05- الواسطة، الحسبة. (القواعد 75-88)
عدد الزوار : 2943
تاريخ الإضافة : 18 ذو القعدة 1432
MP3 : 36943 kb
PDF : 345 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

طريق الوصول إلى العلم المأمول لابن سعدي (كتب ابن تيمية)

5- الواسطة، الحسبة (القواعد 75-88)

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

فاللهم اغفر لشيخنا، ولنا، وللحاضرين، قال الشيخ -رحمه الله-: ومن رسالة الواسطة قال -رحمه الله-:

حاصل جواب الشيخ في إثبات الواسطة بين الله وبين عباده: أنها على قسمين:

واسطة من تمام الدين والإيمان إثباتها، وهي أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وغيره من الرسل وسائط بين الله وبين عباده، وفي تبليغ دينه وشرعه.

وواسطة شركية: وهي التقرب إلى أحد من الخلق ليقربه إلى الله، وليجلب له المنافع التي لا يقدر عليها إلا الله، أو يدفع عنه المضار، فهذا النوع من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فالخلق مضطرون إلى وساطة الرسل في تبليغ الدين، وليس بهم حاجة إلى وساطة أحد في طلب الحوائج من الله، فليس بين العبد وبين الله حجاب ولا واسطة.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه الرسالة في (الواسطة بين الله وخلقه) هي جواب على سؤال وُجه إلى الشيخ -رحمه الله- في رجلين تناظرا، مناظرة وقعت بين رجلين فقال أحدهما: إنه لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله -عز وجل-، فإننا لا نقدر أن نصل إليه إلا بذلك.

وقال الآخر: لا حاجة لهذه الواسطة، فسألوه من المحق من هذين؟، هذا أصل هذه الرسالة جواب على هذا السؤال في المناظرة التي وقعت بين هذين.

وكلام شيخ الإسلام -رحمه الله- كلامٌ مفصل، وهذه هي الطريقة الصحيحة في الجواب على السؤال المجمل، فالواسطة تحتمل نوعين، وما ذكره المصنف -رحمه الله- هنا نقلاً عن كلام شيخ الإسلام إنما هو حاصل ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وليس نص كلام شيخ الإسلام وإنما لخصه، وبيّن هذا في أوله -حاصل جواب الشيخ في إثبات الواسطة أنها على قسمين-، وإلا فكلام شيخ الإسلام في هذا طويل، وفيه تفصيل، فأجاب بهذا الجواب المفصل، وهو أن الواسطة نوعان: واسطة لابد منها، وهم الرسل -عليهم الصلاة والسلام- في التبليغ عن الله -عز وجل-، فالناس لا يتلقون عن الله مباشرة، وإنما يتلقون الدين والشرائع من طريق الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، فهذا لا إشكال فيه، والذين يقولون: إنهم يتلقون الدين عن الله مباشرة، أو يقولون: حدثني قلبي عن ربي فهؤلاء قد ضلوا الطريق.

الناس لا يتلقون عن الله مباشرة، وإنما يتلقون الدين والشرائع من طريق الرسل -عليهم الصلاة والسلام-، فهذا لا إشكال فيه، والذين يقولون: إنهم يتلقون الدين عن الله مباشرة، أو يقولون: حدثني قلبي عن ربي فهؤلاء قد ضلوا الطريق.

 

وهكذا الذين يعتمدون على الرؤى والمنامات، وكل ذلك يقع لطوائف من المتصوفة، وهكذا الذين عولوا على العقول، وتركوا المنقول من الوحي كل هؤلاء على ضلال.

والصحيح أن الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وسائط بين الله وخلقه فيما يتصل بالوحي وتبليغ الشرائع، والرسالات، هذه مهمتهم ووظيفتهم، واسطة بين الله ورسله.

أما الواسطة الأخرى فهي الواسطة الشركية، وهو فعل أهل الإشراك بمختلف طوائفهم من عبدة القبور، أو الذين يعبدون الملائكة، أو الذين يعبدون الأصنام، أو نحو ذلك، فإنّ قِيلهم واحد، وهو: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىالزمر:3، وفلسفتهم في هذا أنهم يقولون: إن الله -تبارك وتعالى- لا يمكن أن يوصل إليه مباشرة، و إنما لا بد من واسطة؛ إذ يقيسون الله على خلقه، فيقولون: إن المعظَّمين من الناس والملوك وما إلى ذلك لا يتوصل إليهم آحاد الناس، فإذا كانت له حاجة فلا بد من الوسائط ممن يوصل حاجته إلى هؤلاء الناس، وهذا قياس للخالق على المخلوق، وهو من أقبح أنواع القياس.

ومعلوم أن طوائف من أهل الكلام الذين انحرفوا في باب الأسماء والصفات، وفي أفعال الله -عز وجل- أنهم وقعوا في هذا النوع من القياس، أعني في أصله -قياس الخالق على المخلوق-، فقاسوه في باب الصفات فأثبتوا له أشياء ونفوا عنه أشياء قياساً على المخلوقين، وهكذا في باب الأفعال، قالوا: هذا لا يصح، وهذا لا يليق بالله، وهذا لا يكون، فأثبتوا ونفوا، وقالوا: يجب على الله أن يفعل كذا، ويمتنع عليه أن يفعل كذا، وساء أدبهم مع الله -جل جلاله-، واجترءوا عليه بسبب أنهم قاسوا الخالق على المخلوقين، وهذا النوع -وهو قياس أهل الإشراك- قاسوه على المخلوقين بهذا الاعتبار، وهذا قياس قبيح.

والله -عز وجل- قرر في غير ما موضع من كتابه أنه ليس بينه وبين خلقه واسطة من هذه الحيثية؛ ولهذا لما قال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي البقرة:186، لم يقل: فقل لهم: إني قريب، حتى فيما يتصل بتبليغهم عن هذه القضية مباشرة أجاب: فَإِنِّي قَرِيبٌ.

ثم قال: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وهذه الاستجابة قيل: المراد أنهم يتوجهون إليّ بالدعاء، وقيل غير ذلك، يعني بالعبادة، أو بأني أستجيب، إلى غير هذا مما ذكر، فهاتان واسطتان:

الأولى حق، والثانية باطلة، وهكذا ينبغي أن يكون الجواب دائماً عن القضايا المجملة، وكلام شيخ الإسلام في هذا كثير حينما يجيب عن الأشياء المجملة، وسيأتي منه في بعض كتبه في الكلام على مسألة الجهة إثبات الجهة لله -عز وجل-، وكذلك أيضاً ما يتصل بالتحيز، وما إلى ذلك مما يقوله أهل الكلام كمسألة حلول الحوادث بذاته -سبحانه وتعالى-، فهو يفصل في مثل هذه القضية.

قال -رحمه الله-: على العبد أن يعرف في الأسباب ثلاثة أمور:

أحدها: أن يعلم أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب بل لا بد معه من أسباب أخر، ومع هذا فله موانع، فإن لم يُكمِّل الله الأسباب ويدفع الموانع لم يحصل المقصود، وهو -سبحانه- ما شاء كان، وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله.

الثاني: أنه لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئاً سبباً بلا علم، أو يخالف الشرع كان مبطلاً مثل أن يظن أن النذر سبب في دفع البلاء، أو حصول النعماء.

الثالث: أن الأعمال البدنية لا يجوز أن يتخذ منها سبباً إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادات مبناها على التوقيف.

هذه تصلح أن تكون قاعدة في الأسباب، وقد مضى شيء من هذا في الرسالة السابقة "العبودية"، بأن الإنسان لا بد له من فعل السبب، ولكنه لا يركن إليه بقلبه، وإنما يفعل السبب، وذلك لا يقتضي بالضرورة حصول المسبَّب، فإن الله -تبارك وتعالى- هو خالق الأسباب والمسببات، وقد أمر بتعاطي الأسباب، وفعلها، ولكن ذلك لا يعني أن يتحقق المسبب إذا تعاطى المكلف السبب، لا يعني ذلك بالضرورة.

إذن تتوجه القلوب إلى الله -تبارك وتعالى-، وتتعلق به لا أن تتعلق بالسبب، هذا هو الطريق الصحيح.

والأسباب أنواع، وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ينبه على هذه الأمور الثلاثة التي أولها أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، يعني لا بد معه من أشياء: تحقُّق شروط وانتفاءُ موانع، وهو ما عبر عنهُ بقوله: بل لا بد معهُ من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع، فإذا قام الإنسان بأخذ الدواء -بشرب الدواء- هل هذا يعني حصول البرء؟

الجواب: لا، فقد يأكل الإنسان أو يشرب الدواء، وهذا سبب، ولكن هل هذا يقتضي وقوع المسبَّب الذي هو البرء؟

الجواب: لا، فهذا لابد معه من أسباب أخر، لا بد من تحقق شروط وانتفاء موانع، بل قد يكون هذا الدواء ضرراً عليه، والذهاب إلى الطبيب سبب، الذهاب إلى المستشفى، لكن إذا ذهب إلى المستشفى هل يعني هذا ارتفاع العلة وحصول البرء؟.

