خصائص أهل السنة (3) أوصاف أهل السنة (2)
عدد الزوار : 6963
تاريخ الإضافة : 18 محرّم 1433
MP3 : 26340 kb
PDF : 456 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

خصائص أهل السنة

(3) أوصاف أهل السنة (2)

 

وما أهل السنة فقد سلمهم الله -عز وجل-، فهم يتمسكون بما نطق به الكتاب، ووردت به السنة، ويحتجون له بالحجج الواضحة، والدلائل الصحيحة، على حسب ما أذن فيه الشرع، وورد به السمع، ولا يدخلون بآرائهم في صفات الله -تعالى-، ولا في غيرها من أمور الدين، وعلى هذا وجدوا سلفهم وأئمتهم، وقد قال الله -تعالى-: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا الأحزاب:45-46، هكذا فعلوا، وهكذا تأدبوا، فعظموا الآثار، وعرفوا قدر أئمة السنة ورواتها، بخلاف هؤلاء المفترين، هذا أحد المعاصرين يقول عن كبار الأئمة، ابن أبي حاتم الإمام الكبير: "بأنه ذكر في كتاب الرد على الجهمية ما يدل على ما أصيب به في عقله -نسأل الله العافية- يقول: وهو الذي اعترف بأنه يجهل علم الكلام، ومع ذلك تراه يدخل في مضايق علم أصول الدين"([1]).

ويقول عن الإمام الدارمي: "هذا مجسم مكشوف الأمر يعادي أئمة التنزيه"([2])، ومثله يكون جاهلاً بالله -سبحانه وتعالى-" المسألة ليست خاصة بالشيخ "محمد بن عبد الوهاب" وإنما أئمة قدامى "الدارمي وابن أبي حاتم" هؤلاء أصحاب الكتب المعروفة المصنفة في السنة.

ويقول عن الإمام ابن خزيمة إمام الأئمة: "اعتقاد ابن خزيمة يظهر من كتاب التوحيد"([3])، وعنه يقول صاحب التفسير الكبير: "إنه كتاب الشرك"([4])، فلا حب ولا كرامة([5])، هذا يقوله أحد المعاصرين! تستغرب إذا سمعت بعض المفتونين ينقل مثل هذه الأشياء في صحيفة أو في غيرها.

وهؤلاء أعني أهل الكلام بنوا مذهبهم على جملة أمور:

الأول: أنهم جوزوا التعارض بين العقل والنقل، وهذا لا يمكن -كما ذكرنا سابقاً- إذا كان النقل صحيحاً والعقل أيضاً صحيحاً، إذا وجد مع صحة النقل وصراحته لا يمكن أن يتعارض عقل ونقل، ولقد ألف شيخ الإسلام ابن تيميه -رحمه الله- كتابه: "العقل والنقل" الذي قال عنه الحافظ ابن القيم -رحمه الله-:

......................... *** ما في الوجود له نظير ثان([6]).

وهو مطبوع ومحقق.

والأمر الثاني: أنهم قالوا بناءً على ذلك بوجوب تقديم الدليل العقلي مطلقاً على النقل.

والأمر الثالث: أنهم قالوا: بأن الدليل النقلي لا يفيد اليقين.

والأمر الرابع: قالوا: إن مسائل الاعتقاد لا تبنى إلا على القطعيات، والقطع إنما يستفاد من جهة العقل.

والخامس: قالوا الضابط في حمل اللفظ على الاحتمال المرجوح صحة معناه في اللغة دون اعتبار للسياق الذي ورد به أو كليات.

هذه أحد مزالق أهل البدع في الاستدلال يأتون ويفسرون النص من الكتاب أو من السنة تفسيرا لغوياً محضاً، بغض النظر عن السياق الذي ورد به، ما تحتمله اللغة فقط، وقد ذكرنا في شرح مقدمة أصول التفسير كلام أبي عبيدة معمر بن المثنى المعتزلي الخارجي عند شرحه لقوله -تبارك وتعالى-: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ الأنفال:11، السياق وأسباب النزول والملابسات: الأرض كانت دهسة، فنزل المطر فلبدها، فثبتت الأقدام عليها، وأجنب بعضهم فنزل المطر واغتسلوا، بعد ما جاءهم الشيطان، وقال: أنتم تريدون الصلاة، وليس معكم ماءً، فاغتسلوا وذهب عنهم رجس الشيطان، هو يفسرها تفسيرا لغويا محضاً، يقول هذا الخارجي: "ربط على القلوب فثبت القدم فلم يفر في أرض المعركة؛ لأن القدم يفر ينطلق هارباً إذا القلب امتلأ بالخوف"، هذه طريقة أهل البدع في الفهم والتفسير والاستدلال.

وقد يقع في هذا بعض من لا علم له، وليس من أهل البدع، إذا تكلم من لا بصر له بالعلوم الشرعية جاء بالعجائب: "من تكلم في غير فنه جاء بالعجائب"، وكنت أقول لأحد الفضلاء، وهو رجل مرموق مشهور، أقول له عند الكلام على آية من القرآن:

واللفظ محمول على الشرعي *** إن لم يكن فمطلق العرفي([7]).

عرف الصحابة، عرف من نزل عليهم القرآن، فاللغوي على الجلي، بهذا الترتيب، ننظر إن كان لها معنى شرعي نحملها على المعنى الشرعي، ما وجد فعرف المخاطبين، ما وجد آخر شيء اللغة.

قال: لا، نحن عرب نحملها على المعنى اللغوي؛ فإن لم يوجد نبحث هل لها معنى شرعي، وأنا لا استبعد أنه أول مرة يسمع هذا الكلام، ويتكلم في قضايا كبيرة جدا، وينظر يقول: نبدأ باللغة.

وأنا متأكد أن الرجل ليس من أهل الأهواء إطلاقا، لكن لا بصر له، تكلم في غير فنه، فجاء بالعجائب.

الأمر السادس: وهو أن الدليل الصارف للفظ عن ظاهره عندهم هو دليل العقل، ما هو الضابط عندهم؟ أبداً ما أحاله العقل صرف عن ظاهره مباشرة، يقول: الظاهر غير مراد ليس في العقائد فقط في العقائد، وفي غيرها، يقولون ظاهره غير مراد، هذا يحمل على معنى آخر.

وهذا العلم أعني علم الكلام أثر في كليات الشريعة تأثيرات بالغة أذكر خمساً منها:

الأول: أنه جعل أحكام الشريعة العملية من الظن لا من العلم -كما قلنا-، قالوا: أكثرها عمومات وأحاديث آحادا.

الثاني: أنه وهن من عمومات الشريعة، وأغلبها عمومات كما يقولون.

الثالث: أن الذين قالوا بنفي التعليل والقياس كان ذلك بسبب ردود أفعال عندهم؛ لئلا يتوسع في التعليل والقياس، فيخرج عن ظواهر النصوص.

الرابع: أن العقل دخل حكما مضاهيا للشرع بل مقدما عليه، فنفوا بعض الأصول الاعتقادية، ووضعوا مناهج للنظر فاسدة أدت إلى تغيير الأحكام العملية، وقبل ذلك أحكام العقائد، حتى زعم المعتزلة وتبعهم من تبعهم من متكلمة الأشاعرة: أن أدلة القرآن والسنة ظنية، كل هذا بسبب علم الكلام.

والخامس: أن هذا العلم الباطل الفاسد كان هو السبب في انتشار الفلسفة والجدل، وانهيار كليات الشريعة الآمرة بالألفة والمحبة والاجتماع، وترك التنازع، فصار دين هؤلاء هو التنازع والجدل، واقرأوا في تراجمهم وأخبارهم، وما وقع لهم في هذا أمور عجيبة جداً، فتشرذمت الأمة، وتفرقت غاية التفرقة، ولهذا ذهب جميع أهل الحديث وأهل السنة من السلف -رضى الله عنهم- وأئمة الفقهاء إلى أن علم الكلام بدعة، إلى هذا ذهب الشافعي([8])، ومالك([9])، وأبو حنيفة([10])، وأحمد([11])، وسفيان الثوري([12])، وغير هؤلاء من الأئمة الكبار، ومن أقوالهم: "لئن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام"([13]).

وفي هذا يقول الحافظ ابن عبد البر حافظ المغرب: "أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار من طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم"([14]).

 

يقول الحافظ ابن عبد البر حافظ المغرب: "أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار من طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم"

 

فاثبتوا على هذه العقيدة وهذا الدين، وهذه الأصول، وعلى سلوك مسلك هؤلاء السلف الكبار -رضى الله عنهم وأرضاهم-.

المعول الأول: توهين النصوص بتضعيفها.

المعول الثاني عند هؤلاء المتكلمين: التأويل؛ كما يقول أبو حامد الغزالي: "كل خبر مما يشير إلى إثبات صفة للباري -تعالى- يشعر ظاهره بمستحيل في العقل نظر إن تطرق إليه التأويل قبل وأول"، يقول: إذا كان يحتمل أن يؤول أولناه، "وإن لم يندرج فيه احتمال تبين على القطع كذب الناقل"،يقول مباشرة إذا ما يقبل التأويل بحيث إنه كان نص صريح في المعنى مباشرة نكذبه: "فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان مسدد أرباب الألباب، ومرشدهم فلا يظن به أن يأتي بما يستحيل في العقل"([15])، ولذلك يردون أشياء يقولون: العقل يردها، والواقع أن العقل يثبتها ويقرها، وفي هذا يقول الرازي: "بأن هذه الدلائل النقلية إما أن يقال: إنها غير صحيحة أو يقال: إنها صحيحة إلا أن المراد منها غير ظواهرها" -نسال الله العافية-.

ثم يقول: "إن جوزنا التأويل واشتغلنا على سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات على التفصيل"([16])، فهذا من باب التنزل عند الرازي يقول: لا نحتاج أن نشغل أنفسنا فيها عندنا القواطع العقلية، يقول: إن تنزلنا أولناها وإلا فوضنا العلم بها إلى الله -تعالى- نقول: الظواهر غير مراد وخلاص([17]).

وقد أجمع الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعون وأهل الحديث والفقه وسائر علماء أهل السنة على نبذ هذا التأويل الباطل.

والمعول الثالث: التفويض، وهؤلاء المفوضة هم أنواع في الواقع، هؤلاء يقولون: بأن ظواهر النصوص غير مرادة، وهو الذي كان عليه أكثر أهل الكلام من المتقدمين، ثم بعد ذلك أوغلوا في التجهم، ومن أراد الاستزادة فلينظر في كلام شيخ الإسلام ابن تيميه -رحمه الله- فقد جعل هؤلاء على نحو خمس طبقات في كلام في غاية النفاسة.

