الإخلاص 1
عدد الزوار : 13764
تاريخ الإضافة : 13 ربيع الآخر 1429
MP3 : 29756 kb
PDF : 314 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

الإخلاص 1

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فحديثنا عن موضوع الإخلاص، وهذا الحديث سيكون متضمناً لإحدى عشرة نقطة وهى:

أولاً: معنى الإخلاص وحقيقــته.  

ثانيـاً: الفرق بينه وبين النصح والصدق.

ثالثـاً: منزلة الإخلاص من الدين وأهميته.

رابعـاً: ذكر الإخلاص في الكتاب والسنة.

خامساً: مراتــب الإخــلاص.

سادساً: صعــوبة الإخــلاص.

سابعًا: ثمـراته وآثـاره السلـوكيـة.

ثامنـاً: الآثار العكسيـة للمقاصـد السيئـة.

تاسعاً: كيـف ننمى الإخـلاص في قلـوبنـا.

عاشراً: أمــور تنــافي الإخــلاص.

الحادي عشر: السلـف -رضـوان الله تعـالى عليهـم- والإخـلاص.

أولاً: ما يتعلق بمعنى الإخلاص وحقيقته:

الإخلاص مأخوذ من الخلاص، وتقول: خلص فهو خالص إذا صفا وزال عنه ما يشوبه، يقول ابن فارس -رحمه الله-: "الخاء واللام والصاد أصل واحد مطرد، وهو تنقية الشيء وتهذيبه"([1]).

فإذا قلت: أخلصَ الدينَ لله أي: قصد وجهه وترك الرياء، بمعنى أمحض الدين لله ونقاه، والمُخلِص هو الذي وحد الله خالصاً، والمُخلَص هو الذي اختصه الله أي: جعله مختاراً خالصاً من الدنس.

وكلمة الإخلاص هي كلمة التوحيد، والإخلاص في العبادة والطاعة، وترك الرياء، هذا معنى هذه اللفظة في كلام العرب، تدور حول تنقية الشيء مما يشوبه من الشوائب، وتخليصه من الأكدار ومما يداخله.

وأما الإخلاص في معناه الشرعي فعبارات العلماء فيه متقاربة، كقولهم: "هو إفراد الحق سبحانه بالقصد والطاعة"([2]).

وكقول بعضهم: "أن يكون العمل لله سبحانه لا نصيب لغير الله فيه"([3])، أو هو: "نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق"([4])، يعني بالقصد، أو هو: "استواء عمل الظاهر والباطن"([5]).

ويمكن أن نقول: إن الإخلاص هو: تصفية العمل من كل شائبة، بحيث لا يمازج هذا العملَ شيءٌ من الشوائب في والإرادات، وأعنى بذلك إرادات النفس، إما بطلب التزين في قلوب الخلق، وإما بطلب مدحهم، والهرب من ذمهم، أو بطلب تعظيمهم، أو بطلب أموالهم، أو خدمتهم، أو محبتهم، أو أن يقضوا له حوائجه، أو غير ذلك من العلل والشوائب والإرادات السيئة التي تجتمع على شيء واحد، وهو: إرادة ما سوى الله -عز وجل- بهذا العمل.

وعليه: فالإخلاص هو توحيد الإرادة والقصد، أن تفرد الله -عز وجل- بقصدك وإرادتك فلا تلتفت إلى شيء مع الله -تبارك وتعالى.

ثانياً: ما الفرق بين الإخلاص وبين الصدق والنصح؟

بعض أهل العلم يقولون: إن الفرق بين الإخلاص والصدق: أن الصدق هو الأصل، والإخلاص متفرع عنه([6]).

وبعضهم يقول: إن الإخلاص لا يكون إلا بعد الدخول في العمل، وأما الصدق فيكون بالنية قبل الدخول فيه.

وابن القيم -رحمه الله- يذكر فرقاً آخر وهو: أن الإخلاص هو إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة، أو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، وأما الصدق فهو التنقي من مطالعة النفس، فالمخلص لا رياء له، والصادق لا إعجاب له، ثم يذكر أن هذه الأمور بينها تلازم ولا انفكاك لأحدها عن الآخر([7]).

ويمكن أن نعبر عن الفرق بينهما بعبارة واضحة وهو أن يقال: إن الإخلاص هو أن تفرد الله -عز وجل- بقصدك، وأما الصدق: فهو الموافقة بين الظاهر والباطن، هذا في الأعمال وفي الأحوال.

في الأعمال: بحيث إن الإنسان لا يُظهر أعمالاً صالحة وقلبه ينطوي على غير ذلك.  

وفي الأحوال: بحيث إن الإنسان لا يُظهر خشوعاً، أو صلاحاً، وقلبه ينطوي على خلاف ذلك، فهذا غير صادق، وكذلك في الأقوال: الصدق فيها بموافقة القول لما في القلب، فمن قال قولاً ولو كان مطابقاً للواقع، ولكنه يخالف ما في مكنونه فإنه يعتبر كاذباً بذلك، فلو سئل عن فلان أين هو؟ فقال: فلان مسافر، وهو يعتقد أنه موجود ولكن صادف أن قوله وقع على الحقيقة بحيث إن فلاناً قد سافر فعلاً وهو لم يعلم، فقال: إنه مسافر، وهو يظن أنه موجود فإنه يكون بذلك كاذباً مع أن قوله طابق الواقع.

وكذلك أيضاً إذا خالف ما في الواقع، وإن لم يقصد ذلك كما هو استعمال السلف كثيراً، وهو استعمال عربي معروف لكلمة: الكذب التي تقابل الصدق، فإذا قال مثلاً: فلان مسافر وهو يعتقد أنه مسافر، فتطابق قوله مع ما في مكنونه ولكنه أخطأ ذلك، وتبين أن فلاناً لم يسافر، فالسلف كانوا يقولون عن ذلك: إنه كَذَب، ويعدونه من الكذب، لا الكذب المذموم الذي يعاقب عليه صاحبه، وإنما يطلقون ذلك على كل ما خالف الواقع والحقيقة، ولهذا تجد في أقوال الصحابة -رضى الله تعالى عنهم-: كذب فلان، من الصحابة، عائشة -رضي الله عنها- تقول: "كذب فلان"([8])، ماذا تقصد بذلك؟ لا تقصد التهمة، إنما تقصد معنى آخر وهو أنه أخطأ.

إذن الحصيلة من هذا: أن الصدق يكون بموافقة الظاهر للباطن في الأقوال والأحوال، ويكون أيضاً عند المتقدمين بموافقة القول للواقع، هذا هو الصدق، وخلافه الكذب، وهو قسمان:

الصنف الأول: كذب يؤاخذ عليه الإنسان ويلحقه الذنب: إن قصد أن يقول شيئاً يخالف به الحقيقة والواقع، فهذا يؤاخذ عليه ويكون مذموماً آثماً.

والصنف الثاني: وهو ما لا يؤاخذ عليه: فيما لو وقع منه ذلك على سبيل الغلط، فيسمى ذلك بالكذب، ولكن صاحبه لا يلحقه ذم.

هذا الفرق بين الإخلاص والصدق، ويراد به الإخلاص، فيقال: فلان يعامل ربه بصدق يعني: بإخلاص.

وأما الفرق بين الإخلاص والنصح: فيمكن أن يقال في عبارة مختصرة: وهي أن الإخلاص- كما سبق- إفراد الله -عز وجل- بالقصد، أما النصح: فهو استفراغ الوسع، وبذل الجهد في أداء العمل بحيث لا يتخلف شيء من طوقه، وقدرته ظاهراً وباطناً([9]).

فتقول: فلان ناصح في عمله، فلان ناصح لتلامذته، فلان ناصح في صحبته، فلان ناصح لفلان، وليس المراد أن يقدم له نصائح، إنما المراد أن يستفرغ جهده وطاقته في إيصال النفع له بكل وجه مستطاع، وإذا قام بعمل من الأعمال يستفرغ جهده وطاقته في إتقان هذا العمل وإيقاع هذا الفعل على الوجه الأكمل، فتقول: فلان يعمل بنصح، يعني بجد واجتهاد لا يدخر وسعاً ولا يتوانى ولا يكسل ولا يغش أو يدلس في بيعه وشرائه، تقول: فلان ناصح في بيعه ومعاملته، بمعنى أنه يبين عيوب السلعة الكبار والصغار، الدقيق والجليل، ولا يترك شيئاً إلا بينه لهذا الإنسان الذي يتعامل معه، هذا الفرق بين الإخلاص والنصح.

