[29] من قوله تعالى "وإذ قتلتم نفسا" الآية 72 إلى قوله تعالى "ثم قست قلوبكم" الآية 74.
عدد الزوار : 3358
تاريخ الإضافة : 2 ذو القعدة 1425
MP3 : 3550 kb
PDF : 104 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير (29)

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى-:

"تنبيه:

اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى:فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً 74 سورة البقرةبعد الإجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم: "أو" هاهنا بمعنى الواو.

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقوله هنا: بعد الإجماع على استحالة كونها للشك بمعنى أن لا يكون ذلك بالنسبة لله -عز وجل- المتكلم بذلك، وهذا معلوم؛ لأن الله يعلم خفايا الأمور وبواطنها وعلمه محيط بكل شيء، فلا يمكن الشك من الله -عز وجل- لكن يمكن أن يكون ذلك على سبيل الشك بالنسبة إلى نظر المخاطب بناءً على القاعدة المعروفة،  ولذلك نجد بعض أقوال السلف تحمل على هذا، ولا شك أن هذا الإجماع أمر لا تردد فيه؛ إذ لا يمكن أن يكون ذلك من قبيل الشك بالنسبة لله -عز وجل- فهو يعلم كل شيء، لكن قد يكون كذلك باعتبار نظر المكلف، بمعنى أن الناظر إلى أصحاب هذه القلوب وفي أحوالهم لربما يحصل له التردد بين أن تكون قلوبهم كالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة، فهذا لا يكون شك بالنسبة لله -عز وجل-.

ومثل ذلك قوله تعالى عن فرعون: لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى 44 سورة طـهفالله يعلم أنه لن يتذكر ولن يخشى، لكن إما أن يقال بأن "لعلَّ" هنا بمعنى التعليل أي لأجل أن يتذكر أو يخشى، أي إنها ليست للترجي، أو يقال: لعله يتذكر أو يخشى على رجائكما يا موسى وهارون، فاعتُبر هنا نظر المخاطب، والله أعلم.

فقال بعضهم "أو" هاهنا بمعنى الواو تقديره: فهي كالحجارة وأشد قسوة كقوله تعالى:وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا 24 سورة الإنسانوقوله تعالى:عُذْرًا أَوْ نُذْرًا6 سورة المرسلات، وقال آخرون: "أو" هاهنا بمعنى "بل" فتقديره فهي كالحجارة بل أشد قسوة وكقوله:إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً77 سورة النساءوقوله تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ 147 سورة الصافات، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى 9 سورة النجم، وقال آخرون: معنى ذلكفَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً عندكم، حكاه ابن جرير.

قول من قال: "عندكم": يعني من جهة الشك عند المخاطبين، أي: هي عندكم كالحجارة أو أشد قسوة.   

وقال بعضهم: معنى ذلك: فقلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين، إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها في القسوة.

يعني أن قلوبهم تتنوع هذا التنوع، منها ما يكون قاسياً قسوة الحجر، ومنها ما يكون أشد قسوة من الحجر، وظاهر كلام ابن القيم -رحمه الله- يشبه هذا، حيث يقول: إن هذه القلوب لا تقل قساوة عن الحجارة فإن لم تزد عليها فإنها لا تنقص منها، فهي كالحجارة أو أشد قسوة لكنها ليست أقل قسوة من الحجر، يعني أن هذه القلوب عظيمة شديدة القسوة، والله تعالى أعلم.

 
يعني أن قلوبهم تتنوع هذا التنوع، منها ما يكون قاسياً قسوة الحجر، ومنها ما يكون أشد قسوة من الحجر، وظاهر كلام ابن القيم -رحمه الله- يشبه هذا، حيث يقول: إن هذه القلوب لا تقل قساوة عن الحجارة فإن لم تزد عليها فإنها لا تنقص منها، فهي كالحجارة أو أشد قسوة لكنها ليست أقل قسوة من الحجر، يعني أن هذه القلوب عظيمة شديدة القسوة، والله تعالى أعلم.
 

على كل حال هذه الأقوال بينها تقارب فكلها تدور على أن هذه القلوب قاسية قد بلغت القسوة فيها إلى حد مشابهة الحجر في قساته وأعظم من ذلك، وهذا سواءً قلت: إن الواو عاطفة بمعنى كالحجارة وأشد قسوة من الحجارة، أو أن ذلك بالنسبة للشك باعتبار نظر المخاطب هي كالحجارة أو أشد، أو غير ذلك مما قيل، والله أعلم.

قال ابن جرير: ومعنى ذلك على هذا التأويل: فبعضها كالحجارة قسوة وبعضها أشد قسوة من الحجارة، وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره، قلت: وهذا القول الأخير يبقى شبيهاً بقوله تعالى:مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراًَ17 سورة البقرةمع قوله:أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء 19 سورة البقرة.

