سورة الروم 2 من الآية 10 إلى 27
عدد الزوار : 5644
تاريخ الإضافة : 23 جمادى الآخر 1432
MP3 : 9744 kb
PDF : 166 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة الروم من الآية (10) إلى الآية (27)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً، وبعد.

قال تعالى: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُُوا السُّوأَى} [سورة الروم:10]، أي عملوا السيئات من الشرك والمعاصي، والسُّوأى هي فُعلى من السوء تأنيث الأسوأ وهو الأقبح، أي كان عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات، وقيل: هي اسم لجهنم كما أن الحسنى اسم للجنة، ويجوز أن تكون مصدراً كالبشرى والذكرى وصفت به العقوبة مبالغة، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {عَاقِبَةُ} بالرفع على أنها اسم كان، وتذكير الفعل لكون تأنيثها مجازياً، والخبر السوأى أي الفعلة أو الخصلة أو العقوبة السوأى، أو الخبر {أَن كَذَّبُوا} أي كان آخر أمرهم التكذيب، وقرأ الباقون {عَاقِبَةَ} بالنصب على خبر كان، والاسم السوأى، أو {أَن كَذَّبُوا} ويكون التقدير ثم كان التكذيبُ عاقبةَ الذين أساءوا، والسُّوأى مصدر أساءوا أو صفة لمحذوف، وقال الكسائي: إن قوله: {أَن كَذَّبُوا} في محل نصب على العلة، أي لأن كذبوا بآيات الله التي أنزلها على رسله أو بأن كذبوا، ومن القائلين بأن السوأى جهنم الفراء والزجاج وابن قتيبة وأكثر المفسرين، وسميت السوأى لكونها تسوء صاحبها، قال الزجاج: المعنى: ثم كان عاقبة الذين أشركوا النار بتكذيبهم آيات الله واستهزائهم، وجملة: {وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون} عطف على "كذّبوا" داخلة معه في حكم العلية على أحد القولين، أو في حكم الإسمية لكان أو الخبرية لها على القول الآخر.

قال العلامة الشنقيطي -رحمه الله-: " قرأ هذا الحرفَ نافع وابن كثير وأبو عمرو: كان عاقبةُ، بضم التاء اسم كان، وخبرها السوأى، وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ثم كان عاقبةَ الذين، بفتح التاء خبر كان، قدم على اسمها، على حد قوله في الخلاصة:

وفي جميعِها توسُّطَ الخبرِ أجِزْ ***

وعلى هذه القراءة فـ السوأى اسم كان، وإنما جرد الفعل من التاء مع أن السوأى مؤنثة لأمرين:

الأول: أن تأنيثها غير حقيقي.

والثاني: الفصل بينها وبين الفعل، كما هو معلوم، وأما على قراءة ضم التاء فوجه تجريد الفعل من التاء هو كون تأنيث العاقبة غير حقيقي فقط.

وأظهر الأقوال في معنى الآية عندي أن المعنى على قراءة ضم التاء: كانت عاقبةُ المسيئين السوأى، وهي تأنيث الأسوأ، بمعنى: الذي هو أكثر سوءاً، أي: كانت عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات، أي: أكثرها سوءاً وهي النار، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها"([1]).

{اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [سورة الروم:11-16].

يقول تعالى: {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} أي: كما هو قادر على بَداءته فهو قادر على إعادته، {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، أي: يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله.

ثم قال: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} قال ابن عباس: ييأس المجرمون.

وقال مجاهد: يفتضح المجرمون، وفي رواية: يكتئب المجرمون.

{وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ} أي: ما شفعت فيهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله، وكفروا بهم وخانوهم أحوج ما كانوا إليهم.