الحاصل: أن هؤلاء المفوضة يقولون: إن ظواهر النصوص غير مرادة، منهم من يقول: إن الظاهر غير مراد ولها معنى آخر لا نخوض فيه، ومنهم من يقول: بأن هذا المعنى معنى هذه النصوص المعنى المراد لا يعلمه لا النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أحد، وهؤلاء أهل التجهيل، يقولون: إن الله خاطبنا بأشياء لا يعرف معناها، ولذلك قال عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- "بأن قولهم هو شر قول الطوائف"، كيف يقولون: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما كان يعرف معان النصوص([18]) التي هي في قضايا التوحيد، وصفات الرب -تبارك وتعالى-، وقد بعث بالتوحيد، يدعو إلى الله -تبارك وتعالى-، فجعلوا هذه النصوص طلسمات بمنزلة الأحاجي والألغاز والأشياء الغامضة المبهمة، ولا يمكن أن يكون الله خاطبنا في هذه الأمور العظيمة الجليلة بما لا نفهم، والكلام عن المتكلمين يطول جداً، لكن ننتقل إلى طائفة أخرى من المنحرفين.

كيف وقع الانحراف؟ وكيف وضع لهم الشيطان حفراً حتى لا يصلوا إلى المعين الصافي؟

"الصوفية" هؤلاء يزعمون أن علمهم تقول: لي لماذا لا يتحاكمون معنا إلى الكتاب والسنة؟ لماذا ما نرجع إلى القرآن والحديث وننظر من الذي على حق ثم نقرر ما ينتج عن ذلك؟

نقول: لا، حبذا لو أنهم قبلوا هذا، لكنهم يقولون: أنتم تأخذون علمكم ميتا عن ميت: "حدثني فلان حدثني فلان حدثني فلان"، ونحن نأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت، وذلك:

أولا: عن طريق الكشف، ويريدون به الاطلاع على المعاني الغيبية، والأمور الخفية، وجوداً أو شهوداً، تارة في السمع، يسمع ما لا يسمعه الناس، أو يبصر أشياء من وراء البحار، أو في عالم الملكوت الأعلى، أو الجنة أو النار، أو غير ذلك، أو في باب العلوم والمعارف مما يفتح عليه في زعمه، ويقول: هذه العلوم اللدنية.

ومن الطرائف: أن "ابن عربي" الملحد المعروف، وليس الفقيه المالكي ابن العربي، كتب رسالة ينصح فيها الرازي! يقول له: "لا تشغل نفسك بهذه الرسوم والعلوم، إنما هي خلوة وانقطاع ثم يحصل لك الكشف"([19])، يعني لا تحتاج دراسة وكتب وتعب وسهر كشف وخلوة ثم يحصل لك الكشف، ينكشف عنك الغطاء إلى السموات! ولهم في هذه مصطلحات داخلة تحت الكشف، منها:

"الخاطر" الخاطر عندهم ما يرد على القلب والضمير من الخطاب سواء من الرب أو من الملك.

وعندهم: الواردات، والوارد عندهم ما يرد على القلب من الخواطر المحمودة من غير تعمد.

وعندهم: التجلي، وهو ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب!

وعندهم: المحادثة، وهى خطاب الحق للعارفين من عالم الملك والشهادة كالنداء من الشجرة، كذا يخاطبهم الله -عز وجل-! هكذا يزعمون.

وعندهم: المسامرة، وهي خطاب الحق للعارفين من عالم الأسرار، والغيوب: نزل به الروح الأمين، على قلوبهم.

وعندهم: الذوق، وهو نور عرفاني يقذفه الحق بتجلية في قلوب أوليائه، يفرقون به بين الحق والباطل، من غير أن ينقلوا ذلك لا عن كتاب ولا سنة! هذا تقول له: تعال نتحاكم إلى الحديث الفلاني؟

أبدا، هذا يقول: أنا آخذ من فوق مباشرة! لا أحتاج دراسة هذه الأشياء، ولا أحتاج هذه الكتب، هذا كيف تتحاكم معه؟!

هذا تحتاج تبين له أولا: إن هذا الأصول باطلة، وأن هذه التجليات التي يشوفها هذه من الشيطان، وأنه يزين له ذلك، ويلبس عليه، وهذا قد يقع فيه بعض الجهلة، الأول قد يقع فيه بعض الجهال أيضاً، يقول كذا: "أنا عندي حدس، أن الحكم هذا لا يجوز، أن الشغلة الفلانية جائزة، حدس مبني على ماذا؟

الأمر الثاني الذي يعولون عليه: الرؤى المنامية، هذه عند الصوفية على قدم وساق، رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأمره بكذا، وقد يقع فيه بعض الجهلة، والقاعدة عندنا: أن الرؤى لا يبنى عليها حكم، لا بصلاح إنسان ولا بفساده، خاصة فيما يتعلق بتقرير الأحكام الشرعية، يقول: رأيت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال لي: صل كذا في الوقت الفلاني، افعل كذا، صل المغرب أربع ركعات، نقول: هذا من الشيطان، لا تؤخذ الأحكام من الرؤى، لكن الرؤى يستأنس بها، من المبشرات، لكن ما يبنى عليها أحكام.

أما العلوم الشرعية، فلهم موقف معروف منها، وهو أنهم يحاربونها، وينابذونها إلى يومنا هذا، ولذلك تجد بعض من ينزع إليهم مما ينتسب إلى الدعوة إلى الله -عز وجل-، لا يحب العلوم الشرعية، ولا يحب أهل العلم.

الصوفية يقولون: بأن علومهم من الله مباشرة تأتي، وإذا لماذا يتعلمون؟ ولماذا يطلبون العلم؟ يقول عبد الكريم الجيلي: "وكنت قد أسست الكتابة على الكشف الصريح، وأيدت مسائله بالخبر الصريح"([20])، أسس الكتاب على الكشف -نسأل الله العافية-.

ويقول ابن عربي: "واعلم أن جميع ما أكتبه في تأليفي ليس هو عن رؤية وفكر، وإنما هو عن نفث في روعي! على يدي ملك الإلهام"([21])، ويأتي من يصدق هذا، ويقول: هذا من كبار الأولياء.

وأحد المعاصرين كتب، يقول: كنا قد اغتررنا بكلام ابن تيمية عن ابن عربي، ولما رجعنا إلى كتبه عرفنا أنه من كبار السادة المتقين، وأن ابن تيمية عنده من الانحرافات أعظم مما عند ابن عربي!.

وهكذا أيضا يدعون عصمة الأولياء، كما يقول القشيري، يقول: "من أجل الكرامات التي تكون للأولياء دوام التوفيق والعصمة عن المعاصي والمخالفات"([22]).

كما يزعمون أن للقرآن باطنا وظاهرا يقولون: الظاهر هذا للعوام! وأما الباطن فهي العلوم والمعارف التي تكون لأرباب السلوك، ويفسرونها، ينحون في ذلك على منحيين: تفسير زندقة يبنى على نظر فلسفي، كما يفعل إخوان الصفا، وابن عربي، والحلاج، وابن سبعين، وابن الفارض، والتلمساني، وأمثال هؤلاء -نسأل الله العافية- يخلطون كلام الفلاسفة بكلام للصوفية.

والطائفة الثانية: أصحاب ما يسمى بالتفسير الإشاري العملي الصوفي، الذي يقول: الشيء ينقدح في الذهن دون خلفيات سابقة، ونظريات فلسفية، مباشرة، ينقدح: قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ التوبة:123، قال: هي النفس تذبح بسكين الطاعة.

إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً البقرة:67 قالوا: هي النفس.

لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ البقرة:68 قالوا: الصوفي ما هو في شرخ الشباب طائش، ولا هو في سن الكهولة والشيخوخة، ضعيف وعاجز.

صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَاالبقرة:69 قالوا: هذه صفرة وجوه أصحاب الرياضة النفسية ما هي بصفرة مرض، هذه العبادة.

لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ البقرة:71 قالوا: الصوفي ما هو صخاب في الأسواق، يجوب الأسواق، جالس في خلوة، راكد، يذكر الله -عز وجل-.

وهناك مناهج أخرى غير هؤلاء: الرافضة مثلا عصمة الأئمة، والطعن في النقلة، وتكفير سلف الأمة، إلا النادر القليل، أضف إلى ذلك ما دخل عندهم من منهج المعتزلة، فجمعوا إلى ضلالاتهم هذه الضلالة الأخرى، وصاروا يحكمون العقل أيضاً في النصوص، فصار فيهم التجهم والرفض، فما قاله الأئمة، وما لفق عليهم من الأكاذيب الكثيرة جداً هو كلام المعصوم، هؤلاء لا تناقشهم في الأحاديث والروايات والآيات، هؤلاء إما أن يقول لك: هذا القرآن محرف، وإما أن يقول: هذه الآيات أصلاً لها معنى آخر غير المعنى الذي تفهمه أنت، تقول: هذا فهم ابن عمر، وفهم فلان؟ قال لك: هؤلاء كفار! تحتج علي يفهمهم؟!

هذا تحتاج أن ترجع معه إلى أن الله أنزل القرآن وحفظه من التحريف، تحتاج ترجع معه إلى عدالة الصحابة أصلاً تقرر معه هذه الأصول، فإذا استقرت عند ذلك تناقشه في أدلة الكتاب والسنة، وتحتج عليه فيها، أما الآن فهو لا يقبلها، هذا السبب الذي ذكرنا لكم، تقول لي: لماذا هؤلاء أهل الأهواء لا يرجعون؟ نتحاكم معهم إلى الكتاب والسنة؟: (إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي)([23])، تراجعهم، الصوفية وغير الصوفية الكتاب والسنة؟ ما يقبلون.

وهكذا أصحاب المدرسة العقلية الحديثة وهم امتداد للمعتزلة الذين يحاولون يوفقون بين الإسلام والحضارة المادية المعاصرة، وصاروا يؤولون حتى الأشياء الغيبية، لا يدركها الغرب المادي، طَيْرًا أَبَابِيلَ [الفيل:3]هذه جراثيم تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ الفيل: 4 هذا البعوض ينزل على المستنقعات فيتحمل بالملاريا فيضربهم.

الملائكة، الملائكةهي الخير الموجود، ورمز الخير، و"الشياطين" هو الشر والفساد، كل شيء لا يقبله الغرب يحرف، وهكذا، إذا كان كبير هؤلاء في العصر الحديث "محمد عبده" هو صديق لـ "اللورد كرومر" رئيس زمرة المحتلين الإنجليز لمصر صديقة ويجلس معه ومع زوجته، ومعروفة أخباره في ما ذكره "محمد رشيد رضا" في باريس، ويجلس مع فتاة شقراء كل يوم يخرج في نفس الوقت في الليل، ولما يسأل عن هذا يقول: التعلم مع الجمال أسرع، ويتكئون على قضية المصلحة بلا ضوابط، المصلحة، الضرورة تقتضي هذا، التمثيل ضرورة! تمثيل المرأة، خروجها في الإعلام ممثلة ضرورة هذا، ويحتجون بالخلاف، المسألة فيها خلاف؟ فيها خلاف إذا خلاص، أو بضغط الواقع، وما أشبه ذلك.