الجواب: لا، لكنه مأمور بتعاطي السبب، فهذه الأسباب ما كان منها صحيحاً فإنه لا يقتضي بالضرورة أن يترتب عليه مسببه، ولكن الأمر بيد الله -عز وجل-، فإذا نزل المطر فهذا سبب، سقي الزرع سبب، ولكن هل هذا يعني ظهور النبات؟

الجواب: لا، غرس الأشجار سبب هل يعني ذلك حصول الثمار؟

الجواب: لا، وقل مثل ذلك في المكاسب والتجارات وما إلى ذلك فيخرج الإنسان يتكسب، ولكنه قد لا يخرج بطائل، قد لا يرجع بشيء، فلا بد من أسباب أخر معينة، ولابد أيضاً من انتفاء الموانع، فقد يخرج الإنسان إلى السوق، ويجد السوق كاسداً فهو فعَلَ السبب، ولكنه وجد السوق كاسداً، لا يشتري الناس فيه البضائع المعروضة، وقد يذهب الإنسان إلى السوق، ويجد بضائع كثيرة من جنس بضاعته فلا يُقبِل الناس عليها، أو لا يشترونها بما كان يؤمله فيحصل لهُ بسبب ذلك فوات المطلوب، أو خسارة حتى لو باع هذه السلعة، فمن الناس من يبيع بغبن وخسارة، ففعل السبب لا يقتضي بالضرورة حصول المسبب، قد يطلب الإنسان العلم هذا سبب، ولكن هل هذا يعني أنه يكون بذلك عالماً؟.  

الجواب: لا، لابد من أسباب أخرى معينة، ولاد من انتفاء الموانع، فهذا الأمر الأول الذي لابد من معرفته في باب الأسباب: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، إذن الله -تبارك وتعالى- هو مسبب الأسباب وخالقها وبيده تصريف الأمور، فيجب أن يتوجه إليه، افعل السبب، وتوجه إلى الله، لا تعتمد على دراستك ومهارتك وخبراتك ومعرفتك وحذقك، ولا تعتمد على زيد وعمرو في تحصيل مطالبك، ولكن اعتمد على الله -عز وجل-، وافعل الأسباب، ولهذا دائماً نقول لمن أراد أن يفعل فعلاً: لا بد لك من الاستخارة، ولو كان الأمر يسيراً، ثم افعل السبب الصحيح، وبعد ذلك علق قلبك بالله، لا تعلق قلبك بالمخلوقين، فإن الذي بيده النفع والضر هو الله وحده دون أحد سواه، فإذا كان الإنسان بهذه المثابة فهو على الصراط المستقيم، على الجادة، فإذا حصل  مطلوبه حمد الله، وإن تخلف مطلوبه حمد الله، وهو في غاية الطمأنينة والرضا؛ لأنه استخار الله -عز وجل- فصرف الله ذلك عنه، وقال: يا رب لا أحسن التدبير فاختر لي ما كان فيه الخير، فالله يختار له، فإذا اختار له فمن الخطأ أن يتسخط ويحزن ويجزع، ويظهر منه ما يدل على ما ينافي هذه الاستخارة، وهذا سوء أدب مع الله.

قال: الثاني: أنه لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئاً سببا بلا علم، أو يخالف الشرع كان مبطلاً، وهذا الذي يعبر عنه بعض أهل العلم كالشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله- في شرحه لكتاب التوحيد، أو في التعليق على أبواب وتراجم كتاب التوحيد الذي هو (القول السديد) عبر عن هذا وسماه الكذب على القدر حينما يقال: إن هذا سبب وليس كذلك، وهذا يقع الناس فيه كثيراً لاسيما في باب الطب، وما يحتف به يقولون: من لبس هذا السوار فإن هذا السوار فيه قوى، وفيه خصائص يذهب معها آلام الروماتزم والضغوط النفسية وما إلى لك، وهذا السوار حينما يعرض على أهل الاختصاص من أهل العلم بالطب، ويفحصون هذا السوار ونحو ذلك، ويقولون: ليس فيه شيء من هذا، ليس فيه مزية، فهذا يعتبر من الكذب على القدر، وهذا لا يجوز، وكثيراً ما يتعاطى الناس أشياء من هذا القبيل، والخطر الأكبر في هذه الجزئية غير أنه كذب على القدر أنه قد يؤدي بهؤلاء الناس كثيراً إلى الاعتقاد الفاسد، يعتقد أن فيها شيئًا لماذا؟

لأنه ليس لذلك علة مدركة، ولماذا هذا السوار؟! لمّا يكون له علة مدركة ككلام أهل الاختصاص ممن يعرفون هذه المعادن، أو أهل الطب أو نحو ذلك، ويقولون: إن المعدن الفلاني طبيًّا أو علميًّا والتجارب والدراسات أثبتت أنه يفيد لعلاج الحساسية مثلاً، أو شيء من هذا القبيل، هذا يُقبل، لكن علة مبهمة فهذا كذب على القدر.

وهذا باب واسع لدى أصحاب البرمجة العصبية، ولدى ما يسمى بالطاقة، وبأسمائها المختلفة التي أدخلوها لعل من آخرها مايعالجون به الضغوط النفسية وما أشبه ذلك له اسم عندهم التوازن النفسي، أو شيء من هذا القبيل.

ويعتقدون أنهم يعالجون الأمراض المستعصية بهذه الأشياء التي هي لا تعدو أن تكون أوهاماً في الغالب، ويتبعهم فئام من الناس، فإذا أنفقوا أموالهم فيها استبان لهم بعد فوات الأوان أنهم كانوا يتبعون وهماً وهكذا، فالشاهد أن مثل هذه الأشياء يُعتقد فيها أنها تحقق كذا، وفي بعض البلاد لربما يأتون بأشياء أعظم من ذلك، يعني على صورة حيوان، أو صورة نحو ذلك، ويعتقدون أنه إذا تعاطى الإنسان مع هذا التمثال بطريقة معينة أنهُ يكون علاجاً لكذا، أو يفيد في كذا أو نحو ذلك، فهذا كله من الوثنية، الآن دخلنا في الوثنية، فمن اعتقد في حجر أو في عين ماء لعلة غير مدركة يقول: هذه العين فيها شفاء، من اغتسل بهذه العين أو انغمس فيها شُفي، وكان هذا يُعتقد في بعض العيون فهذا نوع من الوثنية، فإن اعتقد أنها بذاتها تؤثر فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، وإن اعتقد أن الله خلق فيها هذه الخاصية، وأودعها فيها فهذا كذب على القدر، يعني أن الله لم يجعل فيها هذا الذي ادعوه، يعني بعضهم يقول: لا تؤثر بنفسها أمّا إن وُجدت علة مدركة كأن يقال: والله هذا النوع من المياه، مياه معدنية، أو مياه كبريتية، أو مياه كذا، أو لسخونة مائها تفيد في علاج كذا فهذا لا إشكال فيه إذا ثبت علمياً، إذا ثبت فهذا لا إشكال فيه، لكن أن لا يوجد شيء من هذا إطلاقاً ثم يتشبث الناس بمثل هذه الأمور وهم سراع في مثل هذه القضايا، ويتناقلون فيها الأخبار الملفقة المكذوبة، وتنتشر بينهم انتشار النار في الهشيم، فهذا احفظوه: يعد من الكذب على القدر.   

الثالث: قال: إن الأعمال البدنية، هكذا في النسخة الخطية، وهكذا أيضاً في أصل الكتاب الذي نقل منه، البدنية لا يجوز أن يتخذ منها سبباً إلا أن تكون مشروعة، هنا زاد شيئًا لربما أشكل عليه الإعراب في النسخة التي عندي، لكن الأعمال البدنية الذي يظهر أن المقصود: الأعمال الدينية؛ لأنه قال: إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادات مبناها على التوقيف، وهذا الكلام إنما يتأتى مع الأعمال الدينية فكأن العبارة فيها تحريف، وأن الصحيح: الأعمال الدينية.

ذاك في الأمور العادية تعاطي الأسباب في الأمور العادية، في أمور المكاسب والعلاج وغير ذلك من الأمور الحياتية، أن يعمل الإنسان السبب ولا يعتقد أن هذا السبب يورث المسبَّب بالضرورة، إنما الأمور بيد الله -عز وجل- هذه واحدة.

والثانية: أن لا يعتقد في شيء أنه سبب وليس كذلك، في الأمور العادية.

الثالث: يتصل بالأمور الدينية؛ لأن الأعمال الصالحة هي أسباب تحصل بها مرضاة الله -عز وجل-، تحصل بها جنته، يحصل بها ثوابه، هي أسباب، كل هذا من قبيل الأسباب، فالأسباب أنواع: منها ما هو أسباب عادية، ومنها ما هو أسباب دينية، فهنا ما حال الأسباب الدينية؟ قال: الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها سبباً إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادات مبناها على التوقيف.

