سورة التكاثر كاملة
عدد الزوار : 8105
تاريخ الإضافة : 21 ذو الحجة 1434
MP3 : 34103 kb
PDF : 350 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير

سورة التكاثر كاملة

 

أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ سورة التكاثر.

هذه السورة من السور المكية، سورة التكاثر، ويقال لها: سورة ألهاكم، ونُقل أن الصحابة كانوا يسمونها بالمَقبرة، وهذا يحتاج إلى مراجعة وتثبت، لكن نقله بعضهم عن الصحابة أنهم هكذا كانوا يسمونها باعتبار حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ.

والموضوع الذي تدور حوله هذه السورة: هو موضوع واحد، وهو هذا الاشتغال المُلهي الذي يتكاثر به المتكاثرون من متاع الحياة الدنيا وزينتها مما لا يقرب إلى الله -تبارك وتعالى- ولا ينفع في الدار الآخرة.

 

الموضوع الذي تدور حوله هذه السورة: هو موضوع واحد، وهو هذا الاشتغال المُلهي الذي يتكاثر به المتكاثرون من متاع الحياة الدنيا وزينتها مما لا يقرب إلى الله -تبارك وتعالى- ولا ينفع في الدار الآخرة.

 

يقول تعالى: أشغلكم حُبُّ الدُّنْيَا وَنَعِيمُهَا وَزَهْرَتُهَا عَنْ طَلَبِ الْآخِرَةِ وَابْتِغَائِهَا، وَتَمَادَى بِكُمْ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَكُمُ الْمَوْتُ وَزُرْتُمُ الْمَقَابِرَ وَصِرْتُمْ مِنْ أَهْلِهَا.

أَلْهاكُمُ التَّكاثُر ألهاكم يعني: أشغلكم، واللهو بعض أهل العلم يفرق بينه وبين اللعب فيقول: اللهو يكون في القلب، واللعب يكون بالجوارح، فهذا الاشتغال لم يكن بجوارحهم بل دخل قلوبهم حتى أشغلهم عما هم بصدده من طاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، والإقبال على ما يقرب إلى الله وينفع في الدار الآخرة.

أَلْهاكُمُ التَّكاثُر وبهذا الاعتبار يكون هذا الاشتغال مذمومًا، والدنيا كما سبق في الكلام على "طريق الوصول إلى العلم المأمول" من كلام شيخ الإسلام في العبودية (تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم)([1])،وأن هذه الأمور من أعراض الدنيا مما يحتاج إليه الإنسان ينبغي أن يستعمله استعمال الكنيف -أعزكم الله- الذي يجلس عليه لقضاء الحاجة فقط، لا أن يدخل قلبه، فهو لابدّ له منه، ولكنه إذا دخل قلبه أشغله وأفسده وصرفه عن طاعة الله -تبارك وتعالى-، ويحصل من جراء ذلك من الأمور المذمومة من التنافس على الدنيا ثم بعد ذلك التدابر والتقاطع، هذا إذا دخلت الدنيا القلوب قلَّ ذلك أو كثُر، يعني قلَّتِ الدنيا في يده أو كثُرت، إذا دخلت قلبه ولو كان من المفاليس فإنه يكون الشح عليه غالبًا، والله يقول: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الحشر:9، قد يكون الإنسان ما عنده شيء من الدنيا ولكنه شحيح حريص يفكر بها ليلاً ونهاراً، وتشغله وتؤرقه كيف يحصّل، وكيف يكتسب، وكيف يكون مثل فلان، وكيف يجمع الأموال، وكيف يثمرها، وهو ما عنده شيء، ومن بيده عرض منها كثير فهو مشغول بها، كيف يحوطها ويحفظها ويحرزها ولا يحصل له فوت شيء منها، وكيف يثمرها، وهكذا لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب([2])، فصاحب الألف يريد عشرة آلاف، وصاحب العشرة الآلاف يريد مائة ألف، وصاحب المائة الألف يريد مائتين، وصاحب المائتين يريد أن ينميها إلى ثلاثمائة ثم ذاك إلى مليون، وصاحب المليون يريد مليونًا آخر، وصاحب الملايين يطمح إلى أن يكون صاحب مليار، وأصحاب المليارات ما توقفوا يعملون ويكتسبون ويشيب الواحد منهم ويهرم ولربما جاوز المائة وهو في شغل شاغل في قلبه وبدنه في جمعها والاشتغال بها وتدبيرها وتثميرها وتصريفها، وما ينضاف إلى ذلك من ألوان القلق الذي يساوره إذا حصل اضطراب في السوق أو خسائر أو ما إلى ذلك، فهذا هو الإلهاء في صورة من صوره وذلك في الأموال وجمعها أَلْهاكُمُ التَّكاثُر والمعنى أوسع من ذلك على ما قاله المفسرون، ولم يقصروا ذلك على المال وإنما يدخل فيه سائر ما يتكاثر به الناس مما لا يقرب إلى الله والدار الآخرة، هكذا قال كبار المفسرين، وهذا الذي ذهب إليه ابن جرير وابن كثير وابن القيم وغير هؤلاء، وهو معنى صحيح لا إشكال فيه، كل ما يتكاثر به الناس مما لا يقرب إلى الله -عز وجل- ويشغلهم عن ذكره وطاعته وعبادته والإقبال عليه فهو داخل في هذا المعنى، ويكون مذمومًا أَلْهاكُمُ التَّكاثُر.

