[45] من قوله تعالى" وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ" الآية 109إلى قوله تعالى " فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ"الآية 113
عدد الزوار : 2612
تاريخ الإضافة : 22 ذو القعدة 1425
MP3 : 2533 kb
PDF : 78 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير(45)

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال المفسر -رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى:وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ109-110 سورة البقرة.

يحذر تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم -صلى الله عليه وسلم- ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح، ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه.

روى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن كعب بن مالك -رضي الله تعالى عنه- أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً، وكان يهجو النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيه أنزل الله: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمإلى قوله: فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ109 سورة البقرة.

وقال الضحاك عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أن رسولاً أمياً يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والآيات، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفراً وحسداً وبغياً؛ ولذلك قال الله تعالى: كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّيقول: من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئاً ولكن الحسد حملهم على الجحود فعيرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة، وشرع لنبيه -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل الله عليهم وما أنزل من قبلهم، بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم.

وقال الربيع بن أنس: مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِممن قبل أنفسهم. وقال أبو العالية: مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّمن بعد ما تبين أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- رسول الله يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فكفروا به حسداً وبغياً؛ إذ كان من غيرهم. وكذا قال قتادة والربيع بن أنس.

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه الرواية التي ساقها الحافظ ابن كثير -رحمه الله- أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً، وكان يهجو النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيه أنزل الله: وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم..هذه الآية هل يقال بأن سبب نزولها هو ما وقع من كعب بن الأشرف بناء على ما مضى ذكره في درس سابق استناداً إلى قواعد أصول التفسير؟

لا يقال: إنه سبب النزول؛ لأنه غير صريح، وقلنا: إن غير الصريح أن يقول: نزلت هذه الآية في كذا، وفيه أنزل الله كذا، وما أشبه ذلك، يعني أنه مما يدخل في معناها مع أن الاحتمال قائم على أن ذلك من قبيل سبب النزول، لكن مثل هذا لا يجزم بأنه سبب النزول، ولا يقال سبب نزول هذه الآية هو كذا وكذا، مع أن الرواية ثابتة صحيحة، فهذه نزلت في هؤلاء اليهود ومنهم كعب بن الأشرف الذين حسدوا المسلمين على بعث محمد -صلى الله عليه وسلم-، لكونه من الأميين، ولم يكن من الإسرائيليين، وذلك واقع لكعب بن الأشرف ولغيره ممن كذب بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.

قوله -تبارك وتعالى-: حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِمقال الربيع بن أنس: من قِبل أنفسهم، أي الحسد -على أحد التفسيرين- بمعنى أنه الحسد الناشئ من نفوس هؤلاء.

وقوله: مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِمتحتمل أن تكون متعلقة بالفعل قبلها، وهو قوله: وَدَّ في أول الآية، وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِمأي هذا الأمر الذي هو محبتهم لكفركم وتمنيهم له ودوا ذلك من عند أنفسهم، هذا احتمال.

والاحتمال الثاني أن يكون قوله: مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِمعائداً إلى قوله: حَسَدًاوهو الأقرب، والله تعالى أعلم، وعليه يكون المعنى وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِمأي أن هذا الحسد ناشئ من نفوسهم، فهذا هو الأقرب في معناها وهو المتبادر إلى الذهن، والله تعالى أعلم.

وقوله: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ 109 سورة البقرةمثل قوله تعالى:وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا186 سورة آل عمرانالآية.

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه-ما في قوله:فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ 109 سورة البقرةنسخ ذلك قوله:فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ5 سورة التوبة، وقوله:قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ 29 سورة التوبةإلى قوله:وَهُمْ صَاغِرُونَ 29 سورة التوبةفنسخ هذا عفوه عن المشركين.

وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي: إنها منسوخة بآية السيف ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله تعالى:حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ 109 سورة البقرة.