مسالك أهل الأهواء في الاستدلال:

الأول: البناء على غير أصل، وذلك لجهلهم بمقاصد الشريعة كما قال الشافعي -رحمه الله-: "ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علمٍ مضى قبله، وجهةُ العلمِ بعدُ الكتابُ والسنةُ والإجماعُ والآثارُ، وما وصفتُ من القياس عليها"([24])، لا بد تبني كلامك هذا على دليل قال: الله قال رسوله، أو قياس يرجع إلى هذا، أو إجماع على مقتضى ذلك، أو نحو ذلك من قول صحابي يقتدى به، أو نحو هذا، كما يقول الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله-: "بأن الاجتهاد لا يكون إلا على أصول يضاف إليها التحليل والتحريم، وأنه لا يجتهد إلا عالم بها ومن أشكل عليه شيء لزمه الوقوف، ولم يجز له أن يحيل على الله قولا في دينه لا نظير له من أصل ولا هو في معنى أصل وهذا الذي لا خلاف فيه بين أئمة الأمصار قديما وحديثا فتدبره"([25])، ولهذا قالوا: بأن من تكلم في القرآن برأيه فهو مذموم وإن أصاب، فلا يجوز لأحد أن يقول: هذا جائز وهذا ما يجوز بناءً على، بناءً على ماذا؟ لماذا حليت هذا وحرمت هذا؟ ما الدليل الذي عندك؟ ما عنده أصل صحيح يرجع إليه، هذا يقع فيه كثير من هؤلاء، ويقع فيه بعض الجهلة أيضاً، يقعون في التحليل والتحريم، والقول على الله -عز وجل- بلا علم، جرأة عليه -تبارك وتعالى-.

من هذا من أمثلة البناء على غير أصل ما يذكر بعضهم يقولون: روح الشريعة تدل على هذا! روح الشريعة، هي كتاب، هي سنة، هي إجماع، هي قياس هي قول صحابي؟ هذه الأصول المعروفة.

إذن أهل الأهواء هؤلاء في الاستدلال يبنون على غير أصل في الاستدلال، وأيضا أوقعهم في ذلك: الجهل بلغة العرب من كلام الحسن -رحمه الله- حينما ينقل له بعض الانحرافات يقول: "إنما أهلكتهم العجمة"([26])، أحيانا يفسر آية يحملها على معنى أبدا الآية تتكلم عن شيء آخر، واللفظ لا يدل على هذا المعنى الذي فهمه، انظر مثلا الذي يفسر قول الله -تبارك وتعالى-: فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا العاديات: 3 بعض من تكلم في الإعجاز العلمي للقرآن يقول: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا العاديات:1 قال: السيارات، هي في الخيل الآية طبعا: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا قال: السيارات تضبح ضبحا البساتم عملية الاحتراق، وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا العاديات: 2تقدح بساتمها، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا العاديات:3، "المغيرات" هي من الإغارة الهجوم، هذه الخيل فقال: "المغيرات صبحا" يعنى قد غيرنا الصبح فبدا كسيفا؛ لأنه وجدت الأنوار في السيارات، فاستغن عن الصبح صار الناس ينطلقون ليلا، والصبح ما عاد صار له ضرورة فبدا كسيفا.

"المغيرات" فسرها بـ "المغَيَّرات"، "المغِيرات" من الإغارة هجوم، "المغيَّرات" من التغير التبديل يعني، هذه كلمة وهذه كلمة، ولهذا الشاطبي -رحمه الله- يقول: إنه لا يتكلم في الشريعة ولا يجتهد إلا من كان عربياً أو بمنزلة العربي، وجعل هذا من آكد شروط الاجتهاد، بل كاد يلغي جميع شروط الاجتهاد إلا هذا، وفهم مقاصد الشريعة، وذكر هذا في الموافقات([27])، وذكر أيضا في "الاعتصام"، وقال: إن هذا لا يخالف فيه أحد إنما يتكلم في الشريعة في الكتاب والسنة، والاستنباط والفهم، إلا من كان عربيا أو بمنزلة العربي، يقول: "يجب على من أراد أن يتكلم أن يعرف لغة العرب تماما ويدرسها، ولا يحسن ظنه بنفسه قبل الشهادة له من أهل علم العربية بأنه يستحق النظر، وأن لا يستقل بنفسه في المسائل المشكلة التي لم يحط بها علمه دون أن يسأل عنها من هو من أهلها، فإذا ثبت على هذه الوصاة كان إن شاء الله موافقاً لما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام"([28]).

والأمر الثالث الذي اعتمدوا عليه وعولوا عليه: العقل واتباع المتشابه، يقول محمد عبده: "على الإنسان أن يتبع عقله حتى يدرك بالبراهين الصحيحة الحق، ثم بعد ذلك يرجع إلى الوحي، فإن وجده موافقاً فليحمد الله ويلزم التصديق والتسليم بدون فحص فيما تكنه الألفاظ إلا فيما يتعلق بالأعمال على قدر الطاقة، وإن لم يجده موافقا فليتبع حكم العقل ولا يبحث عن مراد الله ورسوله؛ لأنه لا يعلم مراده إلا الله ورسوله"([29]).

هذا كلام؟ يقول: ارجع إلى عقلك إن وافقه الشرع، فالحمد لله، ما وافقه النقل عليك بالعقل مراد الله ومراد رسوله لا يعلمه إلا هو، وانظر إلى فتاواه في قضايا تتعلق بالربا، وغير ذلك، أين هذا الكلام الذي سمعتم من كلامه، وبين كلام ابن السمعاني الذي نقله إمام السنة الأصبهاني، يقول: "وأما سائر الفرق فطلب الدين لا بطريقه؛ لأنه رجعوا إلى معقولهم وخواطرهم وآرائهم، فطلبوا الدين من قبله، فإذا سمعوا شيئاً من الكتاب والسنة عرضوه على معيار عقولهم، فإن استقام قبلوه وإن لم يستقيم في ميزان عقولهم ردوه، فإن اضطروا إلى قبوله حرفوه بالتأويلات البعيدة والمعاني المستكرهة، فحادوا عن الحق وزاغوا عنه، ونبذوا الدين وراء ظهورهم، وجعلوا السنة تحت أقدامهم -تعالى الله عما يصفون-، وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما، وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم، -عكس كلام "محمد عبده" تماما،- "وما وقع لهم من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسنة، فإن وجدوه موافقاً لهما قبلوه، وشكروا الله حيث أراهم ذلك، ووفقهم، وأوقفهم عليه، وإن وجدوه مخالفا لهم تركوا ما وقع لهم، وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يرى الحق، وقد يرى الباطل، وهذا معنى قول أبي سليمان الداراني"([30])، إلى آخر ما قال.

هذا كلام إمام كبير من أئمة العلم والهدى والسنة، وهذا العقل الذي يثقون به ويعولون عليه، انظروا ماذا يقول كبار من درسوا وخاضوا في مثل هذه الأمور، وعظموا العقل وقدسوه "الجويني" في القرن الخامس للهجري، يقول في كتابه: "الغياثي" غياث الأمم، يقول: "لقد قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً" يعني من الكتب، كم؟ خمسين ألف ضرب خمسين ألف، يقول: خليت أهل الإسلام وعلومهم، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهوا عنه"، -يقصد علم الكلام-، "كل ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق"([31]).

والغزالي الذي دخل في بطن الفلسفة العقلية كما يصفه تلميذه ابن العربي، وما تمكن أن يخرج منها يموت وصحيح البخاري على صدره([32]).

وفي العصر الحديث أحد كبار عقلاء الغرب وهو "لكسس كاريل" يقول: "وواقع الأمر أن جهلنا مطبق، فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشرى تظل بلا جواب؛ لأن هنالك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة، إننا ما زلنا بعيدين جداً من معرفة ماهية العلاقات الموجودة بين الهيكل العظمي والعضلات والأعضاء، ووجوه النشاط العقلي والروحي"، إلى أن يقول: "كيف نستطيع أن نحول دون تدهور الإنسان وانحطاطه في المدنية العصرية"، هذه من الأشياء التي يبنون عليها إذن العقل، من ذلك أيضا: المصالح، من ذلك: الأعراف والعادات والتقليد للمقدمين والشيوخ ولعلمائهم وآبائهم وأجدادهم، وما إلى ذلك من أصول الضلال التي أوقعتهم فيما أوقعتهم فيه.

وبهذا نكون قد انتهينا من الكلام على خصائص أهل السنة في التلقي والنظر والاستدلال، فنشرع في هذا الكلام على الخصائص العامة لأهل السنة والجماعة:

أولها: شمولية المنهج: أنهم يجمعون الدين علماً وعملاً، ظاهراً وباطناً، فهم أهل الشريعة التي سنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كآفة جوانب الدين، من عقائد ومناهج للنظر، وأفعال ومقاصد، وعبادات، وسياسات شرعية، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- جاء بهذا الدين؛ لينظم حياة الناس، وعلاقات الدنيا، ويربط الناس بربهم وخالقهم -جل جلاله- لتُعمر به القلوب، وتعمر به الأبدان، فتشتغل الجوارح بعبادة ربها ومليكها وخالقها -سبحانه وتعالى-، به يهذب السلوك والأخلاق، وبه تصحح العقائد، إلى غير ذلك من الجوانب الكثيرة، فهم يعنون بإصلاح العقائد، ويعنون بالدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- كما دعا النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي يوسف: 108، فهم يدعون إلى الله على بصيرة؛ لأن أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- هم الدعاة من بعده على بصيرة وعلم ومعرفة بما يدعون إليه.

وهم أيضاً يشتغلون بإصلاح القلوب، فيعمرونها بمحبة الله، ومعرفته، والخوف منه، وإرادة ما عنده، وما إلى ذلك من المعاني الكثيرة المعروفة، فلا يقتصرون على جانب الأخلاق والسلوك الذي يوافقهم عليه الموافق والمخالف، ولا يقتصرون على قضايا الاعتقاد فقط، أو جانب من قضايا الاعتقاد كالأسماء والصفات.

ولا يقتصرون على الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى-، ويهملون أنفسهم من العمل الصالح والعلم النافع، وإنما يعنون بجوانب الدين جميعاً، والواحد منهم وإن لم يكن يستطيع القيام بتلك الوظائف مجتمعة ولكنها موزعة فيهم، هؤلاء يعنون بالدعوة، ويعنون بإغاثة الملهوف، والقيام على الأرملة والمسكين، وهؤلاء يعنون بالعلم، وهؤلاء عباد، ولكن البقية ينظرون إلى هذه أنه من شرائع الدين، ومن العمل الصالح، ولا يجتزئون على شيء منه يتعبدون الله -تبارك وتعالى- به، وينفرون مما سواه، وإنما يأخذون الدين جميعاً، أن هذه كلها من الأعمال الصالحة، فإن قصر مقصر في بعض الجوانب فذلك لأنه لم يتمكن من القيام به، لا أنه يرى أن هذا ليس من دين الله -عز وجل-، أو أن الدين ينحصر فيما قام به من الجوانب التي ارتضاها أو ارتضتها طائفته من العناية بالسلوك، أو تهذيب النفوس، أو نحو ذلك، فهذا ليس على طريقة أهل السنة والجماعة.

هذا الدين شامل للعقائد والأعمال، فينبغي أن يؤخذ هكذا.