وبعض العلماء من أهل الحديث جمع لحديث واحد مائة طريق، وفرح بذلك فرحًا شديدًا ثم رأى تلك الرؤيا وأنه عرض ذلك على أحد أئمة هذا الشأن في المنام فأطرق قليلاً ثم رفع رأسه فقال: أخشى أن يدخل ذلك في قوله: أَلْهاكُمُ التَّكاثُر، وهذا صحيح، يعني بحيث إن الحديث إذا جاوز القنطرة وكان صحيحًا فما الحاجة لئن يجمع له مائة طريق هذا في العلم.

ويدخل في هذا جمع الكتب التي لا يحتاج إليها، وإنما تكون هوايته جمع الكتب والتكاثر في الكتب، أكبر مكتبة في البلد عنده، أكبر مكتبة مخطوطات عنده، أكبر مكتبة فيها طبعات قديمة، طبعات جيدة، طبعات نفيسة، طبعات مفقودة، فيتكاثر بها ولا ينتفع بهذه الكتب، ولا يقرأ بها، وإنما يجمعها فقط، وقل مثل ذلك في جمع الإجازات والأسانيد التي لا تنفعه فليس له شغل وليس له إقبال على العلم، وإنما يجمع هذه الأسانيد ويسافر شرقًا وغربًا ولا يسمع بأحد عنده إسناد إلا أتاه فيأخذ منه هذه الأسانيد وهو لا يقرأ على هؤلاء شيئًا، وقد يحضر مجالس السماع وهو نائم أو مشتغل بجواله وفي عالم آخر، وتجده يصبر على حضور يوم كامل أو يومين أو ثلاثة أو خمسة من أجل أن يحصل على هذا الإسناد، وليس له اشتغال بالعلم ولا يفهم ولا يفقه منه قليلاً ولا كثيرًا، أَلْهاكُمُ التَّكاثُر، هذا داخل فيه.

ويدخل فيه أيضًا هذا التنافس على تحصيل الألقاب، فتجد الناس أصبحوا اليوم كل واحد يضع الألقاب، يضع من الألقاب ما شاء لنفسه، تقرأ في الحسابات في تويتر مستشار أُسري، ومدرب، ومفكر، ومستشار شرعي، وباحث إسلامي، وكاتب، وضع لنفسك ما شئت من هذه الألقاب ما يغني عنك، وعضو في جمعية كذا، وعضو في جمعية كذا، وعضو في جمعية كذا، وما تغني عنه تلك الجمعيات، لا تحتاج إلى علم كثير حتى ينتسب إليها، وانتسابه إليها لا يعني شيئًا، ينتسب إليها كل أحد، فكونه يضع: أنا عضو في الجمعية الفلانية، وعضو في الجمعية الفلانية يظن من لا بصر له أن دخوله في هذه الجمعية التي لربما تتصل بعلم من العلوم أو نحو هذا أن هذا يعطيه قيمة علمية، أو يعطيه منزلة، أو يعطيه شرفًا وهو لا يعطيه ولا شيء، فتجد سرد هذه الألقاب والتكثر بها، فإذا قرأت أحيانًا في ما يكتبه الإنسان عن نفسه يكثر من هذه النسب والألقاب وكان رئيس كذا سابقًا، وعميد كذا سابقًا، وكان وكان سابقًا وسابقًا وسابقًا، تاريخ طويل متى ترأس لجنة، ومتى ترأس قسمًا، ومتى ترأس عمادة كلية، وصار عميدًا ونحو هذا، وما يغني عنه؟! أَلْهاكُمُ التَّكاثُر كذلك تجميع الشهادات التي لا قيمة لها، أصبح الآن الناس بإقبال غير عادي وغير معقول على تحصيل شهادات أشبه ما تكون بالوهمية، بل هي وهمية، يعني شهادة مع أنه لم يدرس هذا العلم، ولا يُعرف له تحقيق له ولا اشتغال إطلاقًا، كيف جاءت هذه الشهادة؟، لا يُعرف، وتفاجأ بهذا الإنسان الذي لربما لم يدرس في الكلية أصلاً لم يُعرف أنه درس في جامعة ثم بعد ذلك تجد أنه أستاذ ألف نقطة دال، متى جاءت هذه؟ تحتاج إلى عمر في الجامعات والعالم, السلم الأكاديمي كما يقال، والتكثر من هذه الألقاب ولربما ينزعج بعض الناس ويغضب إذا لم يذكر بهذه الألقاب!، فذُكر بكنيته أو باسمه المجرد، بل بعضهم يغضب إذا قيل له: يا شيخ فلان، يقول: قدِّم اللقب، يقصد هذه الألقاب التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وقل مثل ذلك التكاثر في المتابعين، وأعداد المتابعين كم عنده؟، كم يتابعه في هذا الحساب؟، فهو دائمًا ينظر هل زاد هؤلاء الناس أو ما زادوا، وهذه قضية خطيرة تقدح في إخلاص الإنسان، يعني غير الإلهاء هذا موضوع آخر الآن، وهو حب الظهور والشهرة والرئاسة وأن يُعرف وأن يُذكر، والسلف كانوا يخافون من هذا أشد الخوف، لمّا يمر أيوب على مجموعة من الناس ويسلم فيردون بصوت بنبرة قوية يحزن ويخاف يقول: قد عرفوني، وكان الإمام أحمد لما يقال له: إن الناس في البلدان يدعون لك، وإنهم في الثغور يرمون العدو ويقولون: هذا عن الإمام أحمد، كان يقول: "أخشى أن يكون هذا استدراجًا"([3])، فكيف بنا معاشر المساكين الضعفاء مع قلة البضاعة من العلم والعمل، ونفرح بأعداد المتابعين؟!، بل سمعت أن هناك طرقًا تُشترى فيها المتابعات، يعني يتابعه كثيرون بطرق ما أدري ما هي لكن يقولون: إنه يشتري هذه الأشياء، كيف يشتري هذه الأشياء؟، وما ينفعه؟! ومن أراد أن يعرف قيمة هذا فلينظر إلى أكثر الناس متابعة يجد أنه من أفجر الناس، لا أقصد من المسلمين ولا أقصد من الأخيار ولا من الدعاة إلى الله -عز وجل- فهؤلاء ينفعون، ينفع الله بهم، لكن أنا سألت عن الأكثر في العالم على مستوى العالم فذُكر أناس من أهل الطرب، ومن المغنيين والعازفين وما أشبه ذلك أعمارهم تسع عشرة سنة وعشرون سنة من الغربيين، ويتابعهم أعداد هائلة ملايين البشر لربما يزيدون على عشرين مليونًا أو أكثر، ولربما كان أكثر أهل الخير والصلاح ممن يتابعه متابعون لربما لا يتجاوزون ربع هذا العدد، فما قيمة هؤلاء الذين يشتغلون بالطرب والعزف وهم لا يعرفون الله أصلاً ويتابعهم عشرات الملايين؟! ما قيمته؟، وما يغني عنهم هذا؟، وتجد العالم الراسخ إذا نظرت لربما بضعة آلاف، فأين هذا من هذا؟! ليست العبرة في هذا، فهذا يدخل في قوله: أَلْهاكُمُ التَّكاثُر، كذلك حينما يكون ديدن الإنسان وشغله وحرصه على كثرة الأسفار تجد الرجل لا يلقي كلمة واحدة في المسجد ولا ينتفع به أقرب الناس إليه، لا ينتفعون، أعني أهله أو جيرانه أو جماعة مسجده في البلد، لا يوجد له كلمة واحدة، ولا محاضرة، ولا درس ثم كلما جلس في مجلس وتكابر المجلس بدأ يتحدث أنه زار خمسين دولة، ستين دولة، تستغرب ستين دولة، لماذا يذهب؟.

