شرح حديث عبد الله بن عمرو رضي اللَّه عنهما "لَيْسَ الْواصِلُ بِالمُكافئ"
عدد الزوار : 5309
تاريخ الإضافة : 15 ربيع الأول 1428
MP3 : 4478 kb
PDF : 940 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

رياض الصالحين

شرح حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: "لَيْسَ الْواصِلُ بِالمُكافئ"

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب بر الوالدين والصلة أورد المصنف -رحمه الله- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ليس الواصل بالمكافِئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطعت رحمه وصلها))([1]). رواه البخاري.

قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((ليس الواصل بالمكافئ))، بمعنى ليس الواصل الوصل الكامل من كان مكافئاً يرد صلة من وصله من قراباته، فإن هذا من باب مقابلة الإحسان بالإحسان، فهو في حقيقة الأمر يعد من الصلة، لا شك أن هذا من الصلة، ولكنه كقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب))([2])، المعنى: أن الذي يصرع الناس لا شك أنه شديد، القوي في بدنه، الذي يستطيع أن يصرع هذا شديد، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- قصد معنى فوق ذلك، يعني: ليس الشديد حقيقة على الوجه الكامل من كان شديداً بكونه يصرع الرجال لقوة بدنه، وإنما القوة الحقيقية والشدة الحقيقية هي التي يستطيع أن يسيطر فيها الإنسان على انفعالاته، فإنه لربما كان الرجل قوي البدن، مفتول العضلات، ممتد القامة، ولكن الكلمة تذهب به وتجيء به، كما قال الشاعر:

لا عيبَ في القومِ من طولٍ ومن عِظَمٍ *** جسمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ

ولهذا قيل: "المرء بأصغريه القلب واللسان"، فالقلب: هو الذي يعقل به الأشياء، واللسان: هو الذي يعبّر به عن مكنونات الضمير، وإنما يُعرف الإنسان إذا تكلم، وفي القصة المعروفة عن أبي حنيفة التي تذكر وتروى عنه لما جاءه رجل وعليه عمامة ضخمة، وكان يشتكي -أعني أبا حنيفة- من ركبته وقد مد رجله، فجاء الرجل وجلس فاستحى منه هذا الفقيه، وثنى رجله، فقال: أيها الإمام لدي سؤال: إذا جاء رمضان في الحج فماذا نقدم الصوم أو الحج؟ رمضان ما يأتي في الحج، فقال: قد آن لأبي حنيفة أن يمد رجله.

فقد يتكلم الإنسان الذي لربما يعجب الناس بهيئته فإذا تكلم عرفوا أن هذه الهيئة ليس تحتها شيء، ولهذا قال الله -عز وجل- في صفة المنافقين: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} [المنافقون: 4] بمعنى: أنهم أجسام بلا أرواح، فهم لا عقول لهم يفقهون بها، وليس هذه الأجسام تنطوي على إيمان صحيح، وإنما هي منظر يستهوي الناظرين وليس تحته شيء، فالمقصود أن هذه الأوصاف الكاملة منها هذا المذكور هنا ((ليس الواصل بالمكافئ))، الصفة الكاملة وأكمل أنواع الصلة هي التي يصل بها الإنسان من قطعه، أن تصل من قطعك وأن تعطي من حرمك، هذا هو غاية الإحسان، وأعلى درجاته، أما الذي يكون محسناً لمن أحسن إليه، فهذا لا شك أنه من الإحسان، لكن ليست هذه الدرجة العالية، والنبي       -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن حسن العهد من الإيمان، فكثير من الناس يمكن أن يتواصل مع قراباته لكن بشرط أن يتواصلوا معه، وأن يبقى إحسانهم إليه ممتدًّا، فإذا حصل منهم تقصير، أو بدرت منهم بادرة فإنه يقطع هذا الإحسان، ولربما يتواصى مع غيره بذلك، أن هؤلاء لا يستحقون، ليسوا بأهل للصلة، لا يقدرون المعروف، وهكذا تجد المرأة مع زوجها، لربما تنقطع عن الأوصاف والأعمال الكريمة الجميلة، والسبب أنها لم تجد منه ما يقابل ذلك من العرفان والشكر والمشاعر الجميلة تجاه خدمتها وقيامها على شئونه وبيته وأولاده، فهذا تقصير ونقص، فإذا كان الإنسان يريد ما عند الله -عز وجل-، وأفعاله هذه تصدر من تربية كاملة فإنه لا ينتظر من الآخرين أن يكافئوه، لا ينتظر من الآخرين أن يحسنوا إليه، لا ينتظر من قراباته أن يصلوه من أجل أن يصلهم، وهكذا في حال المشاعر والسيطرة عليها

ليست الأحلامُ في حال الرِّضا *** إنما الأحلامُ في حال الغضب

بعض الناس يبدو أنه حليم حينما يحسن الناس إليه، وحينما يكون مرفهاً في حال تطمئن نفسه فيها، لكن إذا وجد ما يستفزه صار كالمجنون، من لا عقل له، مثل البهيمة، يتكلم بكلام ما يصلح، ويتصرف تصرفات يندم عليها، ولربما طلق امرأته، ولربما سب أقرب الناس إليه، وصدرت منه عبارات جارحة، ثم بعد ذلك يقول: اعذروني يا جماعة، أنا كنت منفعلا، أنا كنت غضبان، أنا كنت، هذا ضعف في العقل، ومن أكثرَ من هذا وعرفه الناس به فإن العقلاء منهم يعاملونه بمقتضاه، بمعنى أن فلانًا لا يؤخذ عليه، هذا عقله، إذا غضب تحول إلى شيء آخر، ارتفع عنه العقل، ارتفع عنه التكليف ربما، ولذلك طلاق الغضبان الغضب الذي يكون بإغلاق لا يقع، والسبب أنه يكون كالمجنون، فالشاهد أن الناس في هذا الباب في باب الصلة على ثلاث درجات.

