، وأن يصل إلى الرشد، وأن يكون مسدداً، وإن أخطأ فهو معذور، أعني مَن استجمع هذه الأوصاف، قد يكون الإنسان من أوعية العلم ولكن لا عقل له، والعقل غير الذكاء، والعقل غير العلم، فقد يكون من أوعية العلم ولكنه أهوج فمثل هذا لا يصلح أن يتكلم في هذه القضايا، ولا أن يتخذه الناس مرجعاً ولا مشيراً؛ لأنه لا يوصلهم إلى صواب، وقد يكون للإنسان عقل راجح ولكن لا بصر له بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فهو أعمى يقود العُمي، فكيف يوصلهم إلى محل السلامة؟!، وإنما اجتماع العلم والعقل بمنزلة اجتماع نور العين مع ضوء الشمس، فإذا حصل ذلك واجتمع أبصر الإنسان الأشياء بوضوح على ما هي عليه، والدين والورع وتقوى الله -تبارك وتعالى- تنجلي معها البصيرة فيوفق، ولهذا قال بعض العلماء لما نظر في أحكام بعض أهل القضاء، ورأى السداد في هذه الأحكام: إنه يُعان بقيام الليل، يُعان على الصواب والحكم الصحيح السديد بقيام الليل، وهذا ليس بغريب؛ لأن الله يقول: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًاالأنفال:29، فتنجلي البصيرة، فيرى الإنسان الأشياء على حقائقها، فتأتي أحكامه مسددة صائبة، فالدين لابد منه، ورقيق الدين لا يصلح أن يكون مرجعاً للناس، ولابد من معرفة الأشياء على ما هي عليه، على حقائقها، وإلا فإن الإنسان إذا تكلم في أمور لا يُدرك أبعادها ومراميها، أو أنها ما استتمت فصولها فإنه قد يخطئ، ولذلك فإن الكثيرين لربما ينشغلون في هذه الأيام بالأحداث الواقعة هنا وهناك في بلاد الله الواسعة، ولربما يلحون ويطالبون أهل العلم أن يُبينوا لهم موقفاً في كل قضية تقع مع أن هذه القضايا لربما ما استتمت فصولها وأبعادها وجوانبها، لازالت تمر في أطوارها الأولى، وقد يكون هذا العالم لم يتصور هذه الأشياء بحسب ما هي عليه، فلا يُطالب بأكثر مما يُطيق، وقد يصدر عنه ما قد يندم عليه أو يندم أولئك الذين أغروه واضطروه إلى الكلام، قد يندمون، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها، إلا ما آتاها، وقد يتوقف الإنسان في بعض الأشياء وقد يسكت والسكوت موقف، فليس من واجبات العالم ومقتضيات علمه أن يتكلم في كل قضية واقعة سواء كان قد استجمع شروط الكلام فيها أو لم يستجمع، يكفي أن يتكلم بعضهم فلا يكون الحق خافياً.    

الحديث عن الفتن ينبغي أن يُلامس قلوبنا؛ لأننا نُقلَّب فيها، وأن لا يذهب فكر الإنسان إلى الآخرين حينما يسمع هذا الكلام، ويتصور أن فلاناً من الناس قد افُتتن، وأن الآخر قد بُلي، ثم ينسى نفسه، لا، نحن نطلب الخلاص لأنفسنا، نحن نتحدث عن أنفسنا، ولسنا نتحدث عن الآخرين، نحن نطلب المخرج والسلامة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث حذيفة -رضي الله تعالى عنه- يقول: (تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عودًا)([22])، كيف تكون أعواد الحصير متتابعة متعاقبة على هذا الذي ينسجه فيكون هذا العود بعد هذا العود، فالفتن تُعرض هكذا على القلوب، فكيف يكون المخرج؟، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يذكر آثارها، (فأي قلب أُشربها نُكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نُكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير القلوب على قلبين على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض)، متى نصل إلى هذ المستوى؟، هذه الفتن التي تُعرض متتابعة إذا كان بعضها قد يعلق بقلبه فمعنى ذلك أن في هذا القلب من النكت السوداء بحسب ما يعلق في قلبه من تلك الفتن، قد يكثر ذلك أو يقل، فكيف ترفض قلوبنا هذه الفتن أيها الأحبة؟، كيف نصل إلى هذا المستوى أن يكون القلب بحيث لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، ولا يكون بالصفة الأخرى (كالكوز مُجَخِّيًا)، الأسود المرباد، بعضهم يقول: سواد على حُمرة، وبعضهم يقول: سواد فيه لون بياض قليل كلون النعام، (كالكوز مُجَخِّيًا)، يعني: مثل هذا الكأس الآن، مُجَخِّيًا يعني منكوساً مقلوباً، إذا كان بهذه الطريقة هل يمكن أن يستوعب بداخله الماء؟ أبداً، فإذا وصل الإنسان إلى حال من تشرب الشبهات التي تتابع عليه فإنه يصير إلى حال (لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرب من هواه)، إذا قيل له: هذا قول العالم الفلاني سخر وأنف وكأنما قيل له شيء منكر، إذا قيل له: هذه فتوى للإمام الفلاني سخر منه، وقال: هذا إمامك أنت، أما أنا فلي إمام، ومن إمامك؟ قال: الله أعطاني عقلا لا يمكن أن أُؤجره لشيوخك وأئمتك، هذه مصيبة، بل وصل الأمر ببعضهم أنه يصرح بسب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وذمهم وتجهيلهم، وهذا ليس بجديد، وقع فيه الطوائف قبلُ، ولا تذهبوا بعيداً دعك من الرافضة وموقفهم، المعتزلة في وقت مبكر عمرو بن عبيد الذي كان معروفاً بالزهد والعبادة، وهو على رأي المعتزلة وهو من شيوخهم، ماذا كان يقول عن عبد الله بن عمر بن الخطاب من علماء الصحابة وكبارهم مرشح للخلافة؟ يقول: حشوي، ماذا كانوا يقولون عن مثل ابن مسعود وغيره من علماء الصحابة؟، أحدهم كان يذكر لو سمعت الإسناد من فلان ما قبلته، ولو سمعته من فلان لرددته، ولو سمعته من فلان لكذبته، ولو سمعته من النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قبلته، ولو سمعته من رب العالمين لقلت: ما على هذا أخذت علينا الميثاق، هذا واحد من شيوخ المعتزلة متدين يتبع العقل، وإذا قرأت في كتبهم كأنما تقرأ في كتب أرسطو وأفلاطون، ما كأنك تقرأ في كتب قوم عرفوا الرسالة أصلاً، ما الذي أوقعهم في هذا؟ وتستغرب اليوم ممن يزدري بعض العلماء المعاصرين أو المتقدمين! لا تستغرب، هي الأهواء قديماً وحديثاً، وهي أعلق بالقلب من الجرب.