يذهب للدعوة إلى الله، طيب الأقربون أولى بالمعروف، كلمة واحدة ما سمعناها في مسجد، محاضرة واحدة في مسجد لا توجد، فعلى أي شيء التكاثر بزيارة الدول والأسفار؟، وهذا موجود، وقل مثل ذلك في التكاثر في عدد القنوات التي يخرج فيها، فيتحدث أنه يخرج في عشرين قناة، أو التي تبث دروسه ومحاضراته، أو الأشياء التي يقدمها في كذا وكذا من القنوات، هذا كله لا يغني عن الإنسان شيئًا، إنما التكاثر المحمود هو في الطاعات في القربات التي يخفيها العبد، ويحرص على إخفائها ألا يطلع عليها أحد، وإلا فإن الكثيرين في سكرة وفي غفلة عن هذا تمامًا، فينساق الناس للأسف مع هذه الأمور دون أن يفيقوا ودون أن يشعروا بحالهم حتى يوافوا المقابر، حتى يصيروا إلى الموت، "حتى زرتم المقابر" فهذا كله من التكاثر، بعض الناس قد لا يتكاثر بالمال، ولا يعنيه هذا كثيرًا، ولكنه يتكاثر بأمور أعظم من المال كما سبق الشهرة، يتكاثر بالمتابعين لبرامجه في القنوات الفضائية وما أشبه ذلك، وأسوأ من هذا أن يجعل هذا معيارًا على صحة وسلامة ما هو عليه وهذا خطأ غير صحيح، الذين يتابعون برامج لبعض النصارى يبلغون أكثر مما يتابع لأكثر الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى- وهذا معروف ومن زمن طويل، فليست العبرة بالكثرة وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ يوسف:103، وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الأنعام:116 العبرة أن يكون الإنسان على الحق، على الجادة، ويأتي النبي وليس معه أحد، ويأتي النبي معه الرجل([4])، وهذا لا يضره إطلاقًا، والغبطة الحقيقية التي أَغبِط بها حينما أنظر في هذه الوسائط والوسائل لا أغبط إلا هؤلاء الذين لا يتابعهم إلا سبعة أو ثمانية أو عشرة أو سبعون أغبطهم كثيرًا، وأقف وأتأمل أقول: هنيئًا لهم، هم قد لا يقصدون هذا بل يتمنون الكثرة أو يتمنى ذلك بعضهم، ولكن هؤلاء في عافية عظيمة لو يشعرون، والكلام في هذا كثير، وتكلمت عليه في دروس متعددة.