يعني لو أراد أن يتقرب إلى الله -عز وجل- قال: أنا أريد أن أتسبب في دخول الجنة، أريد أن أتقرب إلى الله -عز وجل- تتقرب بماذا؟

قال: أتقرب بعبادات أبتدعها، وأبتدئها من نفسي، رجل يخترع عبادات لم يأذن الله -عز وجل- بها، ولم يشرعها فما الحكم؟ نقول: لا يُعبد الله -عز وجل- إلا بما شرع، فهذا في الأسباب الدينية.

فكل من أراد أن يتوصل إلى مرضاة الله -عز وجل- وما عنده من الثواب فإنه يجب أن يكون ذلك بالعمل المشروع، الخالص لوجهه الكريم، فإنه لا سبيل إلا بهذا فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًاالكهف:110، يعني صواباً، وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًالكهف:110، هذا مفيد جدًّا في معرفة الأسباب على اختصاره، والكلام أطول من هذا بكثير، لكن لخصه في هذه السطور.                                        

قال -رحمه الله-: (ومن رسالة الحسبة):

قال: إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير العادل سُعِّر عليهم تسعير عدل، لا وَكْس، ولا شَطَط.

رسالة الحسبة مشهورة ومطبوعة طبعات متعددة، وباب الحسبة قديماً أوسع مما هو عليه اليوم، الآن الحسبة تتصل فيما يتعلق بالإنكار المباشر للمنكر، والأمر المباشر بالمعروف، الحسبة في السابق أوسع من هذا تقوم بأعمال كثيرة من جهات متعددة، مثل: أعمال كثيرة للبلديات، وأعمال لجهات أخرى رقابية، كانت تقوم بها الحسبة، فمن ضمن الأعمال مثلاً: أنهم يفحصون السلع، الصالح منها، والفاسد، وإذا قرأت بتوسع في هذه الأبواب يتحدثون عن الغش، وأنواع الغش، وطرق الغش في العطور، في العسل، في الأطعمة، في الحبوب، وما إلى ذلك كل هذا يذكرون له طرقًا وحيلا لأصحابه وأربابه عجيبة، فهم يأتون الأسواق ويراقبونها من هذه الحيثية.

وكذلك أيضاً ما يتصل بالمعاملات المحرمة والفاسدة من الربا، والتدليس، والغش، والنَّجَش، كل هذا يرجع لعمل أهل الحسبة، وصاحب الولاية هذه -ولاية الحسبة هي ولاية كبيرة جدًّا- له أعوان، فهنا يتحدث في رسالة الحسبة عن قضية التسعير قد يقول قائل: ما علاقة التسعير بموضوع الحسبة؟

أقول: إذا فهمت هذا الأصل وسعة ولاية الحسبة زال عنك الإشكال، فإن من أعمال المحتسب سابقاً أنه يراقب الأسواق، ومن ذلك ما يتصل بالأسعار والتلاعب بها، فالأصل شرعاً أن لا يسعر، وأن يترك الناس يتّجرون، ويكتسبون بيعاً وشراء من ألوان المعاملات المباحة، دون أن يضيق عليهم، أو يسعر، هذا الأصل، ولكن إذا دعت الضرورة إلى ذلك فإنه يجوز عندها التسعير، فهو يقول: إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير، يعني اضطروا لهذا، ما العمل؟، يترك الناس تضيع مصالحهم؟.  

الجواب: لا، فلا بد من التسعير، لكن التسعير العادل، بمعنى لو أن أصحاب السلع -أو بعض السلع لاسيما ما يتوقف عليه ضرورات الناس، أو حاجات الناس الأصلية، الأقوات مثلاً- قاموا يتلاعبون بها فاحتكروها، واختفت من الأسواق أو كادت، وصار تطلُّبها من الأمور العسيرة ففي هذه الحال ترتفع الأسعار؛ لقلة المعروض، وكثرة الطلب فلا تُشترى هذه إلا بأغلى الأثمان، ولا يستطيع شراؤها إلا الأغنياء، ويبقى عامة الناس في حال من الضرر، فهنا يُفرض التسعير على الناس، لكن هذا التسعير لا بد أن يكون عادلاً، تسعير عدل لا وكس، ولا شطط، الوكس هو النقص، والشطط هو الجور، لا وَكْس ولا شَطَط، يعني لا نقص ولا جور، بمعنى أنه لا يجعل الأسعار بحيث يكون ذلك ضرراً يعود على أصحاب السلع، فيظلمون، فتبخس هذه السلع فتباع بأقل من سعر التكلفة لربما، أو بسعر التكلفة أو نحو ذلك، أو بهامش من الربح يسير جدًّا، لا يحقق للتجار مصالحهم، ومن ثَمّ تبور التجارات، ويقول لك: لماذا أتّجر؟ فالشارع يراعي مثل هذه الجوانب؛ ولهذا هؤلاء الذين يعملون الدعايات يقولون لك مثلاً: املأ السيارة بنزينًا وأعطيك علبة مناديل، أو إذا حصّلت نقاطًا حينما تشتري بكذا أنا أعطيك مقابل ذلك كذا، أو يوقف سيارة عند المتجر ويقول: من يشتري، ويسحب رقمًا نعطيه، أو حتى لو لم يشترط الشراء أرقام تُسحب، ثم بعد ذلك يعطيه هذا كله حرام لا يجوز، لماذا؟

لأنه يضر بالمصلحة العامة، مصالح أهل السوق، فالذي لا يفعل هذا ينجفل الناس عنه، والذي يفعل هذه الأشياء يتهافت الناس عليه، كأن يقول مثلاً: كل يوم كذا في الأسبوع تخفيضات، أو اشترِ سلعة وتحصل على سلعة، اشترِ بكذا وتحصل على كذا، فتأتي وتجد الزحام الذي حصل اليوم فيقال لك: إن اليوم فيه عروض من هذا القبيل، هذا كله يفسد على الناس مصالحهم، يفسد على أهل السوق فينجفلون عليه، الشريعة ما جاءت بالضرر، ولهذا لو جاء إنسان يبيع بأقل من السعر المعروف بكثير، يعني بفرق مؤثر فإن مِن عمل أهل الحسبة أن يمنعوه، قد يكون هذا تاجرًا كبيرًا لا يتضرر حينما يبيع بأقل من سعر التكلفة، لكنه ماذا يؤثر؟، التجار الجدد سيخرجون من السوق مباشرة، ينهارون، وهذا الذي يحصل، عصابات، إذا دخل جديد في السوق قام بعض هؤلاء التجار بهذه الأعمال فينهار، لا يستطيع أن ينزل بسلعته، فلا يشتريها أحد، ويشترون السلع المشهورة المعروفة ذات الأسماء المرموقة، وهذا جديد فالنتيجة الخسارة المحققة، فالشريعة تمنع من هذا، فيقال لهم: لا يحق لكم أن تضعوا من هذه الأسعار هذا الوضع الذي يضر أهل السوق، ولا هذه العروض والدعايات من الجوائز، وما أشبه ذلك.  

فالتسعير إذا احتيج إليه فإنه يكون بعدل، لا وَكْس، لا يظلم أصحاب السلع، ولا شَطَط، ولا جور، بمعنى أنه لا يكون ذلك بحيث أيضاً يحصل به جور أو ظلم لعامة الناس، كأن تسعر بسعر أكثر مما تستحق مثلاً، ومن الجور أن تسعر بسعر أقل مما ينبغي، يعني كما سبق في الوكس.

قال -رحمه الله-: ومن امتنع من معاوضةٍ تجب عليه أُلزم بها بقيمة المثل.

هذه ملخصة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، يعني أن الأصل أن الناس أحرار فيما يملكون ما لم يفضِ ذلك إلى ما حرم الله -عز وجل-، فمن عنده سلعة لا يُلزم ببيعها، ولا يُلزم بإكرائها -الإجارة-، ولا يلزم بالتنازل عنها مثلاً، أو لا تباع من غير إذنه، ونحو ذلك، فلا يكره على بيع، لكن ذلك إن كان بحق فلا إشكال فيه، فيجوز الإكراه على البيع بحق مثل: إنسان عليه ديون حالّة، وعنده أموال أخرى، عنده عقارات، عنده أراضٍ، والناس يطالبونه بأموالهم وهو يماطل، فرفعوا ذلك إلى القضاء فما هو الإجراء؟، يقال له: وفِّ هؤلاء الناس، يقول: ما عندي سيولة، ما عندي نقود، يقال: هذه العقارات التي عندك، قال: ما أريد أن أبيع هذه العقارات، أريد أن أحتفظ بها للمستقبل، فهنا يُلزم بالبيع بما يحصل به الوفاء للغرماء، يُجبر، ويمكن أن يحجر على المفلس أيضاً ثم يُنظر فيما تحت يده ويوفى الغرماء بحصصهم بطريقة عادلة.

وكذلك لو أن هذا الإنسان امتنع من النفقة الواجبة، وقال: ما عندي نقود، حسابي صفر، فوُجد أن هذا الإنسان  له عقارات كان بالإمكان أن يبيع واحدة منها، ويغني أهله وأولاده، وهم لا يجدون ما يأكلون، وهذا يحصل، ففي هذه الحال يباع ما يحصل به سد الحاجة، وتحقيق هذا النفقات الواجبة، وما أشبه هذا، وهكذا الإكراه على البيع بثمن المثل، هذا الإنسان عنده مثلاً طعام، والناس مسافرون، وعلى الطريق أو عنده طعام في البلد، والناس أصابتهم حاجة وشدة، ومستودعاته مليئة بالأقوات.