ثم قال: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ}: قال قتادة: هي -والله- الفرقة التي لا اجتماع بعدها، يعني: إذا رفع هذا إلى عليين، وخفض هذا إلى أسفل السافلين، فذاك آخر العهد بينهما؛ ولهذا قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} قال مجاهد وقتادة: ينعمون.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله -تبارك وتعالى-: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ} قال ابن عباس: ييأس المجرمون، قال مجاهد: يفتضح المجرمون، وفي رواية يكتئب، فهذه ثلاث عبارات يفتضح ييأس يكتئب، وأصل الإبلاس قال: أبلس الرجل إذا سكت وانقطعت حجته، ولم يهتدِ إليها يعني سكت فقطعت حجته، ولم يهتدِ إليها يقال: أبلس، هذا السكوت مع انقطاع الحجة قال له: إبلاس، ومن فسره بأنه ييأس فإن ذلك لا ينافي ما ذكر فإنه حينما يسكت وتنقطع حجته ولا يهتدي إليها فذلك يعني يأسٌ هو، وهكذا قول من قال: إنه يكتئب فإن مقتضى هذه الحال التي صار إليها تئول به إلى الكآبة، حينما يصير الإنسان إلى حال تنقطع فيها حجته عند الحساب ولا يجد عذراً ولا جواباً ولا حجة يحتج بها على إجرامه فإنه عند ذلك يكتئب فيكون سكوته سكوت يأس وانقطاع تحصل معه الكآبة، فكأن الكآبة من لازمه أو أنها أثر من آثاره، ونحن نعلم أن السلف -رضي الله عنهم- تارة يفسرون باللازم، وتارة يفسرون ببعض المعنى، وهذا أصل الإبلاس ولهذا فسره ابن جرير     -رحمه الله- باليأس والكآبة والندم فجمع بعض هذه المعاني، وقوله -تبارك وتعالى-: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ}، يعني فريق إلى الجنة وفريق إلى النار هذا المراد وإلا فإن الله -تبارك وتعالى- قال: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [سورة الصافات:22] ونظراءهم وأشباههم ومن شاكلهم، لكن التفرق المذكور هنا ما ذَكر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير، قال: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} أمّا هذه كما يقول سيبويه بمعنى دع ما كنا فيه وخذ في غيره، يعني بمعنى مهما يكن من أمر -من شيء- فخذ في غير ما كنا فيه، وقوله -تبارك وتعالى-: {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} يقول قال مجاهد        وقتادة: ينعمون، الروضة تقال في كلام العرب لكل أرض ذات نبات، وكثير منهم يقيد ذلك بقيد وهي الأرض المنخفضة ذات النبات، ولا شك أن هذه الروضة أنها تكون معشبة تتميز عن غيرها فيكثر فيها النبات، وليس كل أرض وجد فيها نبات يقال لها: روضة، وهذا أمر معلوم، فيقولون: الأرض التي تكون منهبطة منسفلة منخفضة روضة، وإذا كانت مرتفعة يقال لها تُرعة، هذا هو المشهور الذي قال به أبو عبيد القاسم بن سلام   -رحمه الله-، مع أن بعضهم قال: إن الروضة تكون مرتفعة، وليس المقصود هنا أنها منهبطة لكن هذا في الدنيا في رياضها، فالعرب تقول ذلك في روضات الدنيا، وأما ما يتصل بالجنة فلا شك أنها ليست منهبطة وليست منخفضة وإنما عالية مرتفعة، {فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} ولكن القرآن خاطب الناس خاطب العرب بما عهدوا من ألوان النعيم واللذات والسرور، ولما كانوا يعيشون في أرض مجدبة قاحلة كما نشاهد فإن الروضات عندهم هي محل الأنس واللذة والسرور والحبور فيبتهجون بها ويسرون لندرة ذلك في بلادهم بخلاف البلاد التي هي جنات وأنهار فإن الروضة بالنسبة إليهم لا تعني شيئاً كثيراً فبلادهم لربما تكون روضة وأن ذلك مما يكون قليلاً في وصفها وفي حقها، وأما الحبور فهنا قال: يحبرون أي ينعمون، الحبور يقال: للسرور، والحبرة هي السرور، وبعضهم يقول: أي يكرمون، ولا شك أن ذلك حاصل لهم ولازم دخولهم الجنة فإنهم يسرون ويكرمون، فإن دخولها يستلزم النعيم والإكرام، وبعضهم يقول: إن الحبور المقصود به السماع، أن الحور العين تغنيهم فيسمعون الأصوات الحسنة الجميلة المطربة، فالحبور هو السرور والغبطة، ومن لازمه الإكرام، لازم دخول الجنة الإكرام فهم يكرمون فيها، ومن قال: إن المعنى يكرمون فهذا لا يحتاج معه إلى ترجيح، وإنما يقال: هذا من لازم دخول الجنة، فإذا حصل لهم هذا الإكرام فإنهم يسرون لذلك، والحبور أعم من هذا كله، صحيح هم يسرون وينعمون فيدخل فيه هذه المعاني سواء كان ذلك بسبب مما يشاهدون في هذه الجنة في روضة يحبرون، أو كان ذلك مما يسمعون أو كان ذلك مما يحصل لهم من الإكرام فكل ما في الجنة يدعو إلى الحبور والسرور؛ لأنهم يجدون فيها أنواع اللذات الكاملة.

{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} [سورة الروم:17-19].

هذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده، في هذه الأوقات المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه: عند المساء وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح وهو إسفار النهار عن ضيائه.

ثم اعترض بحمده، مناسبة للتسبيح وهو التحميد، فقال: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} أي: هو المحمود على ما خلق في السماوات والأرض.

ثم قال: {وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} فالعشاء هو: شدة الظلام، والإظهار: قوة الضياء، فسبحان خالق هذا وهذا، فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا، كما قال: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} [سورة الشمس:3-4]، وقال {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [سورة الليل:1-2]، وقال: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [سورة الضحى:1-2]، والآيات في هذا كثيرة.