الثاني: أنهم أهل اجتماع لا تفرق: فالجماعة هي مناط النجاة، وهم أهل الجماعة، أهل السنة والجماعة، فهم معرضون عن مواطن التفرق والاختلاف، ملتزمون بجمل الكتاب والسنة والإجماع، بعيدون عن مواطن المتشابهات التي تفرق الجمع، وتشتت الشمل، فيلتزمون سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسنة الخلفاء الراشدين: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ التوبة:100، وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت، إن أمكن الواحد منهم أن يفصل النزاع بالعلم والعدل، وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع، وأعرض عن الذين فرقوا دينهم شيعاً، فإن مواضع التفرق والاختلاف عامتها تصدر اتباع الظن وما تهوى الأنفس، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: بأن الواجب أن يأمر العامة بالجمل الثابتة بالنص والإجماع، وأن يمنعوا من الخوض في التفاصيل التي توقع بينهم التفرق والاختلاف([33])، وهذا أصل من أعظم الأصول، إذا تكلم متكلم، أو كتب كاتب، أو حصل أمر، تهافت الناس يسألون: ما هو الموقف من هذا الكاتب؟ ما هو الموقف من هذه الكتابة؟ ما هو الموقف من هذا الحدث الفلاني؟ وقد لا تدرك عقولهم أبعاد ذلك ومراميه، وقد لا يحيطون علماً بالحكم اللائق، أو التفصيل المناسب في ذلك المقام، والله -عز وجل- لم يكلفنا إطلاقاً أن نعرف منزلة فلان، ومنزلة فلان، وما كتبه فلان، وما قاله فلان، وما أشبه ذلك، يتهافت الشباب كثيراً يسألون عن كل ما يحدث، ويظن الواحد منهم أنه يجب أن يكون له حكم في كل ما يقع في الدنيا من الحوادث والوقائع ومقالات الناس، وما أشبه ذلك، فيحمل نفسه عبئاً وحملاً لا يستطيع أن ينهض به أبداً، لست مطالباً بهذا.

إذا جاءك الملكان في قبرك سيسألانك عن ثلاث مسائل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا تحمل نفسك شططاً: فلان جيد أو رديء، ما قاله فلان ما موقفي منه؟ ما حصل في المكان الفلاني ما هو موقفي منه؟ دع هذا، ما استطعت أن تصل فيه إلى علم وتتكلم بعدل إن كان الكلام يناسب فتكلم، وأما أن يتكلم الإنسان بجهل أو هو يعلم ولكنه لم يتكلم بعلم، يتلكم عن جانب من جوانب القضية، ويترك الجانب الآخر، فهذا خلاف العدل، فالله -عز وجل- لم يكلفنا في كل شيء لا بد أن يكون لنا فيه حكم محدد بدقة، قد يقف الإنسان في بعض الأمور لا يبلغها فهمه، ولا يصل إليها علمه، والله -عز وجل- لن يحاسبه على ذلك، إذا التبس عليه أمر من الأمور هل ما يقوله هؤلاء حق أو ما يقوله هؤلاء حق؟ فعنده مندوحة، هؤلاء يوردون أدلة من الكتاب والسنة، وهؤلاء يوردون أدلة من الكتاب والسنة، فيتحير لبه ماذا يصنع؟ هذا يحصل كثيراً للناس يبقون في حيرة فماذا يصنع؟

نقول: تمسك بالجمل الثابتة من الكتاب والسنة، وأعرض عن هذا الأمر الذي التبس واشتبه عليك، فالله لا يطالبك به، كثير من الناس دخلوا في مضايق ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا فيها في الأحكام، أو ما يقررونه وينظرون له أحياناً مع قصور العلم، وأعظم من ذلك ما يقع منهم من أعمال يخالفهم عليها جمهور الأمة، أو علماء الأمة، ثم بعد ذلك يتقحم الإنسان في أشياء كان له مندوحة عنها، ما ألتبس عليك فابتعد عنه، ما لا يبلغه علمك دعه فلن يحاسبك الله -عز وجل- عليه، اشتغل بالأمور الثابتة المعلومة، اشغل نفسك بإقامة الفرائض، وترك المحرمات الواضحة، واستغرق باقي الوقت فيما تعلم أنه من دين الله -عز وجل-، ولا يلتبس، عندك باب واسع تستطيع أن تقوم على الفقراء والأرامل والأيتام، أو تشتغل بالعلم، وهو من أجل ما يشتغل به، وتقضى به الأوقات، أو عندك الركوع والسجود، اشتغل بالصلاة، فهي من خير العمل الذي يعمله الإنسان، اشتغل بالذكر، وقراءة القرآن، ولا تدخل في أشياء لا تعرف كيف الخروج منها، ولا تعرف كيف تقدم على الله -عز وجل- إذا تقحمتها، ولذلك أقول: هذا أصل كبير ينبغي العناية به، نأخذ بالجمل الثابتة من الكتاب والسنة إذا لتبس علينا أمر من الأمور هل هذا حق أو باطل؟ هل ما يقوله فلان حق أو باطل؟ هل ما عليه فلان حق أو باطل؟

الحمد لله، اشتغل بما تعلم أنه حق، ولا تدخل في شيء لم تتبينه، لا تدخل إلا فيما تعلم أنه حق، ولهذا الخوارج لما دعوا بعض السلف إلى الدخول معهم في بعض أعمالهم ومعاركهم وغزواتهم، ماذا قال لهم قال: "إنما هي نفس واحدة لو أن لي نفسين لتبعتكم بواحدة، ثم أنظر إلى أي شيء أفضي"([34])، وإنما هي نفس واحدة إذا ذهبت انتهى كل شيء، فلا تدخل في باب إلا بعد أن تعلم وتتيقن أن هذا محبوب لله -عز وجل-، وأن الله يرضاه ويرضى عنك بهذا العمل، أما الحدس والتخمين والجهالة، وتقليد الآخرين من غير تبصر ولا تحقق، فهذا لا يصح إطلاقاً.

ولذلك فإن الخاصية الثالثة تتعلق بهذه القضية، وهي: أنهم لا يوجبون على العاجز في معرفة العلم ما يجب على القادر، وهذا من لطف الله -عز وجل- ورحمته: لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا البقرة: 286 فالله خلق الناس في غاية التفاوت في الأشكال والقدر والإمكانات البدنية والعقلية، هذا ذكي نبيه الفطنة يفهم دقائق الأمور، وتفاصيل المسائل، والآخر وتكرر له وتعيدها وهؤلاء يدري ما قلت، ويحضر الدرس من أوله إلى آخره ويخرج ويقول: لا أدري ماذا قال؟ الله وزع العقول على الناس، فالله لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا الطلاق: 7، فأهل السنة لا يوجبون على الإنسان الأمور التي يعجز عنها، يعجز عن فهمها وإدراك مراميها، فيتركها، يأتي شاب صغير وفي جيبه دفتر أسئلة كبار حتى لو شرحت له لم يستوعب، وحتى لو استوعب فإن قدرته العلمية لا تستطيع أن تعمل شيئاً في هذا الباب، هذا الباب يقوم به غيره، لا يصلح لهذا الإنسان.

إذن لماذا يشتغل به، لا يصلح أن يشتغل به، ولكننا نكلف أنفسنا في كثير الأحيان ما لا نطيق، والله قد خفف عنا.

الآن فروض الأعيان مثلاً إذا عجز الإنسان عنها حقيقة أو حكماً فإنها تسقط إما إلى بدل وإما إلى غير البدل، وقد يكون السقوط في الحكم يعني يسقط من الوجوب إلى الاستحباب، مثلاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان الإنسان يؤذى بسبب ذلك أذىً معتبراً، فما الحكم؟ إذا تعين عليه صار واجباً ولكنه يؤذى بسبب ذلك بأذىً معتبرا، فما الحكم؟

يكون مستحباً في حقه، فإذا كان الذي يؤذى هو غيره، فما الحكم؟ يحرم يحرم؛ لأن التبعة سيتحملها الآخرون، لكن إذا كان الأذى سيقع عليه ثم ينكسر هو فما الحكم؟ نقول له: لا تأمر ولا تنهى؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ليس للمؤمن أن يذل نفسه)، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: (يتعرض من البلاء ما لا يطيق)([35]).

فهذا من أسباب الانحرافات، فمن هؤلاء من نهض بأمور ثم ابتلي فلم يصبر، فرجع مائة وثمانين درجة -نسأل الله العافية-، وهذا موجود، ولو نظرت وتبصرت في حال الكثيرين من هؤلاء ستجد أنهم في يوم من الأيام كانوا هكذا، ثم بعد ذلك رجع إلى الطرف الآخر تماماً، ولذلك نقول لهؤلاء الذين يشتطون أحياناً ويطالبون الناس بالدخول في الأمور لا يستطيعون الخروج منها: على رسلكم، لا تدافعوا الناس دفعاً، من طلبة علم أو من غيرهم من المحتسبين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر في الدخول في أمور تكون العاقبة بعد ذلك تقول:

ليتك ثم ليتك ما احتسبتا.

تقول: ليته ما احتسب، أو ليته ما تكلم، أو ليته ما خطب عن هذا الموضوع، وقبل ذلك تجد الشخص يدفع دفعاً ليتكلم، لكننا لا نفكر في كثير من الأشياء، ولا تتبصر، ولذلك تقع العجائب والغرائب من سلوك الناس وتصرفاتهم، ويأتي من لا يعرف هذا ويقول: ما بال فلان؟ ما بال فلان؟ دخل في أمر لم يعرف كيف الخروج منه، وكان في سعة قبل ذلك، ويستقيم على جادة وعلى طريقة قصد في العمل خير من أن يسير إلى الحال التي صار إليها، فكل مؤمن -أيها الأحبة- يجب عليه أن يؤمن بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- إيماناً مجملاً، وأما معرفة التفصيل فإنها فرض على الكفاية، والذي يجب على الأعيان على كل واحد بمفرده، فهذا يتنوع بحسب ما أعطاهم الله -عز وجل- من الملكات والقدر والإمكانات، فالذي لا يتمكن من حضور العلم مجالس العلم ولو حضر قد لا يفهم فلا يجب عليه معرفة تفاصيل العلم، أو أن يساق إلى طلب العلم، ونريد أن نصب الناس صبة واحدة كلهم يصيرون طلاب علم، وإلا فإنه يلحقهم الذم، هذا غير صحيح، لا تقوم  الدنيا بهذا، لا بد أن هؤلاء يقومون بالنجارة، وهؤلاء بالزراعة، وهؤلاء بالطب، وهؤلاء يعملون الرياضيات، وهؤلاء الحاسب الآلي، وهؤلاء في الصيدلة، وهؤلاء تقوم حياة الناس، تقوم دنياهم بهذه الطريقة؛ ولهذا فاوت الله -عز وجل- بينهم، وهذه العلوم جميعاً محمودة، وليست مذمومة، كل ما ينفع الناس فهو محمود، فأَنْ يُطالب الناس جميعاً أن يتحولوا إلى طلاب علم متخصصين، هذا كلام غير صحيح، من الناس من له ميل إلى العلوم الشرعية، وعنده قدرة على الفهم، فيقال: مثل هذا يصلح له، والبقية إن حضروا مجالس العلم فلا شك أن هذا شرف لهم، وهو من خير ما يشتغلون به وأجر، وينتفعون غاية الانتفاع، لكن هل يطالب كل أحد أن يفهم من دقائق العلم، ما يطالب به العلماء مثلاً؟

الجواب: لا، لا عليك أن تفهم كثيراً من التفاصيل، لست مطالباً بهذا، لو جاء إنسان وقال: أنا لا أعرف الفرائض ولا حرفاً واحداً منها، ولا أعرف أبواب القضاء، ولا أبواب الشُفعة، ولا أبواب كثيرة مما يتعلق بالفقه، غير أني أُحسن وأُصلي وأتوضأ وأصوم، وأتعبد بما أنا بصدده، نقول: هذا هو المطلوب، الحمد لله، هذا هو المطلوب، والباقي لا يجب عليك، تعلم ما افترضه الله -عز وجل- عليك، طبعاً لا أحد يفهم أن هذا تثبيط عن العلم، لكن نحن نقول: لا يوجبون على الناس أن يفهموا ويعملوا ما تعجز عنه عقولهم.

