استعرض النسخة الجديدة من الموقع
وقفات مع قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)
عدد الزوار : 15138
تاريخ الإضافة : 26 جمادى الآخر 1436
MP3 : 36984 kb
PDF : 409 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

وقفات مع قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:  

فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

في هذه الليلة سيكون حديثنا بإذن الله -تبارك وتعالى- انطلاقاً من قوله -جل جلاله وتقدست أسماؤه-: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا النور:30-31 الآية.

فهاتان الآيتان ضمن هذه السورة الكريمة سورة النور، التي تتحدث في مجملها عن موضوع واحد، وهو ما يتصل بالستر والعفاف، هي سورة العفاف بكل ما ينطوي تحت هذه اللفظة من المعاني والصور الداخلة تحت العفاف، مما يتصل بالرجل والمرأة، مما يتعلق بالبصر واللسان والسمع وما يتصل بالفرج والستر والعفاف، وما تبديه المرأة من زينة وما تخفيه، وما يتعلق بآداب دخول البيوت، كل ذلك وغيره مما ذكره الله -عز وجل- فيها.

فهاتان الآيتان ذكرهما الله -تبارك وتعالى- بعدما ذكر قبلهما أحكام الزنا والقذف، ونهى عن اتباع خطوات الشيطان، وذكر ما يتعلق بآداب دخول البيوت من الاستئذان، أمر بعد ذلك بغض الأبصار، قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ؛ لأن هذه المطالب لا يمكن أن تتحقق للفرد والمجتمع إذا أُطلق البصر، حينما يُسرح الناس أبصارهم ويقلبونها كما شاءوا وكيف شاءوا فإن ذلك مؤذن بارتكاب القبائح القولية والفعلية كما هو معلوم، فجاء الأمر بعد ذلك بغض الأبصار.

في هذه الآية يأمر الله أهل الإيمان قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ، فهذا أمر من الله، والأمر للوجوب إلا لصارف، فهذا يدل على أن غض البصر عما حرم الله -تبارك وتعالى- واجب من الواجبات؛ لأن الله أمرنا بذلك، وجاء ما يدل عليه من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة في تصاريف متنوعة، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة)([1])، وإذا كانت المرأة منهية عن النظر إلى عورة المرأة فهي منهية عن النظر إلى عورة الرجل من باب أولى، وإذا كان الرجل منهيًّا عن النظر إلى عورة الرجل، فإنه منهي عن النظر إلى عورة المرأة من باب أولى؛ لأن الفتنة بها أعلق، وكذلك أيضاً لما سأله جرير -رضي الله تعالى عنه- عن نظر الفُجاءة؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: (اصرف بصرك)([2])، وهذا أمر، والأمر للوجوب، يجب صرف البصر، وصرفه هو غضه المأمور به في هذه الآية، وكذلك في الحديث الآخر في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر)([3])، والزنا حرام، لا يجوز للإنسان أن يقاربه، أو أن يقارفه بأي لون من ألوانه، أو شكل من أشكاله، أو صورة من صوره، فزنا العين النظر، إذاً: يجب غض البصر، لا يجوز للإنسان أن يطلق بصره فذلك زنا العين، وقال -صلى الله عليه وسلم- لعلي -رضي الله عنه-: (يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة)([4])، فإذا لم تكن له فهي عليه، فدل ذلك على المؤاخذة، إنما الأولى التي تقع من غير قصد وهي المسئول عنها في حديث جرير -رضي الله تعالى عنه- هي نظرة الفجاءة، فهذه له، وأما الثانية فعليه، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عما هو مظنة لذلك كما في نهيه -صلى الله عليه وسلم- عن الجلوس في الطرقات، فلما قالوا له -صلى الله عليه وسلم-: (ما لنا بُد من مجالسنا نتحدث فيها)([5])، يعني: أنهم يجلسون في الطرقات لابد لهم من ذلك، يتحدثون، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه)، والحق هو الثابت في نفسه، فهذا يدل على الوجوب: (قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر)، فذكر أول ما ذكر غض البصر، فهذا من حق الطريق، وذلك يعني أنه من حق المارة في الطريق، فهذا الحق ثابت لا يجوز لأحد أن يصادره أو أن ينتهكه فيكون واقعاً فيما يستحق عليه العقوبة، وهكذا في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تباشر المرأة المرأة حتى تصفها لزوجها كأنما ينظر إليها)([6])، إذا كان نقل ذلك للزوج بواسطة الزوجة تنقل له صفة هذه المرأة، وتصف له جسدها وجمالها وصورتها، فهذا حرام منهي عنه، فكيف بنظره إليها مباشرة؟.

ثم تأملوا في توجيه هذا الخطاب قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ فوجّه الخطاب لأهل الإيمان؛ لأنهم المتأهلون للقبول عن الله، وذلك أن إيمانهم يقتضي الاستجابة والانقياد والتسليم، وإلا فما معنى هذا الإيمان؟، ثم أيضاً نجد في هذه الآية أن الله -تبارك وتعالى- قد قدم ذكر الرجال قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي الآية التي بعدها: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ فجاء التقديم للرجال، لقائل أن يقول: باعتبار أن ذلك من قبيل تقديم الأشرف، ولكن يمكن أن يقال بما هو أدق من هذا المعنى مما يتصل بالسياق والمقام والموضوع الذي تتحدث عنه الآيات، وهو أنه قدم الرجال في نهيهم عن النظر إلى الحرام، والأمر بغض الأبصار لكون المرأة عورة، والنظر إليها يدعو إلى الفتنة أعظم من نظر المرأة إلى الرجل، فنظر الرجال إلى النساء أشد في الفتنة من نظر النساء إلى الرجال، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)([7])، وقال -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث متعددة ما يدل على أن فتنة النساء هي من أعظم ما يتخوفه النبي -صلى الله عليه وسلم- على الرجال من أمته: (ما تركت فتنة بعدي هي أضر على الرجال من النساء)([8])، فإذا كان الأمر بهذه المثابة فإن ذلك يستحق التقديم، فيُنهى الرجال أولاً عن النظر إلى النساء، فهي موضع شهوة الرجل، وقد رُكب تركيباً غريزيًّا يدفعه إلى الميل إلى النساء، وهذا يحتاج إلى مدافعة ومجاهدة؛ ولهذا كان غض البصر ليس بالأمر السهل، وإنما يحتاج إلى جهاد لهذه النفس؛ لأنها تطلبه بقوة.

إذا كان الأمر بهذه المثابة فإن ذلك يستحق التقديم، فيُنهى الرجال أولاً عن النظر إلى النساء، فهي موضع شهوة الرجل، وقد رُكب تركيباً غريزيًّا يدفعه إلى الميل إلى النساء، وهذا يحتاج إلى مدافعة ومجاهدة؛ ولهذا كان غض البصر ليس بالأمر السهل، وإنما يحتاج إلى جهاد لهذه النفس؛ لأنها تطلبه بقوة.

 

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ، ما المراد بغض البصر؟ غضه هو كفه وخفضه، فكل شيء قد كففتَه فقد غضضته، ولهذا نقول: هذا أمر لا تلحقك فيه غضاضة، يعني: لا تلحقك فيه معرّة توجب لك أن تغض بصرك حياءً وحرجاً من الناس، لا تحلقك فيه غضاضة، يعني لا يوجب لك ضعة ونقصاً وعيباً يجلب لك الانكسار، هكذا يقول الناس، هذا لا غضاضة فيه، يعني: لا يؤثر عيباً، ولا يجلب معرة ولا يوقعك في شيء فيه حرج، إذاً: غض البصر هو خفضه، هو كفه عما حرم الله -تبارك وتعالى-، يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وهنا دخلت "مِن" وهي هنا تفيد التبعيض فدل ذلك على أن ما كل البصر يجب غضه، فمن النظر ما هو مباح، ومنه ما يكون قربة لله -تبارك وتعالى-، ومنه ما يكون محرماً، ومنه ما يكون مكروهاً، فالنظر تارة يكون عبادة، وتارة يكون في موضع الإباحة، وتارة يكون محرماً من المحرمات، أو مكروهاً من المكروهات، فهنا في قوله -تبارك وتعالى-: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ يعني: يغضوا أبصارهم عما لا يحل لهم النظر إليه كما قال السلف كقتادة وغيره، يغضوا من أبصارهم عما لا يحل النظر إليه، ومن أبيات القحطاني في نونيته الشهيرة:

واغضض جفونك عن ملاحظة النِّسا *** ومحاسن الأحداث والصبيانِ

إن الرجال الناظرين إلى النِّسا *** مثل الكلاب تطوف باللحمانِ

إن لم تصن تلك اللحومَ أسودُها *** أُكلت بلا عوض ولا أثمانِ([9]).

غض البصر هذا يدخل تحت المأمور به صور وأنواع، نغض أبصارنا عن ماذا؟

الأمر الأول: يدخل فيه غض البصر عن عورات الناس، فإنه لا يجوز النظر إليها.

الأمر الثاني: غض البصر عما في بيوت الناس، وما أُغلقت عليه أبوابهم، وإنما جُعل الاستئذان من أجل البصر، وقد جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يبيح فقأ عين الناظر من خلال شقوق الدار أو الباب أو نحو ذلك([10])، من ينظر خلسة إلى ما في داخل الدور، فمثل هذا تكون عينه هدراً، يعني: لا دية فيها ولا قصاص.

الأمر الثالث: ويدخل في ذلك أيضاً غض البصر عما في أيدي الناس من العرض الزائل وزخرف الحياة الدنيا، فلا تمتد الأنظار إليه إعجاباً به وتطلعاً إليه وتشوفاً إلى تحصيله، والله -عز وجل- يقول لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ طه:131، "أزواجاً منهم" يعني: أصنافاً منهم، فهذا النظر غير محمود، أن الإنسان يتطلع إلى ما عند الناس، ينظر إلى قصورهم وإلى مراكبهم الفارهة، ثم بعد ذلك يورثه ذلك إما تعظيماً وإكباراً لهم وهو ما يريدون، أو يورثه ذلك حزناً وحسرة وعسرة في قلبه أنه لا يجد مثل ما أوتيه هؤلاء الناس، والمؤمن لا يكون بهذه المثابة، وسيأتي ما يوضح ذلك -إن شاء الله-، مع أن هذا النوع من النظر ليس من النظر المحرم.