ولربما عُبر بالإخلاص عن النصح، فقيل: فلان يعمل بإخلاص في كذا وكذا، أي: أنه يعمل بنصح، وإن كان المراد أنه يعمل يريد وجه الله فقط فيكون ذلك من باب توحيد القصد والإرادة، يعمل بإخلاص أي: يريد وجه الله لا يريد شيئاً آخر، ويمكن أن نقول: فلان يعمل بإخلاص أي: أنه يبذل طاقته ووسعه وجهده ولا يتوانى في القيام بالمهمة التي وُكلت إليه، وبهذا نعرف الفرق بين الإخلاص والنصح وبينه وبين الصدق .

ثالثًا: منزلة الإخلاص من الدين وأهميته:

وهذا يتبين من وجوه مختلفة منها:

الأول: أن الإخلاص هو روح العمل: فعمل لا إخلاص فيه كجسد لا روح فيه، فهو بمنزلة الروح من الجسد، يقول ابن القيم -رحمه الله-: "وملاك ذلك كله: الإخلاص والصدق، فلا يتعب الصادق المخلص، فقد أُقيم على الصراط المستقيم فيسار به وهو راقد، ولا يتعب من حرم الصدق والإخلاص فقد قطعت عليه الطريق واستهوته الشياطين في الأرض حيران، فإن شاء فليعمل، وإن شاء فليترك، فلا يزيده عمله من الله إلا بعدًا، وبالجملة: فما كان لله وبالله فهو من جند النفس المطمئنة"([10]).

وما أجمل عبارة ابن الجوزي -رحمه الله- حيث قال: "الإخلاص مِسْك مَصون في مَسكِ القلب –أي: أنه محفوظ في هذا الوعاء الذي هو القلب– ينُبه ريحه على حامله، العمل صورة والإخلاص روح، إذا لم تخلص فلا تتعب، لو قَطعتَ سائر المنازل –يعني في الحج– لم تكن حاجًّا إلا ببلوغ الموقف"([11]).

وهو بهذا يريد أن يقول: إن منزلة الإخلاص من الأعمال كمنزلة الوقوف بعرفة من أعمال الحج، ولو أن الإنسان ذهب إلى منى، ومزدلفة، وطاف بالبيت الحرام، وما إلى ذلك من الأعمال التي يعملها الحجاج، ولم يقف بعرفة، هل يكون ذلك الإنسان حاجًّا؟

الجواب: لا، يقول : لو قَطعتَ سائر المنازل لم تكن حاجًّا إلا ببلوغ الموقف، وصدق -رحمه الله-.

وتأمل قوله قبله: "الإخلاص مِسْك مَصُون في مَسك القلب يُنبه ريحهُ على حامله"، فالإخلاص لا يحتاج منك إلى إظهار، ولا يحتاج منك إلى إعلام للناس أنك مخلص، وإنما يظهر ذلك في حركات الإنسان، وسكناته، وتظهر آثاره على العبد.

 

"الإخلاص مِسْك مَصُون في مَسك القلب يُنبه ريحهُ على حامله"، فالإخلاص لا يحتاج منك إلى إظهار، ولا يحتاج منك إلى إعلام للناس أنك مخلص، وإنما يظهر ذلك في حركات الإنسان، وسكناته، وتظهر آثاره على العبد.

 

وأما الذي يتصنع للناس، ويسعى لإعلامهم بعمله، وصلاح قلبه، وما إلى ذلك فالواقع أنه يُحطم الإخلاص في قلبه، ولا يزيده ذلك إلا شَيناً في قلوب الخلق، والله المستعان.

فبهذا نعلم: أن الإخلاص هو عمود العمل، وهو سنامه؛ لأن العامل بدون إخلاص كادح متعب نفسه، لا أجر له، والله -عز وجل- يقول: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا سورة الفرقان:23، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول في الحديث المشهور: (إنما الأعمال بالنيات...)([12]).

والله يقول -جل جلاله-: ... لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [سورة هود:7]، ولم يقل: ليبلوكم أيكم أكثر عملًا، فليست العبرة بالكثرة إنما العبرة بالصواب مع حسن القصد، ولهذا قال الفضيل بن عياض -رحمه الله - تعليقاً على هذه الآية في بيان معنى: أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قال: "أخلصه وأصوبه"، قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: "إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة، ثم قرأ: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا سورة الكهف:110"([13]).

ويقول ابن القيم -رحمه الله-: "العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً ينقله ولا ينفعه"([14])، فهو ليس له من هذا الجراب وهذا الحمل إلا التعب، فمن حمل التراب على ظهره فإن ذلك لا ينفعه؛ لأنه لا نفع فيه.

ويقول ابن حزم مبيناً هذا المعنى: "النية: سر العبودية، وهي من الأعمال بمنزلة الروح من الجسد، ومحال أن يكون في العبودية عمل لا روح فيه؛ إذ هو بمنزلة الجسد الذي لا روح فيه، وهو جسد خراب"([15]).

وهذا الأحنف بن قيس -رحمه الله تعالى- يقول في حكمة بليغة: "رأس الأدب آلة المنطق، لا خير في قول بلا فعل، ولا في منظر بلا مخبر، ولا في مال بلا جود، ولا في صديق بلا وفاء، ولا في فقه بلا ورع، ولا في صدقة بلا نية"([16])، وإن شئت فقل: ولا عمل بلا نية .

الثاني: أنه لا سبيل إلى الخلاص والانفكاك من التبعات إلا بالإخلاص: فالإنسان يحاسَب على أعماله، ويحاسَب على نياته وإراداته، وإذا نُصبت الموازين، ووضعت الصحف أبصر العبد بعد ذلك عمله، وعرف حاله ومنزلته عند الله -عز وجل-، يقول شمس الدين ابن القيم -رحمه الله-: "ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لِمَ؟ وكيف؟، أي: لم فعلت؟، وكيف فعلت؟.

فالأول: سؤال عن علة الفعل، وباعثه وداعيه: هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا من حب المدح من الناس، أو خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل؟، أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية، وطلب التودد والتقرب إلى الرب -سبحانه  وتعالى-، وابتغاء الوسيلة إليه؟، ومحل هذا السؤال أنه: هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك، أم فعلته لحظك وهواك؟   

والثاني: سؤال عن متابعة الرسول -عليه الصلاة والسلام- في ذلك التعبد: أي هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولي، أم كان عملاً لم أشرعه ولم أرضه؟

فالأول: سؤال عن الإخلاص، والثاني: عن المتابعة، فإن الله سبحانه لا يقبل عملاً إلا بهما.

فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص، وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص، وهوى يعارض الاتباع، فهذه حقيقة سلامة القلب الذي ضُمنت له النجاة والسعادة"([17]).

ولهذا كان معروف الكرخي -رحمه الله- يحث نفسه دائماً، ويردد عليها: "يا نفس أخلصي تتخلصي"([18]).

الثالث: منزلة الإخلاص من الدين وأهميته:

من الأمور الدالة على أهمية الإخلاص وعظيم منزلته أنه حقيقة الإسلام الذي بعث الله -عز وجل- به المرسلين -عليهم الصلاة والسلام- كما قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله-: "إذ الإسلام هو الاستسلام لله لا غيره كما قال الله تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الزمر:29، فمن لم يستسلم لله فقد استكبر، ومن استسلم لله ولغيره فقد أشرك، وكل من الكبر والشرك ضد الإسلام، والإسلام ضد الشرك والكبر"([19]).

والرابع: مما يدل على أهميته أنه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وبه قوام الأمة، الله ما فطر الناس على الرياء، وعلى المقاصد السيئة، وعلى الشرك بالله -عز وجل-، إنما فطرهم على التوحيد، ولا شك أن الإخلاص هو التوحيد، مر عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- على معاذ بن جبل فسأله: ما قوام هذه الأمة؟ فقال معاذ: "ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص وهو الفطرة، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا الروم:30، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، فقال عمر -رضي الله تعالى عنه-: صدقت"([20]).

ومن هنا نعلم شأن الإرادات والمقاصد والنيات  وخطرها وعظيم أثرها وشأنها ولهذا قال يحيى بن أبي كثير -رحمه الله تعالى-: "تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل"([21])! وذلك لأنها تبلغ بصاحبها ما لا يبلغه عمله كما يأتي -إن شاء الله.