المسألة خطيرة، فيصير القلب كالكوز مُجَخِّيًا، تأتي له بالآيات والنصوص، بلغ ببعض المعاصرين من أهل البدع أنه ذُكر له آية في التوحيد، قال: يا عمي هذه آية وهابية، آية وهابية!، انظر الهوى، هذا شيخ من شيوخ أهل البدع من القبوريين لما أُنكر عليه بعض الأعمال الشركية، وذُكرت له آية قال: هذه آية وهابية، فهؤلاء صارت قلوبهم بهذه المثابة (كالكوز مُجَخِّيًا، لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرب من هواه).

فواللهِ لولا اللهُ يُسعد عبده ***  بتوفيقهِ واللهُ بالعبد أرحمُ

لمَا ثبت الإيمانُ يوماً بقلبه *** على هذه العلات والأمر أعظمُ

ولا طاوعته النفسُ في ترك شهوة *** مخافة نارٍ جمرها يتضرمُ

ولا خاف يوماً من مقام إلهه *** عليه بحكم القِسط إذ ليس يَظلمُ.

جاء في حديث المقداد -رضي الله تعالى عنه- قال: "أيم الله لقد سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن السعيد لَمَن جُنب الفتن، إن السعيد لمن جُنب الفتن، إن السعيد لمن جُنب الفتن، ولمن ابتُلي فصبر فواهًا)([23])، السعيد من جُنب الفتن، يُرددها النبي -صلى الله عليه وسلم-، كيف يُجنب الفتن -فتن الشبهات وفتن الشهوات- إذا كان جُريج الراهب لما دعت عليه أمه أن لا يموت حتى يرى وجوه المومسات حصل له ما حصل، فكيف بالذي يقلب بصره في المواقع الإباحية؟! كيف تكون حاله؟ وكيف يكون قلبه؟، رؤية فقط وجه مومس هذه عقوبة، ودعوة أصابته حينما دعت عليه أمه، فالذي يذهب إلى ذلك بطوعه واختياره كيف تكون حاله؟، وهكذا أولئك الذين ينظرون في الأهواء والضلالات والشبهات، الأمر ليس بالسهل.

يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل)([24])، وفي حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما- مرفوعاً: (وإن أمتكم هذه جُعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيُرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه، هذه)([25])، يعني: مهلكتي، هذا في تتابع هذه الفتن، يرقق بعضها: يهوِّن بعضها بعضاً، كلما وقعت فتنة قال الناس هذا، والفتنة إذا جاءت تُنسي التي قبلها، فكيف يحصل لنا مثل هذا التوقي؟ كيف نستطيع أن نتخلص من هذا البلاء؛ لئلا يصيب قلوبنا؟.