فقوله -تبارك وتعالى-: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} حين تمسون يعني تدخلون في المساء، وحين تصبحون يعني تدخلون في وقت الصباح قال: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} عامة أهل العلم يقولون: إن هذه الآية تضمنت الصلوات الخمس، وفسروها بذلك، وعباراتهم في هذا متقاربة، فقوله -تبارك وتعالى- هنا: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} حين تمسون، المساء يبدأ من بعد الزوال، حين تمسون وحين تصبحون، فالحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا يقول: عند المساء وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح وهو إسفار النهار، فقوله -تبارك وتعالى-: {حِينَ تُمْسُونَ} يصدق على أي الصلوات؟ إذا قلنا من بعد الزوال فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، حين تمسون {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} يعني الفجر، ولكن الله -تبارك وتعالى- قال هنا: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَعَشِيًّا} العشيّ فسره بعضهم بأنه وقت المغرب إلى العتمة، هكذا قال بعضهم، وبعضهم فسره بما فسر به المساء، قالوا من بعد الزوال إلى الفجر "عشياً" فيدخل فيه على هذا الصلوات جميعاً الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقوله -تبارك وتعالى-: {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} هذا الظهر، فيبقى عندنا إذا أخرجنا الظهر بهذا {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} يعني الفجر، وصار عندنا {حِينَ تُمْسُونَ} أيضاً والعشي حين تمسون فبقي من الصلوات صلاة العصر والمغرب والعشاء، فإذا فُسر العشي بما بعد الزوال فيكون المقصود العصر مثلاً، و{حِينَ تُمْسُونَ} يكون المغرب والعشاء، وإذا فُسر المساء بأنه ما بعد الزوال فلأن الظهر ذكرت فيكون في المساء حين تمسون صلاة العصر، وإذا قلنا: العشي ما بعد المغرب، أو المغرب بعد غروب الشمس وليس المقصود بعد الصلاة إلى العتمة فتكون صلاة المغرب والعشاء، عبارات المفسرين متقاربة في هذا، وقالوا: إن هذه الآية تنتظم الصلوات الخمس، {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} فهي ليست صريحة في ذلك إنما ذكر فيها التسبيح والتحميد ولكن الصلوات متضمَّنة في هذا ففهم منها الإشارة إلى الصلوات الخمس، ويبقى أصل المعنى أن الذكر يتجدد في هذه الأوقات في أول النهار وفي آخره في الصباح والمساء فهذا كله وقت للذكر؛ ولذلك فإن أذكار الصباح تقال بعد صلاة الفجر، وله في ذلك متسع إلى ما قبل الزوال كل هذا يقال له: صباح، ثم بعد ذلك يأتي المساء من بعد الزوال فلو أن أحداً قال الأذكار بعد الظهر أجزأه، يكون قال ذلك في المساء، ولو قاله بعد العصر فهذا أيضاً يقال في وقت المساء، وكأن أحسن الوقت -والله تعالى أعلم- بعد العصر حينما تنكسر الشمس، حيث تصفر فهو وقت الأصيل فيكون الذكر بالغدو والآصال في أول النهار، وفي آخر النهار، قبل الصبح قبل أن تشتد الشمس ويقوى ضياء النهار، وفي المساء تذبل الشمس وتضعف وتصفر، لكن لو أن أحداً قال الأذكار بعد صلاة المغرب فإنه يكون قد جاء بها في وقتها في المساء، وفي العشي لو قالها بعد العشاء يعتبر تأخر لكنه لا زال في الوقت، والله تعالى أعلم.

فالصلوات الخمس داخلة في ذلك، والذكر أيضاً التسبيح والتحميد كل ذلك داخل فيه، وابن جرير -رحمه الله- وكثير من المفسرين قبله وبعده حملوها على الصلوات الخمس.

وقوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} هو ما نحن فيه من قدرته على خلق الأشياء المتقابلة، وهذه الآيات المتتابعة الكريمة كلها من هذا النمط، فإنه يذكر فيها خلقه الأشياء وأضدادها، ليدل خلقه على كمال قدرته، فمن ذلك إخراج النبات من الحب، والحب من النبات، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض، والإنسان من النطفة، والنطفة من الإنسان، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.

هذا الذي ذكره الحافظ ابن كثير -رحمه الله- جمع فيه عبارات السلف -رضي الله تعالى عنهم- فإنهم فسروا قوله -تبارك وتعالى-: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ}، وهذا كله من قبيل التفسير بالمثال، حينما يقولون: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} الإنسان من النطفة، والدجاجة من البيضة، وما يظهر على هذا ما يذكره علماء الحيوان مثلاً في هذا العصر من أن الفرخ أو النطفة الحيوان المنوي حي إلى آخره، إذا ذكرت الحياة والموت في القرآن وفي لغة المتقدمين من الفقهاء وغيرهم فإنهم يطلقون ذلك على ما فيه روح، ومن ثم فإنهم يقولون عن النطفة: إنها ميتة فلا يشكل على هذا أن الحيوان المنوي حي وأنه يسبح إلى آخره حتى يصل إلى البويضة فيلقحها، هذا لا يقصدونه ولا يلتفتون إليه، وإنما يعتبرون النطفة ميتة فيخرج منها الإنسان فهذا مثال يصدق على قوله: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} فيدخل هذا به كله، ويدخل فيه من جهة المعنى والاتساع فيه: إخراج المؤمن من الكافر، ولهذا بعض المفسرين في هذا {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} يقول: البيضة تخرج من الدجاجة، والنطفة تخرج من الإنسان وما أشبه هذا، فكل هذه العبارات ابن كثير -رحمه الله- جمعها فهذا من قبيل اختلاف التنوع لا يحتاج إلى ترجيح.

وقوله: {وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} كقوله: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ...} إلى قوله: {وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ} [سورة يس:33-34]، وقال: {وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ...} إلى قوله: {وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [سورة الحج:5-7]، وقال: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [سورة الأعراف:57]؛ ولهذا قال هاهنا: {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}.

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم:20-21].

يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ} الدالة على عظمته وكمال قدرته أنه خلق أباكم آدم من تراب، {ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ}، فأصلكم من تراب، ثم من ماء مهين، ثم تَصَوّر فكان علقة، ثم مضغة، ثم صار عظاما، شكله على شكل الإنسان، ثم كسا الله تلك العظام لحما، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو سميع بصير، ثم خرج من بطن أمه صغيرا ضعيف القوى والحركة، ثم كلما طال عمره تكاملت قواه وحركاته حتى آل به الحال إلى أن صار يبني المدائن والحصون، ويسافر في أقطار الأقاليم، ويركب متن البحور، ويدور أقطارَ الأرض ويتكسب ويجمع الأموال، وله فكرة وغور، ودهاء ومكر، ورأي وعلم، واتساع في أمور الدنيا والآخرة كل بحسبه، فسبحان مَنْ أقدرهم وسَيّرهم وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلوم والفكرة، والحسن والقبح، والغنى والفقر، والسعادة والشقاوة؛ ولهذا قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ}.

وروى الإمام أحمد عن أبي موسى قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن، وبين ذلك))([2]).

ورواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

قوله -تبارك وتعالى- هنا: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ} الحافظ ابن كثير -رحمه الله- ذكر أنه خلق أباكم آدم من تراب وهذا بناء على ما هو معلوم من أن العرب تخاطب الأبناء لِمَا وقع من الآباء؛ وذلك أن المنة على الآباء تلحق الأبناء، كما أن المعرّة والمذمة التي تكون على الآباء تلحق الأبناء إذا كانوا على طريقتهم، أما النعمة فالحاصل بها على الأبناء، والله -تبارك وتعالى- يذكر مننه ونعمه ويخاطب بها من لم يدركها وهذا كثير في القرآن، الله -تبارك وتعالى- يقول لبني إسرائيل الذين عاصروا النبي -صلى الله عليه وسلم-: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ} [سورة البقرة:49]، وقال: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [سورة طه:80]، وذكر منناً كثيرة ونعماً أعطاها لأجدادهم فخاطبهم بها مع أنهم لم يدركوها، وهكذا ما يتعلق بالمذمة وما أشبه ذلك، {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} [سورة البقرة:55] مع أن هذا وقع مع أجدادهم، وهكذا {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [سورة البقرة:47]، {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} [سورة البقرة:63-64] فكل هذا الخطاب وفيه أشياء وقعت لآبائهم وأجدادهم فكل ذلك يجري على هذا الأصل، والله تعالى أعلم.

وقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} أي: خلق لكم من جنسكم إناثا يَكُنَّ لكم أزواجا، {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا}، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [سورة الأعراف:189] يعني بذلك: حواء، خلقها الله من آدم من ضِلعه الأقصر الأيسر، ولو أنه جعل بني آدم كلهم ذكورا وجعل إناثهم من جنس آخر من غيرهم إما من جان أو حيوان لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نَفْرَة لو كانت الأزواج من غير الجنس. ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم وبينهن مودة وهي المحبة، ورحمة وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما، وغير ذلك، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