في هذين المثلين ابن كثير يرى أن المثل الأول كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراًَفي قوم من المنافقين غير من ضرب لهم المثل الثانيأَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء،فأصحاب المثل الأول وصفهم الله بأنهمصُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ 18 سورة البقرة، فهؤلاء أشد؛ حيث إنهم مطموسون في النفاق، بينما المثل الثاني يرى الحافظ أنه في طائفة من المنافقين أخف من الأولين بحيث إنهمكُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ 20 سورة البقرة، أي: تارة وتارة، قهم في حال الرخاء تستقيم أحوالهم وفي حال الشدائد يظهر نفاقهم ويتراجعون، فهو يرى أن هذا في طائفة وهذا في طائفة أخرى، وكذلك يرى أن قوله:كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً 74 سورة البقرة، يعني أن منهم من يكون قلبه كالحجر ومنهم من يكون دون ذلك.

وكقوله:وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ 39 سورة النــورمع قوله:أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ 40 سورة النــورالآية، أي: إن منهم من هو هكذا، ومنهم من هو هكذا، والله أعلم.

 أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ* أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ75-77 سورة البقرةيقول تعالى: أَفَتَطْمَعُونَأيها المؤمنونأَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْأي: ينقاد لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه ثم قست قلوبهم من بعد ذلك؟

الطمع تقول: أطمعته فطمع، والطمع إنما يكون بقوة الرجاء في ذلك الذي طُمع فيه، إذا كان الإنسان يرى الشيء أنه قريب المنال فإن تعلق النفس به يقال له: طمع، يعني إذا كان قريباً يمكن أن يحصل الإنسان عليه ويتأتى له فهذا طمع، كما قال الله -عز وجل-: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ32 سورة الأحزابأي يرى أنها قريبة المأخذ ويمكن أن تنقاد له.

أما الشيء الذي يكون بعيد المنال فإنه يكون من قبيل التمني لا يقال له طمع، فالطمع بهذا الاعتبار يشبه الرجاء.

فقوله:أَفَتَطْمَعُونَيعني أنكم ترجُّون إيمانهم ودخولهم في الإسلام وترون أن ذلك أمراً قريباً وهم في تلك الحال التي وصفتيَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ أي: التوراة، ويقول بعضهم: هؤلاء هم السبعون الذين كانوا مع موسى -صلى الله عليه وسلم- الذين اختارهم واصطفاهم من بني إسرائيل كانوا يسمعون الله يكلم موسى ثم بعد ذلك يحرفون كلام الله.

فإن قلنا:  هؤلاء هم السبعون فمعنى يحرفونه أنهم يقولون: سمعناه يخاطبه ويأمره وينهاه، ثم بعد ذلك قال له: إن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل، وهذا القول من الإسرائيليات.

وإذا قيل: إنهم عموم بني إسرائيل، أو العلماء منهم لأنهم هم الذين استحفظوا على كتاب الله وكانوا عليه شهداء فالعوام تبع، والعلماء هم الذين كانوا يحرفون الكتاب حيث يخرجونه قراطيس يحرفون فيها الكلم عن مواضعه، فيكون ذلك ليس في السبعين فقط، بل في عموم بني إسرائيل حيث كانوا يسمعون كلام الله الذي هو التوراة.

قوله:ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ75 سورة البقرةهذا كقوله تعالى:يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ46 سورة النساء.

 وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ75 سورة البقرةأي: يتأولونه على غير تأويله.

يتأولونه على غير تأويله: هذا نوع من التحريف وهو ما يسمى بالتحريف المعنوي، وهذا النوع من التحريف وقعت فيه هذه الأمة وهو كثير عند طوائف أهل البدع، ولربما وقع فيه بعض متعصبة الفقهاء، حيث يلوي أعناق النصوص ويتكلف جداً في حملها على المحامل البعيدة من أجل أن توافق اعتقاده أو مذهبه، وأما أهل البدع من المعتزلة وغيرهم فلا تسأل عن تحريفهم، وأعظم من هؤلاء جميعاً طوائف الباطنية.

 
يتأولونه على غير تأويله: هذا نوع من التحريف وهو ما يسمى بالتحريف المعنوي، وهذا النوع من التحريف وقعت فيه هذه الأمة وهو كثير عند طوائف أهل البدع، ولربما وقع فيه بعض متعصبة الفقهاء، حيث يلوي أعناق النصوص ويتكلف جداً في حملها على المحامل البعيدة من أجل أن توافق اعتقاده أو مذهبه، وأما أهل البدع من المعتزلة وغيرهم فلا تسأل عن تحريفهم، وأعظم من هؤلاء جميعاً طوائف الباطنية.
 

فالمعتزلة مثلاً في قوله تعالى:وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا 164 سورة النساءيقولون: أي: جرحه بمخالب الحكمة؛ لينفوا صفة كلام الله -عز وجل- أليس هذا من التحريف؟ هذا من التحريف ولا شك.