فأعظم ذلك وأول ذلك: وبه نكون ممتثلين لقوله -تبارك وتعالى-: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً الأنفال:25، أن نعتصم بالكتاب والسنة، وأن نجرد المتابعة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، إذا كان الله -تبارك وتعالى- يقول لنبيه -صلى الله عليه وسلم- وهو إمام المهتدين-: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي سبأ:50، "فبما يوحي" تقديم المعمول، أو تقديم الجار والمجرور يفيد أو يُشعر بالحصر فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي، فالاهتداء إنما يكون بما يوحِي إليه، ما قال: بعقلك، بمداركك، بفهمك للأمور، وتحليلات الأمور الواقعة، والأخبار وما إلى ذلك، فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي، فحصر الاهتداء بالوحي، والله يقول: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍآل عمران:101، و"قد" هنا تفيد التحقيق، "ومن يعتصم بالله"، ما قال: يعتصم بعقله، "يعتصم بالله"، كيف نعتصم بالله؟ أن نرجع إلى الوحي المنزل أن نتمسك به فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ الزخرف:43، وفي حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- المشهور قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما)، وذكر كتاب الله وسنته -صلى الله عليه وسلم-، وقال: (ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض)([26])، اليوم تسمع بعض اللبراليين والعلمانيين يتكلم فيظن بعض من لا دراية له أنه قد تغير وتاب، واستقامت حاله، يقول: القرآن فيه الهدى، وكل ما تحتاج إليه البشرية موجود في القرآن، وبدأ هذا الرجل الذي لا يعرف القرآن، بدأ يتكلم ويمدح القرآن، فتعجب وأنت تسمع في هذا المجلس كلام هذا الآدمي، أو من كان في مسلاخ آدمي، ثم بعد ذلك يبدأ يلمز ويتكلم ويُشكك في السنة، يريد أن يقول: نقتصر على القرآن، يكفينا القرآن، وإذا قال الإنسان مثل هذا الكلام فهو ضال يريد أن يفصل بين القرآن وبين السنة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض)، "وكتاب الله وسنتي"، لابد من هذا وهذا، والحديث المشهور حديث العرباض -رضي الله تعالى عنه-: (وإنه من سيعش منكم فسيرى اختلافاً كثيرًا)، هذا الاختلاف الذي نشاهده، فما المخرج؟ (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة)([27])، ما سنته؟ ما سنة الخلفاء الراشدين؟ هل هي في اتباع العقول والأهواء والأذواق والأمزجة التي تفرقت بسببها الطوائف؟ هؤلاء يقولون: أنتم تروون عن ميت، تأخذون علومكم عن الموتى، ونحن على اتصال مباشر بالحي الذي لا يموت، هؤلاء كيف تناقشهم؟ كيف تورد عليهم النصوص وقد استغنوا عنها أصلاً، وآخرون جاءهم الشيطان وقال لهم: إن هؤلاء النقلة للأخبار من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فضلاً عمن بعدهم هم ضُلال وكفار، لا يوثق بخبرهم، فتركوا سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واتبعوا الأكاذيب والأباطيل والخرافات فضلوا وأضلوا كثيرًا، وجاء الشيطان إلى قوم وقال لهم: العقل مقدم والنقل تابع له، بل قال بعض شيوخ المعتزلة: النقل تهمة، والحجة في المقاييس العقلية، هذا كيف تقول له: قال الله وقال رسوله، فيأتي لك بالقوادح العشرة التي ذكرها الرازي، جرأة على الله -عز وجل-، أبواب إلى جهنم، دعاة على أبواب جنهم، فلا ينجي من هذه الفتنة -فتنة الشبهات- إلا تجريد اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-، أن نحكِّمه في دقيق الدين وعظيمه، في ظاهره وباطنه، في عقائده، وأعماله، وحقائقه، وشرائعه، فنتلقى عنه حقائق الدين، والإيمان، وشرائع الإسلام كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله.

الأمر الثاني: حسن الصلة بالله -عز وجل-، هذا أمر لابد منه، حُسن الصلة بالله، بأنواع هذه الصلة، فأول ذلك: الدعاء، أن يُكثر الإنسان من اللهج بالدعاء، تأملوا قول يوسف -صلى الله عليه وسلم- لما امتُحن بامرأة العزيز والنساء اللاتي تمالأن معها قال: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ يوسف:34، هذا الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليه السلام-، يقول: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ، إنه لا حول للعبد ولا قوة إلا بأن يسأل ربه أن يُخلصه وأن ينجيه من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وجاء عن حذيفة -رضي الله تعالى عنه-: (ليأتينّ على الناس زمان لا ينجو فيه إلا من دعا بدعاء كدعاء الغريق)([28])، الضراعة إلى الله، هل نحن نفعل هذا ونحن نشاهد هذه الفتن تتخطف من حولنا؟، كل يوم يتساقط أناس من المنتسبين إلى العلم ومن غيرهم، يتساقطون في فتن شبهات، وفتن شهوات، وفتن مخلوطة من هذا وهذا، والله علمنا أن نقول: رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواالممتحنة:5، "فتنة" هنا مصدر، والمصدر هنا بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول، كما قال أهل العلم من المفسرين كالقرطبي وغيره، لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً، أي: لا تجعلنا فاتنين لغيرنا، ومن المعاني التي يذكرونها في هذا: أن لا تسلط علينا عدونا فيتغلب علينا ثم يُفتن بسبب ذلك، ويقول: لو كانوا على حق لما غلبناهم وقهرناهم، رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لا تجعلنا فاتنين، ومن ذلك أيضاً تمثيل الإسلام بسوء أمام الناس، فيقال: هؤلاء يدعون إلى هذا الدين وهم أبعد الناس عنه، وانظر إلى أحوال الأمة اليوم من الضعف والتفرق والحروب، العالم الثالث هو ما بين العالم الغربي والعالم الشرقي، الدول الصناعية عنا غرباً وعنا شرقاً ونحن بينها، العالم الثالث الذي يحتل الثروات والموقع الإستراتيجي، وأولئك في أقاصي الدنيا غرباً، وأقاصيها شرقاً ونحن بينهم في حال من التردي والضعة، الدول النامية، العالم الرجعي المتخلف، العالم الثالث، الواحد يعرق جبينه حينما يسمع مثل هذا الكلام، عالة على العالم في كل شيء حتى في لباسنا الذي نلبسه، رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا، سيقولون: هؤلاء على الحق، فيُفتنون، والمعنى الآخر: لا تجعلنا مفتونين للذين كفروا، فتسلط الكفار علينا فيفتنونا عن ديننا.