ويقول ابن أبي جمرة -وهو أحد شراح الصحيح-: "وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد في تدريس أعمال النيات ليس إلا، فإنه ما أُتي على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك"([22]).

رابعًا: الإخلاص في الكتاب والسنة:

الإخلاص يذكر في كتاب الله -عز وجل- كثيراً تارة يأمر الله -عز وجل- به كقوله: فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ غافر:65، وتارة يخبر أنه دعاء الله -عز وجل- لخلقه: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ البينة:5، وتارة يخبر أن الجنة لا تصلح إلا لأهله كما قال: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ الصافات:40-43، وتارة يخبرنا في مواضع أنه لن ينجو من شرك إبليس إلا من كان مخلصاً لله -عز وجل-، كما قال: إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ الحجر:40، بعدما توعد أنه سيضل الخلق أجمعين، ويستغويهم ويستهويهم بوساوسه وخواطره وإضلاله وتزيينه، وعن أبي أمامة الباهلي -رضي الله تعالى عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أرأيت رجلاً غَزَا يلتمس الأجر والذكر؟ -يعني يريد الأجر من الله -عز وجل- ويريد أن يذكر يقال: فلان مجاهد- ما له؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا شيء له)، فأعاد ثلاث مرات يقول له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا شيء له)، ثم قال: ((إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه))([23])، وهو حديث حسن الإسناد.

وجاء من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (قال الله -تبارك وتعالى-: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه)([24])، أخرجه مسلم.

فالأعمال التي تختلط فيها الإرادات، ويتلفت صاحبها يمنة ويسرة يريد من الله ويريد ما عند المخلوقين هذه الله غني عنها، ولا يعبأ بها، ولا يقيم لها وزناً.

وجاء من حديث أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يبين أن محل نظر الله -عز وجل- إلى قلب العبد، وهو محل الإخلاص والقصد والنية، كما في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)([25])، أخرجه مسلم في صحيحه.

وحديث: (إنما الأعمال بالنيات...)([26])، شاهد واضح في الدلالة على هذا المعنى، ونحن لو أردنا أن نستقصي الآيات والأحاديث التي تدل على أهمية الإخلاص ومنزلته وعظيم أثره ما كفى لاستيعابها هذا المجلس، بل ولا مجالس، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

خامساً: مراتب الإخلاص:

يمكن أن نقول: إن العمل الذي يكون خالصاً مقبولاً على مرتبتين اثنتين إحداهما أعلى من الأخرى:

الأولى: وهي أن يتمحض القصد لإرادة وجه الله -عز وجل-، وما عنده من الثواب والجزاء، ولا يلتفت العبد إلى شيء آخر وإن كان مباحاً، فهو يجاهد يريد ما عند الله فقط، لا يريد الغنيمة فضلاً عن المقاصد السيئة كالرياء والسمعة، وهو يصوم يريد ما عند الله -عز وجل- ولا يلتفت إلى أمر يجوز الالتفات إليه كتخفيف الوزن، أو تحصيل صحة البدن، أو الحِمية، أو ما إلى ذلك، وكالذي يمشي إلى المسجد؛ ليكثر الخطا التي يتقرب بها إلى مولاه، لا يلتفت إلى معنى آخر، وهو أن ينشط بدنه، وأن يتقوى هذا البدن وإنما يلتفت إلى المعنى الأول فقط، فهذا أعلى المراتب.

المرتبة الثانية -والعمل يكون فيها مقبولاً إلا أنه دون الأولى-: وهي أن يقصد وجه الله -عز وجل- بالعمل، ولكنه يلتفت إلى معنى يجوز الالتفات إليه كالذي يحج يريد وجه الله -عز وجل- ويريد أيضاً التجارة، فهذا لا مانع منه، والله -عز وجل- يقول: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ البقرة:198، والمعنى أن تبتغوا فضلا من ربكم أي: بالتجارة في مواسم الحج، وكالذي يحج لأنه يحمل معه طائفة من الحجاج يأخذ منهم أجرة على ذلك، فهذا يريد وجه الله -عز وجل-، ويريد هذا المغنم العاجل فحجه صحيح، ولكن مرتبته دون الأول، دون الذي ذهب إلى الحج لا يريد إلا ما عند الله، وكالذي يصوم لوجه الله -عز وجل- وهو يستحضر في نفسه معنى آخر وهو أن يصح بدنه، وكالذي يحضر لصلاة الجماعة تلبية لأمر الله -عز وجل- وطاعة وعبودية له، ويلتفت إلى معنى آخر يجوز الالتفات إليه وهو أن تثبت عدالته وأن تقبل شهادته؛ لأن الذي لا يحضر مع الجماعة لا تثبت له عدالة، ولا تقبل له شهادة، ولا شك أن المسلم مطالب بتحصيل الأمور التي تثبت بها عدالته، فهذا غير الرياء والسمعة، فهذا أمر يجوز الالتفات إليه لكن من نظر إلى هذا المعنى فهو دون الأول.  

إذن هما مرتبتان: أن يتمحض القصد لوجه الله -عز وجل-، وأن يريد وجه الله ويلتفت إلى معنى آخر، هذه مراتب ودرجات المخلصين الذين يقبل الله -عز وجل- أعمالهم، ولا تتكدر بشيء من الإشراك.

سادساً: صعوبة الإخلاص:

الإخلاص أمر عسير شاق على النفس، صعب عليها، يحتاج صاحبه إلى مجاهدة عظيمة، ويحتاج العبد معه إلى مراقبة للخطرات، والحركات، والواردات التي ترد على قلبه، ويحتاج إلى كثرة التضرع إلى الله -عز وجل- كما سيأتي ذكره عند الكلام على الأمور التي يستجب بها الإخلاص، يقول أويس القرني -رحمه الله- وهو من هو-: "إذا قمت فادع الله أن يصلح لك قلبك ونيتك فلن تعالج شيئًا أشد عليك منهما"([27])! أويس القرني تعرفونه هو الذي أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- عمر بن الخطاب أن يطلب منه أن يدعو له، وأخبره أنه يأتي في أمداد اليمن، وذكر له صفته، فكان عمر يترقب ويتحرى حتى عثر عليه، فكلمه، وسأله حتى استيقن أنه هو فطلب منه أن يدعو له، ثم بعدها اختفى أويس فلم يُعرف له أثر بعد ذلك([28])، اختفى لشدة إخلاصه لما انكشف أمره خشي أن يتعلق الناس به، وأن يثنوا عليه ويطروه، وأن يتتبعوا آثاره يطلبون منه الدعاء، أو يطلبون منه أن يستغفر لهم، وما إلى ذلك، فاختفى في أجناد المسلمين وخرج غازياً في سبيل الله -عز وجل-، ولم يوقف عليه بعدها، ومع ذلك يقول: "لن تعالج شيئًا أشد عليك منها"، يعني النية.

ويقول يوسف بن أسباط -رحمه الله-: "تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد"([29])، قد يستطيع العبد أن يجاهد سنوات متواصلة ولكنه قد يعجز كثيراً أو يتعب كثيراً في مراقبة خطراته وما يرد على قلبه من المقاصد والنيات، والواردات التي تقع في هذا القلب، قد يستطيع الإنسان أن يركع ويسجد ليلاً طويلاً وأن يصوم النهار، ولكنه يصعب عليه أن يضبط قصده وأن يتمحض هذا القصد لوجه الله -عز وجل-، وقد يسأل البعض: لماذا كانت هذه الصعوبة؟ ولماذا كانت هذه المشقة في إكسير العبادة وفي سر القبول وهو الإخلاص؟، لماذا كان بهذه المشقة؟ ولماذا احتاج إلى هذه المجاهدة الكبيرة الطويلة حتى آخر اللحظات حينما يفارق الإنسان هذه الحياة؟

أقول: ذلك لأمور:

أولها: أن الإخلاص لا نصيب للنفس فيه، كثير من الأمور التي للنفس فيها حظ عاجل قد لا تضطرب على الإنسان فيها النية، وإنما يحصِّل بغيته بمجرد تعاطيها من ألوان اللذات، أما الإخلاص فالإنسان يجرد نفسه ويجرد قصده من كل إرادة والتفات، لا يلتفت إلى حظ عاجل يرجع إلى هذه النفس، لا يريد من الناس أن يقربوه، أو يكرموه، أو يعظموه، أو أن يسمعوا عن عمله الصالح فيطروه على هذا العمل، هو لا يريد هذا، فلا حظّ للنفس فيه وبالتالي كان ذلك عسيراً عليها.