وهكذا في المسائل التي تتعلق بالأحكام سواء الأحكام الفقهية أو الأحكام على أعمال الناس، والأحكام على فلان جيد أو رديء، فلان مسلم ولا كافر، ولا كذا، لماذا تمتحن الناس بهذه القضايا؟

لا يمتحنون بهذا، ولا يطالبون به، فهذا من دقائق العلم، والكلام في مسائل دقيقة، مثل: مسائل العذر بالجهل لا تدركها كثير من عقول العامة، بل ولا كثير من طلاب العلم، إنما تكون هذه لأهل الرسوخ في العلم، فإذا طالبنا هؤلاء الناس جميعا أو طالبنا هؤلاء الناشئين في العلم بأن يعرفوا هذه الدقائق، وأن يرتبوا عليها الأحكام، فإننا نطالبهم بما لا يطيقون، ولهذا فإن أهل السنة والجماعة يقولون: قد يخطئ الإنسان في قضايا تتعلق بالاعتقاد، أو يخطئ في قضايا تتعلق بالعمل، وهو جاهل جهلاً يعذر به مثله، ولا يكون ملوماً، لا في العقائد ولا في الأعمال، وشيخ الإسلام يقرر هذا في مواضع كثيرة جداً من كتبه.

خلاصة الكلام الذي يقوله أهل السنة في هذا يقولون: كل من اجتهد في معرفة الحق وطاعة الله -عز وجل- وطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأخطأ مع حسن القصد ومن غير تقصير منه، فإن الله يغفر له خطأه، ولا يعاب بهذا الخطأ، ولا تسقط مرتبته، ولا يشنع عليه، ولا ينتقص([36]) هذه خلاصة الكلام الذي لو سردناه وجلسنا نقرأه فنحتاج إلى دورات فقط لهذه الجزئية، لكن هذا خلاصتها: لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا البقرة:286، الله لم يحملنا ما لا نطيق: (إن الله تجاوز لأمتي الخطأ والنسيان)([37])، ولهذا يقول الإمام الأصبهاني -رحمه الله عليه- في كتاب: "الحجة": "إنما يطالب الله كل إنسان بقدر ما أعطاه من العقل"([38])، ثم يذكر أن الخلق يتفاوتون في هذا العقل، يذكرونه في كتب العقائد هذا كتاب في العقيدة، عقيدة أهل السنة.

الرابع: أنهم متفقون على أصول الاعتقاد، السلف -رضي الله عنهم- من الصحابة فما بعدهم اختلفوا في بعض الجزئيات، لكنه اختلاف لا يؤثر، هل رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه أو لم ير ربه في ليلة المعراج؟

مثل هذه الجزئيات الخلاف فيها لا يؤثر، ولا يرمى الإنسان بسبب ذلك ببدعة، وهذا الاختلاف لا يؤثر اختلافاً مذموماً يحصل به التقاطع والتدابر والتناحر إطلاقاً.

كما أنهم اختلفوا في مسائل الفقه وكلهم يطلب الحق، ولا يعاب أحد منهم بسبب ذلك، إنما الاختلاف المذموم هو اختلاف في الأصول، أن يؤصل أصولاً منحرفة يحمل عليها نصوص الكتاب والسنة، أن يخالف اتباعاً للهوى، أو تقليدا للشيوخ أو الآباء والأجداد، ويعرض عما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، تورد عليه الأدلة، ويعرض عنها بقبله، ولا يلتفت إليها، ولا يرفع بذلك رأساً، فالسلف -رضي الله عنهم- قد اتفقوا على أصول الاعتقاد، ومن أجمل ما وصف به الاتفاق ما نقله الإمام الأصبهاني -رحمه الله- عن أبي المظفر السمعاني الإمام الكبير الذي أشرت إلى طرف من خبره يقول: " ومما يدل على أن أهل الحديث -يعني أهل السنة- هم أهل الحق، أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطراً من الأقطار وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد، يجرون على طريقة لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى فيهم اختلافا ولا تفرقاً في شيء ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم، ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء عن قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟"([39]).

وصدق -رحمه الله- لأنهم يستقون من مشكاة واحدة، فاتفقت مواقفهم.

المقصود أن هذه السِمة قضية الاتفاق هي سمة طبيعية ناتجة عن السمة السابقة سبب الاجتماع والألفة هو جمع الدين، أخذ الدين بشموله، ما تأخذ بعض الأبواب وتحارب بعض الأبواب، وتنابذ من يقوم بها، ويشتغل بها لأي سبب من الأسباب، هذا كله دين الله -عز وجل-، فالألفة والاجتماع يحصل بجمع الدين، والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له باطنا وظاهراً، كما يقول الشيخ تقي الدين ابن تيميه -رحمه الله-([40]).

أما سبب التفرق فهو ترك حظٍ مما أمر الله -عز وجل- به عباده والبغي بينهم في ذلك، يأخذ ببعض الدين ثم ينافر عباد الله -عز وجل- فيما أخذوا من دين الله -تبارك وتعالى-، فهؤلاء يأخذون بطائفة من الدين، وهؤلاء يأخذون بطائفة، وهؤلاء يأخذون بطائفة من الدين ويتركون الباقي، ثم بعد ذلك يقع الشر والتشرذم والتفرق الذي نهى الله -عز وجل- عنه، نتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعادة الدارين، وبياض الوجوه، ونتيجة التفرق العذاب واللعنة وسواد الوجوه، ومتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-([41]).

فأهل السنة إذا أخذوا بكل الدين، ونهلوا من مشكاة النبوة، فصارت عقائدهم ومواقفهم واحدة، بخلاف أهل الأهواء والبدع فقد وصفهم أبو المظفر -رحمه الله- في المقابل يقول: "إذا نظرت إليهم رأيتهم متفرقين، مختلفين شيعاً وأحزاباً، لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقة واحدة في الاعتقاد، يبدّع بعضهم بعضاً، بل يرتقون إلى التكفير، يكفّر الابن أباه، والرجل أخاه، والجار جاره، تراهم أبداً في تنازع وتباغض واختلاف، تنقضي أعمارهم، ولما تتفق كلماتهم: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ الحشر:14، أو ما سمعت أن المعتزلة مع اجتماعهم في هذا اللقب يكفر البغداديون منهم البصريين، والبصريون منهم البغداديين، ويكفر أصحاب أبي علي الجبائي ابنه أبا هاشم، وأصحاب أبي هاشم يكفرون أباه أبي علي، وكذلك سائر رؤوسهم وأرباب المقالات منهم، إذا تدبرت أقوالهم رأيتهم متفرقين يكفر بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض، وكذلك الخوارج والروافض فيما بينهم، وسائر المبتدعة، بمثابتهم، وهل على الباطل دليل أظهر من هذا، والله -عز وجل- يقول: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ الأنعام: 159"([42]).

ثم ذكر أن السبب في اتفاق أهل الحديث السنة: أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة، وطريق النقل، فأورثهم الاتفاق والائتلاف، بخلاف أهل البدع الذين أخذوه من المعقولات والآراء، فأورثهم الافتراق والاختلاف.

ثم يذكر أن النقل والرواية من الثقات المتقنين قلّما يختلف، وإن الاختلاف في لفظة أو كلمة فهذا لا يضر في الدين، ولا يقدح فيه، أما دلائل العقل فقلما تتفق، بل عقل كل واحد يرى صاحبه غير ما الآخر([43]).

الخامس: تجنب الجدل والخصومات في الدين؛ لأنها هي تسبب التفرق والتشرذم، ولهذا أنكر السلف كما يقول الحافظ ابن رجب -رحمه الله-([44]) الجدال والخصام والمراء في مسائل الحرام والحلال، أيضاً إذا كان ذلك على سبيل المغالبة بخلاف المجادلة التي يقصد بها التوصل للحق، والمناظرة النافعة التي يتضح بها الصواب من الخطأ، الجدال إذا كان في أصول الدين والعقائد والأمور الغيبية، فإن هذا شديد الخطر، عظيم الأثر، به تنازعت الأمة، وتفرقت وصارت شيعاً، يضلل بعضها بعضا، وإذا وجد مثل هذا النزاع والخصام والجدال في قضايا الفروع، كما يقال، إن كان لا يراد به وجه الله -عز وجل- فإنه يورث الوحشة والاشتغال بالقيل والقال، والمجادلة والمخاصمة، وترك العمل الذي أمرنا به.

المقصود: أن السلف -رضي الله عنهم- تجنبوا هذه الخصومات والجدال، وذموها غاية الذم، فنتج عن ذلك أنهم سلموا من علم الكلام ولوثاته، وأدناس القضايا الفلسفية، وإنما يعنون بالعلم النافع، والعمل الصالح.

والسلف -رضي الله عنهم- كانوا ينهون أشد النهي عن الجدال الذي يكون في أمور لا يجوز للإنسان أن يخوض فيها، والتنقير عن دقائق المسائل، وغوامض العلم، ومن أراد أن يطالع هذا فلينظر في "الشريعة" للآجري، و"ذم الكلام" للهروي، وكذلك "ذم الكلام" لابن قدامة المقدسي، و"رد الدارمي" على المريسي، و"شرح السنة" للبغوي، وكتاب: "السنة" لابن أبي عاصم، و"الإبانة الكبرى والصغرى" لابن بطة، إلى غير هذا من الكتب التي قد أورد أصحابها فيها كثيراً من المرويات من السلف -رضي الله عنهم- في النهي عن الجدل والخصومة، إلا إذا كان ذلك في حدود من حددوها مما يقصد به بيان الحق، لمن طلبه وأراده وقصده بأقرب طريق كان.

