الثلاثاء 23 / ذو الحجة / 1447 - 09 / يونيو 2026
ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔوا۟ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ

المصباح المنير
مرات الإستماع: 0

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ۝ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ۝ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُُون [سورة الروم:8-10].

يقول تعالى منبهًا على التفكر في مخلوقاته، الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، فقال: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ يعني به النظر والتدبر والتأمل لخلق الله الأشياء من العالم العلوي والسفلي، وما بينهما من المخلوقات المتنوعة، والأجناس المختلفة، فيعلموا أنها ما خلقت سُدًى ولا باطلا بل بالحق، وأنها مؤجلة إلى أجل مسمى، وهو يوم القيامة؛ ولهذا قال: وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ.

 قوله هنا: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ كلام الحافظ ابن كثير - رحمه الله - قال: يعني به النظر والتدبر والتأمل لخلق الله الأشياء من العالم العلوي والسفلي وما بينهما من المخلوقات المتنوعة والأجناس المختلفة فيعلموا أنها لم تخلق سدى… إلى آخره، بهذا تكون الأنفُس ظرفاً للتفكر يعني يتفكر في قلبه في داخل نفسه، ويجيل النظر فحينما ينظر في خلق الله - تبارك وتعالى - السماوات والأرض وما إلى ذلك يعلم أنها ما خلقت عبثا ولا باطلاً، ويتوصل بذلك إلى المطالب العظيمة التي تحصل من جراء هذا التفكر من توحيد الله ومعرفة أوصافه الكاملة، وكذلك ما يصير الناس إليه من البعث والنشور والعدل الذي يقيمه الله بين الخلائق فيحكم بينهم فيكون هنا قوله: فِي أَنْفُسِهِمْ - هذا على كلام ابن كثير - "في" للظرفية فِي أَنْفُسِهِمْ يتفكروا في أنفسهم فمحل التفكر وظرفه يكون في النفوس يعني في القلب يتفكروا في قلوبهم مثلاً، لا أعني بالضرورة أو بدقة أن النفس هي القلب، لا أعني هذا الآن، لكن لتقريب المعنى يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ يجيل النظر في قلبه ويتبصر وينظر ويتدبر في هذه المخلوقات يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ والله - تبارك وتعالى - جعل للناس السمع والأبصار والأفئدة من أجل أن يتفكروا ويتدبروا ويكتسبوا بذلك العلوم الغائبة عنهم أو التي لا تحصل إلا بالتطلب والنظر والتفكر، فيحصل لهم الاعتبار وما إلى ذلك من نتائج التفكر فتكون النفس ظرفاً له، ويحتمل أن يكون ذلك - أعني النفس - مفعولاً للتفكر، يتفكر في نفسه ينظر في خلق الله - تبارك وتعالى - لهذا الإنسان، تفكر في نفسك وما أعطاك الله وحباك فتكون النفس مفعولاً للتفكر يعني يكون التفكر واقعاً عليها وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ [سورة الذاريات:21] فهذا الإنسان في خلقه والأطوار التي يمر بها من النطفة إلى العلقة إلى المضغة ثم بعد ذلك يتحول إلى شيء آخر ثم يكون على أطوار، وبعدما يخرج إلى هذه الحياة، كل ذلك يدل على قدرة الله، ويدل على أن هذه الحياة لها منتهى وأن هذا ليس بنهاية المطاف، فهذا التفكر يدل على أشياء، لو نظر في نفسه وهو في بطن أمه له أرجل، ولكن لا يحتاج إليها، له يد لا يحتاج إليها، له أعين لا يحتاج إليها، له سمع لا يحتاج إليه، فهو معد لمرحلة أخرى فيخرج إلى هذه الحياة الدنيا، ثم بعد ذلك لو نظر في حاله في هذه الحياة