الأمر الثاني: وهو أن الخواطر التي ترد على القلب لا تتوقف، وكما ذكرت لكم في المرة السابقة أن القلب يقال له: الفؤاد؛ لكثرة تفؤُّده، أي: لكثرة توقده بالواردات والأفكار والخواطر، وكذلك قيل له: القلب؛ لكثرة تقلبه، فهو كثير التقلب على صاحبه، فأمرٌ بهذه المثابة يصعب على العبد أن يلاحقه، وأن يضبطه في كل لحظة من لحظاته، وفي كل حركة من حركاته، ولهذا يقول الإمام الكبير سفيان الثوري -رحمه الله تعالى- وهو من هو في العبادة والإخلاص يقول : "ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي، إنها تتقلب عليّ"([30]).

ويقول يوسف بن الحسين -رحمه الله-: "أعزّ شيءٍ في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاطِ الرياءِ عن قلبي، وكأنّه ينبت فيه على لون آخر"([31])، يقول: أجاهده من هذه الناحية وأسد هذا الباب وينبت لي من ناحية أخرى، قد يثني عليه بعض الناس ثم يقول: من أنا؟ ما مني شيء، وليس لي شيء، أنا المُكدَّى وابن المُكدَّي وهو يتكلم ينقدح في قلبه إبراز جانب وهو التواضع والإخبات، وعدم الالتفات إلى النفس وأنه ليس من أهل العجب، قد يتكلم العبد يقول: البارحة في ساعة متأخرة من السحر سمعت كذا وكذا وكذا ثم يقول: لكني لم أكن في قيام، وإنما قمت لحاجة، هذا يطرد الإخلاص كما قال الصحابي لما قال: "من رأى منكم الكوكب البارحة؟، فقال: أنا، أمَا إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت"([32])، فهذا قالها خالصاً من قلبه، لكن الإنسان قد يقولها خالصًا فينقدح له وهو يقولها معنى وهو أنه يريد أن يُظهر نزاهته عن الرياء، ليقول للناس: لست من المرائين، فأمرٌ بهذه المثابة كيف نستطيع أن نضبطه في كل لحظة من لحظاتنا، وفي كل حركة من حركاتنا؟، الإنسان قد يذكر أشياء من جهود طيبة، ومشاريع خيرة، والمقام قد يفهم منه السامع أنه هو الذي قام بها ثم يستدرك يقول: علماً بأن هذه الأمور ليس لي منها شيء ولم أصنع منها شيئًا، هذا كلام جيد ليدفع عن نفسه، لكن قد ينقدح في نفسه وهو يقول هذا الكلام أمر آخر يفسد عليه وهو أنه يبرهن على صحة قصده، ولا أعني بذلك إطلاقًا أن من قال ذلك أنه متهم أبداً، لكني أريد أن أقول: إن شأن الإخلاص شأن كبير يحتاج إلى معاناة طويلة مدتها العمر بكامله، وهذه المجاهدة لا ينفك عنها العبد بحال من الأحوال، فتحتاج إلى بصر نافذ في خطراته وحركاته وسكناته.    

وأمر ثالث سبّب صعوبة الإخلاص: هو ما جُبل عليه الإنسان من حب الشهوات، فالله -عز وجل- يقول: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا آل عمران:14، ماذا ذكر الله -عز وجل- بهذه الآية؟، ذكر أعظم اللذات وأعظم الشهوات: النساء، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (حُبب إليّ من دنياكم النساء والطيب)([33])، فذكر النساء وذكر البنين؛ لأن الإنسان يتقوى بهم ويفتخر بهم ويعتز ويتزين بهم في المجالس، وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ آل عمران:14 الأموال، الثروة والمراكب الجميلة، وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ آل عمران:14 هذه الأمور الخمسة المراكب والحروث وما يتبعها من الأنعام فهذه من أعظم الزينة في الحياة الدنيا، ومن أعظم ما تطمح إليه نفوس الناس من هذا الحطام، ولكن الشهوات لا تقتصر على ذلك، والنفوس لا تتعلق بهذا وحده، وإنما هناك أمور خفية أعظم من هذا لربما بذل العبد ماله بل بذل نفسه فضلاً عن مراكبه وحروثه من أجل أن يحصِّل شهوة أكبر وأعظم، ولذة لربما أورثته سكرًا، وهي لذة الرياسة والشهرة والمنزلة في قلوب الخلق، والمحمدة في نفوسهم، هذه لذة تبذل في سبيلها الأموال لربما أنفق الرجل ماله من أجل أن يقال -كما سيأتي-: هو جواد، ولربما قاتل قتال الأبطال فمات، كل ذلك ليقال: فلان شجاع، ولربما قدم الإنسان حرثه ومراكبه من أجل أن يقال: جواد، فهذه اللذة الخفية هي أعظم وأشد فتنة وخطرًا من لذة الحرث والوقاع، ومن لذة جمع المال وتحصيله، ولذلك تجدون الرجل لربما ترك هذه اللذات جميعاً في سبيل تحصيل لذة أخرى وهي لذة الرياسة، كان بعض الأمراء أو الملوك لا يطأ امرأته إلا يومًا واحدًا في السنة؛ لأن همته -في زعمه- قد تعلقت بما هو أكبر من ذلك وهو تحصيل الملك، فهو لا يتفرغ لمعافسة هذه الشهوات.

وآخر وهو ممن أسس ملكاً في الأندلس قُدمت له جارية هي غاية في الجمال فنظر إليها وقال: إنك لجميلة حسناء، ولكن نفسي تطمح إلى أمر آخر، فأهداها إلى بعض أصحابه وأعوانه، لاحظ كيف هؤلاء تخلوا عن مثل هذه الملذات -التي لا يطيق كثير من الناس التخلي عنها- في سبيل تحصيل هذه اللذة؛ ولهذا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما من ذئبان جائعان أرسلا على غنم..)([34])، وذكر حب الرياسة والتطلع إلى الناس وطلب المحمدة، وبعض العلماء ذكر سر ذلك؛ لأنه كما عبر بعض السلف آخر ما يخرج من رءوس الصالحين حب الرياسة، فقد تجد الرجل يطيل الصلاة بالليل ويكثر الصوم بالنهار، ويتعفف عن أموال الناس، وعن ظلمهم فإذا نوزع الرياسة وقف وتصدى لمن نازعه إياها([35])، فهذه الأمور التي جُبلنا عليها تؤثر هذا الأثر وهو صعوبة الإخلاص، فيكون شديداً عسيراً على النفس.

سابعاً: ثمرات الإخلاص وآثاره السلوكية:

هذه الآثار على قسمين:

-    آثار تحصل للعبد عن قريب، فتعجل له في دنياه.

-    وآثار تؤجل فيجد ذلك في آخرته.

أما الآثار المعجلة للإخلاص فهي كثيرة جدًّا منها:

أولاً: وهو أَجلّها وأعظمها: أن الإخلاص إكسير الأعمال الذي إذا وُضع على أي عمل- ولو كان من المباحات والعادات- حوله إلى عبادة وقربة، فإذا قام العبد بشيء من الأمور المباحة: كالنوم، أو الأكل، أو الشرب، أو المشي، أو غير ذلك، يريد به التقرب إلى الله -عز وجل-، كأن يقوي بدنه؛ ليجاهد في سبيل الله، وكأن ينام في النهار من أجل أن يقوم الليل، وكأن يأكل؛ ليتقوى على الطاعة، فكل ذلك يكون عبادة في حقه؛ ولهذا كان السلف كما قال زبيد اليامي -رحمه الله-: "إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب"([36]).

ثانياً: من ثمرات الإخلاص العاجلة: أن العمل به يكثر ويتعاظم، ولو كان العمل بالجوارح قليلاً إذا وُجد معه الإخلاص فإن العمل يعظم، ويكون راجحاً؛ لأن الله -عز وجل- ينميه للعبد، ويجازى عبده المخلص بتكثير فعله حتى إنه ليجد ذلك العمل يوم القيامة فوق ما يحتسب، ويبارك في هذا العمل، تجد بعض الناس له أعمال محدودة ومشاريع لربما كانت صغيرة في عين أصحاب الهمم العالية، ثم إذا نظرت بعد حين تجد أن الله -عز وجل- أوقع فيه ألوان البركات بسبب هذه الأعمال القليلة التي يعملها بحركة بطيئة، عمل قليل لكن وُجدت فيه النية، فنفع الله -عز وجل- به، وصار له من الآثار الحميدة مالا يقادر قدره، ولهذا يقول ابن المبارك -رحمه الله-: "رُبَّ عمل صغير تكثره النية، ورُبَّ عمل كثير تصغره النية"([37]).