سادساً: هم أهل التوسط والاعتدال، هم أهل الوسطية، ومسألة الوسطية مسألةٌ نسبية، وكل الطوائف تدّعي أنها هي الوسط، والله -عز وجل- قد وصف هذه الأمة قال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ البقرة:143، فهي أمة وسط بين سائر الأمم، انظر مثلاً إلى الأمم في "باب الطهارة" اليهود إذا أصابت النجاسة الثوب قطعوه، ولا يجالسون الحائض، ولا يواكلونها، وفي المقابل النصارى لا يتنزهون عن الأقذار والأدناس والنجاسات بجميع أنواعها وصورها وأشكالها، وأما الحائض فإنهم يواقعونها، وأنزّه هذا المجلس عن أن أذكر أكثر من هذا مما يفعله إلا الكلاب.

فأقول: المسلمون وسط، النجاسات يتنزه عنها، وتطهر الأبدان منها، والثياب والبقاع، والحائض لا توطئ، ولكنهم يجالسونها ويواكلونها، فهم وسط، وقس على هذا.

فالحاصل: أن أهل السنة بين الطوائف كالمسلمين بين أهل الأديان، هم وسطٌ بين الطوائف والفرق والمذاهب، وسط بين الإفراط والتفريط، وهذه القضية يكثر فيها المزايدة هذه الأيام، الذي يدعو الناس إلى تمييع الدين، وتضييع حقائق الشرع، يدعى أن هذا هو الوسط.

الآن المرأة في البلاد التي يحصل فيها التهتك والعُري، ونبذ الحجاب، إذا تحجبت يقال عنها: متشددة، أليس كذلك؟ الإنسان الذي يعيش في بيئة متفلتة إذا أبى أن يحضر حفلاً في زواج أو في غيره فيه موسيقى وآلات الطرب، وما أشبه ذلك، غير الدف للنساء، ماذا يقال عنه؟

هذا متشدد، يعني لابد أن يكون فاسقاً، حتى يكون وسطاً عند هؤلاء، يسمع ما حرم الله ويفعل ما حرم الله، حتى يكون على حال من التوسط، أين الوسط؟

الوسط ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، هذا هو الوسط.

والغلو هو أن يحرم الإنسان الحلال، كأن يقول: الماء البارد حرام، الجلوس في المكان الهواء البارد حرام، النوم حرام، اللباس حرام، الأكل حرام، هذا هو غلو، وهؤلاء الوسط ذكر الله -عز وجل- طوائف الأمة: بين سابق بالخيرات، وهو يتورع عن الأمور المشتبهة، ويفعل الواجبة، ويفعل المستحبات، ويترك المحرمات، هذا السابق بالخيرات، وبين مقتصد، يلزم حدود الله -عز وجل- ويترك الحرام، ويفعل الواجب، هؤلاء هم الوسط، وهم على مرتبتين: سابق بالخيرات، ومقتصد، هذا هو الوسط، يأتي من يحرم ما أحل الله -عز وجل- هذا أهل الغلو، ولا أظن الحمد لله في مجتمعنا أحد يحرم ما أحل الله، نحن نعاني من التبذل، ومن التفلت عن أحكام الله -عز وجل-، وألوان الفسق، أليس كذلك؟ فهذا الطرف الآخر الذي هو التفريط، والوسط هو ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذا هو المقياس.

الحاصل: أن السلف -رضي الله عنهم- أهل السنة والجماعة كانوا وسطاً في كل الأمور، ولهذا يقول الإمام الشعبي -رحمه الله-: "حب أهل البيت ولا تكن رافضياً" ولا تبالغ "واعمل بالقرآن "ولا تكن حرورياً" السنة شارحة القرآن "واعلم أنما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، ولا تكن قدرياً، وأطع الإمام وإن كان عبداً حبشياً، ولا تكن خارجياً، وقف عند الشبهات ولا تكن مرجئاً" -يعني المرجئ ماذا يقول؟ يقول: لا يضر مع الإيمان ذنب-، "وحب صالح بني هاشم ولا تكن خشبياً"([45]) الخشبية طائفة أتباع من الشيعة، أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي، كان قائد لعبد الله بن الزبير، ثم بعد ذلك أدعى أنه يوحى إليه، ثم بعد ذلك صار ناصبياً يكره أهل البيت، ثم بعد لما واجه من الشيعة ما واجه تحول إلى التشيع، وكان يخبرهم عن أمور مستقبلة أوحاها الله إليه، فإذا لم تقع قال: بدا لله أمراً آخر، -نسأل الله العافية-، فهو ممن يقول بالبداء "عقيدة البداء" الفاسدة المعروفة، فكان أصحابه يعتمدون على العكاكيز من الأخشاب في حروبهم ومعاركهم، ويقول: "وأحب من رأيته يعمل الخير وإن أخرما سندياً" يعمل بطاعة الله -عز وجل- بحب بغض النظر من أي لون، ومن أي بلد، ومن بلد، ومن أي لغة، ومن أي قبيلة.

وأهل السنة وسط النحل كما ذكرنا أمثلة على وسطيتهم بين الفرق في الصفات مثلاً، وسط بين المجسمة الذين يبالغون في الإثبات وبين المعطلة، أو وسط بين الممثلة يمثلون صفات الله -عز وجل- بصفات المخلوقين، وبين المعطلة الذين ينفون الصفات، وفي القدر وسط بين الجبرية الذي يقولون الإنسان مجبر على فعله، وبين الطائفة الأخرى من القدرية وهم الذين يقولون: لا قدر، الإنسان يخلق فعله.

وفي "باب الوعد والوعيد" وسط بين المرجئة والوعيدية، المرجئة يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، والوعيدية من الخوارج والمعتزلة يقولون: فاعل الكبيرة مخلد في النار، هذا طرف وهذا طرف.

وفي باب الأسماء والإيمان والدين يعني: مسلم فاسق كافر، هذا باب الأسماء، هم وسط بين الخوارج والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، الآن المعتزلة يقولون عن العاصي صاحب الكبيرة :بأنة في منزلة بين المنزلتين، ليس بمؤمن ولا كافر، والخوارج يقولون: إنه كافر، والمرجئة يقولون: كامل الإيمان كإيمان جبريل وميكائيل، لا يضر مع الإيمان ذنب مهما عمل من المعاصي، وأهل السنة يقولون: ينقص إيمانه بحسب ما عنده من الانحراف والمعصية والمخالفة، لا يخرجونه من الدين، ولا يحكمون عليه بالخلود في النار.

وهكذا في الصحابة -رضي الله عنهم- لا يغلون في أحد منهم كما تفعل الرافضة في علي -رضي الله عنه-، ولا يجفون كما يفعل الرافضة في أكثر الصحابة، أو الخوارج مع أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يكفرونهم.

سابعاً: هم الامتداد التاريخي لأهل ملة الإسلام، الآن الخط الذي ذكرناه من بعث الأنبياء، من آدم -صلى الله عليه وسلم- في الجنة، ثم نزل إلى الله الأرض، وبقوا على التوحيد عشرة قرون، ثم وقع الشرك في قوم نوح، ثم جاء نوح -عليه الصلاة والسلام- على الخط، ثم جاء هود -صلى الله عليه وسلم- وصالح وشعيب، ثم جاء إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- ولوط، وجاء أنبياء بنو إسرائيل، ومن أعظمهم موسى -صلى الله عليه وسلم-، ثم عيسى، ثم محمد -صلى الله عليه وسلم-، هذا كله خط واحد مستقيم: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا الأنعام:153.

(خط النبي -صلى الله عليه وسلم- خطاً مستقيماً، ثم خط خطوطاً صغاراً، ثم قال: هذا صراط الله، وهذه السبل)، ثم قرأ الآية([46])، فهذا الخط المستقيم هو الذي سار عليه الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- حتى النبي -عليه الصلاة والسلام-، ثم الصحابة -رضي الله عنهم-، ثم انشعبت الفرق يمنة ويسرة، ظهرت الشيعة والخوارج والمرجئة والجهمية والقدرية، وهكذا تنشعب هذه الفرق عن الصراط المستقيم، وبقي التابعون وأئمة الإسلام من أتباع التابعين، وأتباع أتباع التابعين، إلى يومنا هذا، على هذا الصراط المستقيم، على هذا الخط، وفي أيام الاستعمار الذي يسمونه: "بالاستعمار" احتلال بلاد الإسلام في القرن الماضي، كتب أحد الغربيين كتابة يحلل فيها وضع الأمة، ويقول: "بأن هناك خط ممتد في أعماق التاريخ، منتظم، وهناك تشعبات، يقول: هذا الخط هو الذي عليه السواد الأعظم من المسلمين العرب والعجم، وهذه الشعب هي فرق متنافرة قليلة لا تمثل مناطق الثقل، يقول: والذي يمثل الخطر الحقيقي على الغرب هو هذا الخط الممتد المتجذر في أعماق الزمن".

هذا أحد الغربيين يحلل وضع الأمة، ويتكلم عن مواطن القوة فيها، ومواطن الضعف، وإلى يومنا هذا، إذا نظرت إلى العراق من هو العدو اللدود للمحتل، المثلث السني، هؤلاء هم أهل السنة والجماعة في كل عصر من العصور، شوكة في حلوق أعداء الله -عز وجل-، وأعداء رسوله -صلى الله عليه وسلم-، بهم يحصل البلاغ، والعلم، والعمل، والدعوة، والنصح للأمة، وكل خير، وبر ومعروف، ولولا أن الله -عز وجل- قيضهم لذهب الدين واضمحل، ولم يبق من رسومه شيء، ولكن الله تعهد بحفظ هذا الكتاب، وهذا الدين، ووضع لذلك أسبابا:

والله لولا الله حافظ دينه *** لتهدمت منه قوى البنيان([47]).

ثامنا: هم أعلم الناس بأحوال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأقواله، وأفعاله، وأعظم الخلق محبة للسنة وأهلها، يعظمون هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويحبون سنته، ويوالون أهلها، وهذه من أعظم المزايا التي تميزهم عن غيرها، بخلاف المعرضين عن السنة المستهزئين المستهترين بها، فأهل السنة يفنون أعمارهم في روايتها ونقلها وتعليمها للناس

 

هم أعلم الناس بأحوال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأقواله، وأفعاله، وأعظم الخلق محبة للسنة وأهلها، يعظمون هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويحبون سنته، ويوالون أهلها، وهذه من أعظم المزايا التي تميزهم عن غيرها، بخلاف المعرضين عن السنة المستهزئين المستهترين بها، فأهل السنة يفنون أعمارهم في روايتها ونقلها وتعليمها للناس

 

، وقد قال الإمام البخاري -رحمه الله-: "كنا ثلاثة أو أربعة على باب علي بن عبد الله، فقال: "إني أجو أن تأويل هذا الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم)([48])إني لا أرجو أن تأويل هذا الحديث أنتم، هذا يقوله شيخ البخاري للإمام البخاري، يقول: لأن التجار قد شغلوا أنفسهم بالتجارات، وأهل الصنعة قد شغلوا أنفسهم بالصناعات، والملوك قد شغلوا أنفسهم بالمملكة، وأنتم تحبون سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-([49])، ولهذا يقول قتيبة بن سعيد -رحمه الله-: "إذا رأيت الرجل يحب أهل الحديث مثل: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وذكر قوما آخرين، فإنه على السنة، ومن خالف هذا فاعلم أنه مبتدع"([50]).