الأمر الرابع: ويدخل في ذلك أيضاً غض البصر عن النساء الأجنبيات، ومن في حكمهن من النظر إلى الصور الفاتنة أو المردان أو نحو ذلك مما يتخوف من النظر إليه من الفتنة، وهذا باب واسع، ومن أجله عُقد هذا المجلس، أما النظر إلى المردان ونحو ذلك فهذا لا أريد أن أطيل فيه ولا أن أنقل كلام أهل العلم الكثير في هذا الباب تكفي عبارة واحدة قالها شيخ الإسلام -رحمه الله- تدل على غيرها من كلام أهل العلم سلفاً وخلفاً، يقول: "الصبي الأمرد المليح بمنزلة المرأة الأجنبية في كثير من الأمور"([11])، في كثير من الأمور، يعني: النظر، الخلوة، اللمس، التقبيل وما إلى ذلك بمنزلة المرأة الأجنبية.

الأمر الخامس: ويدخل في ذلك مما قد يغفل عنه كثير من الناس الصغيرة إذا كانت ممن يُنظر إليها بشهوة، يعني: قد تكون غير بالغة لكنها تامة الخلق، وقد يكون فيها من الحُسن والجمال ما يجذب النفوس إلى النظر إليها بشهوة، فهذا لا يجوز، وإن لم تكن بالغة، فبعض الناس يتساهلون في هذا، يتساهلون في النظر ولربما قدموها في احتفالات وزينوها غاية الزينة، ويقولون: صغيرة، مع أنها تامة الخلق، فهذا لا يجوز بحال من الأحوال، ولربما قدموها في قنوات، ولربما كانت منشدة بحجة أنها غير بالغة، فهذا لا يجوز، يقول محمد بن شهاب الزهري الإمام التابعي المتوفى سنة 124هـ في النظر إلى مثل هذه التي لم تبلغ يقول: "لا يصلح النظر إلى شيء منهن ممن يُشتهى النظر إليه، وإن كانت صغيرة"([12]).  

الأمر السادس: وأما ما يتعلق بالنظر إلى الأمور الأخرى كالنظر إلى ما يؤثر في القلب ويفسده، ويشوشه فإن ذلك أيضاً مما يدخل في هذه الآية، كالنظر إلى وجوه أهل الفجور والفساد، النظر إلى وجوه البغايا -أعزكم الله ومن يسمع-، فهذا كله مما يؤثر في القلب، ولهذا كلنا يعرف خبر جُريج الراهب: "لما دعته أمه وهو يصلي فتحير بين صلاته وأمه فلم يجبها في الأولى ولا الثانية ثم الثالثة، فدعت عليه أن لا يموت حتى يرى وجوه المومسات"، لاحظوا هذه الدعوة عقوبة، أن لا يموت حتى يرى وجوه المومسات، فوقع له ما وقع من البلية التي تعرفون، "اتهمته تلك المرأة البغي بولد قد ولدته من فجور، فجاءوا إليه وهدموا صومعته وجرجروه، ولما سألهم ذكروا له هذه التهمة، فتوضأ وصلى ركعتين ودعا الله -عز وجل-، ثم جاء إلى هذا الغلام وطعن بأصبعه هذا الغلام، وقال: من أبوك؟ فقال: الراعي"([13])، نظر إلى هذه المومس عقوبة، استجابة لدعوة أمه، فكيف بالذي يذهب إلى ذلك اختياراً ويقلب القنوات الفاسدة، وينظر هنا وهناك في الشبكة في مواقع لا يملك بعدها عقله، ولا قلبه، ولا إيمانه فيكون في حال لا يُحسد عليها من اضطراب الغريزة، وما يحصل من جراء ذلك من تدمير التربية التي تلقاها عبر سنين متطاولة، كل ذلك قد ينساه في تلك السكرة، فقد يقع في أمور لا تخطر له على بال، النظر إلى وجوه المومسات عقوبة، فكيف يذهب إليه المرء اختياراً؟، كيف يتطلبه ويتصفح تلك الصفحات أو القنوات ينظر في وجوه أولئك الفاسدات؟، فهذا لا ينبغي أن يقدم عليه العاقل فضلاً عن المؤمن، وأهل الإيمان هم أولو الألباب، وهكذا كل ما يتضرر الإنسان بالنظر إليه، يتضرر قلبه فيورثه ذلك ألماً وعسرة، وحسرة من غير فائدة تعود إليه، ينبغي أن ينصرف نظر عنه، وإن لم يكن ذلك من قبيل المحرم، وإنما أذكر هذا من باب أن الشيء بالشيء يُذكر، بمعنى أن الإنسان قد ينظر إلى مشاهد مؤلمة من جراحات المسلمين وآلامهم مدمية فيتتبع ذلك ويتطلبه فيرى من الصور التي تورث قلبه حسرة وألماً ما يتسبب عنه في المآل إلى حال من الكآبة واليأس والشعور بالإحباط، الأمر الذي يُقعده عن الانتفاع بشيء من أمر دينه ودنياه، هذا غير مطلوب شرعاً، نعم الإنسان يتعرف على حال إخوانه المسلمين ويدعو لهم، لكن لا يعني هذا أن يتتبع كل صورة وكل مشهد ولو كان هذا المشهد مؤلماً غاية الإيلام، ثم بعد ذلك يتحسر ويتألم وينعصر قلبه ويتقلب على فراشه تلك الليلة لا يستطيع أن ينام، ولا يستطيع أن يصلي، ولا يستطيع أن يذكر الله -عز وجل-، الشريعة ما جاءت بهذا ولا تطلبه بحال من الأحوال، وكما قال شيخ الإسلام -رحمه الله- بأن الحزن غير مطلوب شرعاً، فهو إذا تتابع على القلب أفسده وأضعف قواه فلا يُنتفع به في عمل دنيا ولا عمل آخرة، تجد هذا الإنسان يعاني من كآبة، يعاني من ضيق، أظلمت الدنيا في عينه، وصل إلى حال من اليأس والإحباط، وهذا غير مطلوب، هذا أمر يريده الشيطان، فيكون الإنسان فقيهاً في النظر، لا تنظر إلى كل شيء، لا تنظر إلى كل مقطع يُرسل إليك، هناك مقاطع لربما تتعلق بشيء من الاستهزاء بآيات الله -عز وجل- ليس لك النظر إليها، وهذه بلوى ابتُلي الناس بها مع هذه الوسائل الجديدة في الاتصال.   

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ، يغضوا من أبصارهم عما حرم الله -عز وجل- كما عرفنا، ويحفظوا فروجهم عن ماذا؟ هذه الآية تحتمل معنيين: يحفظوا فروجهم عن نظر الناظرين إليها بالستر والاحتراز، فهذا معنى ذكره طوائف من أهل العلم من السلف فمن بعدهم، به قال أبو العالية، وابن زيد، وقال به أيضاً الإمام الشافعي -رحمه الله-، يقولون: "كل شيء من حفظ الفرج في كتاب الله فهو من الزنا إلا في هذا الموضع فإنه من النظر"([14])، يحفظوا فروجهم من نظر الناظرين إليها، ويكون ذلك بالستر، وهذا الذي اختاره كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير -رحمه الله-، وهذا المعنى صحيح، ولكن القول الآخر وهو حفظ الفرج عن مقارفة ما لا يحل من الزنى وما في معناه هذا أيضاً يدخل تحت هذه الآية، والقرآن يُعبر به بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة، فيكون ذلك أمراً من الله -تبارك وتعالى- بحفظ الفروج من نظر الناظرين إليها، وبحفظها عن مقارفة ما لا يحل، وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِالأحزاب:35، ومن ثَمّ فإنه على المعنى الأول -وهو معنى صحيح يدخل في الآية- يكون توجيهه بأن الله -تبارك وتعالى- قد أمر بغض الأبصار عن النظر إلى ما لا يحل، وفي الوقت نفسه لم يترك الفتنة طليقة في المجتمع تسرح تحت دعوى الحرية الشخصية أو غير ذلك، ثم بعد ذلك يُطالب الناس بغض البصر، والفتنة تعرض لهم في كل مكان، لا، الشريعة سدت الطريق على الشر والفتنة والمنكر والفساد، وقطعت دابره وأغلقت أبوابه، فالمؤمن مأمور بغض بصره عن النظر إلى الحرام، وفي الوقت نفسه حفظ الإسلام المجتمع من أجل أن يكون نزيهاً نظيفاً، مجتمع فضيلة فلا يُبدي أحد فتنة تعرض للناس في طرقاتهم وأسواقهم ومجامعهم وما إلى ذلك، لا، فإن أولئك أيضاً مأمورون بالستر من أجل أن لا يكون التبذل سبباً للافتتان ويكون ذلك من الجهتين، وهذا من حكمة هذه الشريعة ومن محاسنها، ومن هنا توجد الفضيلة وتتقلص الرذيلة بسد منافذها وطرقها وأبوابها، مجتمع نظيف، مجتمع نزيه، ولاحظوا في هذه الآية أن الله -تبارك وتعالى- قدم غض الأبصار على حفظ الفروج، يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ؛ لأن النظر هو بريد الزنى، وهو رائد الفجور، والبلوى  -كما سيأتي- إنما تتفتق على المرء من جهة النظر، فمبدأ الشر والفتنة إنما يكون من هذا الطريق، فقدم الأمر بغض الأبصار على حفظ الفروج؛ لأنه إذا غُض البصر أمكن حفظ الفرج، أما إذا أطلق بصره فإن غرائزه تضطرب ثم بعد ذلك ترد عليه خواطر السوء، ثم تتحول إلى عزائم، ثم بعد ذلك يقع فيما حرم الله عليه.