وحينما يقول الرافضة:إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً67 سورة البقرةيعني عائشة، فهذا من التحريف المعنوي، وحينما يحرف الباطنية الصلاة والصوم والحج، فيقولون مثلاً: الحج قصد الولي، والصوم كتم أسرار المذهب، وأشباه ذلك هذا من أعظم التحريف.

وأما التحريف اللفظي فقد وقع لبعض طوائف هذه الأمة مثل الرافضة الذين يزيدون في سورة الشرح: وجعلنا علياً صهرك.

إلا أن التحريف قليل في هذه الأمة؛ لأن هذا القرآن حفظه الله، فلا يقع في تحريفه إلا أكذب الناس وأفجر الناس، فلذلك حاول بعض المعتزلة ببعض أئمة القراءة كأبي عمرو بن العلاء في قوله -تبارك وتعالى-:وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا 164 سورة النساء، أن يقرأها بفتح لفظ الجلالة -وكلم اللهَ- حيث رأى أن معنى جرحه بمخالب الحكمة معنىً بعيداً، فقال له: فما تفعل بقوله:وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ 143 سورة الأعراف، فألقمه حجراً، ومنهم من قال: وددت لو أحكها من المصحف، فالله المستعان.

 مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ75 سورة البقرةأي: فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة.

التحريف الذي وقع فيه بنو إسرائيل هو تحريف معنوي وتحريف لفظي كما قال الله -عز وجل-:تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا 91 سورة الأنعامفتارة يكتمون الحكم المنزل فلا يظهرونه كأوصاف النبي -صلى الله عليه وسلم- وتارة يبدلونه، يعني يجدون عندهم في وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ربعة من الرجال، فيصفونه بأنه طويل، ويجدون في صفته -صلى الله عليه وسلم- مثلاً أنه جعد الشعر، وشعور العرب المعروفة يقال لها جعدة، وشعور الروم -أو الغربيين اليوم- توصف شعورهم بغير ذلك، فيصفون النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه سبط الشعر، ويصفونه بأنه أزرق العينين، وهذه في الحقيقة مواصفات الأوربيين، فهم يحرفون أوصاف النبي -عليه الصلاة والسلام- فقريش لما سألتهم قالوا: ليس ذلك منا، يعني هذا الأزرق الطويل سبط الشعر ليس منا.

فالحاصل أنهم يحرفون تارة بتبديل الكلام وتارة بالمعنى وتارة بالكتمان، وكل ذلك من تحريفهم، والعلماء تكلموا كثيراً على ما وقع في التوراة هل حرفت هي فعلاً أم أن الذي حرف هو ما يبدونه في القراطيس فقط، فهذا قول لبعض أهل العلم، ولكن الواقع يشهد أنها قد حرفت أعظم التحريف، وإذا نظرت إلى كتبهم وجدتها مختلفة متخالفة متباينة غاية التباين والاختلاف حتى في أبسط الأمور، فقد عبثوا بها كثيراً، فالله -عز وجل- يقول:بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ 44 سورة المائدة، فأضاعوا ما استحفظوه.

وهم يعلمونأنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى:فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ 13 سورة المائدة.

قال قتادة في قوله:ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ 75 سورة البقرةقال: هم اليهود كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ووعوه، وقال مجاهد: الذين يحرفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم.

لا إشكال في هذا، فهذا لا يخالف ما سبق، فالفعل قد ينسب إلى الأمة وإن كان ذلك قد وقع من طائفة منها، وهو أسلوب معروف في القرآن وفي كلام العرب لا إشكال فيه، فهذا من هذا القبيل، العلماء هم الذين كانوا يقومون بالتحريف ويتبعهم على ذلك العامة، والله قال عن عوامهم:اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ31 سورة التوبةفهم يحلون لهم الحرام، ويحرمون عليهم الحلال فاتبعوهم في ذلك.

وقال ابن وهب: قال ابن زيد في قوله:يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ 75 سورة البقرةقال: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرفونها، يجعلون الحلال فيها حرامًا والحرام فيها حلالاً، والحق فيها باطلاً والباطل فيها حقاً، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب فهو فيه محِق، وإذا جاءهم أحد يسألهم شيئًا ليس له فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق، فقال الله لهم:أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ44 سورة البقرة.