الدنيا لعلم أن هناك أشياء لا يمكن أن تتحقق في هذه الحياة وهي في نفس الإنسان، وإنما تتحقق في مرحلة أخرى بعد ذلك فيكون المعنى: أفلم يتفكروا في خلق الله إياهم في أنفسهم لم يكونوا شيئاً، ثم صرفهم على أحوال وأطوار حتى صاروا رجالاً فيستدلون بذلك على ما ذكر، وهذا المعنى هو الذي اختاره ابن جرير - رحمه الله -، وظاهر كلام ابن كثير على المعنى الأول، والآية تحتمل هذا وهذا، ولو قال قائل: إنها تحمل على هذا، وإن القرآن دل على معنيين لم يكن ذلك بعيداً - والله أعلم -، فالقرآن يعبر بالألفاظ القليلة الدالة على المعاني الكثيرة، فالتفكر يجول في النفس، في القلب، ينبعث منه، وأيضاً نظرُ الإنسان إلى خلق الله فيه وما صرفه فيه من الأطوار والأحوال وما إلى ذلك دال على كمال قدرته وحكمته، ويستدل به إلى ما وراء ذلك أي ما يصير إليه الإنسان، ولابد من الموت والفناء ثم البعث والنشور، يبدو هلالاً ثم يكمل بدراً، ثم إذا أراد الله له صار إلى الذبول فيتحول إلى هلال حق حتى ينطفئ ثم يفارق هذه الحياة الدنيا، - والله تعالى أعلم -، ولو قيل: إنها تحمل على المعنيين لم يكن ذلك بعيداً، ولهذا قال تعالى: وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ، وقوله - تبارك وتعالى -: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ، ففكروا في أنفسهم مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ فما هذه بعضهم يقول: نافية، وبعضهم يقول: هي اسم في محل نصب على إسقاط الخافض يعني أولم يتفكروا بما خلق الله، وأن العامل فيها العلم الذي يؤدي إليه التفكر يعني سيعلموا، أي يحصل لهم من جراء هذا التفكر العلم، يتفكروا بما خلق الله، لكن كأن الأول أقرب نظراً للسياق أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ إذا كانت نافية هذا أقرب -والله تعالى أعلم-، يتفكروا فيحصل لهم العلم بذلك وأن الله ما خلق السماوات والأرض إلا بالحق، وبعضهم – كالزجاج - يقول: في الكلام حذف "أولم يتفكروا فيعلموا" فـ "ما" تكون على هذا معمولة للفعل المقدر لا العلم المدلول عليه، "أولم يتفكروا فيعلموا ما خلق الله السماوات والأرض إلا بالحق"، ونتيجة هذا التفكر العلم بأن ذلك حق، فإذا حصل لهم إجالة الفكر والفكر كما يقول أهل المنطق هو نظر العقل، حركة العقل في المعقولات هذا هو الفكر، وحركته في المحسوسات يقولون هي التخيل، فهذا التفكر قريب من التدبر، فإذا أجال فكره في المعقولات وربط بين المعاني توصل إلى نتيجة من جراء هذا التفكر، فالتفكر يكون معه حكم ربط أمر بآخر وتخرج بحكم، بخلاف القضايا التي يسمونها التصورية - التصورات كلها عند أهل المنطق - فالتصورات مثل التعاريف، تعرف أن الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بأدلتها التفصيلية مثلاً هذا تصور، لكن هل عرفتَ مسألةً الآن من هذا فقهية؟ هل صرتَ فقيها؟ لا، فهذا يسمونه تصوراً، فالحكم يكون مع التفكر، والتفكير يكون في المعاني، يقولون: أما إجالة الذهن في المحسوسات فهي التخيل أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، يتفكروا يحصل لهم العلم بأن ذلك حق وأنه ليس للعبث، أن الله ما خلق السماوات والأرض للهو والعبث والباطل، مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بينهما: بين السماوات والأرض السحاب مثلاً، كل ما بين السماء والأرض وكذلك الهواء والطيور فهو يشمل ذلك جميعاً، ولهذا قال الله : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ [سورة الملك:19] فهذا مما يرونه بين السماء والأرض ففي صفّ أجنحتها وقبضها آية من آيات الله ، من الذي يمسكها في الهواء فلا تسقط؟ الله - تبارك وتعالى - هو الذي سخر لها ذلك، وهكذا ما يحصل من التسخير مما يشبهه مما توصل الناس إليه اليوم عن طريق الطيران في الهواء، من الذي يمسكها كما أمسك الفلك - المراكب البحرية - على الماء ولفت الأنظار إلى هذا وأنه وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ [سورة الشورى:32]، كأن الواحد على جبل، تمشي على الماء كأنها على يابسة مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ابن كثير ما تكلم على هذا المعنى وَأَجَلٍ مُّسَمًّى، لم يتطرق إليها، ما فيه شيء، قوله هنا: إِلَّا بِالْحَقِّ يحتمل أن تكون الباء للسببية يعني إلا لسبب الحق، ما خلقها إلا لسبب الحق، ويحتمل أن تكون الباء مع مجرورها في محل نصب على الحال فتكون حالية، بالحق حال، ويحتمل أن تكون بمعنى مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ يعني إلا متلبسة، إلا خلقاً متلبساً بالحق، ما خلق ذلك إلا بالحق، خلقها خلقاً متلبساً بالحق، وهذا من أوضح المعاني في تفسيرها، وهو الذي ذهب إليه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله -، وبعضهم كالفراء يقول: إِلَّا بِالْحَقِّ يعني الثواب والعقاب، أنه خلقها لغاية وهي ليست للعبث، وبعضهم كابن جرير يقول: إِلَّا بِالْحَقِّ بأمر العدل، وبه قامت السماوات والأرض، وبعضهم يقول: بالحكمة، وبعضهم يقول: الله هو الحق وللحق خلقها يعني مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ، قال: هو الحق، وللحق خلقها، ما هو هذا الحق الذي خلقها له؟ يدخل بهذا ما ذكره ابن جرير: العدل، ويدخل فيه ما ذكره الفراء: الثواب والعقاب، فهذا من العدل فهو بمعناه، وإن كان العدل أوسع من هذا وأعم - والله تعالى أعلم -، والمعنى العام أن الله ما خلقها عبثا وإنما لغاية، وهذه الغاية خلقها خلقاً متلبساً بالحق، وهو ظاهر، لكن حينما يقول: والله خلقها لغاية، تقول: الثواب والعقاب وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [سورة الجاثية:22]، للعدل، هذه المعاني متقاربة يعني في تفسير الغاية التي خلق الله من أجلها السماوات والأرض، "إلا بالحق وأجل مسمى" في الأصل ما ذكره في تفسير الأجل المسمى هو القيامة، هكذا قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله -: بعضهم يقول هو معطوف على بالحق، خلقها بالحق وبأجل مسمى تنتهي إليه وهو يوم القيامة، ولهذا يقول بعض المفسرين بأن خلق الخلق ينتهي إلى أجل حدده هو يوم القيامة، وبعضهم يقول: إن المقصود بذلك أن الله خلقها بأجلٍ قدره، يعني في وقتٍ قدره هو أن توجد فيه هذه المخلوقات السماوات والأرض وما بينهما، فكل كائن فيهما ومخلوق فإن الله قد قدر له وقتاً يوجد ويخلق فيه لا يتعداه لا يتقدم على ذلك ولا يتأخر عنه، وهذا المعنى الثاني، المعنى الأول: وأجل مسمى يعني تنتهي إليه، والمعنى الآخر: خلقها بالحق وأجل مسمى توجد فيه، إذا قلنا: إنه ما خلقها إلا بالحق يعني لغاية عظمى، وإن ذلك ليس للعبث فكأن الأقرب - والله تعالى أعلم - أن يكون المعنى وأجل مسمى تنتهي إليه، فذلك أعلق لهذا المعنى وهو أنه خلقها لغاية وسيكون لها نهاية حددها الله - تبارك وتعالى - وهو يوم القيامة، وهذا الذي رجحه ابن جرير وبعض المحققين المعاصرين كالشيخ محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله.