لربما قام الإنسان بمشروع صغير بنية صحيحة، فينفع الله -عز وجل- به، ولربما قام آخر بمشروع كبير، وصرف عليه أموالاً طائلة، ولكن الله -عز وجل- لم يبارك فيه، ولم يكد أحدٌ ينتفع بهذا العمل، ولهذا كان بعض السلف يوصي إخوانه بهذا الإخلاص، وتصحيح النيات، يقول أحدهم لصاحبه: "أخلص النية في أعمالك يكفك القليلُ من العمل"([38]).

والله -عز وجل- قد أخبرنا عن المجاهدين الصادقين قال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ... سورة التوبة:120، فأعمال المجاهدين لا يكتب منها ما زاولوه عند مواجهة العدو فقط، وإنما يكتب لهم كل عمل عملوه بمجرد الخروج من بيوتهم، بل يكتب للمجاهد إعداده لطعامه وشرابه، ويكتب له نومه، ويكتب له مشيه، ويكتب له كل شيء زاوله وعمله، ولو لم يلقَ عدوًّا، ولو لم يشهر سلاحاً في وجه عدو، كل ذلك يكتب له عند الله -عز وجل-، جوعهم يكتب لهم، وعطشهم يكتب لهم، وجراحهم تكتب لهم، ونفقاتهم في الطريق وفي غير الطريق تكتب لهم، كل ذلك يسجل في رصيد حسناتهم.

وهكذا من خرج في طاعة لله -عز وجل-، ومن خرج حاجًّا أو معتمراً، فكل نفقة أنفقها منذ أن خرج، وكل خطوة خطاها تكتب له في ميزان أعماله.

وهكذا من سار في الدعوة إلى الله -عز وجل- ليقيم درساً، توجه ليعلم الناس العلم الشرعي الصحيح المبني على الكتاب والسنة بعيداً عن البدع والأهواء، توجه ليدعو إلى التوحيد واتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، إذا خرج إلى مسجده، أو إلى مدرسته، أو إلى أي مكان للدعوة إلى الله -عز وجل- فإنه يؤجر على ذلك، ويكتب له ممشاه، تكتب له خطواته، ونفقاته التي أنفقها.

ويُجلِّي ذلك ويبينه -وهو أمرٌ إذا استشعره العبد هان عليه الكثير من الأتعاب، وهان عليه كثير من النفقات التي ينفقها- قول النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث أبي هريرة المخرج في الصحيح: (من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله، وتصديقاً بوعده، فإن شِبعه ورِيّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة)([39]).

هذا الفرس إذا ارتوى، وإذا شبع، وإذا أخرج روثاً، وإذا بال، بل حتى الخطوات التي يخطوها الفرس وهو يجول تكتب لصاحبه وهو في بلده؛ لأنه قصد بهذا الفرس ليس المباهاة، وليس العبث، وإنما قصد به الجهاد في سبيل الله -عز وجل-، ولهذا قال داود الطائي -رحمه الله-: "رأيتُ الخيرَ كلَّه إنَّما يجمعُه حُسْنُ النِّيَّة، وكفاك به خيراً وإنْ لم تَنْصَبْ"([40])، الخير كله يجمعه حسن القصد.  

ثالثاً: من ثمرات الإخلاص العاجلة: أنه الطريق إلى معية الله -عز وجل- ونصره ورعايته، فالله -عز وجل- يقول عن أهل بيعة الرضوان: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا سورة الفتح:18، قال: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ فرتب على علمه بما في القلوب: وهو الإخلاص والصدق، صدق العزيمة والإرادة، وصحة القصد، علم ذلك، فرتب على هذا العلم قال: فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، ومعلوم أن الحكم المرتب على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، فكلما زاد إخلاص العبد كلما ازدادت هذه الأمور التي تتنزل عليه من نصر الله -عز وجل-، وطمأنينة القلب، وسكينة النفس، وكل ذلك يكون بحسب قصده وإخلاصه فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، والتعقيب بالفاء بعد قوله: فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ حيث قال: فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا يدل على أن سبب نزول السكينة عليهم، وسبب إثابتهم لهذا الفتح القريب هو علمه ما في قلوبهم من إخلاص، دل ذلك على أن الإخلاص سبب للانتصار، وأن الإخلاص سبب لنزول السكينة في قلوب المؤمنين في القتال، وعند مواجهة الأعداء، وعندما يرجف بهم الناس من كل جانب، ويخوفون بالذين من دون الله -عز وجل- فيثبتون.

كل ذلك بسبب الإخلاص، ولهذا ينبغي للمجاهدين أن يخبتوا لله -عز وجل-، وأن يراقبوا مقاصدهم ولا يصدر منهم قولٌ ولا فعل يخالف ذلك؛ لأنهم قد يهزمون بسبب هذه المقاصد والإرادات السيئة، فإياك أن يشتد بأسك على العدو، أو يشتد وعيدك وتهديدك من أجل معنى فاسد في نفسك، إياك أن تهرول في وجه العدو وتعرض نفسك للموت وأنت تريد معنى فاسدًا، تريد أن يقال: فلان شجاع، فلان لا يخشى بأس العدو ويرقص تحت الشظايا والقاذفات، إياك أن يخطر في نفسك ذلك؛ لأنه سبب لرفع الانتصار والخذلان في أرض المعركة.

رابعاً: من ثمرات الإخلاص المُعجَّلة: أن صاحبه يُسدد، وتنبع الحكمة في قلبه، وتصدر على لسانه: كما قال مكحول من علماء التابعين -رحمه الله تعالى-: "ما أخلص عبدٌ قط أربعين يوماً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"([41])، وقد قال سفيان بن عيينة -رحمه الله- نحواً من هذا، وزاد عليه: "وبصَّره عيوبَ الدنيا: داءَها ودواءَها"([42]).

فإذا صدق العبد مع الله -عز وجل- فإن الله يسدده، ويوفقه، ويرشده إلى كل خير، ولا تبقى الأمور ملتبسة أمامه، وإذا نزلت الفتن واختلط الحق بالباطل، والتبس ذلك على كثير من الناس فإن أهل الصدق يهديهم ربهم بإيمانهم، ويوفقهم للصواب، ويظهره على أيديهم، وتنطق به ألسنتهم، وإذا كان العبد سيئ القصد فإنه يخذل أحوج ما يكون إلى النصرة، فإذا وقعت الفتن -نسأل الله العافية- تخبط في موضع الفتن، وتمرغ فيه، وانغمس في ألوان من الضلالات، وصدرت عنه أمور عجيبة مع سعة علمه، وفرط ذكائه إلا أن الذكاء وحده لا ينفع إن لم يكن معه زكاء، والعلم وحده لا ينقذ إن لم يكن معه إخلاص، إن لم يكن القلب عامراً بتقوى الله -عز وجل- وإرادته دون إرادة الدنيا، ولذلك تجد كثيراً من الناس إذا وقعت الفتن، واشتبكت الأحوال وكثر الخلاف بين الناس فهذا يقول كذا، وهذا ينفيه، وهذا يرى أن هذا العمل الذي حصل أنه من جلائل الأعمال ومما يقرب إلى الله –عز وجل-، وآخر يرى أن ذلك من أعظم الإفساد في الأرض، تجد أهل الإخلاص يتبينون الحق ولا يبقى ملتبساً عليهم، فالله -عز وجل- يسددهم، ويهديهم، ويرشدهم، نسأل الله -عز وجل- أن يسددنا وإياكم.

خامساً: أن صاحب الإخلاص يكفيه الله -عز وجل- من وجوه عدة: ومن هذه الكفايات التي تحصل للمخلصين:

أولها: أن الله -عز وجل- يكفى هذا العبد المخلص شأن الناس، وما بينه وبين الخلق، فلا يصله شيء يكرهه من جهتهم، وبالتالي لا يعيش تُؤرّقه الهموم؛ لأن هؤلاء يقعون في عرضه، ويظلمونه، ويعتدون عليه، فالله -عز وجل- يكفيه ذلك كما قال الله -عز وجل-: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ... سورة الزمر:36، "عبد" مفرد أضيف إلى معرفة وهو الضمير "الهاء": أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ، والمفرد إذا أضيف إلى معرفة أكسبه العموم، والمعنى: أليس الله بكاف عباده، وهي قراءة أخرى متواترة في الآية: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عِبَادَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ... سورة الزمر:36، الله يكفيهم شر الأشرار، وكيد الفجار بإخلاصهم.