أي أنهم إنما يبدون بحسب أهوائهم، إن كان طلب الحكم فيه رشوة أخرجوا ما يتناسب مع مطلوب هذا الراشي، فإن كان الذي في الكتاب يخالف هواه حرفوه وبدلوه، وإن كان الراشي هو صاحب الحق أخرجوا له حقيقة ما في الكتاب، فإن لم يكن ثمة رشوة ولا هوى فإنهم يخرجون ما في الكتاب، وخبرهم معروف في قصة الزاني الذي حمموه وداروا به على حمار وقد نكس، وقالوا: إن هذا هو الحكم الذي عندهم في التوراة، ثمَّ جاؤوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسألهم عن ذلك، وطلب منهم التوراة فجاؤوا بها، فكان الحبر قد وضع أصبعه على آية الرجم في التوراة، فقال عبد الله بن سلام -رضي الله عنه-: "مره يا رسول الله فليرفع أصبعه، فرفع أصبعه فإذا آية الرجم تلوح، فغضب الحبر، وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء، كابر من شدة الغضب، فألقمه الله حجراً:قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ 91 سورة الأنعام، أي: أنت تقول: ما أنزل الله على بشر من شيء، و"شيء" نكرة مسبوقة بنفي فهي للعموم وقد سبقت بـ"من" فجعلها ذلك منقولة من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم، فألقمه الله حجراً بهذا الرد، ومعناه: ينتقض عليك قولك هذا بما نزل على موسى، هل تكفر به؟ وهذا ما يسمونه في علم الجدل بالنقض.

على كل حال التحريف أحياناً هو أن يبدوا غير الموجود في الكتاب وإن لم يغيروا ما في أصل الكتاب، فكل ذلك من التحريف.

لما سئلوا بعد ذلك عن هذا التحريف الذي وقع في قضية الزنا قالوا: وجدناه قد فشا في كبرائنا، فأردنا على الأقل أن يكون الحكم مستوياً في الناس، يعني ما أرادوا أن يقيموا الحدود على الضعفاء والفقراء والعامة والمساكين ويتركون الكبراء والعظماء فقالوا: نحن نريد حكم يستوي فيه الجميع، فوضعوا هذا التحميم أي يسود وجه الزاني بالسواد، ويوضع على حمار معكوساً ويطاف به.

وقوله تعالى:وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ 76 سورة البقرةالآية.

روى محمد بن إسحاق عن ابن عباس -رضي الله عنه-ما: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا أي أن صاحبكم محمد رسول الله، ولكنه إليكم خاصة، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم.

طائفة منهم تقول: آمنا أنه نبي ولكنه إلى العرب خاصة، وطائفة أظهروا الإيمان ونافقوا فكانوا يقولون نفاقاً: إن هذا هو النبي حقاً ونحن نؤمن به، فعلى كل حال مشاربهم في ذلك مختلفة، لكن منهم من كان يقول للمؤمنين ذلك.

قوله:وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ: يقول ابن كثير:لا تحدثوا العرب بهذا يعني أنه نبي، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم: معنى تستفتحون هنا يعني تستنصرون؛ لأنهم كانوا يقولون: سيبعث نبي قد أضل زمانه وسنقتلكم معه قتل عاد وإرم ولن نبقي منكم أحداً.

وقوله:بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْيعني من العلم بأوصاف النبي فيكون ذلك حجة عليكم لهم فيلزمكم الإيمان به، وإلا حاجوكم به عند ربكم بما فتح الله عليكم من العلم به.

ويمكن أن يفسر قوله: بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْبمعنى بما حكم عليكم، وهنا يكون المعنى آخر؛ لأن الفتاحة هي الحكم، والفاتح والفتاح هو الحاكم، كما في قوله تعالى:رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ 89 سورة الأعرافيعني احكم، وكقوله:إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ 19 سورة الأنفال يعني إن تطلبوا الفصل والحكم بينكم فقد جاءكم الحكم والفصل بنصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه فيما وقع في غزوة بدر، حيث إن المشركين ومنهم أبي جهل دعوا على الطائفة المبطلة بأن يهلكها الله -عز وجل-، فقال الله -عز وجل-: إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ أي: إن تطلبوا الحكم فقد جاءكم الحكم بالانتصار الكبير للمسلمين عليكم في غزوة بدر.

فيكون على هذا التفسيربِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ أي بما حكم عليكم من مسخ بعضكم قردة وخنازير، وأمور وقعت لهم معروفة عاقبهم الله -عز وجل- بها.

ولهذا فإن بعض أهل العلم يوردون هنا مثل هذا المعنى، ويقولون: النبي -صلى الله عليه وسلم- لما جاء بعد الأحزاب إلى قريظة وقف عند بعض حصونهم وقال: (يا إخوان القردة هل أخزاكم الله)([1]) فقال بعضهم لبعض: إنما عرفوا ذلك منكم.

فالفتح هنا يكون بمعنى الحكم والفُتاحة هي الحكم، والفاتح هو الحاكم، والفتاح هو الحاكم، استفتح فلان أي طلب الفتح، وهو الحكم، والله أعلم، وصلى اله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين..



[1]-  تاريخ الطبري (ج2 /ص 98) وسيرة ابن هشام (ج 4 / ص 193).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about