وهذه أمور يحتاج العبد أن يلاحظها، وأن لا يغفل مع الغافلين، وينسى حتى يفجأه الموت، ثم بعد ذلك يعلم أنه كان متشاغلاً بأمور لا ترفعه ولا تنفعه عند الله -عز وجل-، أعطيكم مثالاً وإن كان هذا من قبيل الاستطراد مثال وهو فيه من العبرة ما فيه: طفل صغير نحسبه من الأخيار تربى تربية صالحة، في السنة الأولى الابتدائية الذين يتابعونه لا يتجاوزن خمسة وخمسين، كلما زاد واحد من المتابعين قال: انتظروا سأسجد سجدة شكر، ومرة الذين يتابعونه زادوا خمسة دفعة واحدة، فقال: انتظروا سأصلي هذه المرة ركعتين، فلما بلغوا هذا العدد خمسة وخمسين ذكر أنه سأل زميلاً له من أقرانه، وقال: لماذا بعض الناس يتابعهم أعداد كبيرة، وأنا لا يتجاوزون هذا العدد -الخمسة والخمسين-، فماذا قال له ذاك؟ قال له: إذا أردت أن يتابعك الكثيرون فسب العلماء، ولا تسب الأحياء، سب الأموات فيتابعك كثير، لاحظ هذا طفل يوصيه بهذا، إذًا هذه القضية حاضرة بفرعيها: طلب الكثرة، الأمر الثاني الطريق إليها، طبعًا هذا الطفل ينقل أقوال السلف من كتاب ويذكرها، فذاك يقول له: أنت تنقل أقوال السلف والناس لا يريدون هذا، سب العلماء الأموات ويتابعك الكثيرون، فهذا رفض وقال: هذا لا يجوز، فظهر أثر تربيته على صغر سنه، لكن انظر إلى هذا الملحظ، هذا طفل يوصيه بهذا يقول: سب العلماء والأموات، يعني لا تسب هؤلاء الأحياء الذين سبهم الناس حتى استوى ذلك في نفوسهم لكن سب الأموات، إذًا هذا طريق للمفاليس ممن نرى بعضهم يجترئ فيسب الله -عز  وجل-، بعضهم كان لا يتجاوز عدد المتابعين له السبعين فلما سب الله -عز وجل- زاد العدد على مائتين وخمسين ألفًا، هذا طريق سهل ورخيص إلى الهاوية، فهو يحسب أنه يرتفع، والواقع أنها هاوية، نسأل الله العافية.

فالعاقل المؤمن لا يكترث ولا يلتفت إلى هذا، وقل مثل ذلك في التكاثر بعدد الحضور في المحاضرات والدروس العلمية، وهذا لا يغني عنه شيئا، هو فتنة وأخطاؤه تنتشر، وإذا أراد أن يستدرك كيف يستدرك هؤلاء الناس على كثرتهم وتفرقهم؟، وعلماء من الراسخين ما كان يحضر لهم إلا العدد القليل، الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-  كانت دروسه لا يحضرها إلا عدد قليل، وما ضره مقارنة بغيره، الشيخ كان له درس في المسجد النبوي فقال له الشيخ صالح العراقي -رحمه الله-: يا شيخ، فلان وفلان يحضر عندهم أعداد كبيرة وأنت لا يحضر عندك إلا عدد قليل، قال: كم يحضر؟ قال: نحو عشرة، فأطرق قليلاً ثم قال: بركة.

وبعض السلف كان إذا اجتمع إليه أكثر من ثلاثة قام، وبعضهم ما كان يأتيه إلا الواحد، وبعض طلبة العلم يغضب ويتضايق إن لم يمتلئ المسجد ويحتشد الناس للحضور عنده، وهذه فتنة ينبغي للإنسان أن يحذر منها، والله المستعان، هذا كله من التكاثر، وقد يزينه الشيطان يقول: إنك تنشر العلم، تنشر الخير، وينتشر على يدك، وما علم أنه مفتون؛ لأن قلبه متعلق بهذا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ البقرة:220، وقل مثل ذلك في كثرة المصلين خلف الأئمة من ذوي الأصوات الحسنة فهي فتنة، فقد يجتهد في تزيين صوته لهم أو إظهار الخشوع والبكاء والتباكي، ولربما جلب آلات التصوير يصور نفسه وهو يصلي وهو يتباكى، ويصور هذه الحشود التي تصلي خلفه، فهذه فتنة لهم كيف يستطيعون الصلاة وهذه الكاميرات تعرض وجوههم وهم يصلون؟، الإنسان بدون كاميرات ويرجو من الله السلامة والعافية، فكيف بكاميرات وأضواء وبلاء؟، والله المستعان.   

وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ في الرقاق منه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: "كُنَّا نَرَى هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ حَتَّى نَزَلَتْ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ"، يَعْنِي: (لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ ذَهَبٍ)([5]).

يعني: لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لابتغى آخر، ولو كان له واديان من ذهب لابتغى ثالثًا، هذا كان مما نسخت تلاوته وبقي حكمه، يعني المعنى ثابت وهو خبر لم ينسخ ولكن اللفظ نسخ.

وَروى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ الشَّخِّيرِ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يَقُولُ: (أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟)([6])، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي.

وروى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يَقُولُ الْعَبْدُ مَالِي مَالِي، وَإِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأمضى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ)([7])، تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ.

وَروى  الْبُخَارِيُّ عن  أَنَس بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ، وَيَبْقَى عَمَلُهُ)([8])، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.