ثم علل ذلك لماذا أمر بغض الأبصار وحفظ الفروج؟ قال: ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ، إذا حفظوا فروجهم وغضوا أبصارهم حصل لهم الزكاء الذي يكون منتظماً لأمرين: فإن أصل الزكاء والتزكية يعني التطهير تطهير المحل، فيكون القلب نظيفاً زكيًّا طاهراً ليس فيه من هذه الأوبار والأكدار والمدنسات وما يشوش فكره وينغص عليه عيشه، وذلك أزكى للمجتمع فيكون نظيفاً من الرذيلة والفواحش، وما تجذبه الفواحش من العلل والأوصاب والأمراض واللقطاء وما إلى ذلك من ضياع الأنساب، وتقذير الفُرش، أزكى لهم، وكما ترون أن الزكاء هنا قد أُطلق فيُحمل على أعم معانيه، أزكى لهم في نفوسهم، في قلوبهم، في مجتمعهم من جهة التطهير، والزكاء أيضاً يأتي بمعنى آخر وهو النماء، فهنا يكون المحل قابلاً وصالحاً لينمو فيه الإيمان وتزكو أعمال العبد وإراداته، يزكو فكره، يزكو قلبه، يكون عامراً بالخير والفضيلة، المجتمع يكون عامراً بهذه الأمور، ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ وليس ذلك بأزكى للنفوس فقط والقلوب، بل هو أزكى أيضاً للأبدان؛ لأن هذه الأبدان -كما سيأتي- يصيبها من العلل والأوصاب ما لا يُقادَر قدره مما يعجز عنه الأطباء من أنواع الطواعين الإيدز ونحوه، وكذلك ما يوهن البدن ويحطمه عند إطلاق البصر، أو معاقرة المنكر والفاحشة، هذا يحطم البدن فتكون قوى الإنسان منهكة، وبصره في حال من الكلال، والضعف والإجهاد، وأعصابه مجهدة، وكذلك غدده، كل ذلك في طحن مستمر لعافيته، فلا ينتفع لا بعمل دنيا ولا آخرة، ينوء إذا ما أراد القيام ولو كان فتًى قويًّا معافًى، فإن هذه العلل تحطم البدن، وتنقل عافيته، فيكون في حال من الاعتلال والإجهاد.

أَزْكَى لَهُمْ، أزكى لقلوبهم، لأبدانهم، لنفوسهم، لدينهم، كما قيل: من حفظ بصره أورثه الله نوراً في بصيرته، وقد ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- هذا المعنى، وأن زكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور، فإذا حصل غض البصر فإن الإنسان يكون قد أقام وحقق سبباً أصيلاً من أسباب تزكية النفس، من أراد أن يزكي نفسه قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَاالشمس:9، زكاها بالإيمان والعمل الصالح، زكاها بحفظها عن كل ما يدنسها، وإطلاق البصر لا شك أنه يحصل به من أسباب التدنيس ما لا يقادر قدره، بخلاف التزكية، من يريد التزكية التي يسميها الناس اليوم التربية بشقيها التخلية والتحلية فهذا هو الطريق، الإيمان والعمل الصالح، ومجانبة كل المدنسات، وبنص القرآن ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ، المجتمع الزكي والنفوس الزكية هم من يحققون هذا، غض الأبصار وحفظ الفروج، وإلا فإن ذلك يؤذن بشرور مستطيرة، ولهذا فإن هذا الباب باب البصر لا يُستهان به، إذ هو الباب الأكبر إلى القلب، وهو أعمر طرق الحواس إليه، وما أكثر ما يقع السقوط من جهته، الأمر خطير.

لواحظنا تجني ولا علم عندها *** وأنفسنا مأخوذة بالجرائرِ

ولم أرَ أغبى من نفوسٍ عفائفٍ *** تُصدِّق أخبارَ العيونِ الفواجرِ

ومن كانت الأجفانُ حُجّاب قلبه *** أَذِنّ على أحشائه بالفواقرِ([15]).

دخل عليه كل بلية ومصيبة وفاقرة تفتك بإيمانه وقلبه ونفسه وفكره، فالنظر يصفه الحافظ ابن القيم بأنه: "أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فالنظرة تولِّد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقْوى فتصير عزيمة جازمة فيقع الفعل ولابد ما لم يمنع منه مانع، وفي هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده"([16])، هذا المتنبي يقول:

وأنا الذي اجتلب المنيّةَ طرفُه *** فمن المُطالَبُ والقتيلُ القاتلُ([17])

جنى على نفسه، هو قتيل وقاتل، والآخر يقول:

فإن لمتُ قلبي قال لي العينُ أبصرتْ *** وإن لمتُ عيني قالت الذنب للقلبِ

فعيني وقلبي قد تقاسمتا دمي *** فيا رب كن عوناً على العين والقلبِ([18]).

وقد كثرت شكاية الشعراء والأدباء من النظر، وإطلاق البصر، هذا يقول:

يا عين أنتِ قتلتِني *** وجعلتِ ذنبكِ من ذنوبي

إلى أن يقول:

تالله أحلف صادقاً *** والصدق من شيم الأريبِ

لو مُيِّزت نُوبُ الزما *** نِ من البعيد إلى القريبِ

ما كُنّ إلا دون ما *** جنت العيون على القلوبِ([19]).

والمصائب كلها دون جناية العين على القلب، فهنا النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ذكر في الحديث الذي أشرت إليه آنفاً: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة)، فبدأ بالنظر، (فالعين تزني وزناها النظر)، بدأ به، ثم قال: (واللسان يزني وزناه النطق)، إلى آخره، هذا بعدما يحصل النظر يبدأ يتكلم الفحش والفجور، واليد تمتد إلى ما حرم الله، والرجل والقلب، (والفرج يصدق ذلك أو يكذبه)([20])، ومبدأ ذلك جميعاً من النظر.

ومستفتحٍ باب البلاء بنظرة *** يُزوِّد منها قلبَه حسرةَ الدهر

فوالله ما يدري أتدري بما جنت *** على قلبه أم أهلكته وما تدري([21]).

فصار نظره هذا عدوًّا له يجلب له البؤس والشقاء والعناء.

أنا ما بين عدوّي *** نِ هما قلبي وطرفي

ينظر الطرف ويهوى ال *** قلب والمقصود حتفي([22]).

فأكثر المعاصي إنما تتولد من فضول الكلام والنظر، هذا اللسان الذي يتحرك لا يكاد يتوقف بالغيبة، والنميمة، وما إلى ذلك، والبصر إطلاق البصر، وذلك كما قال أهل العلم كابن القيم وغيره بأنهما لا يشبعان، يعني: أن الإنسان فيما يتصل ببطنه فإنه إذا أكل يشبع ويتوقف، وإذا شرب يحصل له الارتواء، ولا يطلب بعد ذلك الماء أو الشراب وهكذا، أما اللسان فإنه لا يشبع ليس له حد ينتهي إليه، والبصر ليس له منتهى، لا يقال: إن الشبع يتحقق بالنظر إلى صورة أو صورتين أو عشر أو مائة، بل كل صورة تدعو إلى ما بعدها، وهذا لا حد له، ولا حصر، ومن هنا كان في غاية الخطورة، مدخل كبير من مداخل الشيطان، لا يُملأ، لا يشبع، لا يتوقف، لا يسأم بخلاف غيره من الشهوات، فجنايته متسعة تطال القلب والجوارح والأطراف والفرج وما إلى ذلك، جنايته كثيرة الشُّعب عظيمة الآفات، ولهذا كان السلف يحذرون منه غاية التحذير.

كل الحوادث مبدؤها من النظرِ *** ومعظم النار من مستصغر الشررِ

كم نظرةٍ فتكت في قلب صاحبها *** فتك السهام بلا قوس ولا وترِ

والعبد ما دام ذا طرْف يقلبه *** في أعين العِين موقوف على الخطرِ

يسر مقلتَه ما ضر مهجتَه *** لا مرحبًا بسرور عاد بالضررِ([23]).

هو يوجه سهاماً إلى قلبه فيصيبه في مقاتل، وقد قال الحكماء: "أربع لا يشبعن من أربع: وأول ما ذكروا في هذا العين من النظر"([24])، ويقول المروزي -رحمه الله-: "قلت لأبي عبد الله: رجل تاب، وقال: لو ضُرب ظهري بالسياط ما دخلت في معصية الله إلا أنه لا يدع النظر، فقال: أي توبة هذه؟!"([25])، ليست بتوبة، فإذا كان يطلق بصره فمعنى ذلك أنه يطلب ما وراء ذلك.

في كل يوم للعيون وقائع *** إنسانها الطَّمّاح فيها يَكْلمُ

لو لم تكن جرحى غداة لقائهم *** ما كان يجري من مآقيها الدمُ([26]).  

ولذلك تجد أن بعض هؤلاء الذين يبتلون بالنظر يُصابون بمقاتل، فتجد الواحد منهم يعبر عن نفسه يرسم قلباً جريحاً ينزف دماً، والسهم قد تخلله، هي فعلاً صورة معبرة حقيقية، هو يصور حاله كما هي، مجروح مصاب بهذا السهم، هذا السهم من أين جاءه؟ من النظر، ومن الذي صوبه إليه؟ هو صوبه إلى قلبه.

فإذا كان الأمر بهذه المثابة وبهذه الخطورة فما السبيل إلى حفظ البصر، إلى غضه، إلى امتثال أمر الله -تبارك وتعالى-؛ لنكون محققين لقوله: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ؟.