وهكذا من الدعاء أن الإنسان يستعيذ بالله -تبارك وتعالى- من الفتن، وفي حديث زيد بن ثابت -رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً: (تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن)([29])، وفي حديث أيضاً أبي هريرة: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع، -وذكر منها- ومن فتنة المحيا والممات)([30])، ما هي فتنة المحيا؟ يدخل فيها هذه الفتن التي تعتور الإنسان في حياته، وفي حديث آخر: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أمسى قال: (أمسينا وأمسى الملك لله، وفيه: اللهم إني أعوذ بك من الكسل، والهرم، وسوء الكبر، وفتنة الدنيا، وعذاب القبر)([31])، وفي الحديث الآخر: كان يدعو في الصلاة: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا، وفتنة الممات)([32])، وفي الحديث الآخر: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن قولوا: (اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، إلى أن قال: ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات)([33])، كما يعلمهم السورة من القرآن، فهل نحن أيها الأحبة نستعيذ كثيراً ونستحضر بعد التشهد حينما نستعيذ بالله من الفتن فتنة المحيا والممات نستحضر هذه المعاني؟.

وهكذا يدخل في الدعاء طلب الهداية من الله -تبارك وتعالى-، الله يقول: (كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم)([34])، وفي الحديث الآخر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو إمام المهتدين- كان يقولإذا قام يصلي من الليل: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لمَا اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)([35])، هل نحن نردد مثل هذا؟، إذا رفع الإنسان يديه يدعو يقول مثل هذا؟، إذا سجد مع كثرة ما نحن فيه في هذه الأوقات من الفتن؟.  

ومن الصلة بالله العبادة، التقرب إلى الله -عز وجل- بالعبادات، تأمل قول الله عن يوسف -عليه الصلاة والسلام-: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ [يوسف:24]، ما التعليل؟ "إنّ" هنا تفيد التعليل، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلِصِينَ، قراءة متواترة، وفي القراءة الأخرى المتواترة إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ، وبين القراءتين ملازمة في المعنى، فالإخلاص هو طريق الخلاص، الإخلاص لله -عز وجل-، وكيف يتحقق هذا الإخلاص؟ ومن وجد فيه الإخلاص كيف تكون حاله مع ربه -تبارك وتعالى-؟ وهكذا حديث معقل بن يسار كلنا نعرفه في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (العبادة في الهرج كهجرة إليّ)([36])، وهو مخرج في صحيح مسلم، وعبارات العلماء -رحمهم الله- تنوعت في تفسير ذلك، فبعضهم كابن رجب يقول: "وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين؛ فيكون حالهم شبيهًا بحال الجاهلية"([37])، وبعضهم كالطحاوي يقول: لكون الهرج يشغل الناس عن الأهم وهو العبادة، فكان من اشتغل بالعبادة مستحقاً لهذا الثواب([38])، وبنحوه قال النووي، الناس مشغولون فكيف الآن أيها الأحبة بوسائل الإعلام ومتابعة القنوات والمواقع الإلكترونية؟، فما الذي يبقى للعلم والعمل؟ ما الذي يبقى للتحصيل؟ وإذا جاء الإنسان للعبادة فقلبه مشوش مشتت، ينبغي للإنسان أن يضع لنفسه أهدافاً، هذه الفتن قد تتطاول، قد تبقى عقوداً، فيمضى العمر، ضع لك هدفاً ومنهاجاً واضحاً في العلم والعمل، ثم اجعل لمتابعة ما يجري وقتاً محدداً لا يصرفك عما أنت بصدده، يمكن أن يتابع الإنسان الأخبار لمدة معينة نصف ساعة في اليوم للمواقع التي تَجْمع الأخبار مثلاً المتفرقة، وتنقِّح بطريقة مأمونة بإذن الله -عز وجل-، ولا داعي للتتبع؛ لأن هذا التتبع كالذي يعد أمواج البحر، هذا فضلاً عن أولئك الذين يكتبون في مواقع منتديات أو يكتبون في وسائل أخرى مثل الواتس آب، أو يكتبون في حساب في تويتر أو يكتبون في الفيس بوك، ثم يفتح بين دقيقة وأخرى ينظر ماذا علقوا على شريف كلامه، ومتين تحقيقه وتدقيقه، ثم لا يزيده ذلك إلا تيهاً وإعجاباً، ماذا علقوا؟، كم دخل؟ كم قُرئ؟، أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَالتكاثر:1-2، إلى متى هذه الحال؟ هذه مثل أمواج البحر، الذي يريد أن يعد أمواج البحر، لا تنتهي، لا تنتهي أبداً، وبعضهم يفسر الحديث بقريب من هذا كما يقول ابن الجوزي: "بحيث إن القلوب تشتغل إذا عمت الفتن، فإذا تعبد متعبد دل ذلك على قوة اشتغال قلبه بالله -تبارك وتعالى-"([39])، وبعضهم كالقرطبي يقول: "المتمسك آنذاك المعتزل لها ولأهلها قد فر من الناس والفتنة بدينه، واعتصم بالعبادة، فهو كالمهاجر الذي فر بدينه"([40])، وبعضهم كالمناوي يقول: إن ذلك باعتبار كثرة الثواب([41])؛ لأن الصوارف إذا كانت قوية الأجر يكون أعظم، وهذا نظر صحيح، الصوارف كثيرة فإذا أقبل العبد على العبادة فله من الأجر أعظم مما يكون لغيره، أو لأن كلًّا من هؤلاء قليل في الناس، فكما أن الأبدان تهاجر فكذلك القلوب تهاجر إلى ربها وباريها وخالقها لاسيما إذا عمت الفتن، فيُهاجر بالأحوال والأعمال الصالحة، وفي الحديث: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المُظلم)([42])، بادروها، اعملوا قبل أن يأتي ذلك فتنشغلوا به عن العبادة، (يُصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)، بإغراء بصفقة، بشهرة، بتطبيل بعض المواقع له، ثم بعدُ ينحرف، ولربما وصل به الحال إلى حال يُلحد فيها تماماً (يبيع دينه بعرض من الدنيا)، وإذا أراد مثل هذا أن يُراجِع أو وُعظ أو نحو ذلك يبدأ يفكر بالأعداد والأتباع سيخسرهم، كما قال المعلمي -رحمه الله-: "ومنهم من يكون له في الباطل شهرة ومعيشة"([43])، فإذا تذكر أن الشهرة هذه ستذهب وأن المعيشة هذه ستذهب فعند ذلك يفكر كثيراً قبل أن يرجع، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (بادروا بالأعمال)، ففيه حث على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل تعذرها كما يقول الإمام النووي -رحمه الله-([44])، والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر (كقطع الليل المظلم)، ثم وصف -صلى الله عليه وسلم- نوعاً من شدائد تلك الفتن أنه يُمسي الرجل مؤمناً ثم يصبح كافراً والعكس، فهذا يدل على شدة هذه الفتن، فيتحول الناس تحولات في اليوم الواحد، لربما يخرج من الدين بكلمة يكتبها، بتغريدة واحدة ينسلخ من الدين، ويظن أن الأمر سهل، وفي الحديث الآخر: لما استيقظ النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة فقال: (سبحان الله! ماذا أُنزل الليلة من الفتن، وماذا فُتح من الخزائن، أيقظوا صواحبات الحُجر، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)([45])، "أيقظوا صواحبات الحُجر"، لماذا يوقَظنّ؟ من أجل قيام الليل، من أجل العبادة، فدل ذلك على أن العبادة لها أثر كبير في وقاية العبد من الفتن، فكيف إذا خف جرمه ووزنه في هذا الباب، لا عبادة ولا علم، لا علم ولا عمل، ويطوف في تلك المواقع، ويسرِّح نظره في ألوان الفتن من الشبهات والشهوات، لا علم ولا عمل.  