ويقول: أنا لا أريد أن أبيع، هذا مالي وأنا حر، كما يفعلون في البلاد الرأسمالية يلقونه في البحر، يلقون البُّر في البحر من أجل أن يحافظ على الأسعار، والناس يموتون في مجاعات كما تشاهدون، والإسلام يمنع من هذا، فيقال له: ليست هذه الحرية مطلقة، وإنما الحرية التي لا يحصل بها ضرر على الآخرين، وهذه التجارة التي حصلتها أصلا حصلتها من شراء الناس منك، فهؤلاء الناس لهم حق فيُلزم بالبيع بسعر المثل، وهكذا.

قال -رحمه الله-: العقوبة لا تكون إلا على ذنب ثابت، وأما المنع والاحتراز فيكون مع التهمة.

الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، فلا تكون العقوبة إلا على أمر ثابت، وليس على الظنون والاحتمالات، والأمور المشكوك فيها، فإن هذا خلاف العدل، وهو ظلم للناس لا يجوز بحال من الأحوال هذا في العقوبة، يعني لا يجوز لك أن تعاقبه لمجرد ظن، أو تهمة، أو احتمال، أو نحو هذا، هذا لا يجوز، والأصل أن الإنسان برئ حتى تثبت عليه التهمة.

إذن الذي يسوغ في مثل هذه الحالات وجود التهمة دون القطع بها، يعني أنها مظنونة، يجوز المنع والاحتراز، المنع يكون مع التهمة، يعني المنع والاحتراز مثل هذا الإنسان محل ريبة فيمكن أن يمنع من الاجتماع مع الناس في الأماكن التي تكون مظنة للريبة، يمكن أن يمنع من أن يوجد، أو أن يذهب، أو أن يبقى في مكان يكون مظنة لحصول ما اتهم به، يقال: ابتعد عن هذا، إنسان تحوم عليه تهم فيما يتصل بالعلاقات مع النساء، يعمل في جهة، وهذه الجهة بعض الأقسام فيها تتعامل مع النساء، هنا ما ثبت عليه شيء، عليه كلام، وتهم لكن ما فيه إثبات فما العمل؟.  

هنا يجوز المنع والاحتراز، ينقل لقسم آخر لا يتعامل فيه مع النساء من باب الاحتراز، ما ظلمناك، لا نقص راتبك، لا نقصت مرتبتك، ما عاقبناك، نقلناك إلى قسم آخر نظير هذا القسم لكن ما فيه تعامل مع النساء فقط.

وكذلك الإنسان المتهم بالكذب لا نقبل شهادته لكن ما عاقبناه، ما ثبت أنه يكذب في الشهادة، أنه صاحب شهادة زور، لكن تحوم حوله الشبهات فما العمل؟. 

يمكن أن نحترز منه فلا نقبل شهادته، ما ظلمناك، أنا لا أقبل شهادتك في هذه القضية، هذا في حال التهمة، أما العقوبة ففي ثبوت الجناية، وهذا من كمال عدل الشريعة، لا يجوز معاقبة الناس بأي لون من العقوبة لمجرد شبهة، أما الاحتراز فباب أوسع بشرط أن لا يُظلم.

قال -رحمه الله-: العقوبة على ترك الواجبات، أو فعل المحرمات نوعان:

أولاً: مقدرة في الشرع لا يزاد فيها ولا ينقص.

ثانياً: راجعة إلى اجتهاد الوالي بحسب ما يحصل به المقصود، وتكون بالضرب، وبالحبس، وبالتوبيخ، وبالمال، كل أحد بحسب ذنبه، وبحسب حاله. 

العقوبة على ترك الواجب أو فعل المحرم، يعني الحدود والتعزيرات نوعان، أن العقوبة نوعان: نوع مقدر شرعاً وهذه الحدود، أيًّا كان صفتها، مقدرة في الشرع لا يزاد فيها ولا ينقص، حد القذف ثمانون، حد القذف أن يجلد ثمانين جلدة، والزاني غير المحصن يجلد مائة جلدة، والسارق تقطع يده من مفصل الكف، فلا يجوز أن يزاد فيها، فلا تقطع من المرفق، أو تقطع يده ورجله لمجرد السرقة، يعني ليس من المحاربين. 

وكذلك أيضاً لا يوجد مثلاً أكثر من مائة جلدة، أو أكثر من ثمانين جلدة، إذا كان القذف فهذه مقدره لا يزاد فيها؛ ولهذا قال الله -عز وجل-: وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌالنور:2، يعني الزاني والزانية، فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ النور:2 لاحظ ما قال: فاجلدوهما؛ لئلا يتوهم أن المائة منقسمة على الرجل والمرأة، قال: فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، ولو قال: فاجلدوهما مائة جلدة لوُجد من يفهم أن المائة منقسمة. 

قال: وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ، وهذه الرأفة تكون في صور: منها إسقاط الحد بالكلية، أو بتقليل العدد، أو بالصفة تخفيف الضرب، وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ.

يقول: والثانية راجعة إلى اجتهاد الوالي بحسب ما يحصل به المقصود، وهذه التعزيرات، فالتعزيرات تارة تكون بالضرب، والحبس، والتوبيخ، وبالمال، العقوبات المالية، يعني غرامة مالية، كل أحد بحسب ذنبه، وبحسب حاله، وقد تكون بجهد بدني كما يقولون: الأشغال الشاقة مثلاً، أعمال معينة يطالب بها كأن يعزره القاضي، يقول مثلاً: تنظف هذا المسجد الجامع بكامله مثلاً. 

قال -رحمه الله-: إذا أمكن أن تكون العقوبة من جنس المعصية كان ذلك هو المشروع بحسب الإمكان.

هذه الاجتهادية التي قبلها هل تُحد؛ لأنه قد جاء في الحديث: (لا يُجلد أحد فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله)([1])، والعلماء تكلموا على هذا، وما المراد به، فبعضهم أطلقه، وقال: لا يجوز في التعزيرات أن تزيد عن عشرة أسواط، وبعضهم قال: هذا مقيد، وقيدوه بقيود ذكروها، لكن هذا الاجتهاد الذي يكون من قبل هذا القاضي مثلاً، أو مَن أصدر هذه العقوبة أيضاً لا يجوز أن يكون بظلم، كأن تكون الجناية لا تستحق هذا التعزير المبالغ فيه، يعني كأن تكون جناية هذا الإنسان مثلاً يسيرة، ولكنه حكم عليه بألف جلدة، أو تكون جناية هذا الإنسان يسيرة فحكم عليه بالحبس سنوات، فهذا كله لا يجوز.

والقاعدة التي بعدها: إذا أمكن أن تكون العقوبة من جنس المعصية كان ذلك هو المشروع بحسب الإمكان، أما بالنسبة للحدود فهذا واضح؛ لأن القضية حسمها الشارع، والعلماء تكلموا في مسألة جلد الزاني مثلاً، أو الرجم قالوا: لما كان الاستمتاع لكل أجزاء البدن فإنه يرجم هذا المحصن؛ ليذوق الألم في جميع أجزاء بدنه، هذا قاله بعض أهل العلم، وهي علة مستنبطة وليست منصوصة، يعني ليست قطعية إنما هي اجتهاد، لكن إذا نظرت الآن للعقوبات الشرعية التي قدرها الشارع تجد أنها في غاية المناسبة عموماً، فقطع يد السارق؛ لأن هذه اليد هي التي تمتد إلى أخذ ثمرة عرق الشرفاء، فقطعت؛ لئلا تفسد على الناس أمرهم، هذه اليد لما كانت ملوثة، مريضة كانت إلى البتر أحوج؛ لتسلم أموال الناس في المجتمع، فهذه العقوبة مناسبة للسرقة.

وفي المحاربين مثلاً سواء كان على التأخير أم على الترتيب: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍالمائدة:33 إما أن يكون ذلك للتخيير بحسب ما يراه من المصلحة، يعني ما يراه الحاكم من المصلحة، أو كان ذلك على التقسيم كما يقول الشافعي -رحمه الله-: إنهم إن فعلوا كذا فُعل كذا، وإن فعلوا كذا فُعل بهم كذا، فانظر مثلاً في نفيهم فيستريح الناس من شرهم، فيما يتصل بقطع اليد والرجل من خلاف فتنشل الحركة؛ لأن الإنسان إذا قطعت له رجل يميل إلى الجهة الثانية فيحاول أن يكون هناك توازن، فإذا كانت اليد من الجهة الثانية مقطوعة اضطرب فتكون حركته في غاية الصعوبة، ومن ثَمّ كانت هذه العقوبة مناسبة له؛ لينقطع فساده عن المجتمع، أو يقتل إن كان لا يندفع شره إلا بالقتل.