فأول ذلك: هو مراقبة الله -تبارك وتعالى-، وهذا هو الطريق، وهذا هو الذي ينبغي أن نربي أنفسنا عليه، وأن نربي أولادنا ومن تحت أيدينا، فإن هذه المنكرات، والصور الفاتنة التي تدعو إلى الفاحشة والمنكر والرذيلة أصبحت أقرب من اليد إلى الفم، في متناول الجميع، وأصبحت هذه الأجهزة في يد الصغار والكبار والرجال والنساء والأزواج والزوجات، والأجداد والجدات، يعكفون عليها في ليلهم ونهارهم، لربما نام الواحد ويده قد صارت متصلبة يابسة على الجهاز، هذا مشاهد، فهو إن سلم مرة قد لا يسلم من الثانية؛ لأنه قد لا يطلب ذلك ولكن يأتيه من غير إرادة، يأتيه مقاطع قرآنية، مقاطع مؤثرة، خطبة وموعظة، موقف مضحك، فيفتح عليه فيرى البلاء بجواره، فإذا دعاه الفضول وغفل عن مراقبة الله -عز وجل- فإنه يفتح باباً من أبواب جهنم، وما أكثر ما سمعت من بلايا ومصائب ورزايا، رأيت من يركبون المراكب الصعبة؛ ليتخلصوا وينتقلوا من هذه الحال ولم يستطيعوا، رأيت من يصرح بأنه قد تزوج الثانية وقد أدى ذلك إلى شتات في أسرته الأولى  -وهو يعلم هذا ابتداء- من أجل التخلص من نظر حرام ابتلي به، ثم لم يستطع بعد ذلك، يعني بعد التزوج، رأيت من يتمنى الموت، رأيت من يحتقر نفسه وأنه لا يصلح لشيء إطلاقاً لا لعمل دنيا ولا لعمل آخرة، وأنه يرى نفسه أنه صار في حال من الرجس والدنس كل هذا لماذا؟ لأنه صار أسيراً لهذا البلاء، ينظر ثم ينظر ثم ينظر، يريد أن يتوب وقد لا يستطيع، والله -عز وجل- يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْالأنفال:24، وهنا: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ، وقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَالأنفال:24، إذا ما استجبت إلى ما أمرك الله -عز وجل- به وأمرك به رسوله -صلى الله عليه وسلم- فقد يُحال بين القلب وبين مراده ومطلوبه من التوبة والإنابة، يريد أن يتوب ولا يستطيع، ويبقى في حسرة إن بقي في حسرة وإلا فإن بعضهم في سكرة، ولا يشعر بالبلاء الذي قد بُلي به وأُصيب به وحل بساحة قلبه -نسأل الله العافية-، والله -عز وجل- يقول: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُغافر:19، فربنا الذي نتعامل معه يعلم هذا النظر خلسة دون أن يشعر الناس، ويعلم ما يجري في الخلوات، فإذا كان هذا يخفى على الناس فهو لا يخفى على الله -عز وجل-، وخيانة الأعين هي مسارقة النظر إلى ما لا يحل، وهذا من أجلى الصور الداخلة فيه، وقد قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "هو الرجل يكون بين الرجال فتمر بهم امرأة فينظر إليها، فإذا نظر إليه أصحابه غض بصره"([27])، ومن خائنة الأعين النظر في حال خلوته إلى المشاهد المحرمة، هذا كله داخل في خائنة الأعين، فيتذكر المؤمن هذا المعنى أن هذا من خائنة الأعين، وأن الله يراه، وأن الملَك يراه.

إذا ما خلوتَ الدهر يوماً *** فلا تقل خلوتُ ولكن قل عليّ رقيبُ

ولا تحسبنّ الله يغفل ساعة *** ولا أنّ ما يغفل عنه يغيبُ([28]).

وسُئل جنيد: بم يستعان على غض البصر؟ قال: "بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظر"([29])، لو قيل لأحد من الناس: تنظر إلى هذا بحضرة أبيك، بحضرة أخيك، بحضرة أمك، بحضرة أستاذك، بحضرة رئيس العمل، مدير المدرسة؟، فإنه لا يجرؤ على هذا، بل لا يجرؤ على هذا أمام طفل صغير، فكيف جعل ربه -تبارك وتعالى- أهون الناظرين إليه؟!، وأمر آخر يتصل بهذا المعنى وهو الحياء من الله، إذا كان الإنسان يستحي من الناس ويسارق النظر إلى ما حرم الله -عز وجل- أو يقصد خلوة يخلو بها أو موضعاً لا يراه الناس، فكيف لا يستحي من الله -تبارك وتعالى-؟!.

وأمر ثالث: وهو الحياء من الملائكة وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ الانفطار:10-11، فينبغي الحياء منهم.

وأمر رابع وهو: تربية التقوى في النفوس، فإن هذه التقوى أيها الأحبة هي التي تحجز هذا الإنسان عن مقارفة ما لا يحل، وقد قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-: "تقوى الله سبب لغض البصر وتحصين الفرج"([30])، وهذا صحيح، فإذا ترحّلت التقوى من القلب -ومن أعظم ما يرحلها من القلب إطلاق البصر في تلك المشاهد المنكرة- فإن هذا يُغري بالفاحشة، ويهدم التقوى في قلب صاحبها.

وأمر خامس: وهو أداء المأمورات ومن أعظمها الصلاة، إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ العنكبوت:45.

وأمر سادس: وهو الإكثار من النوافل، وكلنا يعرف قوله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه -تبارك وتعالى-: (وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه)، بعدما ذكر التقرب بالفرائض، إذا أحبه -عز وجل- ما الذي يحصل؟ قال: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به)، يعني: لا يسمع إلا ما يرضي الله وما يحبه الله، (وبصره الذي يبصر به)([31])، معنى ذلك أنه لا ينظر إلا إلى ما أحب الله النظر إليه، فهذا الذي ينظر إلى الفجور وصور الفجور، وأهل الفجور هذا معناه أنه لم يحقق هذا الوصف، فصار بصره شارداً ينظر إلى مساخط الله -عز وجل-، أما إذا أحبه فإن الله يكون هو سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، فهل حققنا هذه النقطة؟، إذا أردت أن تعرف أنك حققت هذه المرتبة انظر أولاً إلى هذا الأثر، هل صار بصرك ناظراً إلى ما يحبه الله -عز وجل-؟، هل صار سمعك مشتغلاً بما يحبه الله -عز وجل-؟، قال: (ويده التي يبطش بها)، الكتابة الآن أصبحت ميسورة لكل أحد، يكتب وهو في بيته في هذه الوسائط والوسائل ما يجده في صحيفته من الشماتة في الناس والوقيعة في أعراضهم والقذف وألوان القبائح التي لا يعود ضررها إلا عليه هو، فهذا كله مما يحصل به غض البصر.

وأمر سابع: وهو المجاهدة لهذه النفس؛ لأنها تطلب ذلك وقد رُكبت فيها الغرائز والشهوات، فيحتاج العبد إلى مدافعة وإلى ترويض لها، والله -عز وجل- يقول: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاالعنكبوت:69، فالمجاهدة أنواع وأبواب منها هذا مجاهدة النفس، وقد ذكر الحافظ ابن القيم -رحمه الله- أنها أعظم الأبواب الداخلة تحت هذه الآية، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاالعنكبوت:69، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ومن يتصبّر يصبره الله)([32]).

فبلاءُ الفتى موافقة النفسِ *** وبدءُ الهوى طموح العينِ([33]).

فيحتاج الإنسان إلى ترويض هذه النفس، وتنزيه هذا البصر بأنواع المجاهدات.

أُنزِّه في روض المحاسن مقلتي *** وأمنع نفسي أن تنال محرَّما

وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه *** على الجبل الصلب الأصمِّ تهدّما([34]).

نفسه تطلب هذه الأشياء، لكنه يمنعها ويحجزها.

وأمر ثامن: وهو العزم الصادق والإرادة الجازمة على ترك النظر إلى ما حرم الله -عز وجل-، أن يعزم على حفظ هذا البصر وغضه فهذا يكون سبباً لتسديده وتوفيقه بإذن الله -عز وجل-، ولهذا جاء عن أنس    -رضي الله عنه- وانظروا إلى الحزم-: "إذا مرت بك امرأة فغمض عينيك حتى تجاوزك"([35])، هذا هو الحل.

ليس الشُّجاعُ الذي يحمي مَطيَّتَهُ *** يومَ النِّزالِ ونارُ الحربِ تشتعلُ

لكنَّ فتًى غضَّ طرْفًا أَو ثَنَى بصرًا *** عن الحرامِ فذاكَ الفارسُ البطلُ([36]).  

هذا الذي ينهزم في هذه المعركة في هذا الجهاد جهاد غض البصر حينما تعرض له فتنة، هذا يحمل نفساً ضعيفة وإرادة ضعيفة، قد لا تثبت قدمه في ألوان من الجهاد وميادين أخرى غير هذا الميدان.

وأمر تاسع: وهو أن العبد يحتسب ذلك عند الله -عز وجل- وتكون له فيه نية، يتقرب إلى الله -عز وجل- بهذا بغض بصره وصرفه فيكون ذلك سبباً للإعانة فيقوى عزمه على هذا ويتنظر ما عند الله -تبارك وتعالى- بسببه؛ لأنه خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فمثل هذا موعود بما ذكره الله -عز وجل-: فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى النازعات:41.

وأمر عاشر: أن نستحضر أن هذا النظر نعمة من الله -عز وجل-، ومن كفران النعمة أن نصرفها وأن نستعملها فيما يُسخط المُنعِم -تبارك وتعالى-، هذه نعمة تحتاج إلى شكر، وليس من شكرها بحال من الأحوال أن نُطلقها في الحرام، والله يقول: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ النحل:53.

الحادي عشر: أن يتذكر المؤمن ما أعد الله -عز وجل- للمؤمنين الصابرين المتقين من الروضات والجنات والحور العين وما إلى ذلك، والحياة كلها من أولها إلى آخرها صبر ساعة، فإذا تصبر تجاوز هذه المحنة.

الثاني عشر: التزوج طلباً للعفاف كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)([37]).

الثالث عشر: تذكر عواقب إطلاق البصر من الرزايا والبلايا والمصائب والآثام، أوزار، وضيق الصدر، وما إلى ذلك من الحصاد المر الذي سنشير إليه بعد قليل -إن شاء الله.

الرابع عشر: تذكر فوائد غض البصر، وسيأتي ذكر جملة منها.

الخامس عشر: ترك فضول النظر؛ لأن فضول النظر يقوده إلى الحرام، هو ينظر إلى ما لا يعنيه، وإلى أمور لا تنفعه ولا تعود عليه بعائدة يرجِّيها في الدنيا والآخرة من أمور نافعة، فيُعرض عن هذا، فيكون ذلك سبباً لترك النظر إلى الحرام.

السادس عشر: البعد عن مواطن الفتنة، لا تُعرض نفسك للفتنة، فقد قيل: من عرض نفسه للفتنة أولاً لم ينج منها آخراً، فهنا لا يتعرض الإنسان لموارد العطب وأسباب البلاء فإنه قل أن يسلم مُقارِب الفتنة، فكما أن الحذر مقرون بالجناة فكذلك أيضاً التعرض للفتنة مقرون بالعطب، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال: (خير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها، وخير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها)([38])، لماذا؟ من أجل المباعدة عن الفتنة، الصف الأخير من الرجال يكون أقرب إلى النساء، صف النساء الأول يكون أقرب إلى الرجال، فالفتنة قريبة، فصار الصف الأول الذي هو أفضل في حق النساء صار مفضولاً، صار شر صفوف النساء، مع أن النساء لو صلين في مصلى مستقل لا يراهنّ الرجال ولا يطلعون عليهن فإن الصف الأول أفضل في حقها كما قاله النووي وغيره([39])، لكن كان ذلك هو الأشرّ في حقها؛ لأنه يلي صفوف الرجال، إذا كان هذا في صلاة ولربما خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أحب البقاع إلى الله -المساجد-، فكيف بمقاربة الفتنة في الأسواق، أو في مواقع فاسدة وسيئة؟، والله المستعان.