والمعنى الثاني: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ أي: نبيه -صلى الله عليه وسلم.

والمقصود: أن الله -عز وجل- عبر بالعبودية هنا التي أضافها إلى نفسه، ما قال: أليس الله بكاف خلقه؟، أليس الله بكاف محمداً؟، وإنما قال: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ؛ ليدل ذلك على أن سر الكفاية هو تحقيق العبودية، وهل يمكن أن تتحقق العبودية بغير الإخلاص؟ لا يمكن ذلك؛ لأنه سرها، ولهذا فإن الله -عز وجل- يكفى العبد كما أخبره، ويجعل له ألوان الكفاية بقدر ما عنده من تحقيق العبودية؛ لأن الحكم –وهو الكفاية هنا– المرتب على وصف -وهو العبودية: عَبْدَهُ- يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، فكلما ازدادت عبودية العبد لله كلما ازدادت كفاية الله -عز وجل- له، فازددْ عبودية يزدْكَ الله -عز وجل- كفاية وحفظاً.

يقول عمر بن الخطاب -رضى الله عنه-: "من خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله"([43]).

يقول شمس الدين ابن القيم معلقاً عليه في كتابه البديع "إعلام الموقعين": "هذا شقيق كلام النبوة، وهو جدير بأن يخرج من مِشكاة المُحدَّث المُلهَم([44])، عمر من المُحدَّثين، من المُلهَمين للصواب، يقول ابن القيم: "وهاتان الكلمتان من كنوز العلم، ومَن أَحسَن الإنفاق منهما نفع غيره، وانتفع غاية الانتفاع، فأما الكلمة الأولى، وهى قوله: "من خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس".

يقول ابن القيم: "فهي منبع الخير وأصله"، والثانية: وهي قوله: "من تزين بما ليس فيه شانه الله"، يقول:  "والثانية أصل الشر وفصله، فإن العبد إذا خلصت نيته لله تعالى، وكان قصده وهمه، وعمله لوجهه سبحانه كان الله معه، فإنه سبحانه: مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ سورة النحل:128.

ورأس التقوى والإحسان: خلوص النية لله في إقامة الحق، والله سبحانه لا غالب له، فمن كان معه، فمن ذا الذي يغلبه، أو يناله بسوء؟، فإن كان الله مع العبد، فمن يخاف؟، وإن لم يكن معه فمن يرجو، وبمن يثق، ومن ينصره من بعده؟.  

فإذا قام العبد بالحق على غيره، وعلى نفسه أولاً، وكان قيامه بالله ولله لم يقم له شيء، ولو كادته السموات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها، وجعل له فرجاً ومخرجاً.

وإنما يؤتى العبد من تفريطه وتقصيره في هذه الأمور الثلاثة، أو في اثنين منها، أو في واحد، فمن كان قيامه في باطل لم ينصر، وإن نصر نصراً عارضاً فلا عاقبة له، -قد ينصر مؤقتاً فترة زمنية ثم لا تكون له العاقبة، ينهزم بعد ذلك وينكسر-، وهو مهزوم مخذول، وإن قام في حق لكن لم يقم فيه لله، وإنما قام لطلب المحمدة والشكور والجزاء من الخلق، أو التوصل إلى غرض دنيوي كان هو المقصود أولاً، والقيام في الحق وسيلة إليه، فهذا لم تضمن له النصرة، فإن الله ضمن النصرة لمن جاهد في سبيله، وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لمن كان قيامه لنفسه وهواه، فإنه ليس من المتقين، ولا من المحسنين، وإن نُصر فبحسب ما معه من الحق، فإن الله لا ينصر إلا الحق، وإذا كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما معهم من الصبر، والصبر منصور أبداً، فإن كان صاحبه محقًّا كان منصوراً له العاقبة"([45]). 

ويقول الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "إنما الله يريد منك نيتك وإرادتك، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، وما أسّر أحد سريرة إلاّ أظهرها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، والمخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته، ومن شاهد في إخلاصه الإخلاص فقد احتاج إخلاصه إلى إخلاص"([46]).

فالناس لا تعبأ بهم، ولا تلتفت إليهم، ولا تتجمل لهم بعملك الصالح، الله يكفيك شأن الناس: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ إنما عليك أن تصلح ما بينك وبين الله -جل جلاله.

وأمر آخر وهو من الأمور التي يُكفَى بها العبد أن الله ينجيه عند الشدائد والكروب، ومعروف خبر عكرمة -رضي الله تعالى عنه- لما فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة ففر إلى اليمن، ثم ركب سفينة في البحر كما في حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله تعالى عنه- فأصابتهم عاصفة، فقال أصحاب السفينة: "أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً هاهنا، فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك عليّ عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً -صلى الله عليه وسلم- حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوًّا كريماً"، فجاء فأسلم([47])، أخرجه النسائي، وإسناده صحيح.

فما الذي أنجاهم؟ بل ما الذي كان يستقر في نفوسهم؟، هو أن الإخلاص طريق النجاة من الكروب والشدائد، لاسيما إذا كان للعبد خبيئة من عمل صالح، قد يكون العبد له عمل قليل، أو كثير، ولكن لا يعلم به إلا الله -عز وجل-، الناس وأقرب الناس لا يشعرون به، وقد يكون عملاً يسيراً قد يكون دمعة في الخلوة وقد يكون حنوًّا وعطفاً على يتامى المسلمين، أو على قتلاهم أو على ما ينزل بهم من هذه الجوائح التي لا يخرجون من واحدة منها إلا وقد تبعتها أختها، فالحاصل أن العبد قد يكون له خبيئة لا يعرف بها أحد، صدقة، أو معروف، أو صلاة في سر لا يطلع عليها إلا الله -عز وجل-، فهذه تبلغ به عند الله -تبارك وتعالى- كما أنها تكون سبباً لنجاته من كثير من الكروب بل تكون سبباً لتثبيته عند الامتحان والابتلاء والشدة، قد يمشط بأمشاط الحديد ويثبت ويعوضه الله -عز وجل- ألواناً من اللذات، وانشراح الصدر، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ما يصنع بي أعدائي؟ إن جنتي وبستاني في صدري؟ إن قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، وحبسي خلوة"([48])!.

فمن كان بهذه المثابة ما يصنع به أعداؤه؟! إن قتلوه فهو شهيد، وإن أخرجوه فخروجه سياحة خرج لله وفي الله، وإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لما اعتزل قومه وهجرهم في الله قال: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مريم:49، كما قال ابن كثير وغيره: "من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- ترك الوطن والعشيرة لله وفي الله فعوضه الله -عز وجل- من الذرية ما تقر به عينه مما ينسيه الوطن والعشيرة([49]).

فهكذا أقول: إذا كان للعبد خبيئة فإن ذلك يكون سبباً لحفظ العبد، وتثبيته، وينجيه الله -عز وجل- بذلك من كثير من المخاوف، وقد يكون للعبد عمل كبير في الظاهر وليس له خبيئة، أو له إخلاص قليل ثم إذا ابتُلي وامتحن لربما وقع وخذل، ولربما انكسر، ولربما ترك الطريق التي كان يسير عليها ليصل بها إلى الله -عز وجل- فيجزع وينتكس ويتراجع، وقد يكون ذلك -وهو كثير- بسبب خبيئة سيئة عنده لا يعلمها كثير من الناس، قد يكون الإنسان في الظاهر من الصالحين، من الأتقياء، من الدعاة، من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، لكن قد يكون له خبيئة سيئة من عمل سيئ في السر يخذل بسببه أحوج ما يكون إلى لطف الله ورعايته وكلاءته ونصرته، وهذا شيء مشاهد، فكم من إنسان انكسر، وكم من جيوش هزمت بسبب المقاصد السيئة، أو بسبب الخبايا السيئة، ولهذا قال بعض السلف: "كانوا يستحبون أن تكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلمها زوجته، ولا غيرها"([50]).  