الدرجة الأولى: أن يصل من وصله ومن قطعه، ويعطي من حرمه، ويحسن إلى من أساء إليه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((فكأنما تُسِفُّهم المَلّ))([3])، هذه الدرجة الكاملة.

الدرجة الثانية: أن يكون الإنسان مبادلًا للآخرين الإحسان، فالذين يحسنون إليه يرد إليهم الإحسان، هذه على الأقل الدرجة الثانية، هذا أقل ما يكون، وكثير من الناس لا يفعل هذا، فحينما يحسن هؤلاء القرابات إليه ويتصلون عليه، أو يرسلون له رسائل فيها مشاعر جيدة، هم كأنهم يقومون بواجبهم نحوه ولا يجب عليه تجاههم شيء إطلاقاً، بل لربما رد عليك برسالة يقول لك: الرسالة لا تكفي، بمعنى: أن رسالتك لي في هذه المشاعر الجيدة لا تكفي، لابد من الاتصال، أنت لا ترسل له رسالة ولا تتصل ولا تزور، ولا يخطر لربما ذلك لك على بال، فتأتي وتقول مثل هذا الكلام!، هذا موجود.

فمن الناس من يشعر أن الآخرين يؤدون حقوقاً له واجبة، دون أن يجب عليه شيء، ولهذا يعاتبهم ويلومهم إذا قصروا، ولو نظر إلى حاله هل يزورهم؟ ما يزورهم، هل يحسن إليهم؟ الجواب: لا، وهكذا تجد الإنسان مع جيرانه، المرأة مع جارتها، تمر السنون ما خرج من بيتهم شيء ولو مرقة.

لكن هو ينتظر من الآخرين أن يقدموا له أنواع الهدايا في جميع المناسبات، في الولادة، وفي دخول المستشفى والخروج منه، ودخول كذا، هذه نوعيات من الناس موجودة للأسف الشديد.

فأقول: الدرجة الثانية: أن يحسن الإنسان إلى من أحسن إليه، يكون يحمل مشاعر، يشكر من أحسن على الأقل.

والدرجة الثالثة: وهي ألا يحسن لا لمن أحسن إليه ولا لمن قطعه، وإن شئتم أن نزيد درجة رابعة فهي: أن يسيء إلى من أحسن إليه، وهذه صفة -نسأل الله العافية- من اللؤم وهو أن من الناس من يزيده الإحسان إساءة، بل لربما يحسب الإحسان إساءة، إذا أُعطي شيئًا أو هدية قال: ماذا يقصد بهذا؟، ماذا يريد؟ هذا موجود، ولربما أعطيته كتاباً، مثلاً هذا الكتاب أمامي مكتوب عليه محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتعظيمه، تقول له: تفضل هذا هدية، يبدأ يضرب أخماسًا بأسداس، فيقول: لماذا يعطيني هذا الكتاب "محبة النبي -صلى الله عليه وسلم-"، هل  رآني مقصرًا في هذا؟.

 أعطيت مرة أحد الأشخاص عدداً من الأشرطة انتهيت من سماعها دون أن أنظر إلى العناوين، وكانت عن الكذب، وإذا القضية متفاعلة، وصار لها مدة، وفيها غضب، ما الذي حصل وما الذي صار؟، وأنا لا أتذكر شيئاً، لماذا يعطيني شريط الكذب، هل رآني كذابًا؟ أنا لم أنظر إلى العناوين، فهي مجموعة من الأشرطة كانت عندي وزعتها.

من الناس من يعد الإحسان إساءة، ويقول: ماذا يقصد؟.

هذا الإنسان دخل المستشفى، جاء هذا وصار يجلس عنده كثيرًا من الأوقات، ماذا يقصد؟، ماذا يريد؟، ماذا بعد ذلك؟، ينتظر يعد الأيام.

هذه مشكلة، الذي يسيء الظن بالناس، ويسيء إليهم إذا أحسنوا إليه هذا غاية السوء، هذا درك لا يجوز للمسلم أن يصل إليه، فالحاصل أنه ((ليس الواصل بالمكافئ))، هذه تصلح قاعدة يرددها الإنسان في شتى المناسبات، ليس في باب الصلة بل في كل علاقاته بالآخرين، تذكّر هذا جيداً، ((ليس الواصل بالمكافئ))، علاقاتنا مع الآخرين، مع الجيران، مع الزملاء في العمل، الزملاء في الدراسة، ((ليس الواصل بالمكافئ إنما الواصل الذي يصل رحمه إذا قطعت)).

فنسأل الله -عز وجل- أن يرزقنا وإياكم حسن الأخلاق، وأن يرفعنا وإياكم بالقرآن، وأن ينفعنا وإياكم بالسنة، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.

 وضعنا هنا صندوقاً للذي عنده أسئلة أو مشكلات أو نحو هذا، يمكن أن يضعها، ونجيب عليها -إن شاء الله- في كل يوم أربعاء في مثل هذا الوقت، بعد صلاة العشاء بإذن الله -تبارك وتعالى.


 

[1]- أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب: ليس الواصل بالمكافئ، (8/6)، برقم: (5991).

[2]- أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، (8/28)، برقم: (6114)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شيء يذهب الغضب، (4/2014)، برقم: (2609).

[3] - أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، (4/1982)، برقم: (2558).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about