السابع عشر: ينبغي للعبد أن يسأل نفسه، وأن يراجعها ماذا تستفيد من إطلاق البصر إلا العذاب، والشقاء والألم والحسرة والنكد؟، لو أن الإنسان راجع نفسه فيما مضى من أيامه ولياليه، وفي أعوامه السابقة حينما نظر إلى ما حرم الله -تبارك وتعالى-، ماذا جنى؟ إنما هي جنايات توجب له فساد القلب، والآلام المتنوعة في قلبه وبدنه على حد سواء، ماذا استفدت؟، ما هي المكاسب؟.

إذن ما يستقبل المرء في أيامه ينبغي أن يلاحظ فيه هذا المعنى فيكون ذلك سبباً للإعراض، والترك والتوبة.

الثامن عشر: أن يستحضر أن النظر إلى تلك الوجوه هو نوع عقوبة كما ذكرنا في خبر جُريج الراهب.

التاسع عشر: أن يتضرع العبد إلى الله، وأن يسأله أن يخلصه وأن ينجيه؛ لأن الفتنة في هذا مستطيرة وهي في غاية الدنو والقرب من كل أحد، فيحتاج العبد أن يتضرع إلى ربه -تبارك وتعالى- ولا يسلم إلا من سلمّه ربه -جل جلاله وتقدست أسماؤه.

العشرون: الإخلاص، فإن الإخلاص يكون سبباً لتخليص صاحبه، كما قال الله -عز وجل- عن يوسف -صلى الله عليه وسلم- لما استعرضت له الفتنة في أجلى صورها قال الله -عز وجل-: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ يوسف:24، وفي القراءة الأخرى المخلِصين، فالإخلاص سبب للخلاص، فإذا علم الله -عز وجل- من العبد الصدق والإخلاص فإن ذلك يكون سبباً لتنجيته من هذه البلايا والأوزار والأوطار، إذا عرفنا هذه الأمور التي من شأنها أن توصلنا إلى حفظ البصر وغضه، بعد ذلك أشير إلى جملة من ثمرات غض البصر؛ ليكون ذلك داعياً إلى حفظه، فإن معرفة هذه المنافع والفوائد والثمار كل ذلك يقوي القلب ويرغب النفوس في تحقيق هذا المطلوب:

فأول ذلك: انفتاح البصيرة، فهذه البصيرة التي تكون في القلب هي نور وإشراق، هذا النور والإشراق يقوى ويضعف، يقوى حتى يظهر في العين ويظهر على الوجه ويظهر على الجوارح، وإطلاق البصر يورث ظلمة تظهر في الوجه وعلى الجوارح وتكون في القلب، ولهذا ذكر الله -عز وجل- آية النور: اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِالنور:35، بعد هذه الآيات التي يأمر بها بغض البصر، كما قال شيخ الإسلام وغيره: إن من كف بصره عما حرم الله -عز وجل- عوضه الله نور البصيرة، اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ، في قلب المؤمن، هذا النور الذي يكون في قلب المؤمن يشرق معه القلب، وتنفتح معه البصيرة، فالله يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، فإذا غض بصره عما حرم الله -عز وجل- عوضه الله -تبارك وتعالى- من جنسه بما هو خير منه فيُطلق نور بصيرته، هذا مؤدى ما ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله-، وذكر نحوه جماعة كعبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله-، وقد ذكر جمع من أهل العلم قبل هؤلاء وبعدهم أشياء في هذا المعنى، كما جاء عن أبي الحسين الوراق: "من غض بصره عن محرم أورثه الله بذلك حكمة على لسانه يهتدي بها، ويهدي بها على طريق مرضاته"([40]).

أمر آخر يتصل بإشراق القلب ونور البصيرة وهو صحة الفِراسة، فإنها لا تصح ولا تكتمل وتقوى إلا إذا أشرق القلب واستنارت بصيرته، فإنها من جملة النور، أو أنها أثر من آثاره كما لا يخفى، فهذا القلب في حال إشراقه كالمرآة حينما تكون مجلوة، وإطلاق البصر في هذه المرآة يشوشها، ثم بعد ذلك لا يرى هذا الإنسان الأشياء على حقيقتها، وهذه هي المشكلة، يرى الأشياء مشوهة، لا يبصر ما يبصره المبصرون أصحاب البصائر والقلوب المشرقة، وقد تنطمس هذه المرآة بالكلية فلا يرى فيها الأشياء أصلاً، هذه مثل النظارة يرى فيها الأشياء إذا كانت مجلوة، وقد تتكدر حتى لا يرى الأشياء على ما هي به فيُزيَّن له الباطل والمنكر ولا يرى قبحه، وقد يرى الحسن قبيحاً، فتُقلب بصيرته -نسأل الله العافية-، وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ الأنعام:110، لمّا تُقلَّب البصائر والأفئدة -القلوب- يبقى الإنسان يتخبط، ويتأرجح بين أنواع الشرور والمنكرات وهو لا يبصر ذلك بل قد لا يشعر حتى يلقى الله -عز وجل-، ثم بعد ذلك يندم ولا ينفعه الندم.   

أمر ثالث من هذه الثمرات: أنه يخلص القلب من سكر الشهوة ورقدة الغفلة، فإن أطلاق البصر هكذا وتسريحه في كل ما حرم الله -تبارك وتعالى- يوجب له غفلة مستديمة، وقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "إن التعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمى البصيرة وسُكر القلب بل جنونه"([41])، يصير هذا الإنسان لا يعقل، ولذلك انظروا إلى الذين يتعلقون بالصور فيحصل عندهم العشق من رجل أو امرأة أو نحو ذلك، تجد هذه الفتاة أو هذا الشاب أو غير ذلك يجلس مع الناس وليس معهم، بصره شاخص، ووجهه شاحب، ثم بعد ذلك يسري من قلبه إلى وجهه وبدنه وعروقه، ومفاصله، كما قال بعضهم:  

وللحب آياتٌ تُبيِّن بالفتى *** شحوبًا وتَعْرى من يديه الأشاحِمُ([42]).

شحوب، ذبول، بصر شاخص لا ينتفع في عمل دنيا ولا عمل آخرة، وانظروا إلى أخبار أولئك أخبار العشاق مجنون ليلى، وغير مجنون ليلى كيف كانوا يهيمون بالعقل، كل هذا مبدؤه من إطلاق البصر.

وأمر رابع من هذه الثمرات: أنه يفتح له طرق العلم، طلب العلم، يُسهل له أسبابه؛ لأن البصيرة مفتوحة، القلب ليس فيه ما يشوشه ويشغله، قد استنار، فتظهر فيه حقائق المعلومات وتنكشف له بسرعة، ويرتبط بعضها ببعض، والعلم نور ولا يصلح إلا في هذا القلب المستنير، أما القلوب المشوشة المشغولة هذه فلا تجمع من العلم شيئاً، لا تحصِّل منه كبير طائل، قلبه مشغول بأشياء أخرى، قلبه مشوش لا يستطيع أن يحفظ حرفاً واحداً.

وأمر خامس: أن غض البصر يورث قوة القلب، يورث ثباته وشجاعته فيجعل له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة، بخلاف هذا الإنسان المهزوز. 

أمر سادس: أنه يورث القلب سروراً وفرحة وانشراحاً أعظم من تلك اللذة والسرور التي يجدها من نظر إلى ما حرم الله -تبارك وتعالى-، لذة الاستبصار، لذة الطاعة، لذة كبح جماح النفس وما فيها من الشهوات المضطرمة، فهذه لا يعادلها لذة، ولهذا قالوا: "إن من زمّ نفسه وغلب هواها أعقبه ذلك فرحاً وسروراً ولذة أكمل من لذة موافقة الهوى"([43]).

وغُضّ عن المحارم منك طرْفاً *** طموحاً يفتن الرجل الأريبا

فخائنة العيون كأُسد غاب *** إذا ما أُهملت وثبتْ وثوبا

ومن يغضض فضول الطرف عنها *** يجد في قلبه رَوحاً وطيبا ([44]).

يجد راحة ولذة وسرورًا، أما إطلاق البصر -كما سيأتي في الحصاد المر- فحسرة وألم، يتلذذ لحظات لكن بعدها وحشة يجدها كل أحد يطلق بصره فيما حرم الله -تبارك وتعالى.

أمر سابع: وهو أن ذلك يخلص القلب من ألم الحسرة، فمن أطلق نظره دامت حسرته، ولا شيء أضر على القلب وأجلب للحسرات من إطلاق البصر، الذين يعانون من ضيق ووحشة، يعانون من الكآبة يذهبون هنا وهناك متنزهات مطاعم، يسهر كل ليلة في موضع، مع الرفاق مع الأصحاب، لكنه ينقل معه نفساً تملؤها الوحشة؛ لأن السبب مستحكم وموجود، سبب هذه الوحشة، فهو لم يتخلص منه، فلا يمكن أن يحصل الاسترواح بنعيم الجسد، إنما يحصل ذلك بنعيم القلب الذي يكون بتقوى الله -تبارك وتعالى- وحفظ القلب والجوارح عن مساخطه، فإذا كُف الرائد كما يقول الحافظ ابن القيم: "كُف الرائد عن الكشف والمطالعة استراح القلب من كُلفة الطلب والإرادة، فمن أطلق لحظاته دامت حسراته، فإن النظر يولد المحبة فتبدأ هنا السلسلة الطويلة التي بعدها، إلى أن تصل إلى درجة أن يكون الإنسان متيماً معبداً"([45]).

ولعلكم سمعتم بعض الأخبار التي تنشر في بعض الصحف والمواقع هنا وهناك، ومن الأخبار التي ربما اطلع عليها الكثيرون ممن أدركوا ذلك: خبر ذلك الشاب الذي انتظر طويلاً محبوبته التي تأخرت عليه فلما وصلت خر لها ساجداً، وأما أخبار المحتضرين وما كانوا يقولونه في لحظات الاحتضار بدلاً من قول لا إله إلا الله فهذا تجدونه عند من تكلموا عن الخاتمة من أهل العلم، وذكروا من أحوال هؤلاء المبتلَيْن أشياء مذهلة وعجيبة، كل ذلك كان مبدؤه من إطلاق البصر.