قالوا: ولهذا قال الله تعالى: وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ يناسب - أي المعني - ما تنتهي إليه مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لغاية عظمى وحكمة كبرى وأجل مسمى تنتهي إليه قال: وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ فلو تفكروا لعرفوا ذلك وتوصلوا بهذا التفكر إلى هذه النتيجة، ولم يحصل منهم كفر.

ثم نبههم على صدق رسله فيما جاءوا به عنه، بما أيدهم به من المعجزات، والدلائل الواضحات، من إهلاك مَنْ كفر بهم، ونجاة مَنْ صدقهم، فقال: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ أي: بأفهامهم وعقولهم ونظرهم وسماعهم أخبار الماضين؛ ولهذا قال: فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً أي: كانت الأمم الماضية والقرون السالفة أشد منكم - أيها المبعوث إليهم محمد - صلوات الله وسلامه عليه - وأكثر أموالا وأولادا، وما أوتيتم معشار ما أوتوا، ومُكنوا في الدنيا تمكينا لم تبلغوا إليه، وعمروا فيها أعمارًا طوالا فعمروها أكثر منكم، واستغلوها أكثر من استغلالكم، ومع هذا لما جاءتهم رسلهم بالبينات وفرحوا بما أوتوا، أخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله مِنْ واق، ولا حالت أموالهم ولا أولادهم بينهم وبين بأس الله، ولا دفعوا عنهم مثقال ذرة، وما كان الله ليظلمهم فيما أحل بهم من العذاب والنكال وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي: وإنما أوتوا من أنفسهم حيث كذبوا بآيات الله، واستهزءوا بها، وما ذاك إلا بسبب ذنوبهم السالفة وتكذيبهم المتقدم.

أي: وإنما أوتوا من أنفسهم، وفي قوله - تبارك وتعالى - عن هؤلاء الأمم: كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً المتبادر لدى الكثيرين من المفسرين في عصرنا هذا - عامة الخلق عامة الناس من المسلمين وغيرهم - أنه ما أعطيه الناس اليوم من أسباب التقدم المادي والمعرفة والحذق بهذه الأمور أن ذلك لم يحصل لأحد من الأمم قبلنا، لم يحصل لجيل من الأجيال، وهذا الكلام غير صحيح، نحن لا نعرف التفاصيل، لكن ما يقوله أصحاب نظرية التطور وما أفرزت به هذه النظرية من أن الخلق مر بأطوار، أن البشر مروا بأطوار، ويذكرون العصور العصر الحجري، والعصر البرونزي هذا كله كذب ولا حقيقة له، هذا لا حقيقة له، والله أخبر أنه خلق آدم وكرمه وعلمه الأسماء كلها ما فيه حالة من الجهالة والعماية، أنزله من الجنة، كان الناس على التوحيد كما جاء عن ابن عباس - ا - عشرة قرون ثم بعد ذلك وقع الشرك، ولا زال الأنبياء يأتون إلى أقوامهم والآثار الباقية من تلك الأقوام تدل على حذق لم يتوصل الناس إلى أسبابه إلى اليوم، وانظروا على سبيل المثال في هذا الحذق فيما بقي من أمثال هؤلاء: الأهرام على سبيل المثال كيف استطاعوا بناء هذه الأهرام بهذه الضخامة، ونقل هذه الأحجار الضخمة، وعامة المؤرخين يقولون: إن ذلك لا يعرف له تاريخ، وبما أنه لا يعرف له تاريخ فيرجحون أنه كان قبل الطوفان مع أنهم دخلوها ووصفوا ما في داخل هذه الأهرام، ذكروا التوابيت وذكروا الأشياء هذا كله ذكروه أقرءوا في خطط المقريزي، وفي حسن المحاضرة للسيوطي لما ذكر أخبار مصر والقاهرة، ذكروا هذه الأشياء كلها، كيف بنيت؟ بقايا أرض ثمود الجبال المنحوتة بنحت أملس وعجيب مع زخارف ما زالت موجودة، وصور طيور، وصور أشياء على مداخلها، كيف توصلوا إلى هذا النحت؟ هذه الجبال الوادي ميلان، طويل لا تستطيع أن تمشي فيه طولاً وعرضاً على قدميك إلا بشق الأنفس، وهي دور منحوتة بهذه الطريقة الدقيقة في النحت تشاهدون صورها كيف توصلوا إلى هذا؟ وهل كان ذلك بأشياء بسيطة وآلات متخلفة كما يوضع في بعض المتاحف يصور الناس ويقال: في العصر الحجري؟ يأتون بقطعة حجر مستطيلة تجدها في أي مكان في كسر من الحصى، ويقولون: هذه تستعمل عندهم لكذا، وهذه تستعمل عندهم لكذا، وهذه قبل مليون وقبل كم سنة، كله كذب ورجم بالغيب، مكان بعيد، فمثل هذه الأشياء كيف توصلوا إليها مع أن الأرض تحوي في داخلها ما الله به عليم مما طُمر، وعلى سبيل المثال أبو الهول هذا الصنم رأسه رأس إنسان وجسمه جسم أسد، هذا ضخم، وهذا كان مدفوناً ولا يعرف، وإنما لما جاءت الحملة الفرنسية ومعهم مائة وستة وأربعون عالماً في الآثار بدءوا ينبشون ويحفرون فاستخرجوا هذه الأشياء، وقبل مدة قريبة في الطريق رأيت مكان قلعة ضخمة جداً كبيرة أهل البلد هذه: نحن نسكن هنا، هذه بيوتنا مدفونة، مع أنه لا يتبادر أنها مدفونة؛ لأنها أرض صخرية جبال دُفنت، فلما حُفرت بدت جدرانها ضخمة وبركة ماء ضخمة في داخلها مسبح وأشياء عجيبة في غاية الإحكام في البناء، فهؤلاء الذين عمروا هذه الأشياء وشيدوها، وكل عجائب الدنيا السبع التي يقولون عنها عجائب الدنيا السبع كانت للسابقين ليس للمعاصرين منها شيء، ظنُّ الناس غرورُ الناس في هذا العصر أنهم توصلوا إلى أشياء ما توصل إليها السابقون، هذا غير صحيح لكن نحن لا نعرف تفاصيل، لكن نرى من الآثار ما يدل على هذا، والله تعالى أعلم.