أمر ثالث: وهو الرجوع إلى الله -تبارك وتعالى- والتوبة وكثرة الاستغفار، والله -عز وجل- يقول: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ الشورى:30، هذا بما كسبت أيدينا، وقال: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْالأنعام:43، وقال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الأنفال:33، فهذه الفتن عذاب وشقاء.

وأمر رابع: وهو الصبر واليقين، ففتنة الشبهات تُدفع باليقين، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر، ولهذا جعل الله الإمامة في الدين منوطة بالأمرين: الصبر واليقين وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ السجدة:24، فأولئك الذين يرتابون وليس لهم يقين ثابت لا يكون الواحد منهم إماماً في الدين، والذي لا صبر له على طاعة الله، أو عن معصيته لا يكون إماماً في الدين، وإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لما قال الله له: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا البقرة:124، أخذته الشفقة على ذريته، فقال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، يعني: اجعل أئمة، قال الله: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، هنا الإمامة ليست الإمامة في الرياسة في الدنيا، لا، الإمامة في الدين، لا ينال عهدي بالإمامة في الدين الظالمين، فالظالم لا يكون إماماً أبداً، فبكمال العقل والصبر تُدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة، ذكر هذا الحافظ ابن القيم -رحمه الله-، والله -عز وجل- يقول: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ آل عمران:186، "تصبروا وتتقوا"، وقال في الآية الأخرى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ آل عمران:120، فهكذا بالصبر واليقين يكون الخلاص، وفي الحديث: (الصبر ضياء)([46])، النووي -رحمه الله- في شرحه لهذا الحديث يقول: "إن المراد أن الصبر المحمود لا يزال صاحبه مستضيئاً مهتدياً مستمرًّا على الصواب"([47]).