ويقول الزبير بن العوام -رضي الله تعالى عنه-: "أيكم استطاع أن يكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل"([51])، أيّ عمل صالح ولو كان قليلاً، بعض الناس قد يكون له عمل قليل لا يرى مصحفاً عليه غبار إلا مسحه مثلاً، أو الرجل الذي وجد ورقة فيها اسم الله قد علق بها قذر فأخذها وغسلها ونظفها وطهرها وطيبها فكان ذلك سببًا لمغفرة الله -عز وجل- له، المرأة البغي التي لم يشاهدها أحد من الناس بلغ بها العطش مبلغًا فجاءت إلى بئر فشربت، فجاء كلب يلعق الثرى من شدة العطش فسقته، فكان ذلك سببًا لمغفرة الله -عز وجل- لها([52])، الرجل الذي مر بطريق من طرق المسلمين فوجد فرعاً لشجرة يؤذي الناس ويضيق الطريق قال: هذه تؤذي المسلمين فقطعها، فكان ذلك سببًا لمغفرة الله -عز وجل- له([53])، هذه أعمال يسيرة عملها هذا الإنسان لم يطلع عليه أحد فكانت سبباً لمغفرة الله -تبارك وتعالى-، هذا شأن الصدق، هذا شأن الأعمال التي لا يراها أحد ولا يطلع عليها أحد ولو كانت قليلة، يقول نعيم بن حماد -رحمه الله-: "سمعت ابن المبارك يقول: ما رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون له سريرة"([54])، يعني أن يكون له عمل باطن، له أحوال قلبية من الإخلاص، وما إلى ذلك بلغت به هذا المبلغ فصار إمام الدنيا في زمانه.

الثالث من الأمور التي يُكفاها العبد بسبب إخلاصه: أن يصرف الله -عز وجل- عنه الخواطر الرديئة، والأفكار المشوشة، والوساوس كما قال بعض السلف: "إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء"([55]).

وأمر رابع مما يكفاه العبد بسبب الإخلاص: أن العبد يكفى الغل والضغائن والحسد والغش في القلب لإخوانه المسلمين، فيكون قلبه نقيًّا طاهراً سليماً لإخوانه، والقلب كثير الشواغل ينصرف عن الخير لأدنى ملابسة، والله المستعان.

فالإخلاص كفيل بأن يصفي القلب، وأن يميله إلى مولاه، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله..)([56])، الحديث. 

لا يغل عليهن: لا يحمل الغل، يكون قلبه طاهراً من الغل والغش للمسلمين، يقول شمس الدين ابن القيم -رحمه الله- تعليقًا على هذا الحديث: "أي: لا يحمل الغل ولا يبقى فيه مع هذه الثلاثة، فإنها تنفي الغل والغش، وهو فساد القلب وسخايمه، فالمخلص لله إخلاصه يمنع غل قلبه، ويخرجه ويزيله جملة؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربه، فلم يبقَ فيه موضع للغل والغش، كما قال تعالى عن يوسف -صلى الله عليه وسلم-: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ يوسف:24 فلما أخلص لربه صرف عنه دواعي السوء والفحشاء فانصرف عنه السوء والفحشاء، ولهذا لما علم إبليس أنه لا سبيل له على أهل الإخلاص استثناهم من شَرطته التي اشترطها للغاوية والإهلاك فقال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ص:82-83، وقال الله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ الحجر:42، يقول ابن القيم: "فالإخلاص هو سبيل الخلاص، والإسلام هو مركب السلامة، والإيمان خاتم الأمان"([57]).  

والأمر كما قال بعض السلف: "البر همة التقيّ، ولو تعلقت جوارحه جميعاً بحب الدنيا لردته يوماً نيتُه إلى أصله"([58]).

الخامس من ألوان الكفايات: أن العبد إذا تقلبت عليه نيته، أو تعلقت جوارحه بالدنيا فإن كان العبد مواظباً على الإخلاص مراقبًا لخطراته وسكناته فإنه وإن جذبته الدنيا بعض الشيء فإنه يرجع بعد ذلك، وتكون له إفاقة بما له من حسن القصد، فلا يغرق في الانغماس في الدنيا، والغفلة والشرود عن طاعة الله -عز وجل-، قد يحصل له بعض الإعراض، وقد يحصل له بعض الفتور والضعف ولكن ذلك لا يلبث طويلاً، يُرجعه حسن قصده وإخلاصه، ولذلك تجد بعض الناس لربما حصل له بعض الغفلة، والتراجع ثم بعد ذلك ما يلبث أن يرجع، ومنهم من إذا أعطاك ظهره فإنه لا يرجع، ولا يعرج بعدها أبداً إلا أن يشاء الله تعالى، فعثرته -نسأل الله العافية- ليس بعدها إفاقة وانتباهة وإنما هي غفلة مستحكمة، يطمس على قلبه لما له من سوء القصد، أو فساد النية، والله المستعان.

يقول الشيخ تقي الدين -رحمه الله تعالى-: "وكلما حقق العبد الإخلاص في قول لا إله إلا الله خرج من قلبه تألُّه ما يهواه، وتُصرف عنه المعاصي والذنوب كما قال تعالى: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ يوسف:24، فعلل صرف السوء والفحشاء عنه بأنه من عباد الله المخلصين وهؤلاء هم الذين قال فيهم: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ الحجر:42، لما قال الشيطان: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ص:82-83، وقد ثبت في الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه حرمه الله على النار)([59])، فإن الإخلاص ينفي أسباب دخول النار، فمن دخل النار من القائلين لا إله إلا الله لم يحقق إخلاصها المحرم له على النار، بل كان في قلبه نوع من الشرك الذي أوقعه فيما أدخله النار، والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، ولهذا كان العبد مأموراً في كل صلاة أن يقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الفاتحة:5، والشيطان يأمر بالشرك، والنفس تطيعه في ذلك، فلا تزال النفس تلتفت إلى غير الله، إما خوفاً منه، وإما رجاء له، فلا يزال العبد مفتقراً إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك"([60]).

معنى هذا الكلام أن العبد يدخل النار وهو من أهل الإيمان والتوحيد بسبب أنه فعل ما يستوجب دخول النار من الوقوع في الفحشاء، ومن مقارفة ما لا يحل له أن يقارفه، فهذه الأمور يعذب العبد بسببها، فالله -عز وجل- يقول عن يوسف -صلى الله عليه وسلم-: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ يوسف:24، ولا شك أن السوء والفحشاء من أسباب دخول النار، فإذا صرف عن العبد السوء والفحشاء فإنه يدخل بعد ذلك الجنة، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من قال: لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه حرمه الله على النار)([61])، وقد يقولها العبد ويكون قد فعل ما يستوجب معها الدخول في النار حيث لم تصرف عنه السوء والفحشاء؛ لقلة إخلاصه فيعذب على أعماله السيئة، ويقول ابن القيم -رحمه الله- في تقرير هذا المعنى الكبير وهو صرف السوء والفحشاء عن العبد بسبب إخلاصه يقول: "أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة: تعلق القلب بغير الله، وطاعة القوة الغضبية، والقوة الشهوانية، وهي الشرك والظلم والفواحش، فغاية التعلق بغير الله شرك، وأن يُدعَى معه إله آخر، وغاية طاعة القوة الغضبية القتل، وغاية القوة الشهوانية الزنا

 

أصول المعاصي كلها كبارها وصغارها ثلاثة: تعلق القلب بغير الله، وطاعة القوة الغضبية، والقوة الشهوانية، وهي الشرك والظلم والفواحش، فغاية التعلق بغير الله شرك، وأن يُدعَى معه إله آخر، وغاية طاعة القوة الغضبية القتل، وغاية القوة الشهوانية الزنا

 

، ولهذا جمع الله سبحانه بين الثلاثة في قوله: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ الفرقان:68، وهذه الثلاثة يدعو بعضها إلى بعض، فالشرك يدعو إلى الظلم والفواحش، كما أن الإخلاص والتوحيد يصرفهما عن صاحبه قال تعالى: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ يوسف:24، فالسوء العشق، والفحشاء الزنا"، ثم يقول: "فهذه الثلاثة يجر بعضها إلى بعض ويأمر بعضها ببعض ولهذا كلما كان القلب أضعف توحيداً وأعظم شركاً كان أكثر فاحشة، وأعظم تعلقاً بالصور وعشقاً لها"([62]).