قوله -تبارك وتعالى-: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} وعدّ ذلك من آياته ثم قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هنا يقول في تفسير المودة: هي المحبة، وأن الرحمة: هي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة لمحبته لها أو لرحمته بها بأن يكون له منها الولد أو محتاجة إليه بالإنفاق أو للألفة بينهما أو غير ذلك، هذا كله باعتبار أن المودة والرحمة حاصلة بين الزوجين {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}، وبعضهم كمجاهد يقول: إن المودة الجماع، وإن الرحمة هي الولد {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}، وهذا التفسير -تفسير المودة بالجماع فقط- هو تفسير بعض ما يتصل بالمعنى وإن لم يكن هذا معنى المودة، فإن المودة محبة خاصة يحصل معها، فالمحبة على مراتب قد ذكرها الحافظ ابن القيم -رحمه الله- في "روضة المحبين" وعدّ منها عشراً، فهي مراتب أعلاها الخُلّة، ويأتي دون ذلك مراتب أخرى ومن هذه المراتب المودة، فيحصل معها ميل القلب وعطفه على المحبوب وإيثاره له وتقديمه على غيره، وما أشبه ذلك ولهذا كانت مودة أعداء الله -عز وجل- لا تجوز، ولكن قد يتزوج امرأةً يحبها من أهل الكتاب فلا يكون ذلك من الموالاة، والله -تبارك وتعالى- يقول: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [سورة المجادلة:22] فمودة الكفار لا تجوز فهذه مرتبة أعلى من مرتبة المحبة، فتفسير المودة هنا على قول مجاهد الجماع ليس ذلك من قبيل التفسير، تفسير اللفظة بما عرف من معناها عند العرب، ولكن لا يقال بأن التفسير مردود وأنه خطأ؛ لأنه تفسير لها ببعض ما يتصل بها وذلك -والله أعلم- باعتبار أن ما يحصل من الجماع بين الزوجين أن ذلك يكون سبباً لجلاء النفس ويحصل معه من المودة مالا يقدر قدره، قد ذكر هذا جماعة من أهل العلم، وما ذكره الطاهر ابن عاشور -رحمه الله- في كتابه "التحرير والتنوير"، فقد لا توجد صورة من صور المودة أعلى منها في حال المعاشرة، ولهذا فإن العلاقة إذا كانت بين الزوجين فاترة والمعاشرة منعدمة فإن ذلك قد يؤدي إلى شيء من الجفاء، وتفاقم المشكلات وما إلى ذلك، وهذا أمر معلوم، والذي يظهر -والله أعلم- أن المودة والرحمة أن ذلك حاصل بين الزوجين فالمودة هي محبة خاصة، والرحمة غير المحبة فهو يحبها هذه المحبة كما أنه يرحمها، جعل بينهم رحمة وبعضهم فسر الرحمة هنا بالشفقة يشفق عليها، والواقع أن الشفقة رحمة خاصة، الشفقة تقال للرحمة مع شيء من الحنوّ، والخوف على المحبوب تتخوف عليه من المكروه والألفة ونحو ذلك، وبعضهم يقول: إن المودة هي محبتها وإن الرحمة هي رحمته لها من أن يصل إليها منه سوء، والمعنى أعم من هذا، يرحمها من أن يصل منه سوء أو يرحمها من غير ذلك، يعني أن يصل إليها المكروه مطلقاً منه أو من غيره كما أنه يود لها ويحب لها الخير والمعروف والبر وما أشبه ذلك، وهذا كله من آثار المودة مع أن بعض أهل العلم كابن جرير -رحمه الله- حمل ذلك على العلاقة التي تكون بسبب هذا الزواج لكن ليس المقصود عنده بذلك الزوج والزوجة جعل بينكم مودة ورحمة يعني بالمصاهرة فصار هؤلاء أختاناً وأصهاراً، يعني صارت هناك علاقات اجتماعية تَقاربَ الناسُ بها، وصار بينهم وشائج بسبب الزواج -والله تعالى أعلم-، يعني حينما نقول: إن الله -تبارك وتعالى- أخبر أنه جعل بينهم مودة ورحمة فالعلاقة بين الزوجين يحصل بها ذلك، فهو يحبها، هذه المودة الخاصة، ويرحمها، قد توجد حالات قد لا توجد فيها محبة ولا يوجد فيها رحمة هذا موجود لكن خلاف الأصل، فهذا الرجل لا يعرف هذه المرأة وما رآها قط، فإذا تزوجها حصلت بينهم هذه المودة والرحمة التي يلقيها الله -عز وجل- في قلوبهم فهذه آية من آياته، وتخلُّفُ ذلك في بعض الأفراد لا يقدح في هذا الأصل فلكل قاعدة شواذ، ومن هنا يؤخذ منه أصل في ما يتعلق في العلاقات بين الزوجين بخلاف ما قد يُقرَّر كثيراً من أن العلاقة بين الزوجين لا تبنى على المحبة والمودة ويتوصل من ذلك إلى معنى وهو أنه ينبغي أن يكون هناك احترام متبادل وتعاون في بناء الحياة الأسرية وما أشبه ذلك، ولا يلزم منه وجود المحبة، لكن الأصل في ذلك هو وجود المودة والرحمة هذا هو الأصل وما خرج عنه فهو شاذ، فإن الشيء قد يتخلف لوجود المانع أو لتخلف الشرط، والله المستعان.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "ونوّع سبحانه الآيات في هذه السور فجعل خلق السماوات والأرض واختلاف لغات الأمم وألوانهم آيات للعالِمين كلهم لاشتراكهم في العلم بذلك وظهوره ووضوح دلالته، وجعل خلق الأزواج التي تسكن إليها الرجال، وإلقاء المودة والرحمة بينهم آيات لقوم يتفكرون، فإن سكون الرجل إلى امرأته وما يكون بينهما من المودة والتعاطف والتراحم أمر باطن مشهود بعين الفكرة والبصيرة فمتى نظر بهذه العين إلى الحكمة والرحمة والقدرة التي صدر عنها ذلك دله فكره على أنه الإله الحق المبين الذي أقرت الفطر بربوبيته وإلاهيته وحكمته ورحمته، وجعل المنام بالليل، والنهار للتصرف في المعاش وابتغاء فضله آيات لقوم يسمعون وهو سمع الفهم وتدبر هذه الآيات وارتباطها بما جعلت آية له مما أخبرت به الرسل من حياة العباد بعد موتهم وقيامهم من قبورهم كما أحياهم سبحانه بعد موتهم وأقامهم للتصرف في معاشهم، فهذه الآية إنما ينتفع بها من سمع ما جاءت به الرسل وأصغى إليه واستدل بهذه الآية عليه، وجعل رؤيتهم البرق وأنزل الماء من السماء وإحياء الأرض به آيات لقوم يعقلون فإن هذه أمور مرئية بالأبصار، مشاهدة بالحس فإذا نظر فيها ببصر قلبه وهو عقله استدل بها على وجود الرب تعالى وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته إمكان ما أخبر به من حياة الخلائق بعد موتهم كما أحيا هذه الأرض بعد موتها، وهذه أمور لا تدرك إلا ببصر القلب، وهو العقل، فإن الحس دل على الآية، والعقل دل على ما جعلت له آية، فذكر سبحانه الآية المشهودة بالبصر والمدلول عليه المشهود بالعقل فقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [سورة الروم:24]، فتبارك الذي جعل كلامه حياة للقلوب وشفاء لما في الصدور"([3]).