ويقول الإمام الصابوني في ذكر علامات أهل السنة: أن من علاماتهم: حبهم لأئمة السنة، وعلمائها وأنصارها وأوليائها، وبغضهم لأئمة البدع الذين يدعون إلى النار، ويدلون أصحابهم على دار البوار، وقد زين الله -سبحانه- قلوب أهل السنة ونورها بحب علماء السنة، فضلاً منه -جل جلاله-([51]).

تاسعاً: هم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، كما يقول اللالكائي في مقدمةٍ رائعةٍ له لكتابه: "في أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة": "فيهم العلم والحكُم والعقل والحِلم، والخلافة والسيادة، والملك والسياسة، وهم أصحاب الجمعات والمشاهد والجماعات والمساجد، والمناسك والأعياد، والحج والجهاد، وباذل المعروف للصادر والوارد، وهم عمار الثغور والقناطر الذين جاهدوا في الله حق جهاده، واتبعوا رسوله على مناهجه، الذين أذكارهم في الزهد مشهورة، وأنفاسهم على الأوقات محفوظة، وآثارهم على الزمان متبوعة، ومواعظهم للخلق زاجرة، وإلى طرق الآخرة داعية، فحياتهم للخلق منبهة، ومسيرهم إلى مصيرهم لمن بعدهم عبرة، ورسومهم على الدهر غير دارسة، وعلى تطاول الأيام غير ناسية، يعرف الله إلى القلوب محبتهم، ويبعثهم على حفظ مودتهم"، إلى آخر ما ذكر([52]).

عاشراً: هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة التي أشار إليها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق)([53]).

وجاء في بعض الروايات: (حتى يقاتل آخرهم الدجال)([54]).

فالهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله -صلى الله عليه وسلم- معهم، وهو الذي وعد الله -عز وجل- بظهوره على الدين كله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ التوبة: 33.

وقد علق عليٌ بن المديني -رحمه الله- إمام المعرفة بالرجال والجرح والتعديل، وهو من أصحاب الإمام أحمد الكبار، يقول: بأن المراد بهؤلاء هم أهل الحديث، والذين يتعاهدون مذاهب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويذبون عن العلم، لولاهم لم تجد عند المعتزلة والرافضة والجهمية وأهل الإرجاء والرأي شيء من السنن([55]).

الحادي عشر: أن الحق لا يخرج عنهم أبداً؛ لأن جماعة أئمتهم وعلمائهم تقوم مقام النبوة في حفظ هذا الدين، كل في المجال الذي يسره الله -عز وجل- له، هذا في العلم والمقال، وهذا في العبادة، وهذا في الأمرين جميعاً، وهكذا، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: أن غيرهم من الطوائف لا ينفردون بحق، بل كل من كان معه شيء من الحق ففي أهل السنة من يقول به([56]).

الثاني عشر: أنهم يحملون أمانة العلم وحراسة الدين، هم يسيرون بذلك بميزان دقيق على هدى من شرع الله -عز وجل-، متحررين من سلطة الهوى، وإلف العادة، وسيطرة المذهب، أو الطريقة أو الطائفة، وقد وصفهم الخطيب البغدادي -رحمه الله- في كتاب: "شرف أصحاب الحديث": بأن الله -عز وجل- جعلهم "حراس الدين، وصرف عنهم كيد المعاندين، لتمسكهم بالشرع المتين، واقتفاءهم آثار الصحابة والتابعين، فشأنهم حفظ الآثار، وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار، في اقتباس ما شرع الرسول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، لا يعرجون عنه إلى رأي ولا هوى، قبلوا شريعته قولاً وفعلاً، وحرسوا سنته حفظاً ونقلا، حتى ثبتوا بذلك أصلها، وكانوا أحق بها وأهلها، وكم من ملحدٍ يروم أن يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله -تعالى- يذب بأصحاب الحديث عنها لهم الحفاظ لأركانها، والقوامون بأمرها وشأنها، إذا صدف عن الدفاع عنها فهم دونها يناضلون: أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" المجادلة: 22([57]).

فهؤلاء كما يقول الإمام اللالكائي -رحمه الله- في مقدمته التي أشرت إليها هم: "الذين تعهدت بنقلهم الشريعة، وانحفظت بهم أصول السنة، فوجبت لهم بذلك المنة على جميع الأمة، والدعوة لهم من الله بالمعونة، فهم حملة علمه، ونقلة دينه، وسفرته بينه وبين أمته، وأمناؤه في تبليغ الوحي عنه، فحري أن يكونوا أولى الناس به في حياته ووفاته -صلى الله عليه وسلم-، وكل طائفةٍ من الأمم مرجعها إليهم في صحة الحديث وسقيمه، ومعولها عليهم فيما يختلف فيه من أموره([58]).

وهم بذلك أيضاً وعن طريقهم حصلت مزية كبرى لهذه الأمة لا توجد عند سائر الأمم كما أشرنا سابقاً وهي: خاصية الإسناد والرواية التي حفظت بها معاني القرآن من أن يدخل فيها بالتحريف والتبديل، وحفظت بها السنة من أن يدخل فيها بالزيادة أو النقص، فنشأ علم الجرح والتعديل، ومعرفة الرواة، ونقد الرجال، ليس فقط فيما بصحة عقيدة الرجال والرواة، وفسادها وصدقهم أو كذبهم، أو طاعتهم أو معصيتهم، بل فيما يتعلق أيضاً بقوة ضبطهم وحفظهم، أو خفة الضبط والنسيان التي يتفاوتون فيها، وإن كانوا من أهل الصلاح والتقوى، والعمل الصالح، فصاروا بهذا هم الأمناء على تبليغ وحي الله -تعالى- وحفظه.

ويقول شيخ الإسلام: بأن الله -عز وجل- أقام الجهابذة النقاد أهل الهدى والسداد، فدحروا حزب الشيطان، وفرقوا بين الحق والبهتان، وانتدبوا لحفظ السنة ومعاني القرآن من الزيادة في ذلك والنقصان، وقام النقل والنقاد بعلم الرواية والإسناد، فسافروا في ذلك إلى البلاد، وهجروا فيه لذيذ الرقاد، وفارقوا الأموال والأولاد، وأنفقوا فيه الطارف والتلاد، وصبروا فيه على النوائب، وقنعوا من الدنيا بزاد الراكب، ولهم في ذلك من الحكايات المشهورة، والقصص المأثورة، ما هو عن أهله معلوم، ولمن طلب معرفته معروف مرسوم، بتوسد أحدهم التراب، وتركهم لذيذ الطعام والشراب، وترك معاشرة الأهل والأصحاب، والتصبر على مرارة الاغتراب، ومقاساة الأهوال الصعاب، أمر حببه الله إليهم وحلاه، ليحفظ بذلك دين الله، كما جعل البيت مثابة للناس وأمناً، يقصدونه من كل فج عميق، ويتحملون فيه أمور مؤلمة تحصل في الطريق، وكما حبب إلى أهل القتال الجهاد بالنفس والمال حكمةً منه يحفظ بها الدين؛ ليهدي المهتدين، ويظهر به الهدى ودين الحق الذي بعث به رسوله ولو كره المشركون"([59])، إلى أن قال: "وأهل العلم المأثور عن النبي -صلى الله عليه وسلم- هم أعظم الناس قياماً بهذا الأصول، لا تأخذ أحدهم في الله لومة لائم، ولا يصدهم عن سبيل الله العظائم، بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه، ويتكلم في أحب الناس إليه، ولهم من التعديل والتجريح، والتضعيف والتصحيح، من السعي المشكور، والعمل المبرور، ما كان من أسباب حفظ الدين وصيانته عن أحداث المفترين، وهم في ذلك على درجات، منهم المقتصر على مجرد النقل والرواية، ومنهم من أهل المعرفة بالحديث والدراية، ومنهم أهل الدراية فيه والمعرفة بمعانيه"([60])، يعني الفقهاء، "ولم يزل أهل العلم في القديم والحديث يعظمون نقلة الحديث، حتى قال الشافعي -رضي الله عنه-: "إذا رأيت رجلاً من أهل الحديث فكأني رأيت رجلاً من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-"([61]).

 فهؤلاء الذين يقول عنهم الإمام الشافعي -رحمه الله-: "لولا هؤلاء لكنا من بائعي الفول" يقول عنهم جماعة كبيرة من المنتسبين للإمام الشافعي -رحمه الله- في الفقه، ولكنهم ليسوا على اعتقاده، وأعني بذلك طوائف من الأشعرية، يقولون: بأن هؤلاء من الحشوية، والمقصود أن هؤلاء أعني أهل السنة والحديث هم أعلم الناس بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وأبصرهم بهديه، وأعماله، وأقواله -عليه الصلاة والسلام-، وهم أعظم الأمة معرفة بحال الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين لهم بإحسان، يقول شيخ الإسلام تيمية -رحمه الله-: "بأن من آتاه الله علماً وإيمانا، علم أنه لا يكون عند المتأخرين من التحقيق إلا ما هو دون تحقيق السلف، لا في العلم ولا في العمل، ومن كان له خبره بالنظريات والعقليات والعمليات علم أن مذهب الصحابة دائماً أرجح من قول من بعدهم، وأنه لا يبتدع أحد قولاً في الإسلام إلا كان خطأً، وكان الصواب قد سبق إليه من قبله"([62]).

فهؤلاء هم أعلام السنة، نقلوا السنة وفهموها، وبلغوا في ذلك منزلة عظيمة لم يبلغها أحد سواهم من أهل الملل أو الطوائف.

الثالث عشر: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عملاً بقول الله -تبارك وتعالى-: وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا الحشر:10وطاعة للنبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (لا تسبوا أصحابي)([63])، ولهذا كان بعض الصحابة -رضي الله عنهم- فمن بعدهم إذا سمعوا أحداً يقع في أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وجهوا له هذا السؤال: "هل أنت ممن ذكر الله -عز وجل- "للفقراء المهاجرين"؟ فيقول: لا، هل أنت من الذين تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ الحشر: 9؟ فيقول: لا، فيقولون له: ونحن نشهد أنك لست ممن جاء من بعدهم يقول: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا الحشر:10، فالطوائف ثلاث: المهاجرون والأنصار: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ التوبة:100، ثم الذين جاؤوا من بعدهم يترضون عنهم، ويترحمون عليهم، ويحبونهم، وهذا الترحم والترضي والدعاء يدل على أنهم سالكون طريقهم، ومقتفون آثارهم، وأما الذين يلعنونهم ويسبونهم، فهؤلاء قطعاً ليسوا على طريقتهم، ولهذا كان الأئمة كالإسماعيلي -رحمه الله- أعني أبا بكر في اعتقاد الذي ذلك فيه اعتقاد أئمة السنة والحديث، يذكرون هذه المسألة: "الكف عن الوقيعة في الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-"([64])، ولا يدخلون فيما شجر بينهم، وصار الثناء على الصحابة شعاراً لأهل السنة -رضي الله عنهم- عرفوا به بين سائر الطوائف، يبينون منزلتهم، ويقولون: بأن من تنقص أحداً منهم ففيه شعبة من الرفض، يقول الإمام أحمد -رحمه الله-: "أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"([65]).