وَروى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (يهرم ابن آدم ويبقى مِنْهُ اثْنَتَانِ الْحِرْصُ وَالْأَمَلُ)([9])، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

يعني: أن الإنسان ليس له من ماله إلا ما أبقاه لآخرته فتصدق به، أو ما أكله أو لبسه وأفناه في حياته، الباقي الواقع أنه ليس له، هو حارس على هذا المال ويحاسَب عليه، يحاسب على هذا المال من أين اكتسبه، وهل أدى حق الله فيه، وما أنفقه منه يحاسب عليه فيم أنفقه، فهذه الأموال لو قيل للواحد منكم، ولن أقول هذه المرة منا، لو قيل للواحد منكم -من أجل أن يدرك كل إنسان أنه مخاطب متوجه إليه هذا الخطاب بنفسه- لو قيل: كل ما ترى من هذا الحي الذي لا تقل الأرض الواحدة فيه عن مليون، كل المساحات الفضاء في هذا الحي والأحياء المجاورة وهي من أغلى الأحياء لو قيل له: كلها لك، وأراضٍ أخرى بالكيلومترات كلها لك، وهذه العقارات من العمائر والأسواق كلها لك، لك ألف دكان تؤجَّر لكن لا تتعرض لها، كلها تدخل في حساباتك وهي في أرصدتك دعها، تأكل كما يأكل الناس لو أكلت أكلتين في ليلتين لربما تمرض، وإذا لبست ثوبين لعابك الناس ولضقت ذرعًا بهذا اللباس، لو لبست عمامتين، ولا تستطيع أن تركب سيارتين في آن واحد، فهو كما قال الإمام أحمد: طعام دون طعام، ولباس دون لباس، وإلا فكل الناس لابسون، وكل الناس يأكلون مع أن الكثيرين ممن يملكون الأموال الطائلة حال كثير من هؤلاء في الواقع وما يتعاطونه إما بسبب مرض لا يستطيع أن يهنأ بطعام وشراب أو سفر أو غير ذلك، أو بسبب آخر طبيعة أو بسبب حرص تجد أنه يركب من المراكب دون المتوسط، ويسكن أو يأكل ويلبس دون المتوسط، وإذا تأملت ونظرت رأيت هذا كثيرًا مع كثرة ما يملك، وترى أناسًا لا يبلغون ما أقول: عشر معشار ما يملك، ليست هناك نسبة أصلاً ليست هناك نسبة، إنسان يملك مليارات، وإنسان كل ما يملكه من رصيد ثلاثة آلاف وخمسمائة ريال، وتجد لباس هذا أفضل من لباس ذاك، هذا أقوله بالمشاهدة.  

أقول لطلابي في الكلية: أنتم غاية ما يصل للواحد منكم ثمانمائة ريال أو ثمانمائة وخمسين ريالا، ولباسكم الذي أراه أفضل بكثير من كثير ممن يملكون المليارات، وتأكلون أفضل مما يأكلون، الشباب هؤلاء يتمتعون ويذهبون إلى أحسن المطاعم في الخُبر والدمام أشياء وأكلات فيها، وأسماء وأشياء متنوعة في الشرق والغرب يذهبون لها بصورة لربما كل أسبوع، وهؤلاء لا يعرفونها أبدًا، هذا حارس على هذه المليارات يملك عقارات كبيرة جدًّا ولكن النهاية هو حارس فقط، فلو حسب المصروفات التي أنفقها في حياته قد تجد أنها أقل أو مماثلة لمتوسطي الحال، بل إن البعض من هؤلاء تكون حاله ونفقاته أشبه ما تكون بحال الفقراء، وهي أمثلة أعرفها ولا أريد أن أفيض في ذلك؛ لأن مثل هذا يكون مما يشبه التعيين لكن أعرف أمثلة كثيرة أخبرني أصحابها نفس هؤلاء الناس ولربما أولادهم عما يعانونه من الضيق في العيش وآباؤهم يملكون المليارات فما تغني عنهم هذه الأموال؟! لا شيء، فكون الإنسان ينام قرير العين ينام مرتاحًا ليس عنده ما يؤرقه إذا ارتفعت البورصة أو الأسهم أو كذا، هو يأكل وهو هنيء ومع أولاده وزوجته ويربيهم ويأكل معهم بخلاف ذاك الذي يفتخر في مقابلة في مجلة أنه منذ خمس وعشرين سنة ما جلس مع أولاده على طعام، ما قيمة هذا المال؟، ثم إذا نظرت في النهاية المغسلة واحدة، والكفن واحد، والحنوط واحد، ما في مغسلة خاصة لكبار الشخصيات، ولا كفن لكبار الشخصيات، ولا حنوط لكبار الشخصيات، الحمد لله أن النهاية هذه يستوون فيها، ولكن لا يستوي الناس فيما بعدها من النعيم والعذاب، وإنما ذلك بأعمالهم وتقواهم، وليست هناك مقابر لفئة، مقابر مخملية، إطلاقًا، وإنما هي حفرة جوانبها غُبر يهال عليه التراب، يهيله أقرب الناس إليه، وأقرب الناس إليه هو الذي ينزل في القبر، ويضعه في هذا اللحد هذه عبرة، وإذا نظرت إلى البقايا حينما يوضع في لحده نظرت إلى النعش والبطانية التي عليه، أو البشت الذي هو للمغسلة أيضًا، ما هو له، أو إن كانت امرأة عباءة قد اغبرت حينما ألقيت على الأرض تجد عبرًا عظيمة، هذه هي النهاية، فذهب النعيم، وذهبت اللذات، وذهبت الأموال، وذهبت المليارات التي جمعها طول عمره، واشتغل فيها عن طاعة الله وطاعة رسوله، وعن ذكره وقراءة كلامه، وعن الإنفاق في سبيل الله، آخرها هذه، وإسعاف البلدية أيضًا، يعني ما ينقل بسيارة خاصة، أبدًا، حاله حال أفقر الخلق بهذه النهاية، ثم ماذا؟! طي النسيان، يبقى أسيرًا لعمله، لكن مَن الذين يذكرهم الناس ويدعون لهم دائمًا؟! هم الذين لهم نفع متعدٍّ ينفعون الناس في دينهم، أو ينفعونهم في دنياهم يتصدقون ويبذلون ويفيضون على الناس من هذا المال الذي أعطاهم الله -تبارك وتعالى-، وإلا فعبر القرون المتطاولة القرون الماضية كم عدد الأغنياء في التاريخ من الجيل الماضي والذي قبله والذي قبله؟، هاتوا أسماء، ما تحفظون أحدًا، وهذا الجيل نفس الشيء، إنما هو اشتغال وتكاثر وهكذا جيل بعد جيل، والموفق من وفقه الله -عز وجل-، ومن أبصر حقيقة الحال ولم ينظر إلى ظاهر يغر الكثيرين، ثم بعد ذلك تتكشف له الحقائق حينما يوافي ربه حينما يموت فيعرف أنه كان مشتغلا عما كان يجب أن يقبل عليه.  

وقوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَذَا وَعِيدٌ بَعْدَ وَعِيدٍ.

هذا قاله الحسن، وقال مجاهد: "كلا" هذه كلمة ردع وزجر، هنا: كلا ليس الأمر على ما أنتم عليه من التكاثر والتفاخر كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ تعلمون إذا متم وصرتم إلى المقابر أن هذا الاشتغال ليس بشيء،ستعلمون الحقائق، وستعلمون أن العمل للآخرة هو المتعين، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ أن اشتغالكم هذا لم يكن بشيء.

وقال الضحاك: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني: أيها الْكُفَّارَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ يَعْنِي: أَيُّهَا المؤمنون.

بعض أهل العلم من السلف وغيرهم يقولون: إن هذا الخطاب أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ للكفار؛ لأنه قال: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ في آخرها، وهذا ليس بلازم، والظاهر أنه خطاب للجميع، ويخرج من ذلك من سلمه الله ونجاه، وإلا فأكثر الخلق مشتغلون بهذا التكاثر وألهاهم عما هم بصدده، فالخطاب للجميع، ورؤية الجحيم لا تقتضي دخولها، والله -عز وجل- يقول: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا مريم:71، ابن جرير -رحمه الله- يقول: كرر هنا قال: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ؛ لأن العرب إذا أرادت التغليظ في التخويف والتهديد كررت الكلام مرتين تقول له مثلاً: سترى، سترى، أو تقول له: اصبر، اصبر، يعني سيأتيك كذا، ويكررونه في هذا المقام، وهذا بمعنى قول من قال: إن المقصود بذلك التأكيد، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ولا حاجة لأن يقال: إن الأول هو عند الموت، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ إذا صرتم إلى البرزخ مثلاً.  

وقوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ أَيْ: لَوْ عَلِمْتُمْ حَقَّ الْعِلْمِ لَمَا أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ عَنْ طَلَبِ الدَّارِ الْآخِرَةِ حَتَّى صِرْتُمْ إِلَى الْمَقَابِرِ.    

يعني كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ العلم المجرد قد لا يحمل على الامتثال، يعلم، كما جاء عن علي -رضي الله عنه- أنه يقول: ما رأيت يقينًا أشبه بالشك من الموت، الإنسان يعلم أنه سيموت ويؤمن بالدار الآخرة وأنه سيحاسب، ومع ذلك إذا رأيتَ العمل رأيت الحال في الغالب لا تدل على مَن علِمَ بذلك، وهذا يرجع إلى ضعف اليقين، فإذا ضعف اليقين عند الإنسان فإن ذلك لا يكون باعثًا له على الامتثال والعمل؛ ولهذا تجد الناس في دنياهم إذا عُرض عليهم مساهمة في المال رابحة في نظرهم تسارعوا إليها، ولو اقترضوا، يقترض من أجل أنه سيساهم في هذه التجارة، وإذا دُعوا إلى الصدقة تجد التباطؤ والتأخر ويحسب حسابات، ويفكر فقد يُخرج القليل وقد لا يخرج، السبب ما هو مع أن ذلك يضاعف إلى عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ؟ البقرة:261 هذا لا يوجد في تجارات الدنيا وأرباحها ومع ذلك تجد هذه القضايا يحسب لها ألف حساب؛ لأن اليقين ضعيف، وإلا فهذه هي التجارة الرابحة.   

 ثُمَّ قَالَ: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ.