هذا القول قول معروف ومشهور وهو أن آية السيف وهي قوله في سورة براءة:فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ5 سورة التوبةيقولون: إنها نسخت مائة وأربع وعشرين آية، يقولون: كل آية فيها عفو أو صفح أو إعراض عن المشركين، فهي منسوخة بآية السيف، لا صفح ولا إعراض ولا عفو، وهذا وإن قال به كثير من السلف إلا أن الأرجح هو القول الآخر وهو أن هذه الآيات لم تنسخ بآية السيف، ولكنه يعمل بها في أوقات الضعف، فإذا كان وقت التمكن والقوة فعندئذ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍوفي أوقات الضعف والعجز وعدم القدرة على مجابهتهم فعندئذ العفو والصفح، والتحمل، والصبر، و الإعراض، مع الاشتغال بتحقيق العبودية لله -عز وجل- وإعداد القوة، فيشتغل الناس بمثل هذه الأمور من إصلاح الحال وبناء النفس والاستقامة على أمر الله -عز وجل-، هذا هو الأقرب والله تعالى أعلم في تفسير هذه الآية، فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ109 سورة البقرة.

وقوله: حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِيحتمل أن يكون هذا مثالاً على المغيا بغاية، وقد عرفنا أن المغيا بغاية ليس من قبيل النسخ، وقلنا: إن أشهر الأمثلة التي يمثلون بها هي قوله: وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً15 سورة النساءوهنا قال: حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ109 سورة البقرة.

وأمر الله هو النصر، وإعزاز الدين، وغلبة المسلمين على أعدائهم، فيحتمل أن يكون هذا من قبيل المغيا بغاية فلا يكون من قبيل النسخ على فرض أن الآية مما وقع فيه التغيير بالحكم أصلاً، يعني لا عفو، إلى متى؟ حتى يأتي الله بأمره. ولكن على القول الآخر الذي هو الأرجح أنه لا حاجة لأن يقال: بأن هذا من المغيا بغاية ليُتلافى فيه موضوع النسخ، وإنما يقال: هذه الآيات محكمات، ففي وقت الضعف العفو، وفي وقت القوة القتل.

 
وأمر الله هو النصر، وإعزاز الدين، وغلبة المسلمين على أعدائهم، فيحتمل أن يكون هذا من قبيل المغيا بغاية فلا يكون من قبيل النسخ على فرض أن الآية مما وقع فيه التغيير بالحكم أصلاً، يعني لا عفو، إلى متى؟ حتى يأتي الله بأمره. ولكن على القول الآخر الذي هو الأرجح أنه لا حاجة لأن يقال: بأن هذا من المغيا بغاية ليُتلافى فيه موضوع النسخ، وإنما يقال: هذه الآيات محكمات، ففي وقت الضعف العفو، وفي وقت القوة القتل.
 

وروى ابن أبي حاتم عن أسامة بن زيد -رضي الله تعالى عنهما- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى:فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 109 سورة البقرة، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتأول من العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم بالقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش، وهذا إسناده صحيح، ولم أره في شيء من الكتب الستة ولكن له أصل في الصحيحين عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-.

في قوله -تبارك وتعالى-: فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِفي الفرق بين العفو والصفح بعض أهل العلم يقولون: العفو هو ترك المؤاخذة أي ترك العقوبة، والصفح أبلغ منه وهو إزالة أثر الإساءة من النفس، بحيث لا يبقى لها أثر.

ويمكن أن يقال –والله أعلم-: إن العفو هو إزالة أو ترك المؤاخذة، أو إزالة أثرها في النفوس من عفت الريح الأثر، فينمحي أثر الإساءة، والصفح هو الإعراض -من صفحة العنق- فإذا أعطاه صفحة العنق معناها أنه لم يقف عند إساءته، فالإنسان قد يعفو ولكنه يقف عند الإساءة فيعاتب أو يطلب الاعتذار، أو يقول: أنا عفوت عنك، أو يقول: لكن مثل هذا التصرف ما كان ينبغي أن يصدر منك، مثل هذا ما كان ينبغي كذا، وهكذا يبقى يعاتب المسيء مع أنه عفا لكنه لم يعرض عن الإساءة وعن المسيء، فلا يقف معه ولا يعاتبه.

فالعفو محو أثر الذنب والإساءة، والصفح أن يعرض عن هذا المسيء فلا يقف عند هذه إساءته.

وكما قلنا بأنه قد يحصل العفو، ولا يحصل الصفح، وهو شيء مشاهد حيث ترى الإنسان يقول: أنا عفوت عنك، لكن لماذا اجترأت على كذا، لماذا فعلت كذا، ولماذا؟ ويقول: أنا عفوت عنك، لكن أريد أن أوقفك على خطئك، وإساءتك وتقصيرك وكذا، فهذا لم يصفح، لكن لو قال له: أنا صفحت عنك، فما دام صفح فلا يصح منه أن يقف عند الإساءة ويذكر بها، والله أعلم.