وقال -رحمه الله-: "وَأَمَّا مَحَبَّةُ الزَّوْجَاتِ: فَلَا لَوْمَ عَلَى الْمُحِبِّ فِيهَا بَلْ هِيَ مِنْ كَمَالِهِ، وَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ فَقَالَ: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سُورة الروم:21].

فَجَعَلَ الْمَرْأَةَ سَكَنًا لِلرَّجُلِ، يَسْكُنُ قَلْبُهُ إِلَيْهَا، وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا خَالِصَ الْحُبِّ، وَهُوَ الْمَوَدَّةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالرَّحْمَةِ"([4]).

{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [سورة الروم:22-23].

يقول تعالى: ومن آيات قدرته العظيمة {خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} أي: خلق السماوات في ارتفاعها واتساعها، وشفوف أجرامها وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت والسيارات، والأرض في انخفاضها وكثافتها وما فيها من جبال وأودية، وبحار وقفار، وحيوان وأشجار.

وقوله: {وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ} يعني: اللغات، فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء تَتَرٌ لهم لغة أخرى، وهؤلاء كَرَج، وهؤلاء روم، وهؤلاء إفرنج، وهؤلاء بَرْبر، وهؤلاء تكْرور، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله من اختلاف لغات بني آدم، واختلاف ألوانهم وهي حُلاهم، فجميع أهل الأرض -بل أهل الدنيا- منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة كل له عينان وحاجبان، وأنف وجبين، وفم وخدان، وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لابد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام، ظاهرا كان أو خفيا، يظهر عند التأمل، كل وجه منهم أسلوب بذاته وهيئة لا تشبه الأخرى، ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح لابد من فارق بين كل واحد منهم وبين الآخر، {إنَّ فِي ذَلِك لآيات للعَالَمين وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ} أي: ومن الآيات ما جعل لكم من صفة النوم في الليل والنهار، فيه تحصل الراحة وسكون الحركة، وذهاب الكلال والتعب، وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار في النهار، وهذا ضد النوم، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي: يعون.

قوله -تبارك وتعالى-: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} اختلاف الألسن والألوان دال على قدرته -تبارك وتعالى-، فالله -تبارك وتعالى- خلق هؤلاء البشر خلقاً كما نشاهد من لحم ودم ومع ذلك كل أحد من هؤلاء له ما يميزه عن غيره مع أن خلق هؤلاء متحد من حيث إن الله -تبارك وتعالى- جعل العينين في محلهما، والأنف في محله، والفم في محله، وإذا رأيت هؤلاء الناس مجتمعين كما تراهم مثلاً عند جمرة العقبة ترى هذه الوجوه كأنها صبة واحدة، ولكن حينما تنظر إلى كل واحد منهم بعينه فإنك تجد فيه ما يميزه عن غيره على كثرة هؤلاء الخلق كما أنهم يتمايزون أيضاً في خصائصهم النفسية، وكل واحد له ما ينفرد به عن غيره، وله ما يميزه من جهة اللسان، فأهل اللسان الواحد يتميزون فيعرف صوت هذا من هذا، كما أن اللغات مختلفة وهي كثيرة جداً، ولو نظر الإنسان إلى ناحية من النواحي في اللغات إلى بلاد كبلاد الهند مثلاً، أو اللغات الموجودة في أفريقيا لوجد من ذلك ما لا يحصيه إلا الله -تبارك وتعالى-، فهذا كله دال على كمال قدرته؛ ولهذا قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} قرأ الجمهور بفتح اللام، {لَآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ} للناس جميعاً وهذه القراءة التي قرأ بها حفص عن عاصم {لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} هي موافقة لله -تبارك وتعالى- بهذه الآيات وفي غيرها لآيات لأولي الألباب، لقوم يعقلون وما شابه ذلك قال: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [سورة العنكبوت:43] فالعالِمون هم الذين يعقلون هذه الأمور عقلاً يتوصلون به، ويعرفون قدرة الله -تبارك وتعالى- ويوحدونه وأنه الخالق وحده الذي يستحق العبادة دون ما سواه، قال: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ} منامكم بالليل والنهار، بعضهم يقول: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} فالنوم يكون بالليل، وبالنهار يكون الابتغاء من فضل الله    -تبارك وتعالى-، وبعضهم قال: إنه محمول على ظاهره مع أن النوم يكون بالليل والنهار فهم ينامون بالليل وينامون في النهار في مثل القيلولة ونحوها، هذا كله من آياته -تبارك وتعالى- وهكذا ابتغاؤهم من فضله وهو طلب الرزق {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} يعني: سماع التعقب.

{وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} [سورة الروم:24-25].

يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ} الدالة على عظمته أنه {يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} أي: تارة تخافون مما يحدث بعده من أمطار مزعجة، أو صواعق متلفة، وتارة ترجون وَمِيضَه وما يأتي بعده من المطر المحتاج إليه.