هذا الآن جواب قسم محذوف كأنه يقول: أقسم لترون، يقول: والله لترون، هذه "اللام" داخلة على جواب القسم وليس ذلك مما يتصل بما قبله، يعني ليس المعنى هكذا {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} يعني علم اليقين أنكم ترون الجحيم هكذا ليس هو المعنى، وإنما كلا لو تعلمون علم اليقين لما اشتغلتم بالتكاثر، ثم أقسم والله لترون الجحيم، إذًا لا نصل هذا هكذا، لا نقول: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} فيفهم منه أن ذلك يتصل بالمعنى.  

هَذَا تَفْسِيرُ الْوَعِيدِ الْمُتَقَدِّمُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ توعدهم بهذا الحال، وهي رؤية أهل النار التي إذا زفرت زفرة واحدة خَرَّ كُلُّ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَنَبِيٍّ مُرْسَلٍ عَلَى رُكْبَتَيْهِ مِنَ الْمَهَابَةِ وَالْعَظَمَةِ وَمُعَايَنَةِ الْأَهْوَالِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ.

وقوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ أَيْ: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ شُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنَ الصِّحَّةِ وَالْأَمْنِ وَالرِّزْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا إِذَا قَابَلْتُمْ بِهِ نِعَمَهُ مِنْ شُكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ.

وروى ابْنُ جَرِيرٍ قال: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّدَائِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: بَيْنَمَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمْرُ جَالِسَانِ إِذْ جَاءَهُمَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: (مَاأَجْلَسَكُمَا هَاهُنَا؟) قَالَا: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَخْرَجَنَا مِنْ بُيُوتِنَا إِلَّا الْجُوعُ، قَالَ: (وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ مَا أَخْرَجَنِي غَيْرُهُ)، فَانْطَلَقُوا حَتَّى أَتَوْا بَيْتَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَاسْتَقْبَلَتْهُمُ الْمَرْأَةُ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَيْنَ فُلَانٌ؟)، فَقَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مَاءً، فَجَاءَ صَاحِبُهُمْ يَحْمِلُ قِرْبَتَهُ، فَقَالَ: مَرْحَبًا، مَا زار العبادَ شيء أفضل من نبي زَارَنِي الْيَوْمَ، فَعَلَّقَ قِرْبَتَهُ بِكَرْبِ نَخْلَةٍ وَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَلَا كُنْتَ اجْتَنَيْتَ؟)، فَقَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونُوا الَّذِينَ تَخْتَارُونَ عَلَى أَعْيُنِكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ الشفرة فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ)، فَذَبَحَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ فَأَكَلُوا، فَقَالَ لَهُم النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ فَلَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَبْتُمْ هَذَا، فَهَذَا مِنَ النَّعِيمِ)([10])، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَسُنَنِ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ:الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ)([11])، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُمْ مُقَصِّرُونَ فِي شُكْرِ هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ لَا يَقُومُونَ بِوَاجِبِهِمَا، وَمَنْ لَا يَقُومُ بِحَقِّ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَهُوَ مَغْبُونٌ.

وروى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (يَقُولُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-قَالَ عَفَّانُ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ-: يَا ابْنَ آدَمَ حَمَلْتُكَ عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ، وَزَوَّجْتُكَ النِّسَاءَ، وَجَعَلْتُكَ تَرْبَعُوَتَرْأَسُفَأَيْنَشُكْرُذَلِكَ؟)([12])، تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.   

آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّكَاثُرِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

 

قوله -تبارك وتعالى-: كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ يعني: مشاهدة عين اليقين، وقال بعده: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ، فيدخل في النعيم ما جاء في الحديث لمّا أكل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر... الحديث الآنف الذكر، فهذا من النعيم، المآكل المطاعم التي يأكلها الإنسان، وكذلك الماء البارد قد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن أول ما يسأل عنه الإنسان من النعيم: ألم نُروِّك من الماء البارد([13])،وكذلك يدخل فيه ما ذكر هنا أيضًا في الحديث: "يا ابن آدم حملتك على الخيل والإبل، وزوجتك النساء، وجعلتك تربع وترأس"، فهذا كله من النعيم، المراكب، المساكن، الهواء البارد، النوم الهنيء، الفرش -إن شئت أن تقول-: الوثيرة، وكذلك أيضًا سائر ما يتنعم به الناس، وكله داخل في هذا النعيم، فيحاسب الإنسان على هذه الأمور من أين اكتسبها، (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وذكر منها عن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟)([14])فيسأل من أين اكتسب؟، من أين لك هذا؟، من أين حصلته؟ من أين طريقة الاكتساب؟ بمثاقيل الذر، وكذلك أيضًا عن كيفية التعاطي معه كيف أنفقته؟ فيم أنفقته؟ في سرف في مفاخرة في معاصٍ في محرمات؟، كل هذا يسأل عنه الإنسان يوم القيامة، هذا كله داخل في قوله: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ فهذا النعيم محفوف بسؤالين، إذًا هذه النعم تحتاج إلى رعاية، يحتاج الإنسان إلى محاسبة لنفسه كيف يحصّل ما يحصّل، وكيف يتعامل معه؛ لأن الله سائله عن ذلك.  