وقوله تعالى:وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ 110 سورة البقرةيَحُثهم تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتعود عليهم عاقبتُه يوم القيامة من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاديَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ 52 سورة غافر، ولهذا قال تعالى:إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 110 سورة البقرة يعني أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل ولا يضيع لديه، سواءً كان خيراً أو شراً، فإنه سيجازي كل عامل بعمله.

 وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ111-113 سورة البقرةيبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا:نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ18 سورة المائدةفأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم من دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة ثم ينتقلون إلى الجنة وردَّ عليهم تعالى في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة، فقال:تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ111 سورة البقرة، قال أبو العالية: أماني تمنوها على الله بغير حق. وكذا قال قتادة والربيع بن أنس، ثم قال: قُلْ أي: يا محمدهَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ111 سورة البقرةقال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس: حجتكم، وقال قتادة: بينتكم على ذلك إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ111 سورة البقرةأي في ما تدعونه.

قوله تعالى: وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى بيان لدعوى اليهود أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى.

و(أو) هذه هل هي للتخيير أو واو عطف يعني لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً ونصرانياً، أو أنها للتقسيم بمعنى أن كل طائفة قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان من طائفتها حيث إن "أو" هذه تأتي لمعان فما المراد بها  هنا؟

 
و(أو) هذه هل هي للتخيير أو واو عطف يعني لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً ونصرانياً، أو أنها للتقسيم بمعنى أن كل طائفة قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان من طائفتها حيث إن "أو" هذه تأتي لمعان فما المراد بها  هنا؟
 

الجواب: (أو) هنا للتقسيم، وهذا لا بد منه؛ لأنه لا يمكن أن النصارى يقولون: لن يدخل الجنة إلا أن يكون يهودياً أو نصرانياً؛ لأنهم يكفرون اليهود، والعكس كذلك، وإنما قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً، فقال الله -عز وجل-: وَقَالُواْأي اليهود والنصارى: لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىإلا من كان يهودياً أو نصرانياً.

وقوله: هُوداً يحتمل أن يكون جمع هائد وهو التائب العائد من الذنب الراجع عن إساءته، فيكون بهذا الاعتبار جمع هائد، تقول: هاد يهود، أي رجع يرجع، كما قيل: يا صاحب الذنب هد هد، أي: ارجع ارجـع.

ويحتمل أن يكون إِلاَّ مَن كَانَ هُوداًبمعنى إلا من كان يهودياً، ويحتمل أن يكون مصدراً، والله تعالى أعلم، ولا شك أن المراد به اليهودي؛ لأنه ذكر النصارى سواءً قيل: أصل هوداً من هاد يهود، أو أن أصله مصدر، أو أن هوداً بمعنى يهودي.

لما قالوا:لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىرد الله عليهم بثلاثة أشياء حيث قال: تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ111 سورة البقرة، وأيضاً طالبهم بالدليل فقال: قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ111 سورة البقرة، ثم قال:بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ 112 سورة البقرةفهذه ثلاثة أشياء، وقد سبقت قاعدة في هذا النوع وهي حينما يحكي القرآن أقوال القائلين، فهو إما أن يسكت عنها، وإما أن يذكر عقبه ما يدل على ردها وبطلانها، وهذا منه، فهنا أشار إلى بطلان هذه المقالة بثلاثة أمور: تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ111 سورة البقرة، قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ111 سورة البقرة،بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ 112 سورة البقرة، فهذه الأمور التي تحكى في القرآن، إما أن يأتي ما يدل على بطلانها أو يسكت عنها، وما سكت عنه فالغالب أن ذلك يكون من قبيل الإقرار له، وقلنا مثاله: عدد أصحاب الكهف، لما ذكر الأقوال الباطلة:سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم22 سورة الكهففما أشار إلى رد هذا القول وتوهينه.

وقد يذكر شيئين مما يذكرونه فيرد أحدهما ويبقي الآخر مثل:وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ28 سورة الأعراف، فهو رد عليهم ادعائهم أن الله يأمر بالفحشاء وسكت عن الثانية التي هي دعواهم أنهم وجدوا آباءهم كذلك يفعلون، وهو إقرار بأن ذلك صحيحاً، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين..

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about