ويقول في موضع آخر في زاد المعاد: "وعشق الصور إنما تبتلى به القلوب الفارغة من محبة الله تعالى، المعرضة عنه، المتعوضة بغيره، فإنه إذا امتلأ القلب من محبة الله والشوق إلى لقائه دفع ذلك عنه مرض عشق الصور، ولهذا قال تعالى في حق يوسف: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ يوسف:24 فدل على أن الإخلاص سبب لدفع العشق وما يترتب عليه من السوء والفحشاء التي هي ثمرته ونتيجته، فصُرف المسبَّب"([63]).

يقول شيخ الإسلام في شرح هذا المعنى وهو أن العبد إذا كان مخلصاً كان ذلك سبباً لصرف السوء والفحشاء عنه، يقول: "ومعلوم أن الزاني حين يزني إنما يزني لحب نفسه لذلك الفعل، فلو قام بقلبه خشية الله التي تقهر الشهوة أو حب الله الذي يغلبها لم يزنِ، ولهذا قال تعالى عن يوسف -عليه السلام-: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ يوسف:24 فمن كان مخلصاً لله حق الإخلاص لم يزنِ، وإنما يزني لخلوه عن ذلك"([64]).

ويقول في موضع آخر مبيناً لهذا المعنى: "وذلك أن القلب إذا ذاق حلاوة عبوديته لله ومحبته له لم يكن شيء أحب إليه من ذلك حتى يقدمه عليه"، يعني لا يكون عنده شيء يستلذه يقدمه على محبة الله -عز وجل- يقول: "وبذلك يصرف عن أهل الإخلاص السوء والفحشاء كما قال تعالى: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ يوسف:24، فإن المخلص لله ذاق من حلاوة عبوديته لله ما يمنعه من عبوديته لغيره، ومن حلاوة محبته لله ما يمنعه من محبة غيره، إذ ليس عند القلب أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا ألين ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله ومحبته له، وإخلاصه الدين له، وذلك يقتضي اجتذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيباً إلى الله خائفًا منه راغباً راهباً كما قال تعالى: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ق:33"([65]).

 ويقول في موضع آخر تعليقاً على هذه الآية: "فالله يصرف عن عبده ما يسوءه من الميل إلى الصورة -يعني التعلق بالصور الجميلة بالوجوه الحسان من النساء وغيرهن-، والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله، ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبودية لله والإخلاص له تغلبه نفسه على اتباع هواها، فإذا ذاق طعم الإخلاص وقوي في قلبه انقهر له هواه بلا علاج"([66])، إذا امتلأ القلب من الإخلاص لم يتلذذ العبد إلا بالتقرب إلى الله -عز وجل-، فلم يعد لهذه القاذورات من التعلق بالصور المحرمة محل في القلب، ولم يعد القلب أو صاحبه يتلذذ بالفواحش والمعاصي، ويتلذذ بأمور تسخط الله -عز وجل- عليه.

أسأل الله -عز وجل- أن ينفعني وإياكم به.



[1]- مقاييس اللغة (2/ 208).

[2]- انظر: مدارج السالكين (2/ 91)، والرسالة القشيرية (2/ 359)، والأذكار للنووي (ص: 34).

[3]- مدارج السالكين (2/ 92).

[4]- المصدر السابق.

[5]- الغنية لطالبي طريق الحق (2/ 111).

[6]- التعريفات، للجرجاني (ص: 14).

[7]- انظر: مدارج السالكين (2/ 91).

[8]- أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ المائدة:67، برقم (4612)، وبرقم (4855)، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ ق:39.

[9]- الفوائد لابن القيم (ص: 186).

[10]- الروح (ص: 227).

[11]- انظر: مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار (2/27)، وموارد الظمآن لدروس الزمان (4/66)، والمدهش (ص:418).

[12]- أخرجه البخاري، باب بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (1)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما الأعمال بالنية))، وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال، برقم (1907).

[13]- انظر: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (8/ 95).

[14]- الفوائد لابن القيم (ص: 49).

[15]- انظر: مدارج السالكين (2/ 107).

[16]- تاريخ دمشق لابن عساكر (24/ 339).

[17]- إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 8).

[18]- إحياء علوم الدين (4/ 378).

[19]- مجموع الفتاوى (10/ 14).

[20]- أخرجه معمر بن راشد في جامعه، برقم (20689)، والبيهقي في شعب الإيمان، برقم (6450).

[21]- أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (3/ 70).

[22]- المدخل لابن الحاج (1/ 6).

[23]- أخرجه النسائي، كتاب الجهاد، باب من غزا يلتمس الأجر والذكر، برقم (3140)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (1856).

[24]- أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، برقم (2985).

[25]- أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم، وخذله، واحتقاره ودمه، وعرضه، وماله، برقم (2564).

[26]- تقدم تخريجه.

[27]- صفة الصفوة (2/ 31).

[28]- أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-، باب من فضائل أويس القرني -رضي الله عنه-، برقم (2542).

[29]- انظر: جامع العلوم والحكم (1/ 69).

[30]- انظر: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/ 5)، وسير أعلام النبلاء (7/ 258)، وجامع العلوم والحكم (1/ 69).

[31]- جامع العلوم والحكم (1/ 85).

[32]- أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، برقم (220).

[33]- أخرجه النسائي، كتاب عشرة النساء، باب حب النساء، برقم (3939)، وفي الكبرى، برقم (8836)، وأحمد في المسند، برقم (12293)، وقال محققوه: "إسناده حسن"، وابن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة، برقم (322)، والبيهقي في السنن الكبرى، برقم (13454)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (3124).

[34]- أخرجه الترمذي، أبواب الزهد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (2376)، والنسائي في الكبرى، برقم (11796)، وأحمد في المسند، برقم (15784)، وقال محققوه: "إسناده صحيح"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5620).

[35]- قال الزهري رحمه الله: "ما رأينا الزهد في شيء أقل منه في الرياسة، نرى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال، فإذا نوزع الرياسة حامى عليها وعادى". مختصر منهاج القاصدين (ص: 209)

[36]- جامع العلوم والحكم (1/ 68).

[37]- سير أعلام النبلاء (8/ 400).

[38]- أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (1/ 244)، وابن أبي حاتم في تفسيره (4/ 1099)، برقم (6162), وابن كثير في تفسيره (2/ 442).

[39]- أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب من احتبس فرسًا في سبيل الله، برقم (2853).

[40]- جامع العلوم والحكم (1/ 68).

[41]- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 92).

[42]- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (7/ 287).

[43]- إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/ 121).

[44]- المصدر السابق.

[45]- المصدر السابق (2/ 122).

[46]- إحياء علوم الدين (4/ 381)

[47]- أخرجه النسائي، كتاب تحريم الدم، الحكم في المرتد، برقم (4067)، والبيهقي في السنن الكبرى، برقم (16879).

[48]- انظر: الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 48)، والمستدرك على مجموع الفتاوى (1/ 153).

[49]- حديث: ((ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا له إلا عوضه الله منه ما هو خير له في دينه ودنياه))أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 196)، وقال بوضعه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة، برقم (5)، وكذا في ضعيف الجامع، برقم (5041)، وانظر: تفسير ابن كثير (3/ 297)، و(6/ 274).

[50]- سير أعلام النبلاء (9/ 349).

[51]- أخرجه أبو داود في الزهد، برقم (112).

[52]- أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، برقم (3467)، ومسلم، كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، برقم (2245).

[53]- أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم، برقم (1914).

[54]- انظر: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (6/ 330)، وسير أعلام النبلاء (8/ 97).

[55]- مدارج السالكين (2/ 92).

[56]- أخرجه الترمذي، أبواب العلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، برقم (2658)، وابن ماجه، كتاب السنة، باب من بلغ علما، برقم (230)، وأحمد في المسند، برقم (21590)، وقال محققوه: "إسناده صحيح"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (6766).

[57]- مفتاح دار السعادة (1/ 72).

[58]- جامع العلوم والحكم (1/ 69).

[59]- أخرجه ابن حبان في صحيحه، برقم (200)، والطبراني في الكبير، برقم (63)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (2355).

[60]- مجموع الفتاوى (10/ 260-261).

[61]- أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، برقم (128)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار، برقم (32).

[62]- الفوائد لابن القيم (ص: 81).

[63]- زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 246).

[64]- مجموع الفتاوى (7/ 306).

[65]- العبودية (ص: 123)، ومجموع الفتاوى (10/ 215).

[66]- العبودية (ص: 90)، ومجموع الفتاوى (10/ 188).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 2
teleqram
trees
about