وكذلك أيضاً فيما يتصل ببقية العقوبات عمر -رضي الله تعالى عنه- نُقل عنه أنه أمر بشاهد الزور أن يركب على دابة مقلوباً، يعني وجهه إلى الجهة الأخرى، ويُسوّد وجهه، كما قلب الحديث في هذه الشهادة وسوّد وجهه بالكذب، يعني هذا تعزير، كما سبق أن العقوبات الشرعية لا مجال للاجتهاد فيها، لكن في التعزيرات كيف تكون من جنس الجناية؟، يعني أن يتحرى القاضي عقوبة تناسب الجناية في باب التعزير.

وفي الآخرة الله -عز وجل- يقول: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىالإسراء:72، قيل: "أعمى" صفة له، يعني المقصود أنه يحشر لا يبصر، أي موصوف بالعمى.

وقيل: إن "أعمى" أفعل تفضيل، -"أعمى" الثانية في الآخرة-، يعني أنه في الآخرة أشد عمى، هذا قول آخر معروف في المسألة.

وكذلك ما جاء في عقوبة المتكبرين يوم القيامة: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان،...)([2])؛ لأنهم تطاولوا وتعالوا بغير حق فصاروا بهذه المثابة.

وقل مثل ذلك في الغالّ فإنه في الدنيا يحرق متاعهُ، وفي الآخرة: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِآل عمران:161، والنبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر هذا، فإذا كان قد أخذ أرضاً اقتطعها بغير حق: (من ظلم من الأرض شيئًا طوقه من سبع أرضين)([3])، وإذا كان سرق دابة أو نحو ذلك -غلها يعني-، (من غل منها بعيراً، أو شاة أتي به يوم القيامة يحمله)([4]).

المانع الزكاة إن كان الذهب والفضة: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره)([5])، وإذا كانت إبلا أو بقرًا أو غنمًا: (ولا صاحب بقر، ولا غنم، لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة بُطح لها بقاعٍ قرقر، لا يفقد منها شيئاً، ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء، ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها)([6])، فهذا كله من هذا القبيل.

فالمقصود أن التعزيرات يتحرى فيها أيضاً أن تكون متناسبة مع الجناية، والله المستعان.

يعني مثل إنسان يؤذي الناس بسيارته يُفحِّط مثلاً يمكن أن تكون العقوبة من جنس هذا أن تصادر هذه السيارة مثلاً أسبوعاً، أو شهراً، أو أكثر، أو دائماً، وهكذا.

قال -رحمه الله- رسالة الله لرسله: إما إخبار، وإما إنشاء، فالإخبار عن نفسه وعن خلقه مثل: التوحيد، والقصص الذي يندرج فيه الوعد والوعيد، والإنشاء: الأمر والنهي والإباحة.

وهذا كما ذكر الله في سورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الإخلاص:1 التي تعدل ثلث القرآن؛ لتضمنها ثلث التوحيد، إذ هو قصص وتوحيد وأمر، وقوله في صفة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ الأعراف:157، وهو بيان لكمال رسالته، فإن الله أمر على لسان نبيه بكل معروف، ونهى عن كل منكر، وأحل كل طيب، وحرم كل خبيث، وكذلك وصف الأمة بما وصف به نبيها، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر قال: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ آل عمران:110.

فهذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، فهم أنفعهم لهم وأعظمهم إليهم إحساناً؛ لأنهم كمّلوا أمر الناس بالمعروف، ونهيهم عن المنكر من جهة الصفة والقدر، وحيث أمروا بكل معروف، ونهوا عن كل منكر لكل أحد.

ما فيه واو زائدة، هذه الواو في النسخة الخطية غير موجودة، من جهة الصفة والقدر حيث أمروا بكل معروف ونهوا عن كل منكر لكل أحد.

قال: لأنهم كملوا أمر الناس ونهيهم عن المنكر من جهة الصفة والقدر، حيث أمروا بكل معروف ونهوا عن كل منكر لكل أحد، وأقاموا ذلك بالجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وهذا كمال النفع للخلق، وسائر الأمم لم يأمروا كل أحد بكل معروف ولا نهوا كل أحد عن كل منكر، ولا جاهدوا على ذلك، بل منهم من لم يجاهد، والذين جاهدوا من بنى إسرائيل فعامة جهادهم كان لدفع عدوهم عن أرضهم كما يُقاتَل الصائل الظالم، لا لدعوة المُجاهَدين وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر.

 حاصل هذا وهو ملخص من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أنه يقول بأن حاصل ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، حاصل الرسالة أنها إما خبر وإما إنشاء، خبر عن الله، أو عن رسله -عليهم الصلاة والسلام-، أو عن الملائكة، أو الأمم السابقة الذي هو القصص، خبر عن اليوم الآخر، هذا كله أخبار، ما فعل الله بالمكذبين، ما فعل الله بالمؤمنين، أو يكون إنشاء، يقول لهم: افعلوا كذا، لا تفعلوا كذا الذي هو التشريع، الأمر، والنهي، والإباحة، سواء كان الأمر جازماً أم غير جازم، يعني الواجب والمستحب، أو كان النهي جازمًا أو غير جازم الذي هو المحرم والمكروه، فيبقى المباح، فهذه الأحكام الخمسة لكنه أجملها، يعني أمور التشريع، فما جاءت به الرسل -عليهم الصلاة والسلام- فهو مِن هذا، إما أخبار وإما إنشاء، الأمر والنهي، الحلال والحرام، والتشريع وهذا كله داخل فيه، يقول هنا: فسورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تعدل  ثلث القرآن، باعتبار -كما قال بعض أهل العلم- أن القرآن يتعلق بالتوحيد، أو قضايا الاعتقاد.  

والأمر الثاني: وهو الأحكام.

والأمر الثالث: الذي هو القصص مثلاً، فتضمنت هي هذا الثلث الأول المتعلق بالاعتقاد، هكذا قال أهل العلم.

وقيل غير ذلك، لكن المقصود هنا توضيح ما يناسب المقام، ويقول: لتضمنها ثلث التوحيد إذ هو قصص وتوحيد وأمر، يقصد ماذا؟ ما هو الذي هو قصص وتوحيد وأمر؟، القرآن، قصص هذه ثلث، وتوحيد قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جاءت بهذا، وأمر ونهي.

وقوله في صفة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَالأعراف:157، وهو بيان لكمال رسالته، فإن الله أمر على لسان نبيه بكل معروف ونهى عن كل منكر، هذا الذي هو الأمر والنهي، هذه صفة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي صفة هذه الأمة واختصت به؛ ولهذا قال الله -عز وجل-: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِآل عمران:110 فأخّر الإيمان، لكن في بني إسرائيل قال: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَآل عمران:113-114، فجاء بالإيمان أولاً: يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ثم قال: وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ففي حق هذه الأمة قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمّا ذكر صفتها، وفي بني إسرائيل ذكر الإيمان أولاً ثم الأمر بالمعروف فأخذ منه بعض أهل العلم معنًى استنبطوه وهو أن ذلك لما كان الإيمان مشتركاً بين هذه الأمة وسائر الأمم أخره في صفتها، ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص هذه الأمة، بمعنى أنها تأمر بكل معروف لكل أحد، وتنهى عن كل منكر لكل أحد، فليس هناك أحد فوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس هناك أحد دونه فيقال: هذا دعوه؛ لضعفه أو عجزه أو مسكنته، الجميع يؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر، لا يُستثنى من ذلك أحد، لا والد، ولا ولد، فهذا هو المقصود، فصارت بذلك خير أمة أخرجت للناس، وذكر لها هذه الخصيصة التي تميزت بها على سائر الأمم، فهو يقول: الأمم السابقة لم تكن بهذه المثابة في هذا الباب، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك الجهاد، فإن الجهاد إنما ذكره هنا باعتبار أنه رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني أعلى مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الجهاد والذي من أعلى مراتبه أيضاً الهجرة، الهجرة هي نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن مفارقة الأرض التي لا يستطيع فيها أن يعبد ربه -تبارك وتعالى- هذا من مقتضيات بل هو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هجر المنكر وهجر أهله لا أن يسافر إليهم ويقصدهم ويأنس بهم، ويلتقط الصور لهم وله، وهو معهم، وما إلى ذلك وهو منشرح الصدر بهذا، وإذا تزوج امرأة أخذها وذهب بها إلى بلاد لا تعرف المعروف ولا تنكر المنكر، ولا يستطيع أن يأمر بالمعروف ولا يستطيع أن ينكر أدنى منكر، ويشاهد أنواع المنكرات ثم يقول: سياحة إسلامية، فهذا حرام لا يجوز، فالإنسان يفارق المنكر، ولهذا قال الإمام مالك -رحمه الله-: "يجب الهجرة من البلاد التي تظهر فيها البدع"([7])، وهذا يقصدها، والله المستعان.