العبارات التي يذكرها المفسرون في هذا هي داخلة فيه -والله أعلم-، كقول بعضهم مثلاً: خوفاً أي بالنسبة للمسافرين فإنهم يتخوفون ذلك، أو قول من قال: خوفاً يعني من الصواعق، وطمعاً يعني طمعاً في المطر الذي يكون بعده الخصب بإذن الله -تبارك وتعالى-، فهذا كله داخل فيه، فالناس حينما يرون البرق فإنهم يتخوفون الصواعق كما أنهم قد يتخوفون المطر إذا كانوا في حال توجب ذلك، وأيضاً إذا رأوه طمعوا بنزول المطر.

ولهذا قال: {وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: بعدما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء {اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [سورة الحج:5]، وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة؛ ولهذا قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.

ثم قال: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ}، كقوله: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ} [سورة الحج:65]، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا} [سورة فاطر:41]، وكان     عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، إذا اجتهد في اليمين يقول: لا والذي تقوم السماء والأرض بأمره، أي: هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها، ثم إذا كان يوم القيامة بُدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم؛ ولهذا قال: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ}، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا} [سورة الإسراء:52].

وقال تعالى: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ} [سورة النازعات:13-14]، وقال: {إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [سورة يس:53].

قوله -تبارك وتعالى-: {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ} دعوة من الأرض بعضهم يقول: إن قوله من الأرض متعلق بدعا، دعاكم يعني دعاكم من الأرض التي أنتم فيها، دعاكم دعوة من الأرض التي أنتم فيها، وبعضهم يقول: إنه متعلق بمحذوف صفة لدعوة أو بمحذوف يدل عليه قوله: {تَخْرُجُونَ} أي خرجتم من الأرض، إذا دعاكم دعوة يعني خرجتم من الأرض، وهذه الدعوة المقصود بها النفخة الثانية التي يخرج الناس فيها من القبور، فيكون قوله هنا: {إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} إذا دعاكم دعوة تخرجون من الأرض {إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ}، أو يكون متعلقاً بالدعوة، دعاكم دعوة من الأرض التي أنتم فيها، أو دعاكم دعوة كائنة من الأرض.

{وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة الروم:26-27].

يقول تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} أي: ملكه وعبيده، {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} أي: خاضعون خاشعون طوعًا وكرهًا.

قوله {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} بعضهم فسرها بالإقرار بالعبادة كلٌ له مقرون بالعبادة يعني وإن لم يعبده بعضهم، وبعضهم يقول: إن المراد الصلاة {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} أي مصلون، وبعضهم فسرها بالقيام يوم القيامة {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة المطففين:6] ذلك باعتبار أن القنوت يقال لطول القيام، ولشيخ الإسلام ابن تيمية   -رحمه الله- رسالة في قنوت الأشياء لله -تبارك وتعالى-، وقد جمع هذه اللفظة واستعمالاتها المختلفة في كتاب الله -تبارك وتعالى- وأرجع ذلك إلى أمر واحد وهو طول العبادة، وكل ما في السماوات والأرض قانت لله -عز وجل- إما اختياراً أو اضطراراً ولهذا فسره بعضهم بالشهادة أنهم عباده، وفسره بعضهم بالإخلاص {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} وجاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن ذلك فيما لا يكون للإنسان اختياراً يعني الأمور الاضطرارية مثل الخلق والإحياء والإماتة والبعث والنشور لا يتخلف منهم أحد وليس لهم اختيار في ذلك فكل له مطيع مستجيب لا قدرة له على الإيذاء والامتناع هكذا فسره -رضي الله عنه وأرضاه-، وإن عصوه فيما سوى ذلك.

قال ابن جرير -رحمه الله تعالى-: "يقول تعالى ذكره: مَن في السماوات والأرض من ملَك وجنّ وإنس عبيد وملِك {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} يقول: كلّ له مطيعون، فيقول قائل: وكيف قيل: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}، وقد علم أن أكثر الإنس والجنّ له عاصون؟ فنقول: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فنذكر اختلافهم، ثم نبين الصواب عندنا في ذلك من القول، فقال بعضهم: ذلك كلام مخرجه مخرج العموم، والمراد به الخصوص، ومعناه: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} في الحياة والبقاء والموت، والفناء والبعث والنشور، لا يمتنع عليه شيء من ذلك، وإن عصاه بعضهم في غير ذلك.

وقال آخرون: هو على الخصوص، والمعنى: {وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} من ملك وعبد مؤمن لله مطيع دون غيرهم.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن عباس، وهو أن كلّ من في السماوات والأرض من خلق لله مطيع في تصرّفه فيما أراد تعالى ذكره من حياة وموت، وما أشبه ذلك، وإن عصاه فيما يكسبه بقوله، وفيما له السبيل إلى اختياره وإيثاره على خلافه.

وإنما قلت: ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك؛ لأن العصاة من خلقه فيما لهم السبيل إلى اكتسابه كثير عددهم، وقد أخبر تعالى ذكره عن جميعهم أنهم له قانتون، فغير جائز أن يخبر عمن هو عاص أنه له قانت فيما هو له عاص، وإذا كان ذلك كذلك فالذي فيه عاص هو ما وصفت، والذي هو له قانت ما بينت"([5]).

وقوله: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني أيسر عليه.

وقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البَدَاءة، والبداءة عليه هَيْنٌ، وكذا قال عكرمة وغيره.