وأمر ثامن من هذه الثمرات: أنه يخلص القلب من أسر الشهوة فلا يكون مستعبداً فإن هذه هي العبودية الحقيقية، الحرية الحقيقية كما قال شيخ الإسلام: هي حرية القلب ولو كان الجسد أسيراً، والعبودية الحقيقية والرق الحقيقي هو رق القلب ولو كان القلب طليقاً، فلماذا يضع الإنسان قلبه في أسر شهوة بسبب نظرة؟، فالعين هي مرآة القلب فإذا غض العبد بصره غض القلب شهواته كما يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله-([46])، وإذا أطلق البصر أطلق القلب شهوته، هذه بهذه، نتائج متتابعة.

أمر تاسع: أن غض البصر يكون سبباً لحفظ الدين، وقد قيل: "من حفظ أربعة أحرز دينه: اللحظات -النظر-، والخطرات -الخواطر-؛ لأنها تبدأ خواطر ثم تتحول إلى أفكار ثم تتحول إلى عزائم"([47]).

احفظ الخطرات، ادفع الخطرات السيئة واللفظات، لا تتكلم إلا بما يرضي الله، دعك من الفحش والسباب والشتائم واللعن والقبائح والوقيعة في أعراض الناس، اشتغل بسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ذكر الله يحيي القلب، وذكر الناس يفسده ويميته، ودعك من التأويلات التي تقودك إلى كل محظور، فهذه الأبواب الأربعة إذا حرسها الإنسان وضبطها وربط على ثغورها فإنه ينجو بإذن الله -عز وجل-، وإلا دخل عليه الشيطان فيجوس خلال الديار ويُتبِّر ما علا تتبيرًا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (اضمنوا لي ستًّا من أنفسكم أضمن لكم الجنة، وذكر منها: واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم)([48]).

وأمر عاشر من هذه الثمرات: أنه يورث محبة الله -عز وجل-، وقد قال مجاهد -رحمه الله-: "غض البصر عن محارم الله يورث حب الله"([49]).

الحادي عشر: أن ذلك يسد على الشيطان مداخله إلى القلب، فبين العين والقلب منفذ -طريق- يوجب انتقال أحدهما إلى الآخر، فإذا صلح القلب صلحت العين، وإذا صلحت العين أدى ذلك إلى صلاح القلب، أطلقَ بصره يفسد قلبه، القلب يكون فاسداً، العين ستُرسَل إلى الحرام؛ لأنها من رعايا هذا القلب.

الثاني عشر: أنه يُفرغ القلب للفكرة في مصالحه والإقبال عليها، فلا يبقى القلب مفرقاً مشوشاً.

أما الحصاد المُر فحدث ولا حرج، فمن ذلك:

الأمر الأول: فساد القلب.

رماني بها طرفي فلم تُخطئ مقلتي *** وما كل من يُرمَى تصاب مقاتله([50]).

فهنا إطلاق هذا البصر سهم يصيب هذا القلب، والحافظ ابن القيم -رحمه الله- يقول: "والعجب أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوأ مكاناً من قلب الناظر"([51]).

إذن لا ترسل هذا السهم؛ لأنه لن يصل إلى الهدف المنظور إليه حتى يتبوأ مكاناً من قلبك، فارفق بهذا القلب، هو سهم لا ترمي به، يقول: "وأعجب من ذلك أن النظرة تجرح القلب جرحاً فيَتبعها جرح على جرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها"([52])، فتتتابع الجراح وتتكسر النصال على نصال.

كم نظرةٍ فتكت في قلب صاحبها *** فتك السهام بلا قوس ولا وترِ([53]).

يقول خالد بن أبي عمران: "إن الرجل لينظر نظرة فينْغل قلبه كما ينْغل الأديم، فيفسد قلبه حتى لا ينتفع به"([54])، فالنظرة داعية إلى فساد القلب، ولهذا قالوا: "النظر سهامُ سمٍّ إلى القلب"([55]).

أبداً جناياتُ العيون *** بِحرِّها يُصلَى الفؤاد([56]).

فالشأن في هذا السهم أنه يسري في القلب فيعمل فيه عمل السم الذي يُسقاه المسموم كما قال ابن القيم، فإنْ بادر واستفرغه وإلا قتله، والنظرة تفعل في القلب ما يفعله السهم في الرمية فإن لم تقتله جرحته، يقول: "هي بمنزلة الشرارة من النار، تُرمى في الحشيش اليابس فإن لم تحرقه كله أحرقت بعضه"([57]).

يا من رأى سقمي يزيد *** وعلتي تعيي طبيبي

لا تعجبن فهكذا تجني *** العيونُ على القلوب([58]).

فهذه أمور مترابطة ومتلازمة، فإطلاق البصر يُلبس القلب ظلمة ولا بد، يُعميه عن التمييز بين الحق والباطل.

ما زالت اللحظاتُ تغزو قلبه *** حتى تشحّط بينهن قتيلا([59]).

فأكثر فساد القلب من تخليط العين.

الأمر الثاني من هذه الثمرات المرة: أن يفقد الإنسان حلاوة الإيمان ولذة العبادة والخشوع، ويكون قلبه ممتلئًا بالوحشة والقلق والكآبة والضيق.

سماعاً يا عباد الله مني *** وكفوا عن ملاحظة الملاحِ

فإن الحب آخره المنايا *** وأوله شبيه بالمزاح([60]).

أمر ثالث من هذا الحصاد المر: أنه بريد الزنى، فهو أصل البلاء والشر والفتنة، يجر إلى هذا الهلاك والمنكر العظيم الذي قال الله -عز وجل- عنه: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًاالإسراء:32، هي هذه النهاية: فاحشة وساء سبيلا.

الرابع: أنه أصل الشرور، فهو السبب، كما قالوا: "النظر بالعين سبب الحَيْن"([61])، فهو قوس إبليس الذي إذا ضرب به لم يخطئ، وما حفظ أحد بصره إلا حفظ الله قلبه، وقالوا: "من أرسل طرفه اقتضى حتفه"([62])، إلى غير ذلك من العبارات للحكماء والعلماء.

أمر خامس من هذا الحصاد المر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحَرقات، فيرى ما ليس بقادر عليه، ولا بصابر عن بعضه، وهذا من العذاب الذي يُمنَى به القلب، أن ترى ما لا صبر لك عن بعضه، ولا قدرة لك على بعضه.

وكنتَ متى أرسلتَ طرفك رائداً *** لقلبك يوماً أتعبتك المناظرُ

رأيت الذي لا كلَّه أنت قادر *** عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ([63]).

فهذا كله من جرائه، وقد قال بعض السلف: "إن النظر يزرع الشهوة في القلب، ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً"([64]).

وجاء عن الحسن: "من أطلق طرفه طال أسفه"([65]).

وقال آخر: "اللحظات تورث الحسرات أولها أسف، وآخرها تلف، فمن تابع طرفه تابع حتفه"([66]).

متيَّمٌ يرعى نجوم الدجى ** يبكي عليه رحمةً عاذلهْ

عيني أشاطت بدمي في الهوى *** فابكوا قتيلاً بعضُه قاتلهْ([67]).

جاء عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: "ما كان من نظرة فإن للشيطان فيها مطمعا"([68])، وقال: "من أطلق طرفه كان كثيراً أسفه"([69]).

وأمر سادس: وهو أنه سبب للانتكاسة -نسأل الله العافية-، انظروا إلى هذه الوقائع والأمثلة: ذكر ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه "ذم الهوى": عن رجل اجتاز بباب امرأة نصرانية، فرآها فهويها من وقته، حاصل الواقعة: "أن هذا الرجل تعلق بها وأحبها حبًّا شديداً حتى أضناه هذا الحب والعشق فمرض، وهي قد تعلقت به فأضناها ذلك، فكانت أمه تأتيه وهو في حال المرض ولا يجيبها ولا يكلمها، فكلمت واحدًا من أصحابه فجاء إليه وقال: إن فلانة -يعني معشوقته- قد أرسلت لك برسالة مع أمك ففرح واستبشر فجاءت أمه فجلس يتطلع إلى ما تقول، فجلست تحدثه حديثاً لا حقيقة له، فاشتدت علة هذا الرجل ثم ماذا قال -نسأل الله العافية- في الأخير عند احتضاره، قال:   

أرجع عن دين محمد وأقول *** عيسى ومريمَ والصليبَ الأعظمَ([70]).

فمات، فذهب صاحبه إلى تلك المرأة، فوجدها معتلة مريضة بحال شديدة فماذا قالت، هو كان قد قال بأنه لم يحظَ بها في الدنيا فأراد أن يلقاها في الآخرة ولو في النار، فقال مثل هذا الكلام، فلما ذهب صاحبه إلى تلك المرأة فوجدها في حال من المرض والاعتلال فجعل يحدثها، فقالت: أنا ما لقيت صاحبي في الدنيا وأريد أن ألقاه في الآخرة، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأنا بريئة من دين النصرانية، تريد أن تلقاه في الآخرة؛ لأنه مسلم، تظنه أنه مات على إسلامه، فقام أبوها فقال للرجل: خذوها الآن فإنها منكم، فقام الرجل، فقالت: مكانك، فوقف ساعة ثم بعد ذاك خرجت نفسها([71])، الرجل تنصر وهي نطقت بالشهادتين، نقول: هذا من صرعى النظر، إطلاق البصر.  

وهذا أيضاً ذكره ابن الجوزي: "عن رجل كان ببغداد يقال له: صالح المؤذن، أذن أربعين سنة وكان يُعرف بالصلاح، صعد يوماً إلى المنارة ليؤذن فرأى بنت رجل نصراني كان بيته بجانب المسجد فافتتن بها، فجاء فطرق الباب فقالت: من؟ فقال: أنا صالح المؤذن، ففتحت، فلما دخل ضمها إليه، فقالت: أنتم أصحاب الأمانات، ما هذه الخيانة؟ قال: إن وافقتِني على ما أريد وإلا قتلتك، فقالت: لا، إلا أن تترك دينك، فقال: إنه بريء من دين الإسلام، ومما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم دنا إليها، فقالت: إنما قلتَ هذا لتقضي غرضك ثم تعود إلى دينك، فكل لحم الخنزير، فأكل، قالت: اشرب من هذا الخمر، فشرب، فلما دب به الشراب -يعني سكر-، قالت: أصعد إلى السطح حتى يأتي أبي، وأغلقت على نفسها باباً، فالرجل صار يمشي على سطح دارهم وهو سكران فوقع فكان حتفه، فجاء أبوها فأخبرته الخبر، فلفه في ثوب ثم ألقوه في قارعة الطريق، ثم انتشر خبره بعد ذلك فرُمي في مزبلة"([72])، هذا ذكره ابن الجوزي.