ويقول شيخ الإسلام: "بأن كل من له لسان صدق من مشهور بعلم أو دين معترف بأن خير هذه الأمة هم الصحابة -رضي الله عنهم-، وأن المتبع لهم أفضل من غير المتبع لهم، ويقول: "ولا تجد إماماً في العلم والدين كمالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق، ومثل: الفضيل وأبي سليمان، ومعروف، وأمثالهم، إلا وهم مصرحون بأن أفضل علمهم ما كانوا فيه مقتدين بعلم الصحابة -رضي الله عنهم-، وأفضل عملهم ما كانوا فيه مقتدين بعمل الصحابة -رضي الله عنهم-، وهم يرون أن الصحابة فوقهم في جميع أبواب الفضائل والمناقب، والذين اتبعوهم من أهل الآثار النبوية، وهم أهل الحديث والسنة العالمون بطريقتهم، المتبعون لها، وهم أهل العلم بالكتاب والسنة في كل عصر ومصر"([66])، إلى آخر ما ذكر.

والمقصود: أن الصحابة -رضي الله عنهم - هم أبر الأمة قلوباً، وأعظمهم علماً، وأقلهم تكلفاً، وهم أعلم الناس برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحالاته كلها، ولهذا نرجع إلى فقههم للقرآن؛ لأن هؤلاء -رضي الله عنهم- قد اكتمل فهمهم، وشاهدوا التنزيل، وهم أقرب الناس إلى رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، وقد جاء في الحديث: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم) إلى آخره([67]).

وهم أكمل الأمة إيماناً -رضي الله عنهم وأرضاهم-.

والذين يتنقصون الصحابة كما ذكر الشيخ الإسلام ابن تيمه -رحمه الله: ثلاث طوائف: المتكلمون، وذلك لما عندهم مما غرهم من المقدمات العقلية والأصول الفلسفية، يقولون: إن الصحابة -رضي الله عنهم- ما تفرغوا لهذه الأشياء، واشتغلوا بالجهاد، وتبليغ الدين، فهم لا يعرفون من حقائق معاني نصوص الكتاب والسنة ما عرفناه.

والطائفة الثانية: أهل السياسات في سياساتهم المخالفة لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، يرون أنهم أحذق، وأكمل وأبعد نظراً من الصحابة -رضي الله عنهم-.

والطائفة الثالثة: هم أهل التصوف في أحوالهم ومقاماتهم، يقول بعض الصوفية: بأنه قد بلغ بهم مرتبة ًومنزلةً لم يصلها أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل قال بعضهم: لم يصل إليها الأنبياء.

الرابع عشر: أن أهل ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في قرون وأجيال، وهذه الخاصية موجودة في المسلمين بين سائر أهل الأديان، ولهذا لما تمسك المسلمون بالدين الحق الذي جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- أينعت على أيديهم الحضارة ، وفتحوا القلوب قبل البلاد، ووصلت مملكتهم إلى المحيط من وراء المغرب غرباً إلى حدود إلى الصين في سنين قليلة، وأقاموا حضارة بهرت الدنيا، وما دخلوا باباً إلا أبدعوا فيه في الطب والحساب، والكيمياء والزراعة، وعلوم الشريعة، والتاريخ، وما إلى ذلك من العلوم الكثيرة، كما هو معروف، وما قامت الغرب إلا على أنقاض حضارتهم في الاعتقاد الحق الثابت كما يقول شيخ الإسلام ابن تيميه -رحمه الله- يقوي الإدراك ويصححه، والله -عز وجل- يقول: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ محمد: 17.

ويقول: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا النساء: 66وهذه ليست دعوى، وإنما يعرف ذلك كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- من موارد النزاع بينهم وبين غيرهم، يقول: "فلا تجد مسألة خولفوا فيها إلاّ وقد تبين أن الحق معهم"([68])، وتارة يعرف ذلك باعتراف المخالفين ممن رجع عن انحرافاته وعقيدته الباطلة، ولولا خشية الإطالة لذكرت طرفاً من أخبار أئمة الكلام حينما رجعوا وماذا قالوا، وقد درسوا الفلسفة والمنطق، وتعمقوا في ذلك غاية التعمق، ثم رجعوا، وذكروا أن الطريق هو الذي عليه السلف الصالح -رضي الله تعالى عنهم-، وشهدوا على تلك الطرق والمسالك بالانحراف والضلال.

وتارةً يعرف ذلك بشهادة أهل الإيمان الذين هم شهداء الله في أرضه، فأهل السنة أكمل الناس علماً، وأدقهم نظراً، وأبرهم قلوباً، وأقلهم تكلفاً([69])، فيجب الرجوع إليهم، والالتزام بمسلكهم.

وقد ذكر الشيخ ابن تيمية -رحمه الله- كلاماً كثيراً يصف فيه هذا المعنى، وما لهم من المعرفة بالمنقول وصريح المعقول، و"أن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول، ولهذا فإنها تأتلف ولا تختلف، وتتوافق ولا تتناقض، والذين خالفوا لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول، فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، والله يقول: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ"([70]) البقرة: 176.


[1]- انظر: القائد إلى تصحيح العقائد، للمعلمي (ص: 43).

[2]-المصدر السابق.

[3]- المصدر السابق.

[4]- مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، فخر الدين الرازي (27/ 582)، وانظر: القائد إلى تصحيح العقائد (ص: 44).

[5]- انظر: القائد إلى تصحيح العقائد، للمعلمي (ص: 44).

[6]- متن القصيدة النونية، ص: (230).

[7]- مراقي السعود.

[8]- درء تعارض العقل والنقل (1/ 232)، و(7/ 244)، وإحياء علوم الدين (1/ 95).

[9]- إحياء علوم الدين (1/95)، ودرء تعارض العقل والنقل (7/ 157)، وانظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 781).

[10]- انظر: ذم الكلام وأهله (5/ 206)، برقم (1006)، والحجة في بيان المحجة (1/ 115-116).

[11]- الإبانة الكبرى لابن بطة (2/ 539)، ودرء تعارض العقل والنقل (5/ 5)، وإحياء علوم الدين (1/ 95)، وانظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 781).

[12]- انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/ 781).

[13]- الاعتصام (2/332) للشاطبي.

[14]- جامع بيان العلم وفضله (2/95).

[15]- المنخول، ص: (379-380).

[16]- انظر: أساس التقديس (ص:172-173).

[17]- انظر: تفسير الرازي (27/ 671).

[18]- انظر: مجموع الفتاوى (5/ 34).

[19]- انظر: فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وبيان موقف الإسلام منها (3/ 979).

[20]- انظر: الإنسان الكامل (ص: 6)

[21]- الفتوحات المكية، لابن عربي, الباب السادس والستون وثلاثمائة، نقلا عن: دراسات في التصوف، إحسان إلهي ظهير (ص: 145).

[22]- انظر: بستان العارفين للنووي (ص: 68).

[23]- أخرجه الحاكم في المستدرك، برقم (319)، والبيهقي في السنن الكبرى، برقم(20337)، والبزار في مسنده، برقم (8993)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم (2937).

[24]- الرسالة للشافعي (1/ 508).

[25]- جامع بيان العلم وفضله (2/ 848).

[26]- الاعتصام، ص: (304).

[27]- انظر: الموافقات (5/41- 42).

[28]-  انظر: الاعتصام، ص: (811).

[29]- بواسطة: الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية (ص: 276).

[30]- انظر: الحجة في بيان المحجة (2/238).

[31]- انظر: درء تعارض العقل والنقل (8/ 47).

[32]- انظر: شرح الطحاوية (ص: 208).

[33]- انظر: مجموع الفتاوى (2/237).

[34]- انظر: الطبقات الكبرى (7/ 104)، وسير أعلام النبلاء (4/ 195).

[35]-أخرجه الترمذي، كتاب الفتن، برقم (2254)، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ المائدة:105، برقم (4016)، وأحمد في المسند، برقم (23444)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم: (613)، وفي صحيح الجامع، برقم (7797).

[36]- انظر: مجموع الفتاوى (27/238).

[37]- أخرجه ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناس، برقم (2043)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم (1662)، وفي مشكاة المصابيح، برقم (6284).

[38]- الحجة، ص: (2/460).

[39]- انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (1/ 74)، ومختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: 599).

[40]- انظر: الاستقامة (2/ 241-242)، ومجموع الفتاوى (28/ 142).

[41]- انظر: مجموع الفتاوى (3/ 421)، و(13/ 227).

[42]- مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: 599-600).

[43]- المصدر السابق (ص: 600).

[44]- بيان فضل علم السلف على علم الخلف (ص: 4)، بترقيم الشاملة.

[45]- السنة، ص: (79).

[46]- أخرجه ابن ماجه، كتاب افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب اتباع سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، رقم: (11)، وأحمد في المسند، رقم: (4142)، وقال محققو المسند: "إسناده حسن"، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه، رقم: (11).

[47]- متن القصيدة النونية، ص: (25).

[48]- أخرجه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون) وهم أهل العلم، رقم: (7311)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم)، برقم (5059).

[49]-  شرف أصحاب الحديث، ص: (85).

[50]- اعتقاد أهل السنة، اللالكائي (1/67).

[51]- عقيدة السلف أصحاب الحديث، ص: (37).

[52]- اعتقاد أهل السنة، اللالكائي (1/25).

[53]- أخرجه البخاري،كتاب الاعتصام بالكتاب، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون) وهم أهل العلم، برقم (7311)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم)، برقم (5059).

[54]- أخرجه الحاكم في المستدرك، رقم: (8391)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".

[55]- انظر: الكامل في ضعفاء الرجال(1/121).

[56]- انظر: منهاج السنة(5/119).

[57]- انظر: شرف أصحاب الحديث، ص: (10).

[58]- انظر: اعتقاد أهل السنة، اللالكائي(1/23).

[59]- مجموع الفتاوى (1/7- 8).

[60]- المصدر السابق (1/10).

[61]- مسألة العلو والنزول في الحديث (ص: 45)، ومفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة (ص: 51)، وروي عنه أنه قال: "إذا رأيت رجلاً من أصحاب الحديث، فكأني رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- حياً"، أخرجه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي (ص: 46).

[62]- مجموع الفتاوى (7/ 436).

[63]- أخرجه البخاري،كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لو كنت متخذا خليلا)، برقم (3673)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة -رضي الله عنهم-، برقم (6651).

[64]- انظر: اعتقاد أئمة الحديث (ص: 79).

[65]- مجموع الفتاوى (4/102).

[66]- العقيدة الأصفهانية، لابن تيمية، ص: (165).

[67]- أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجبان، رقم: (188).

[68]- مجموع الفتاوى (4/10).

[69]- مجموع الفتاوى (9/23).

[70]- درء تعارض العقل والنقل (2/301).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about