الأمر الخامس: هو التوكل على الله -تبارك وتعالى- والثقة به، وحسن الظن بالرب -تبارك وتعالى-، ونبذ اليأس والتشاؤم وإشاعة روح التفاؤل، فإن العاقبة للتقوى، العاقبة للمتقين، والله وعد بأن يُظهر هذا الدين، وأن يبلغ ما بلغ الليل والنهار، فهو متم نوره لا محالة، ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون، فهذا وعد ثابت ولكنها سُحب تمر، وانظروا إلى ما يجري فإن فيه معتبراً، أمور ما كان الناس يتصورونها أبداً، ولا تخطر لهم على بال ولا تدور في خيال، ثم انظر كيف تحول أولئك من الاستضعاف إلى حال من الظهور والتمكين، وتجد حال أولئك الذين كانوا يستضعفونهم في مرأى أمام العالم عليهم سربال الذل والمهانة، وأولئك الذين كانوا يستضعفون يكونون في حال من العز والفرح والحبور والسرور وما إلى ذلك، هذه عبر نراها ونشاهدها ما كنا نتصورها أبداً، ولا يتصورونها ولا خطرت لهم على بال، ولكن كما قال الله -عز وجل-: وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ آل عمران:140، والإنسان أحياناً ييأس حينما يعيش حاله ويرى بعض الغلبة المؤقتة لأعداء الله -عز وجل-، ولكنها سُحب وتنقشع، ويبقى الظهور للحق والدين الصحيح الذي جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-.  

الأمر السادس: خذ ما تعرف ودع ما تُنكر، ولست مطالباً أن تحكم في كل قضية واقعة، وأن تحكم على كل ما يُكتب وما يقال، أرح نفسك، فالله لن يسألك عن هذا كله، في القبر ستُسأل عن ثلاث: ما ربك؟ وما دينك؟ ومن هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ لكن ما رأيك فيما حصل في ذلك البلد الفلاني؟ وما تقول فيما قال فلان؟، وما تقول فيما رد عليه فلان؟، فيا أخي قد لا تدرك هذه الأمور، وقد لا تعرف ما تنطوي عليه، قد لا تتوصل فيها إلى شيء فلا داعي لإجهاد الذهن؛ ليكون للإنسان في كل قضية امتحان، أبداً أرح نفسك، لست مطالباً بهذا ولا يكون ذلك نقصاً في دينك إطلاقاً، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث عبد الله بن عمرو   -رضي الله عنهما- قال: بينما نحن حول النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ ذكر الفتنة فقال: (إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه)، فقال له عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: "كيف أفعل عند ذلك -جعلني الله فداك-؟ قال: (الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تُنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، وادع عنك أمر العامة)([48])، فالشاهد هنا: خذ ما تعرف ودع ما تُنكر، لا تقبل على أمر لم تتبينه، ولا تقفُ ما ليس لك به علم.

سابعاً: لا تكن إمعة، تتبع الناس على أي حال، تفكر بعقول الناس، هذا خطأ، لا تجعل عقلك محكماً على الشرع أو على الوحي، وأيضاً لا تفكر بعقول الآخرين، بالعقل الجمعي كما يقال، الناس يقولون هكذا، جاء عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: "اغدُ عالماً أو متعلماً، ولا تغدُ إمعة فيما بين ذلك"([49])، وقال: "كنا ندعو الإمعة في الجاهلية الذي يُدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره، وهو فيكم اليوم المُحقِبُ دينَه الرجال"([50])، يعني: المقلد دينه الرجال، هذا ليس الذي يقلد العلماء من العامة، الله يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ النحل:43، لكن الذي يقلد الذين لا يستحقون التقليد، وليسوا بأهل بصر ولا علم، فهو يقول: الناس هكذا، كل الناس هكذا، وجاء عنه أنه قال لما قيل له وما الإمعة يا أبا عبد الرحمن؟ قال: يقول: أنا مع الناس، إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطنن أحدكم نفسه على إنْ كفر الناس أن لا يكفر"([51])، فهذا أمر يحتاج الإنسان أن يقف عنده، خذ ما تعرف ودع ما تُنكر.

الثامن: التريث والتثبت وترك العجلة، والله يقول: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا النساء:83، وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ الإسراء:36، يقول مُطرف -رحمه الله-: "إن الفتنة إذا أقبلت تشبهت، وإذا أدبرت تبينت"([52])، فالذين كانوا قُحماء لهذه الفتن إذا أدبرت تبين ما الفائدة، وعبارات العلماء والحكماء كثيرة في مثل هذا كما في كلام لابن حبان في "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" وغيره، يقولون: "من سكت لا يكاد يندم، كذلك من نطق لا يكاد يسلم، يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويحمد قبل أن يُجرب، ويذم بعدما يحمد، ويعزم قبل أن يفكر، ويمضي قبل أن يعزم، والعجل تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة، وكانت العرب تكني عن العجلة بأم الندامات"([53])، وجاء عن بعضهم: "لا يوجد العجول محموداً، ولا الغضوب مسروراً، ولا الحر حريصاً، ولا الكريم حسوداً، ولا الشريه غنيًّا، ولا الملول ذا إخوان"([54])، وفي عبارات ابن الجوزي: "ما اعتمد أحد أمراً إذا هم بشيء مثل التثبت، فإنه متى عمل بواقعة من غير تأمل للعواقب كان الغالب عليه الندم، وقد قيل: خمير الرأي خير من فطيره"([55])، الرأي الذي بعد تريث وتأمل ونظر، وقد قيل: "الخطأ زاد العجول"([56])، وكما قال بعض المتقدمين: إنما حُمدت العلماء بحُسن التثبت في أوائل الأمور، واستشفافهم بعقولهم ما تجيء به العواقب، فيعلمون عند استقبالها ما تئول به الحالات عند استدبارها، وبقدر تفاوتهم في ذلك تستبين فضائلهم، فأما معرفة الأمور عند تكشفها فذلك أمر يعتدل فيه الفاضل والمفضول، والعالم والجاهل. 