ولهذا قال: ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُُون، كما قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [سورة الأنعام:110]، وقوله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [سورة الصف:5]، وقال: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [سورة المائدة:49].

وقيل: بل المعنى في ذلك: ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أي: كانت السوءى عاقبتهم؛ لأنهم كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون، فعلى هذا تكون السوءى منصوبة خبر كان، هذا توجيه ابن جرير، ونقله عن ابن عباس وقتادة، ورواه ابن أبي حاتم عنهما وعن الضحاك بن مُزاحم، وهو الظاهر، والله أعلم، لقوله: وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ.

هنا يقول: كانت السوءى عاقبتهم لأنهم كذبوا بآيات الله يعني صار أمرهم إلى السوء، وآل أمرهم إلى البوار والهلاك في الدنيا والآخرة، وعبارة ابن جرير - رحمه الله - يقول: ثم كان آخر أمر من كفر من هؤلاء الذين أثاروا الأرض وعمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات وكذبوا رسلهم فأساءوا بذلك من فعلهم، يقول: السوءى يعني الخلة التي هي أسوأ من فعلهم، أساءوا فلحق بهم وأصابهم وآل أمرهم إلى السوء أو إلى عاقبة سيئة جراء فعلهم يعني الكفر والتكذيب، يقول: أما في الدنيا فالبوار والهلاك، أهلكهم الله بالعذاب المستأصل -الأمم المكذبة-، وأما في الآخرة فالنار، أَن كَذَّبُوا يعني لأن كذبوا، لأنهم كذبوا.