وذكر الحافظ ابن كثير في حوادث سنة 278هـ خبر رجل يقال له: عبده بن عبد الرحيم، يقول ابن كثير: قبحه الله، ثم ذكر خبر هذا الشقي: "أنه كان من المجاهدين في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون في حال حصار لبلدة من بلاد الروم نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن فهويها فراسلها، ما السبيل إلى الوصول إليكِ؟ قالت: أن تتنصر وتصعد إليّ، فأجابها، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك، وشق عليهم، الشاهد أن الرجل تنصر وتزوجها، وصار له ذرية منها، فلقيه بعضهم بعد حين، فقال له: ما صنع جهادك؟ ما فعل القرآن؟ ما فعلت صلاتك؟ فقال: اعلموا أني نسيت القرآن كله إلا قوله: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ الحجر:2-3.

سابعاً: اعتلال البدن، الأطباء ذكروا أشياء ودراسات -وهذا أمر مشاهد- مما يحصل لخلايا الدماغ بسبب النظر إلى الصور الإباحية، ما يحصل للغدد في الجسم، ما يحصل للذاكرة، أعراض الشيخوخة المبكرة، ضعف جهاز المناعة، الإثارة الدائمة في جميع خلايا الجسم، فيبقى الإنسان في حال من التوهج والتوتر، جسد مُستفَز، منهك القوى؛ لأنه دائم الاستفزاز؛ لأنه هذا يؤثر عليه عاجلاً وآجلاً وبعد الزواج إلى غير ذلك مما هو معلوم.

الأطباء ذكروا أشياء ودراسات -وهذا أمر مشاهد- مما يحصل لخلايا الدماغ بسبب النظر إلى الصور الإباحية، ما يحصل للغدد في الجسم، ما يحصل للذاكرة، أعراض الشيخوخة المبكرة، ضعف جهاز المناعة، الإثارة الدائمة في جميع خلايا الجسم، فيبقى الإنسان في حال من التوهج والتوتر، جسد مُستفَز، منهك القوى؛ لأنه دائم الاستفزاز؛ لأنه هذا يؤثر عليه عاجلاً وآجلاً وبعد الزواج إلى غير ذلك مما هو معلوم.

 

بعد ذلك أقول: ينبغي أن نعالج مثل هذا الأثر بما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا نظر الإنسان إلى محرم، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن المرأة إذا أقبلت أقبلت في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة أعجبته فليأتِ أهله فإن معها مثل الذي معها)([73]).

أذكر لكم بعض النماذج الفذة، نماذج جميلة، نماذج مشرقة في غض البصر، نماذج قديمة ونماذج معاصرة، هذا وكيع يقول: "خرجنا مع سفيان الثوري في يوم عيد، اسمع ماذا يوصي به أصحابه: إن أول ما نبدأ به في يومنا غض أبصارنا"([74])، لأن النساء يخرجن في العيد.

وكان الأسود بن مكتوم إذا مشى نظر إلى قدميه، فربما استقبله النساء، فيقول بعضهن لبعض: "لا يَرعكنّ قامة الأسود بن مكتوم، إذا مشى نظر إلى قدميه لا ينظر إليكنّ"([75]).

 وعمرو بن مرة يقول: "نظرت إلى امرأة فأعجبتني فكُف بصري، فأرجو أن يكون ذلك جزائي"([76])، تصور نظر إلى امرأة فأعجبته بحجابها فكيف بالذي ينظر إلى مشاهد -نسأل الله العافية.

 وكيع بن الجراح يقول: "مررت مع سفيان الثوري على دار مشيّدة فرفعت رأسي إليها، فقال: لا ترفع رأسك تنظر إليها، إنما بنوها لهذا"([77])، هذا في النوع الآخر من النظر إلى عرض الحياة الدنيا وإلى زخرفها الزائل، انظر إلى الربيع بن خثيم -رحمه الله- كان آية في غض البصر، مر به نسوة فأطرق حتى ظن النسوة أنه أعمى، فتعوذن بالله من العمى([78]). 

وحسان بن أبي سنان خرج إلى العيد فقيل له لما رجع: يا أبا عبد الله ما رأينا عيداً أكثر نساء منه، فقال: "ما لقيتني امرأة حتى رجعتُ"([79])، هو لم يرَ امرأة أصلاً؛ لأنه كان يغض بصره، هذا الرجل له شأن عجيب، خرج في يوم عيد فلما عاد قالت له امرأته: "كم امرأة حسناء قد رأيت؟، فقال: والله ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت إلى أن رجعت"([80])، العفاف.

وهذا ابن مسعود -رضي الله عنه- دخل على مريض يعوده ومعه قوم وفي البيت امرأة، فجعل رجل من القوم ينظر إليها، فقال ابن مسعود: "لو انفقأت عينك كان خيراً لك"([81])، ينظر إلى امرأة بحضرة هؤلاء، ماذا عسى أن تكون لابسة؟ فكيف بالذي ينظر إلى البلايا والرزايا؟.

وكان في دار مجاهد بن جبر عُلّيّة -غرفة في الأعلى- قد بُنيت بقي ثلاثين سنة لم يشعر بها([82])، ما علم بها، فأين هذا من الذي يتطلع وينظر هنا وهناك، يصعد إلى أعلى إذا كان في مكان، إذا كان في فندق، إذا كان، لعله ينظر إلى عورة من هنا أو هناك، ينظر إلى النوافذ أو ينظر إلى الشاشات؟، وابن سيرين انظروا إلى هذا النموذج الرائع النظيف الطاهر، يقول: "إني لأرى المرأة في منامي فأعلم أنها لا تحل لي فأصرف بصري"([83]).

والربيع بن خُثيم يقول عنه ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: "أما والله لو رآك محمد -صلى الله عليه وسلم- لفرح بك، كان يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة لا تظن جارية لابن مسعود إلا أنه أعمى؛ لشدة غض بصره وطول إطراقه إلى الأرض بنظره، كان إذا دق الباب عليه تخرج جاريته فإذا رأته قالت لابن مسعود: صاحبك الأعمى قد جاء، واستأذن مرةً على ابن مسعود فخرجت إليه جارية حسناء فغمض عينيه، فقالت: على الباب رجل أعمى يقول: أنا الربيع بن خُثيم، فقال: ليس بأعمى وإنما غض بصره"([84]).

هناك نماذج معاصرة من هذه النماذج: هذا رجل من المسلمين من جنوب شرق آسيا، يعمل في بعض الدول الأوربية في نيوزلندا، كان هذا الرجل يعمل في محطة الوقود، فكانت ملكة جمال نيوزلندا تمر به إلى هذه المحطة، ولا ينظر إليها، فتكرر ذلك كثيراً، فنزلت ووجهت إليه لوماً شديداً؛ لأنه لا يلتفت إليها، فسألته: من أنت، ومن تكون؟ فقال: أنا مسلم لا يجوز لي إطلاق البصر، فتعجبت، كل واحد يريد أن يلتقط معها صورة وأن ينظر إليها وأن يُسارق النظر أو ينظر مكاشرة، فتعجبت من هذا العفاف، فسألته عن دينه ثم بعد ذلك عرضت عليه أن يتزوجها، فدخلت في الإسلام وتزوجها هذا الرجل، وهو عامل في محطة وقود. 

هناك أمثلة مشابهة لهذا لا أطيل بها، لكن أقول: اختر لنفسك، فهذه النواظر هي صوارم سيوف مشهورة فأغمدها في غمد الغض والحياء من نظر الله -تبارك وتعالى- إليك، وإلا جرحك بها عدوك.

فإطلاق هذا البصر يورث الردى، ويوصل إلى القبائح، فينبغي على العبد أن يختار.

يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداً *** أنت القتيل بما ترمي فلا تصبِ

وباعثُ الطرف يرتاد الشفاء له *** احبس رسولك لا يأتيك بالعطبِ

ترجو الشفاء بأحداقٍ بها مرض *** فهل سمعت ببرء جاء من عطبِ([85]).

وتأملوا أخيراً في قوله -تبارك وتعالى- في حق المؤمنات: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّالنور:31، يعني: بألا يُمعنّ بالنظر إلى الرجال فإن ذلك يُغريهن بالفتنة، وهذا يدعونا إلى أمر: هنا أطلقَ في هذا الأمر بالنسبة للنساء كما قال في الرجال تماماً: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ، ولهذا فهم بعض أهل العلم من الفقهاء من الشافعية والحنابلة، وذهب إلى هذا جماعات من المفسرين، وبعض العلماء المعاصرين إلى أن المرأة كالرجل في النظر، أن لها الأولى وعليها الثانية، وأنها مأمورة بغض البصر، ولا يجوز لها إطلاقه، ومن أشهر القائلين بهذا الحافظ ابن عبد البر، قال ذلك في كتاب "التمهيد"، وفي كتاب "الاستذكار"، وقال به آخرون.