ولهذا فإن الأمر التاسع: الزم غرز العلماء الراسخين الربانيين، فهم أعرف الناس بالطريق إلى الله -عز وجل-، شابت مفارقهم في العلم، وقضوا فيه أعمارهم، فيعرفون من تفاصيل الطريق ما لا تعرف، فارجع إليهم تكن بمأمن، وأما من أعرض عنهم فقد أعرضض أقوام قبل ذلك فضلوا وهلكوا

 

الزم غرز العلماء الراسخين الربانيين، فهم أعرف الناس بالطريق إلى الله -عز وجل-، شابت مفارقهم في العلم، وقضوا فيه أعمارهم، فيعرفون من تفاصيل الطريق ما لا تعرف، فارجع إليهم تكن بمأمن، وأما من أعرض عنهم فقد أعرضض أقوام قبل ذلك فضلوا وهلكوا

 

، الخوارج تركوا أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ورموهم بما يتبرءون أو بما يُبرَّءون منه، ثم اتخذوا شيوخاً من أقرانهم وأصحابهم، فإلى أي شيء قادوهم؟، وهكذا قد يأتي من يثني عزمك عن حضور مجالس العلم، أو عن سؤال أهل العلم، ولكنك لو فكرت في عاقبة الأمر ومنتهاه أو وجهت إليه سؤالاً: إذاً آخذ الدين ممن؟ أتلقى عمن؟ أتعلم عمن؟ عنك؟، انظر إلى حال هذا الإنسان لا يستهويك بحسن كلامه ومقاله، انظر من أعلى، اخرج من الحفرة وانظر من أعلى، وليكن لك نظر كاشف في الأمور، إذا أردت أن تعرف حقيقة هذا وأن لسان هذا قد يغويك، أو يستهويك انظر إلى حجمه في الأمة وبلائه، وعلمه وما حصّل وما عنده، قد يكون نكرة من النكرات، فإلى أي شيء سيقودك؟ ما قاد نفسه إلى فضيلة حتى يقودك إليها، فكثير من الناس قد يُستوعَب بكلام قد يغريه، أو يستهويه، لكن انظر إلى أعلى، هذا الذي يكلمك ويستهويك ما حجمه؟ ما مقداره؟ ما بلاؤه؟ ما وزنه؟ ما علمه؟ أحياناً نكرة، فهل مثل هذا يستحق أن يُتبع؟!.

عاشراً: تذكر ما لمؤْثِر الحق عند الله -عز وجل-، الحق شريف، وجاء عن ابن عمر -رضي الله عنه- حينما خطب معاوية -رضي الله عنه- وقال في بيعة يزيد التي أخذها: "من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليُطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه"، يقول حبيب بن مسلمة لعبد الله بن عمر -وكان حاضراً في المسجد-، فهلاّ أجبته، قال عبد الله: فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع، وتسفك الدم، ويُحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله تعالى في الجنان، قال حبيب: "حُفظتَ وعُصمتَ"([57])، تذكر ما عند الله -عز وجل.

الحادي عشر: أن نعتبر بالتاريخ، كل ما يجري له في التاريخ نظائر، وهؤلاء الذين يتكلمون لهم نظائر في التاريخ القريب والبعيد، ولقد هممت مراراً أن آتي من التاريخ القريب قبل مائة سنة ونحوها من الكاتبين ما ينطبق تماماً مع حال بعض الكاتبين المنحرفين اليوم، إلا أن الأسماء تغيرت، فهي ضلالات وأهواء تزوق وتُزين ويعرضها شياطين الإنس والجن على الناس.

الثاني عشر: جمع القلوب على الحق، ونبذ التفرق والاختلاف، والله يقول: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا آل عمران:103، ويقول: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ الأنفال:46، والفاء تدل على التعقيب المباشر، "فتفشلوا وتذهب ريحكم".

الثالث عشر: أن ينأى الإنسان عن الفتن، لا تقترب منها، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كما في الحديث الذي سمعتم: (إن السعيد لمن جُنب الفتن)([58])، فمن قارب الفتنة بعُدت عنه السلامة، ومن ادعى الصبر وكل إلى نفسه كما يقول ابن الجوزي([59])، وكان يقول: "إياك أن تغتر بعزمك على ترك الهوى مع مقاربة الفتنة، فإن الهوى مكايد، وكم من شجاع في الحرب اغتيل، فأتاه ما لم يحتسب"([60])، وكان يقول: "ما رأيت فتنة أعظم من مقاربة الفتنة، وقل أن يقاربها إلا من يقع فيها، ومن حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه"([61])، ولابن حزم:

لا تلم مَن عرّض النفس لمَا *** ليس يُرضِي غيرَه عند المحنْ

لا تقرِّب عرفجًا من لهب *** ومتى قربته ثارت دُخَنْ.

وقد قيل:

لا تُتبع النفسَ الهوى *** ودعِ التعرض للمحن

إبليس حي لم يمت ***  والعين باب للفتن.

يقول: أنا أريد أن أنظر، أن أجرب، أن أعرف، أطلع، ثم بعد ذلك يُبتلى.

والرابع عشر: كما قلت: لا تُتعب نفسك، أرح نفسك، لا يلزم أن تكون حاضراً بكل قضية تقع.