فالمقصود هنا أنه ذكر الجهاد باعتبار أنه أعلى قامة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يلي ذلك الهجرة، فإن الإنسان يترك الوطن والأهل والعشيرة لله، وفي الله كما فعل إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، وكما فعل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يأتي بعد ذلك: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)([8])، فيما دون الجهاد الذي هو القتال، قتال الكفار، (فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

فيقول: إن الأمم السابقة لم يكن عندهم من هذا كما عند هذه الأمة، ولم يكن عندهم من الجهاد الذي هو قتال الكفار ما عند هذه الأمة، وإنْ وُجد عند بعضهم، بنو إسرائيل عندهم جهاد، ولكنه ليس كالجهاد الذي فرض على هذه الأمة، يقول: والذين جاهدوا من بني إسرائيل فعامة جهادهم كان لدفع عدوهم عن أرضهم كما يُقاتَل الصائل الظالم لا لدعوة المُجاهَدين وأمرهم بالمعروف، يعني دعوتهم للإسلام، الإسلام لا يكرههم على الدخول فيه بالقتال، ولكنه يجعل الطرق والأسباب مشرعة لا يحول دون الناس حائل حينما يريدون اعتناق الإسلام أو التعرف على أحكامه، فهذا الذي يقال له: جهاد الطلب، والأول هو جهاد الدفع، وهذا أمر واضح لا خفاء فيه.

قال -رحمه الله-: ولهذا كان إجماع هذه الأمة حجة؛ لأن الله أخبر أنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر، فلو اتفقوا على إباحة محرم أو إسقاط واجب أو تحريم حلال أو إخبار عن الله أو عن خلقه بباطل لكانوا متصفين بالأمر بمنكر والنهي عن معروف من الكلم الطيب والعمل الصالح.

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِآل عمران:110، فاتباع سبيلهم -أعني المؤمنين- اتباع للرشد والهدى والحق؛ لأن الله -عز وجل- قال: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًاالنساء:115، فسبيل المؤمنين أنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر لكل أحد، فلا يمكن أن يقروا باطلاً على أحد كائناً من كان، ومن ثَمّ كان إجماعهم حجة، لا يمكن أن يتفقوا على أمر هو باطل ومنكر ولا يُغيَّر، يسكت الجميع من أولهم إلى آخرهم فيحصل بذلك اتفاق على الباطل، فهذا لا يكون، لا بد أن يوجد من يقوم بأمر الله -عز وجل- ويبين الحق، ومن ثَمَّ كان إجماعهم حجة؛ لأنهم لا يجتمعون على ضلالة. 

فسبيل المؤمنين أنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر لكل أحد، فلا يمكن أن يقروا باطلاً على أحد كائناً من كان، ومن ثَمّ كان إجماعهم حجة، لا يمكن أن يتفقوا على أمر هو باطل ومنكر ولا يُغيَّر، يسكت الجميع من أولهم إلى آخرهم فيحصل بذلك اتفاق على الباطل، فهذا لا يكون، لا بد أن يوجد من يقوم بأمر الله -عز وجل- ويبين الحق، ومن ثَمَّ كان إجماعهم حجة؛ لأنهم لا يجتمعون على ضلالة. 

 

والشافعي -رحمه الله- لما سأله رجل عن الحجة من القرآن للإجماع، ما دليلك على الإجماع من القرآن؟ احتبس في بيته فقرأ القرآن ختمة كاملة ثم عاد ثانية حتى استنبط ذلك من هذه الآية: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىالنساء:115 الآية.

قال -رحمه الله-: كل ما أمر الله به فهو صلاح، وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِالبقرة:82 وذمَّ المفسدين في غير موضع، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم تكن مما أمر الله به وإن كان قد تُرك واجب، وفُعل محرم، إذ المؤمن عليه أن يتقي الله في عباده،وليس عليه هداهم.

هذا أصل في مراعاة المصالح، كل ما أمر الله به فهو صلاح، وقد أثنى الله على الصلاح والمصلحين، وذمَّ المفسدين في غير موضع، إذن مقصود هذه الشريعة الصلاح والإصلاح.

ومقصود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الصلاح والإصلاح، فحيث كان ذلك لا يؤدي إلى تحقيق مقصود الشارع من تكثير الصلاح والخير والمعروف فإن الأمر بالمعروف في هذه الحالة يكون منكراً، إذا كان يؤدي إلى مفسدة أعظم، وكذلك إذا كان هذا النهي عن المنكر لا يؤدي إلى تقليل المنكر وتقليل الشر بل يؤدي إلى تفاقمه وكثرته وزيادته فإن النهي عن المنكر يكون من قبيل المنكر؛ ولهذا قال الله -عز وجل-: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍالأنعام:108، فسب آلهة المشركين أمر لا إشكال فيه، فلا حرمة لها، ولكن ذلك يؤدي غالباً إلى سب الله -عز وجل-، فالمتسبب فيه يكون قد فعل منكراً؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لعن الله من لعن والديه)([9])، وقال: (من الكبائر شتم الرجل والديه)، فسئل عن هذا؟ فقال: (يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه)([10])، يعني هذا هو المتوقع أنه لن يسكت فيكون هذا السابُّ أولاً الذي ابتدأ بالسب متسبباً في سب والديه، فوجه النبي -صلى الله عليه وسلم- إليه اللعنة، قال: (لعن الله من لعن والديه)، لاحظ مع أنه ما لعن والديه، لكن لما كان متسبباً نُزل منزلة المباشر، واستحق اللعنة، فالأمر ليس باليسير؛ ولهذا يقال في الحسبة والاحتساب -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- إنه لا يجوز للإنسان أن يتعاطى ذلك، ويرى أنه من قبيل فعل السبب، وأن الله -تبارك وتعالى- هو الذي يتولى النتائج، فيفهم تعاطي الأسباب على غير وجهه، بل يجب عليه أن ينظر إلى العواقب باعتبار الظن الغالب في مجاري العادات، ما هي العاقبة؟

فإذا كان أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لا يؤدي إلى تكثير الخير والصلاح والمعروف، بل يؤدي إلى كثرة المنكر، أو تقليل الخير فإن هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من قبيل المنكر، فيكون آثماً بذلك، وقد أفسد حيث يظن أنه يُصلح؛ ولهذا قالوا: إنه لا بد لمن أراد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من العلم، فإن من يأمر وينهى بلا علم يفسد أكثر مما يصلح، لا بد من علم، ولا بد له من أمر آخر وهو العقل الراجح، فإذا اجتمع له هذا وهذا فهو كنور العين مع ضوء الشمس، فيبصر الأشياء على حقائقها، هذه الحكمة، يكون عنده حكمة، فبعض الناس قد يكون عنده علم لكنه أخرق فيه طيش وخفة فيفسد، ويطيش عقله في تلك المقامات، فيأتي بألوان الرعونات، ويتصرف تصرفات لا يقرها الشرع، فهذا لا يجوز لا في القضايا الخاصة، ولا في القضايا العامة، وكذلك أيضاً قد يكون عنده عقل راجح لكن ما عنده علم فيتصرف تصرفات يمليها عليه عقله لكنها غير مزمومة بزمام الشرع، فيكون فعله على غير ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-. 

ومن الناس من لا يكون عنده علم ولا عقل -نسأل الله العافية-، نحن نقول: الذي عنده علم، وليس عنده عقل يستشير العقلاء قبل أن يُقدم، والذي عنده عقل وليس عنده علم يستشير أهل العلم قبل أن يُقدم، فيكمل نقصه، لكن الذي لا علم ولا عقل هذا لا يصلح للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا بد من اجتماع هذين الأمرين بالإضافة إلى أمور أخرى كـالرفق ونحوه. 

فهنا إذن يجب مراعاة ذلك، فهذه المصالح إنما المعوَّل عليه الرجحان؛ لأن الدنيا ليس فيها كما يقول الشاطبي مصلحة خالصة، إنما المصالح غالبة، فهذا الإنسان الذي عُثر عليه مثلاً أنه يبيع المخدرات أو نحو هذا، فقد يأتي من يشفع له، ويقول: هذا مسكين عنده أسرة أربع عشرة نفس، ويشتغل مثلاً في جهة إذا علموا ذلك سيفصل من عمله، وتكونون قد قطعتم رزقه وما أشبه ذلك، فيقال: هذا يفسد في المجتمع، الآن فساده وضرره غير قاصر عليه هو، فلا بد من معاقبته، لا يُترك ولا يستر عليه بخلاف من كانت جريمته أو جنايته جناية خاصة يعود ضررها عليه هو، فيُنظر عندئذ في المفاسد والمصالح، فيقال مثلاً: إذا أُخذ بهذه الجناية القاصرة أنه قد يفصل فيتضرر هؤلاء، ويكونون عالة على الناس، وقد يؤدي بهم إلى بيع الأعراض، وما إلى ذلك من الأمور، فهنا يُراعَى، كذلك فيما يتعلق  بالحبس ونحوه إذا حُبس هذا الإنسان ما الذي سيحصل من وراء حبسه؟، هل ستتحقق المصلحة الشرعية، ويقل الضرر، أو أن الضرر سيتفاقم؟، هذا حُبس في جناية يسيرة فدخل وتعلم أشياء كثيرة جدًّا من الحبس من الجرائم، وتخرج مجرماً بعدما كانت جنايته في جزء يسير، فهذا كله يُراعَى فيه المصالح والمفاسد، وهذا يحتاج إلى بصر، ويحتاج إلى علم، ويحتاج إلى دقة نظر، وهناك أمور يُحتاج أن يجتمع عليها مجموعة من الناس يقررون فيها، وهناك قضايا قد يتوقفون فيها؛ لأنها شائكة ومشكلة ومتداخلة، لكن يجب مراعاة هذا الأصل، ولا يقول الإنسان -وهذا هو المقصود-: إن النتائج على الله -عز وجل-، وأنا عليّ أن آمر وأنهى، لا، ليس كذلك، بل عليك أن تنظر في المآلات، فإن مقاصد الشارع يجب أن تُراعَى، فتارة تكون المصلحة راجحة والمفسدة مرجوحة، فهنا يقال: نقدم المصلحة.