وروى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((قال الله: كَذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهونَ عليّ من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد))([6])، انفرد بإخراجه البخاري.

قوله -تبارك وتعالى-: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} أهون هذه أفعل تفضيل على وزن أفعل التفضيل، ومن ثَم فإن المعلوم أن ما كان على هذه الزنة -الذي على أفعل التفضيل- أنه يدل على اثنين في صفة زاد أحدهما على الآخر فيها، هذا في الأصل إذا كان بهذا الاعتبار فيشكل ذلك في قوله -تبارك وتعالى-: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} فالله -تبارك وتعالى- تستوي عنده من حيث القدرة تستوي هذه الأمور جميعاً تتفاوت كل هذا يسير، ولهذا قال بعضهم: إن أفعل التفضيل هنا ليس على بابه، وقد مضى على هذا في مناسبات سابقة أن أفعل التفضيل قد تستعمل هذا الاستعمال فيكون المقصود بها مطلق الاتصاف دون معنى التفضيل كما قال الشاعر:

*** بيتاً دعائمُهُ أعزُّ وأطولُ.

يعني عزيزة وطويلة، وكقوله -تبارك وتعالى- أيضاً على أحد التفسيرين {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى} [سورة الليل:17] يعني وسيجنبها التقي، وقول الشاعر:

تمنَّى رجالٌ أنْ أموتَ وإنْ أمتْ *** فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأوحدِ

هذا معروف في كلام العرب، فإذا فسر بهذا الاعتبار فلا إشكال، فيكون هنا {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} يعني وهو هونٌ عليه، صيغة التفضيل يقصد بها مطلق الاتصاف فلا إشكال فلا يوجد شيء أسهل من شيء بالنسبة لله   -تبارك وتعالى-، وبعضهم يقول: إن ذلك يرجع إلى المخلوقين، يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه، يعني على الخلق على المخلوق يعني؛ وذلك أن ابتداء الخلق خلق الناس مثلاً كان بأطوار من نطفة ثم يكون علقة ثم يكون مضغة وهكذا يتدرج في هذه الأطوار، وأما الإعادة فمجرد نفخة في الصور ثم بعد ذلك يقومون من قبورهم فهذا أسهل على الخلق من تلك الأطوار، هكذا قال بعض أهل العلم، ولا يخلو من بُعد، والظاهر أن الضمير يعود إلى الله -تبارك وتعالى- ولو أنه فسر بما ذكر أنه هين على الله -جل جلاله- سهل وليس المقصود أفعل التفضيل، وبعضهم يقول: إن ذلك يرجع إلى ما عرف من أن العرب قد تراعي في خطابها حال المخاطب، ومن ذلك أنه يراعي حال السامعين {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [سورة طه:44] فإنه من المعاني التي ذكرت فيه: لعله يعني على رجائكما، وهكذا في قوله -تبارك وتعالى- {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [سورة الصافات:147] فليس ذلك على سبيل الشك، لكن هذا باعتبار نظر المخاطب أنه إذا نظر إليهم، قال: {مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} مع أن الله -عز وجل- أعلم بعددهم بالتمام، بعضهم يقول: إن هذا من هذا القبيل {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} يعني أنه راعى حال المخاطبين باعتبار أن ذلك بالنسبة إليهم أن الابتداء أصعب من الإعادة، أما بالنسبة لله -تبارك وتعالى- فإن ذلك يسير عليه، والله تعالى أعلم.

وقوله: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [سورة الشورى: 11].

وقال قتادة: مَثَلُه أنه لا إله إلا هو، ولا رب غيره.

{وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ابن جرير -رحمه الله- جمع بين قول ابن عباس وقول قتادة، ابن عباس يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وقتادة يقول: إنه لا إله إلا هو ولا رب غيره له المثل الأعلى في السماوات والأرض، والمثل يقال للصفة، وأصل ذلك يقال للشبه، وما يرجع إلى هذا المعنى إلا في بعض المواضع فإنه قد لا يقال فيه ذلك إلا على سبيل التكلف كقوله -تبارك وتعالى-: {مَثَلُ الْجَنَّةِ} [سورة الرعد:35]، يعني صفة الجنة على الأرجح وإن أنكره بعضهم، وبعضهم يقول: إن المقصود هنا {وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى} أي ما ذكر من قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} يعني أنه قد ضربه لكم فيما يصعب ويسهل، وبعضهم يقول: إن ما أراد فإنه يكون بكن، فيكون، وله المثل الأعلى في السماوات والأرض، له المثل الأعلى في كل شيء فهو الواحد الذي لا شريك له، ولا ند له، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء -سبحانه وتعالى.

تم بحمد الله وفضله.

 


 

[1] - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (6/170).

[2] - رواه أبو داود، كتاب السنة، باب في القدر، برقم (4693)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ومن سورة البقرة، برقم (2955)، وأحمد في المسند، برقم (19582)، وقال محققوه: "إسناده صحيح"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (1630).

[3] - مفتاح دار السعادة، (186).

[4] - الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم (ص:236).

[5] - تفسير الطبري، لابن جرير الطبري (20/ 90) وما بعدها بتصرف يسير.

[6] - رواه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: "وامرأته حمالة الحطب"، برقم (4974).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 3
teleqram
trees
about