وقد ذكر بعض أهل العلم المعاصرين أن النظر إلى الممثلين والمنشدين وإلى مقدمي البرامج بل إلى من يقدم بعض الدروس أو المحاضرات أو الأمور المفيدة في القنوات قد يكون النظر إليه فتنة؛ لأن الغالب أن هؤلاء يخرجون بأبهى حُلة، فهو يحسب كل حركة والتفاتة ونظرة عين، ويحسب أيضاً حركة الشفاه كيف يحركها، وكيف يحرك يده، وما إلى ذلك بطريقة في غاية الدقة، فهذه التي تطيل النظر تنظر إلى بعض هؤلاء، وبعضهم قد يكون قد امتلأ شباباً وحُسناً ونضارة ثم لربما قارنته بمن حولها من زوج ونحوه، فترى هناك فصاحة البيان واللطف في العبارات، وأناقة المظهر ونضارة الشباب، فيكون ذلك سبباً للفتنة، وهنا ينبغي الحذر وأن المسألة ليست محل اتفاق أن المرأة يُرخص لها بالنظر إلى الرجال من غير شهوة، أما نظرها إلى الرجال الأجانب بشهوة فإن هذا محرم باتفاق، بإجماع أهل العلم، وهذا لا شك فيه إذا كانت تنظر وتتلذذ بهذا النظر، أو تتفرس في تقاطيع وجهه وملامحه، ومواضع الحُسن والجمال فيه، فهذا لا يجوز، وأما إذا كان نظر المرأة هو النظرة الأولى فإن هذا معفو عنه، أما إذا نظرت إلى الأجنبي بحاجة كما لو نظرت لعلاج اضطرت إليه أو نحو ذلك مما يتصل بشهادة أو نحو هذا فهذا من النظر المعفو عنه، وكذلك نظر المرأة إلى الخاطب، فكما ينظر إليها تنظر إليه فهذا معفو عنه ومباح، أما إذا كان يُخشى من هذا النظر ثوران الشهوة فإنه يجب كفه، لكن العلماء اختلفوا في حال كون الفتنة مأمونة هل تكون كالرجل أو أن نظرها أوسع من نظر الرجل؟، هذا فيه خلاف معروف، ومن ذكرتهم أو أشرت إليهم إجمالاً وذكرت منهم الحافظ ابن عبد البر يقولون: هي كالرجل لها الأولى وعليها الثانية، أنا أؤكد هذا؛ لأننا في هذا العصر أصبحت المرأة تنظر وهي في بيتها نظراً طويلاً يدوم ساعات إلى هذه الشاشات فهل الأمر لا إشكال فيه ولا غضاضة فيه، ولا حرج إطلاقاً أيًّا كان هذا المنظور إليه؟، هذا النظر لا تؤمن عواقبه في كثير من الأحيان، ولهذا بعض النساء تصرح بأنها مفتونة بفلان، أو فلانة، قد يكون فلان هذا من مقدمي البرامج، قد يكون منشداً، قد يكون داعية، قد يكون طالب علم، تعجب بكلامه، تعجب بمنطقه، تعجب بحركاته، تعجب بشكله، بصورته، تعجب بلباسه وأناقته، كله وارد، فإذا كان هذا النظر بهذه المثابة يورث هذه النتائج فهذا لا يجوز، فينبغي الاحتراز، ينبغي على الأخوات أن يحفظن أبصارهن وألا يطلن النظر إلى هذه الشاشات، لكن يمكن أن تسمع من غير إطلاق البصر، خاصة إذا كان هذا المنظور إليه لا يخلو من فتنة، فلا تظن أن الأمر لا حرج فيه.

أسأل الله -تبارك وتعالى- أن ينفعني وإياكم بما سمعنا، ويجعلنا وإياكم هداة مهتدين.

والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.



[1]- أخرجه مسلم، كتاب الحيض، باب تحريم النظر إلى العورات، برقم (338).

[2]- أخرجه مسلم، كتاب الأدب، باب نظر الفجاءة، برقم (2159).

[3]- أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج، برقم (6243)، ومسلم، كتاب القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره، برقم (2657).

[4]- أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب ما يؤمر به من غض البصر، برقم (2149)، والترمذي، أبواب الأدب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في نظرة الفجاءة، برقم (2777)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (7953).

[5]- أخرجه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب أفنية الدور والجلوس فيها، والجلوس على الصعدات، برقم (2465).

[6]- أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها، برقم (5240).

[7]- أخرجه مسلم، كتاب الرقائق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء، برقم (2742).

[8]- أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب ما يتقى من شؤم المرأة، برقم (5096)، ومسلم، كتاب الرقائق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء، برقم (2741).

[9]- نونية القحطاني (ص: 43)، تحقيق: عبد العزيز الجربوع.

[10]- أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر، برقم (6241)، بلفظ: ((لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر))، ومسلم، كتاب الآداب، باب تحريم النظر في بيت غيره، برقم (2156).

[11]- انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 202)، ومجموع الفتاوى (32/ 247).

[12]- انظر: فتح الباري لابن حجر (11/ 10).

[13]- أخرجه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب إذا هدم حائطا فليبنِ مثله، برقم (2482)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها، برقم (2550).

[14]- انظر: تفسير الإمام الشافعي (3/ 1137)، والبحر المحيط في التفسير (8/ 33).

[15]- انظر: نهاية الأرب في فنون الأدب (2/134)، وروضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص:100).

[16]- الجواب الكافي (ص:153).

[17]- انظر: المنصف للسارق والمسروق منه (ص:701)، وشرح ديوان المتنبي للعكبري (1/165)، ونهاية الأرب في فنون الأدب (2/133)، وأمالي ابن الشجري (3/255)، وروضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص:98).

[18]- انظر: روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص:110).

[19]- انظر: روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص:100)، والعقد الفريد (2/204)، ونهاية الأرب في فنون الأدب (2/135)، ونفح الأزهار في منتخبات الأشعار (ص:16).

[20]- أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج، برقم (6243)، ومسلم، كتاب القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره، برقم (2657).

[21]- انظر: الإماء الشواعر (ص: 67)، وروضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 100).

[22]- نهاية الأرب في فنون الأدب (2/ 135)، وروضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 100).

[23]- انظر: روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 97).

[24]- أخرجه الطبراني في الأوسط، برقم (8266)، وأبو نعيم في الحلية (2/281)، وقال بوضعه العلامة الألباني في ضعيف الجامع، برقم (763).

[25]- انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/276)، ومجموع الفتاوى (10/320)، وذم الهوى، لابن الجوزي (ص:85).

[26]- البيتان لأبي منصور بن الفضل في ذم الهوى، لابن الجوزي (ص:99).

[27]- فتح الباري لابن حجر (11/ 9).

[28]- انظر: أمالي القالي (2/94)، والجليس الصالح الكافي (ص:551)، وأخلاق الوزيرين (ص:374).

[29]- جامع العلوم والحكم (1/ 409).

[30]- إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/169)، وفتح الباري لابن حجر (9/109)، وذخيرة العقبى في شرح المجتبى (27/22).

[31]- أخرجه البخاري، كتاب الرقائق، باب التواضع، برقم (6502).

[32]- أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، برقم (1469)، وبرقم (6470)، كتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله.

[33]- التبصرة لابن الجوزي (1/ 166)، وذم الهوى (ص: 103).

[34]- البيت لأبي بكر بن داود العباسي، انظر: زهر الآداب وثمر الألباب (3/ 783)، وتلبيس إبليس (ص:240).

[35]- الورع لابن أبي الدنيا (ص: 66).

[36]- ذم الهوى (ص: 143).

[37]- أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة، برقم (1905)، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، ووجد مؤنة، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، برقم (1400).

[38]- أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، وإقامتها، وفضل الأول فالأول منها، والازدحام على الصف الأول، والمسابقة إليها، وتقديم أولي الفضل، وتقريبهم من الإمام، برقم (440).

[39]- انظر: شرح النووي على مسلم (4/ 159).

[40]- ذم الهوى، لابن الجوزي (ص:141).    

[41]- مجموع الفتاوى (15/ 425)، والفتاوى الكبرى لابن تيمية (1/ 292).

[42]- تاريخ دمشق لابن عساكر (49/ 382).

[43]- انظر: غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب للسفاريني (1/ 89).

[44]- الآداب الشرعية والمنح المرعية، لابن مفلح (3/ 596)، وغذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (1/ 86).

[45]- إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 47).

[46]- روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 92).

[47]- انظر: الجواب الكافي (ص: 152).

[48]- أخرجه أحمد في المسند، برقم (22757)، وقال محققوه: "حسن لغيره"، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (1018).

[49]- انظر: مجموع الفتاوى (15/ 394)، وذم الهوى (ص:141).

[50]- انظر: روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 98)، ونهاية الأرب في فنون الأدب (2/ 133).

[51]- الجواب الكافي (ص: 154).

[52]- المصدر السابق.

[53]- انظر: غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (1/86)، وروضة المحبين، لابن القيم (ص: 97).

[54]- تفسير السمعاني (3/ 519).

[55]- انظر: مجموع الفتاوى (15/ 395).

[56]- انظر: ذم الهوى، لابن الجوزي (ص: 99).

[57]- روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 97).

[58]- المصدر السابق (ص:100).

[59]- المصدر السابق (ص: 107).

[60]- انظر: روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 99)، ونفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن (ص: 101).

[61]- انظر: لطائف الإشارات، للقشيري (2 /606).

[62]- أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص: 322).

[63]- انظر: شرح ديوان الحماسة (ص:868)، ومصارع العشاق (2/194)، وروض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار (ص:378)، وروضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 97).

[64]- تفسير السمعاني (3/ 519).

[65]- انظر: ذم الهوى (ص: 93).

[66]- المصدر السابق.

[67]- انظر: ذم الهوى (ص: 97)، وغذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (1/ 87).

[68]- أخرجه هناد بن السري في الزهد (2/465)، وانظر: التبصرة لابن الجوزي (1/ 162)، وذم الهوى (ص: 91).

[69]- انظر: التبصرة لابن الجوزي (1/ 162)، وذم الهوى (ص: 93)، عن الحسن، وغذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (1/ 85)، عن الحسن أيضاً.

[70]- ذم الهوى (ص: 459).

[71]- المصدر السابق.

[72]- المصدر السابق (ص:459-460).

[73]- أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب ندب من رأى امرأة فوقعت في نفسه إلى أن يأتي امرأته أو جاريته فيواقعها، برقم (1403)، والترمذي واللفظ له، أبواب الرضاع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في الرجل يرى المرأة تعجبه، برقم (1158).

[74]- الورع لابن أبي الدنيا (ص: 63)، برقم (66).

[75]- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 254)، وصفة الصفوة (2/ 172).

[76]- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (5/ 95)، وصفة الصفوة (2/ 61)، وذم الهوى (ص: 127).

[77]- الورع للإمام أحمد (96).

[78]- ذم الهوى (ص: 91).

[79]- المصدر السابق (ص: 88).

[80]- التبصرة لابن الجوزي (1/ 162).

[81]- ذم الهوى (ص: 87).

[82]- المصدر السابق.

[83]- روح البيان (6/ 178)، وتاريخ بغداد (2/ 419)، وتاريخ دمشق لابن عساكر (53/ 205).

[84]- انظر: صفة الصفوة (2/ 34)، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم (6/ 8)، والثقات للعجلي (ص: 154)، وبغية الطلب فى تاريخ حلب (8/ 3569).

[85]- انظر: روضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: 97).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about