وتارة تكون المفسدة راجحة والمصلحة مرجوحة فندفع المفسدة، وتارة تتساوى المصلحة والمفسدة فننظر في المراتب.

فعندنا ضروريات وحاجيات وتحسينيات، والضروريات خمس أعلاها: الدين، ثم النفس، ثم العقل، ثم العرض، ثم المال، فإذا تساوت المصالح والمفاسد وتزاحمت فهنا لا نقول بأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، نقول: في أي المراتب هذه المفسدة؟، وفي أي المراتب هذه المصلحة؟، فإذا كانت مرتبة المصلحة أعلى قدمت المصلحة وأهدرت المفسدة؛ ولهذا شرع الجهاد، وفيه مفسدة إزهاق النفوس، وإتلاف الأموال، ومع ذلك لمّا كان فيه حفظ الدين اغتُفر إزهاق النفوس في جانب إعلاء كلمة الدين.

والمقصود به الجهاد المشروع، وكذلك أيضاً فيما يتعلق مثلاً بقطع يد السارق مثلاً، أو قتل القاتل هذا فيه مفسدة كما يقول بعض المفتونين: إننا خسرنا اثنين من المجتمع بدلا من خسارتنا واحدًا، نقول: نعم، {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} [البقرة:179]فخسران واحد قد يكون مفسدة ولكن فيه مصلحة أعظم أن الناس يأمنون على حياتهم، فنحن ننظر إلى هذه المراتب، وننظر إلى العموم والخصوص، فإذا تساوت المرتبة في الضروري مثلاً كل ذلك يرجع إلى الدين، أو كله يرجع إلى النفس، أو كله يرجع إلى العقل نظرنا في العموم والخصوص، فالمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، وهذا أيضاً ليس على إطلاقه، وإنما بعد النظر في المراتب، فإذا كانت المصلحة الخاصة تتعلق بضروري، والمصلحة العامة بحاجي قدمنا المصلحة الخاصة، وإذا كانت المصلحة العامة تتعلق بالمال، والمصلحة الخاصة تتعلق بالدين فإننا نقدم المصلحة الخاصة؛ ولهذا تبذل الأموال من بيت مال المسلمين لفداء الأسارى؛ لأنهم قد يُفتنون بدينهم، أو تزهق نفوسهم -يُقتلون- فنعطيهم من المال العام، فنقدم المصلحة الخاصة.

فهذه الطريقة تحتاج إلى علم، وتحتاج إلى حسن نظر، وتحتاج إلى عقل، ومن ثَمّ فإن الإنسان لا يدخل في القضايا الكبار ثم يتصرف من عند نفسه ويقول: النتائج على الله، والله المستعان.

قال -رحمه الله-: من أصول أهل السنة: لزوم الجماعة، وترك قتال الأئمة، وترك القتال في الفتنة.

المقصود بالجماعة الحق، ولو كنت وحدك، لزوم الجماعة يعني الذين هم على الحق.

وترك قتال الأئمة،فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قيد ذلك، وضبطه بضابط واضح محدد: (إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم فيه من الله برهان)([11])، أما الأشياء الأخرى المحتملة التي لم تستبن، أو التي يختلف الناس فيها، أو نحو هذا، وتكون مترددة ليس عندنا فيها من الله برهان فهذا لا يجوز.

وما كان عندنا فيه من الله برهان فإنه يقيد بالقيود المعروفة من القدرة، وغلبة المصلحة على المفسدة، يعني عندنا فيه من الله برهان والناس لا يستطيعون، ليس عندهم قدرة وإذا خرجوا سيُقتلون سيبادون فماذا يُفعل؟، يقال لهم: لا تفعلوا، لا يجوز لكم ذلك.

قال: وترك القتال في الفتنة، وذلك حينما تختلط الأمور على الناس، ولا يستبين الحق، إما لأن هذا عنده شعبة من الحق وشعبة من الباطل، والآخر عنده شعبة من الحق وشعبة من الباطل، أو لأن ذلك لم يتضح وما استبان فيه الحق، فإن الإنسان يجتنب ذلك ولا يدخل فيه، بل يحفظ لسانه، وليس فقط يده.

قال -رحمه الله-: إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات يجب ترجيح الراجح منها، فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد يجب احتمال أدني المفسدتين؛ لدفع أكبرهما، وذلك بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها،وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تُعْوِز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام.

إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات يجب ترجيح الراجح منها، قال: فيما إذا ازدحمت المصالح المفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد يجب احتمال أدنى المفسدتين لدفع أكبرهما، يعني هذا في حال ما إذا ازدحمت المصالح، وُجد مصلحتان لا نستطيع القيام بهما معا، لا بد من القيام بواحدة وإهدار الأخرى، فماذا نفعل؟.

نقوم بالمصلحة الأعظم ونتخلى عن المصلحة الأقل، لكن كيف نعرف أن هذه أعظم؟ إما أن يكون ذلك منصوصاً، يعني نعرفه بالنصوص الشرعية، أو أن يعرف ذلك بأمور وطرائق أخرى مثل: النفع العام المتعلق  كأن تكون هذه تتعلق بقضايا أصول الدين، والاعتقاد وما إلى ذلك، الحال والزمان الذي يكون فيه، حال الناس التي تقتضي كذا، حاجتهم إلى كذا، يعني مثلاً الآن وُجدت كارثة في مكان وعندك مصالح أخرى تتعلق بالدعوة إلى الله -عز وجل-، أو تعليم العلم وتدريس ذلك، ولا تستطيع القيام بهذا وهذا، ولا يوجد في الناس من يقوم بهذا وهذا، فلا بد أن يوجه الجهد إما لضخامة ذلك، يعني لا يكفي فيه هؤلاء، فلا بد أن ينصبّ جهد الخيِّرين إلى واحد من هذين، فماذا يُفعل؟

نقول: يمكن أن تؤجل البرامج الدعوية والدروس لحل هذه الكارثة، وإغاثة هؤلاء الناس الذين وقعت لهم مصيبة، إما طوفان، وإما زلزال، أو غير ذلك، فهنا يقال: يرجح بأحد هذه الأمور، إما الحال ومقتضاها، وإما العموم والخصوص، ينظر إلى هذه القضايا، أو المتعلَّق هذا يتعلق بأصول الدين، بالاعتقاد، وهذا يتعلق بأمور تتصل بالصحة، وما أشبه ذلك، واضح؟، فهنا يقال: نرجح المصلحة الأعلى ونهدر الأخرى إذا ما استطعنا القيام بالقضيتين، إذا ازدحمت المفاسد كذلك أمامنا مفسدتان لا بد من ارتكاب واحدة منهما، إن استطعنا أن ندفع المفسدتين هذا هو الواجب، لكن إذا ما استطعنا فما العمل؟ هنا يقال:

وارتكِب الأخفَّ من ضُرّيْنِ *** وخيِّرنْ لدى استوا هذينِ

 فيقال: ارتكب المفسدة الأدنى في سبيل دفع المفسدة الأعلى، وهذا لا إشكال فيه، وارتكابنا لهذه المفسدة الأدنى لا يكون معصية لله -عز وجل-، وعندئذ لا يكون ذلك من قبيل فعل المنكر أو ترك الواجب، ترك الواجب حينما تتزاحم المصالح تركنا واحدة، فنقول: تركنا واجبًا، ويلام الناس على هذا، لا، وفي تزاحم المفاسد حينما نرتكب المفسدة الأقل عندها لا نستطيع أن يقول أحد: إن هذا فعَلَ منكراً، فعَلَ معصية؛ لأنه لا بد من ارتكاب أحد الضررين والمفسدتين لدفع الأعلى منهما، والأعلى يقيسه العلماء باعتبارات متنوعة كالتي ذكرتها آنفاً، والأمثلة يختلف عليها الناس، لا أحب أن أمثل لكن الآن التصوير حرام بجميع أنواعه، وتساهل الناس فيه كثيراً اليوم، الخروج بالفضائيات وتعليم الناس العلم، الدعوة إلى الله -عز وجل- وما إلى ذلك هذا أمر لا بد منه؛ لأن الناس صاروا إنما يتلقون من هذه الفضائيات مع مفسدة التصوير فما العمل؟  

فهنا نقول: يرتكب الأخف من الضررين؛ لدفع أعلاهما، فمن فعل ذلك وهو يعتقد حرمة التصوير وخرج في هذه البرامج فإنه يكون مأجوراً؛ لأنه يقوم بفرض كفائي، ولا بد أن يوجد في الأمة من يقوم بهذا، ولا يُترك هذا الفضاء وهذه القنوات للأشرار يفسدون الدين والأخلاق وعقائد الناس، ونترك ذلك تورعاً من التصوير، أما التصوير الذي لا معنى له، ولا فائدة فيه فمثل هذا لا يسوغ، والأمثلة كثيرة لكن خذ ما شئت ودع ما شئت، يعني ركِّب على القاعدة -إذا كانت موافِقة- من الأمثلة ما تشاء؛ لأن الأمثلة للتوضيح، وليست لتقرير القواعد، وإنما تقرر القواعد بالأدلة، وكثير من الناس يتفقون على القاعدة، فإذا ذُكر المثال اختلفوا، وهذا خطأ، إنما المثال للتوضيح، وضع من الأمثلة ما شئت.