توجيه ابن جرير هو الذي سبق منذ قليل وهو الذي ذكره ابن كثير هنا، كانت السوءى عاقبتهم، والمختصر حذف قولاً آخر وهو أنها مفعول لأساءوا، أساءوا السوءى يعني فعلوا الفعلة السيئة، ماذا كانت عاقبتهم؟ التكذيب أَن كَذَّبُوا فآل أمرهم إلى التكذيب بسوء فعلهم، والمعنى الآخر الذي اختاره ابن كثير وابن جرير أنها خبر لكان، آل أمرهم إلى السوءى، وذلك عدل من الله - تبارك وتعالى - وما ظلمهم، ذلك لأنهم كذبوا بآيات الله - تبارك وتعالى -، هذه العاقبة السيئة بتكذيبهم، فعل السوءى الكفر؟، لا، الآن لما حاربوا الرسل وقالوا عنهم ما قالوا كانت نتيجة فعلهم هذا: التكذيب بما جاءوا به، رد ما جاءوا به، من توحيد الله وتصديق رسله - عليهم الصلاة والسلام - ورد شرائع الله، فآل أمرهم إلى التكذيب، فالسوءى الذي فعلوه رأسه الكفر ويتفرع عنه كل أمر قبيح صدر عنهم، فآل بهم ذلك إلى التكذيب.

قال تعالى: ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُُوا السُّوأَى [سورة الروم:10]، أي عملوا السيئات من الشرك والمعاصي، والسُّوأى هي فُعلى من السوء تأنيث الأسوأ وهو الأقبح، أي كان عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات، وقيل: هي اسم لجهنم كما أن الحسنى اسم للجنة، ويجوز أن تكون مصدراً كالبشرى والذكرى وصفت به العقوبة مبالغة، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو عَاقِبَةُ بالرفع على أنها اسم كان، وتذكير الفعل لكون تأنيثها مجازياً، والخبر السوأى أي الفعلة أو الخصلة أو العقوبة السوأى، أو الخبر أَن كَذَّبُوا أي كان آخر أمرهم التكذيب، وقرأ الباقون عَاقِبَةَ بالنصب على خبر كان، والاسم السوأى، أو أَن كَذَّبُوا ويكون التقدير ثم كان التكذيبُ عاقبةَ الذين أساءوا، والسُّوأى مصدر أساءوا أو صفة لمحذوف، وقال الكسائي: إن قوله: أَن كَذَّبُوا في محل نصب على العلة، أي لأن كذبوا بآيات الله التي أنزلها على رسله أو بأن كذبوا، ومن القائلين بأن السوأى جهنم الفراء والزجاج وابن قتيبة وأكثر المفسرين، وسميت السوأى لكونها تسوء صاحبها، قال الزجاج: المعنى: ثم كان عاقبة الذين أشركوا النار بتكذيبهم آيات الله واستهزائهم، وجملة: وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون عطف على "كذّبوا" داخلة معه في حكم العلية على أحد القولين، أو في حكم الإسمية لكان أو الخبرية لها على القول الآخر.

قال العلامة الشنقيطي - رحمه الله -: " قرأ هذا الحرفَ نافع وابن كثير وأبو عمرو: كان عاقبةُ، بضم التاء اسم كان، وخبرها السوأى، وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ثم كان عاقبةَ الذين، بفتح التاء خبر كان، قدم على اسمها، على حد قوله في الخلاصة:

وفي جميعِها توسُّطَ الخبرِ أجِزْ ....

وعلى هذه القراءة فـ السوأى اسم كان، وإنما جرد الفعل من التاء مع أن السوأى مؤنثة لأمرين:

الأول: أن تأنيثها غير حقيقي.

والثاني: الفصل بينها وبين الفعل، كما هو معلوم، وأما على قراءة ضم التاء فوجه تجريد الفعل من التاء هو كون تأنيث العاقبة غير حقيقي فقط.

وأظهر الأقوال في معنى الآية عندي أن المعنى على قراءة ضم التاء: كانت عاقبةُ المسيئين السوأى، وهي تأنيث الأسوأ، بمعنى: الذي هو أكثر سوءاً، أي: كانت عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات، أي: أكثرها سوءاً وهي النار، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها"[1].

  1. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (6/170).