هذا، وأسأل الله -عز وجل- أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وأن يرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبساً علينا فنضل.



[1]- أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة على اليتامى، برقم (1465)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، برقم (1052).

[2]- أخرجه الترمذي، أبواب الزهد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء أن فتنة هذه الأمة في المال، برقم (2336)، والنسائي في الكبرى (11795)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (592).

[3]- أخرجه أبو داود، كتاب الصيد، باب في اتباع الصيد، برقم (2859)، والترمذي، أبواب الفتن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (2256)، والنسائي، كتاب الصيد والذبائح، باب اتباع الصيد، برقم (4309)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (6296).

[4]- أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة، برقم (5096)، ومسلم، كتاب الرقائق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء، برقم (2740).

[5]- فتح الباري لابن حجر (9/ 138).

[6]- شرح النووي على مسلم (17/ 55).

[7]- انظر: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 64).

[8]- سيرة الإمام أحمد بن حنبل (ص:120)، وسير السلف الصالحين لإسماعيل بن محمد الأصبهاني (ص:699)، وسير أعلام النبلاء (6/200).

[9]- انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر (36/ 186).

[10]- انظر: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (6/ 324)، وسير أعلام النبلاء (8/ 99).

[11]- انظر: الطبقات الكبرى (5/ 288)، والقدر للفريابي (ص: 218).

[12]- انظر: الإبانة الكبرى لابن بطة (2/ 508)، برقم (583).

[13]- انظر: عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (232).

[14]- انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (2/ 167).

[15]- انظر: درء تعارض العقل والنقل (2 / 85)، والصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (3 / 842).                       

[16]- مجموع الفتاوى (9/ 228).

[17]- انظر: مجموع الفتاوى (4/ 73).

[18]- المصدر السابق (5/ 11).

[19]- انظر: بيان تلبيس الجهمية (2/87)، ودرء تعارض العقل والنقل (4/133).

[20]- انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (2/165).

[21]- انظر: المصدر السابق.

[22]- أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، وأنه يأرز بين المسجدين، برقم (144).

[23]- أخرجه أبو داود، كتاب الفتن والملاحم، باب في النهي عن السعي في الفتنة، برقم (4263)، والطبراني في المعجم الكبير، برقم (597)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (1637).

[24]-أخرجه أبو داود، كتاب الفتن والملاحم، باب ما يرجى في القتل، برقم (4278)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، (1396).

[25]- أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول، برقم (1844).

[26]- أخرجه الحاكم في المستدرك (319)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3232).

[27]- أخرجه أبو داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، برقم (4607)، والترمذي، أبواب العلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، برقم (2676)، وابن ماجه، أبواب السنة، باب اجتناب البدع والجدل، برقم (46)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (2549).

[28]- أخرجه أبو نعيم في الحلية (1/274)، وابن أبي شيبة في المصنف، برقم (37146).

[29]- أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، برقم (2867).

[30]- أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم (588).

[31]- أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب التعوذ من المأثم والمغرم، برقم (6368)، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، برقم (2723).

[32]- أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، برقم (832)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم (589).

[33]- أخرجه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في الصلاة، برقم (590).

[34]- أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم (2577).

[35]- أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم (770).

[36]- أخرجه مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب فضل العبادة في الهرج، برقم (2948).

[37]- انظر: لطائف المعارف (ص: 132).

[38]- انظر: شرح مشكل الآثار (15/ 251).

[39]- كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 42).

[40]- انظر: تطريز رياض الصالحين (ص: 747).

[41]- انظر: فيض القدير (4/ 373).

[42]- أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، برقم (118).

[43]- انظر: القائد إلى تصحيح العقائد (ص: 13).

[44]- شرح النووي على مسلم (2/ 133).

[45]- أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب العلم والعظة بالليل، برقم (115).

[46]- أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، برقم (223).

[47]- انظر: شرح النووي على مسلم (3/101).

[48]- أخرجه أبو داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، برقم (4343)، وأحمد في المسند، برقم (6987)، وقال محققوه: "إسناده صحيح"، والحاكم في المستدرك، برقم (7758)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (205)، وصححه في صحيح الجامع، برقم (570).

[49]- أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (15/407)، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (ص: 268)، رقم (378)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (145).

[50]- أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه (7178)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1874).

[51]- أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (8765)، وأبو نعيم في الحلية (1/136)، والهيثمي في مجمع الزوائد (851)، وقال: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه المسعودي، وقد اختلط، وبقية رجاله ثقات".

[52]- أخرجه عثمان الداني في السنن الواردة في الفتن (1/234)، رقم (33).

[53]- روضة العقلاء ونزهة الفضلاء (ص:216).

[54]- المصدر السابق (ص: 217).

[55]- صيد الخاطر (ص: 385).

[56]- انظر: الأمثال لأبي عبيد، (ص:100)، وأدب الموعظة (ص: 58).

[57]- انظر: الإصابة في تمييز الصحابة (2/25)، وتاريخ دمشق (31/184).

[58]- سبق تخريجه.

[59]- صيد الخاطر (26).

[60]- المصدر السابق (ص:26-27).

[61]- المصدر السابق (ص: 217).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 2
teleqram
trees
about