قال -رحمه الله-: ونفس الهوى وهو الحب والبغض الذي في النفس لا يلام عليه فإن ذلك لا يُملك، وإنما يلام على اتباعه بغير هدى من الله.

والقاعدة الأخرى ستأتي مكملة لها، لكن المقصود أن الهوى الذي هو ميل النفس عن الشيء أو إليه الذي هو الحب والبغض هذا لا يؤاخذ عليه الإنسان؛ لأن الشارع لم يكلفنا بما لا يُطاق، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاالبقرة:286، فمثل هذه القضايا مما يتصل بالحب والبغض وما أشبه ذلك، هذه الأمور تقع في قلب الإنسان من غير إرادة؛ ولهذا ذكرت قاعدة في بعض المناسبات وهي: أن خطاب الشارع إذا توجه إلى المكلف في أمر لا يدخل تحت طوقه فإنه ينصرف إلى سببه، أو إلى أثره، إلى سببه مثل: شرط الندم في التوبة، لا يستطيع الإنسان أن يندم متى ما أراد، كيف يندم؟.   

نقول: يتوجه الخطاب إلى السبب ينظر إلى عقوبة الله، وجرأته عليه وما أعد للعاصين، وما إلى ذلك فيندم، أو يتجه إلى أثره، مثل قوله تعالى: وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ النور:2، والرأفة رحمة رقيقة، فهو حينما يرى هذا الإنسان يقام عليه الحد فقد يرق له، فهل يؤاخذ؟ لا، إنما يتجه النهي إلى الأثر، الأثر كأن يقول: لا تقيموا عليه الحد، هذا ما يستحق، هذا مسكين، هذا ضعيف، هذا حرام، لا يحتمل، فيقلل أو يلغى الحد، أو في الصفة يضرب ضرباً خفيفاً، فهذا هو المحرم، أمّا ما يقع في القلب فلا يؤاخذ الإنسان عليه؛ لأنه من غير إرادته، فمجرد ميل النفس كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ)([12])، فميل النفس إلى الحرام ومواقعة الحرام لا يؤاخذ عليه، لكن إذا واقع ذلك فإنه يؤاخذ، هنا تأتي المؤاخذة، قد يقول بعض الناس: أنا أميل، هو يميل مثلاً إلى سماع المعازف ونحو ذلك، ولكنه يجاهد نفسه ويمتنع منها فهذا هوى لكنه لا يؤاخذ عليه، لكن يؤاخذ على اتباع الهوى حينما يفعل ذلك.

وكذلك قد يكون فيه ميل عنه، قد يقول الإنسان مثلاً: أنا نفسي تنقبض من بعض الأشياء ولكني أجاهد نفسي على فعلها، الاستيقاظ لصلاة الفجر مثلاً، يقول: أجد بذلك عناء وصعوبة، الصوم أجد نفسي لا تميل إليه إطلاقاً، المرأة مثلا قد تنفر من بعض الأشياء الحجاب مثلاً، ولكنها تتقي الله -عز وجل- وتحتجب، فهي غير مؤاخذة على هذا الذي يقع في قلبها؛ لأنه من غير إرادتها، ومن غير إرادته، ولكن اتباع ذلك الهوى هو المحرم، هو الذي يجري عليه العقاب والحساب.

 أما مجرد ميل النفس فهذا لا يؤاخذ الإنسان عليه (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم)([13])، فهذا في حديث النفس؛ لأنه يقع من غير إرادة، وليس ذلك مما يصور كل حالات الهوى، هذا في حديث النفس فقط، فتجاوز الله -عز وجل- عنه.

قال -رحمه الله-: الواجب على العبد أن ينظر في نفس حُبه وبُغضه ومقدار حبه وبغضه، هل هو موافق لأمر الله ورسوله، وهو هدى الله الذي أنزل على رسوله بحيث يكون مأموراً بذلك الحب والبغض، لا يكون متقدماً فيه بين يدي الله ورسوله، فإنه قال: لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِالحجرات:1، ومن أحب أو أبغض قبل أن يأمره الله ورسوله ففيه نوع من التقدم بين يدي الله ورسوله، ومجرد الحب والبغض هوى لكن المحرم اتباع حبه وبغضه بغير هدى من الله.

هنا يريد أن يقول: إن الإنسان عليه أن يعالج قلبه بحيث لا يكون في قلبه أدنى مخالفة، ومن ذلك أن لا يكون هذا الإنسان له نفسٌ ما ارتاضت على محابّ الله -عز وجل- فتحبها، ومساخط الله -عز وجل- فتسخطها، وفوق ذلك وهو أن الإنسان -وهو الذي يقصده في كلامه هذا بالدرجة الأولى- لا يتقدم بالحب والبغض، بمعنى الإنسان عليه أن يتعرف على الأمور التي يحبها الله -عز وجل-، الله يحب كذا، يحب الصابرين، فيتعرف على هذه الأمور المحبوبة لله -عز وجل-، ثم يكون هواه تبعاً لها، أن يكون تابعاً لها، فهذا هو الأكمل، ومن ثَمّ فإنه لا يبادر بالإقبال على الأشياء فيحبها أو يبغضها من عند نفسه، وإنما ينظر إلى محابّ الشارع وإلى مساخطه، فيجعل حبه وبغضه تبعاً لذلك، هذا مقصود شيخ الإسلام -رحمه الله- هنا، وجعل ذلك من قبيل التقدم بين يدي الله ورسوله، والله يقول: لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِالحجرات:1، فمن الأدب مع الله -عز وجل- أن لا يقول لشيء: أنا أكره كذا، أنا أكره الصوم، والمرأة تقول: أنا أكره الحجاب لكني أحتجب؛ لأنه من أمر الله -عز وجل-، نقول: لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، هذا خلاف الاستسلام والإذعان الكامل، فقضية الحساب والعذاب لا تكون على هذه الأمور التي تقع في النفس من غير إرادة، لكن لا ينبغي للإنسان أن يكون مجترئاً على الله -عز وجل-، ومتقدماً في حبه وبغضه بين يديه، وإنما المؤمن التقي الصالح هو الذي ينظر ما الذي يحبه الله -عز وجل- فيحبه، وما الذي لا يحبه فيبغضه.

وإذا نظرت في كلام المحبين لبعض البشر، وفي أشعارهم، وما قالوه تجد أنهم يصفون ذلك، ويذكرونه، وأنهم يحبون كل ما يحبه هذا المحبوب، ويكرهون كل ما يكرهه هذا المحبوب، فهذا هو الحب الكامل، لكن العقاب والثواب هذا شأن آخر، فهذه من مراتب الكمال، يحتاج الإنسان أن يربي نفسه عليها، أن يروض نفسه عليها، أن يجاهد نفسه حتى تستقيم له، ويكون بذلك محبًّا لما يحبه الله -عز وجل-، والله المستعان.


[1]- أخرجه البخاري، كتاب الحدود، باب كم التعزير والأدب، برقم (6848)، ومسلم، كتاب الحدود، باب قدر أسواط التعزير، برقم (1708).

[2]- أخرجه الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (2492)، وأحمد في المسند، برقم (6677)، وقال محققوه: "إسناده حسن"، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، برقم (3129).

[3]- أخرجه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب إثم من ظلم شيئا من الأرض، برقم (2452)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، برقم (1612).

[4]- أخرجه ابن ماجه، أبواب الزكاة، باب ما جاء في عمال الصدقة، برقم (1810)، وأحمد في المسند، برقم (16063)، وقال محققوه: "حديث صحيح لغيره"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (6409).

[5]- أخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، برقم (987).

[6]- المصدر السابق.

[7]- انظر: الاستذكار (8/ 290).

[8]- أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، برقم (49).

[9]- أخرجه مسلم، كتاب الأضاحي، باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله، برقم (1978).

[10]- أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم (90).

[11]- أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سترون بعدي أمورًا تنكرونها"، برقم (7056)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، برقم (1709).

[12]- أخرجه البخاري، كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج، برقم (6243)، ومسلم، كتاب القدر، باب قُدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره، برقم (2657).

[13]- أخرجه البخاري، كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكُره، والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره، برقم (5269)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، برقم (127).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about