وهنا كلام جيد لابن القيم في هذه السورة:   

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "سورة التكاثر، بسم الله الرحمن الرحيم، وذكر السورة، ثم قال: أخلصت هذه السورة الوعد والوعيد والتهديد وكفى بها موعظة لمن عقلها، فقوله تعالى: أَلْهاكُمُ أي: شغلكم على وجه لا تعذرون فيه، فإن الإلهاء عن الشيء هو الاشتغال عنه، فإن كان بقصد فهو محل التكليف، وإن كان بغير قصد كقوله -صلى الله عليه وسلم- في الخميصة: "إنها ألهتني عن صلاتي"([15])، كان صاحبه معذورًا"([16]).

يعني يقصد أن الإشغال على نوعين:

نوع يؤاخذ عليه الإنسان.

ونوع لا يؤاخذ عليه، وأن هذه السورة فيما يؤاخذ عليه الإنسان.

قال: "وهو نوع من النسيان، وفي الحديث: فلها -صلى الله عليه وسلم- عن الصبي، أي: ذهل عنه، ويقال‏:‏ لَهَا بالشيء‏‏ أي اشتغل به، ولها عنه‏:‏ إذا انصرف عنه‏.

واللهو للقلب، واللعب للجوارح؛ ولهذا يجمع بينهما، ولهذا كان قوله‏:‏ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ أبلغ في الذم من شغلكم، فإن العامل قد يستعمل جوارحه بما يعمل وقلبه غير لاه به، فاللهو هو ذهول وإعراض، والتكاثر تفاعل من الكثرة، أي: مكاثرة بعضكم لبعض، وأعرضَ عن ذكر المتكاثَر به إرادة لإطلاقه وعمومه"([17]).

فهنا أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ يعني ما عين المتكاثَر به فيدخل فيه التكاثر في الأموال، في الأولاد، التكاثر بالعشيرة والقبيلة، التكاثر كما سبق بعدد المتابعين، التكاثر بالكتب.

وقال -رحمه الله-: ".. وأنّ كل ما يكاثر به العبد غيره سوى طاعة الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده فهو داخل في هذه التكاثر‏"([18]).‏

هو هذا، بل حتى الأعمال التي ظاهرها أنها تكاثر في طاعة الله، وقد تكون النية فيها فاسدة أو يكون العمل فيها على غير الوجه المشروع فيدخل هذا التكاثر في عدد الحجات كم مرة حج، ويأتي بالحج بطريقة ممسوخة، يضيع حدود الله -عز وجل- فيه، القضية أنه يحج كل سنة، فيقول: أنا منذ ثلاثين سنة وأنا أحج، هذا من التكاثر لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا الملك:2 ما قال: أيكم أكثر عملاً.

وقال -رحمه الله-: "أخبر -سبحانه وتعالى- أن التكاثر أشغل أهل الدنيا وألهاهم عن الله والدار الآخرة حتى حضرهم الموت،فزاروا المقابر،ولم يفيقوا من رقدة من ألهاهم التكاثر، وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت إيذانا بأنهم غير مستوطنين، ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين يحضرونها مدة ثم يظعنون عنها"([19]).  

نعم،يعني لفظة الزيارة لا تدل على الإقامة حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِر؛ ولهذا الأعرابي لما سمع هذه الآية: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِر قال: لابد للزائر من انتقال، وعمر بن عبد العزيز -رحمه الله- جاء عنه نحو هذا، فدل هذا على أن البقاء في المقابر هو مدة يسيرة، فإذا كان البقاء في المقابر مدة يسيرة زيارة فقط مع أن من الناس من مات منذ زمن نوح -صلى الله عليه وسلم- أو قبله أو بعده وتعتبر زيارة، إذًا كيف بالدنيا ومدة بقاء الإنسان فيها سبعون أو ستون سنة أو أقل أو أكثر، البرزخ زيارة فكيف بالدنيا؟!.

وقال -رحمه الله-: "ثم يظعنون عنها كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها غير مستقرين فيها،ودار القرار هي الجنة أو النار"([20]).   

نعم،مع أن البعض يقول: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِر هذا بالنسبة للأحياء، يقول: تكاثرتم في المال والأولاد وما اكتفيتم بهذا حتى تكاثرتم في الأموات فقلتم: فلان منا، وفلان منا من الموتى، وفلان منا، تتفاخرون فيهم لوجاهتهم ومكانتهم ورئاستهم،أو لكثرتهم يقول: نحن أكثر منكم منا فلان وفلان وفلان وفلان،ويكثّر قومه أو عشيرته أو أسرته أو قبيلته، فبعض أهل العلم يقول: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِر المقصود به هذا المعنى، يعني ما اكتفيتم بما تحت أيديكم بل أيضًا عددتم الأموات، وبعضهم يقول: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِر أنهم فعلاً ذهبوا إلى المقابر، وكانوا يقولون: هذا منا هل عندكم مثل هذا؟، هل فيكم مثل فلان؟ لكن الروايات التي في هذا لا تصح، والجمهور على أن المقصود حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِر يعني: متم.   

وقال -رحمه الله-: "ولم يعين سبحانه المتكاثَر به،بل ترك ذكره إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء لا المتكاثر به، كما يقال: شغلك اللعب واللهو، ولم يذكر ما يلعب، ويلهو به،واما إرادة الإطلاق، وهو كل ما تكاثر به العبد غيره من أسباب الدنيا من مال أو جاه أو عبيد أو إماء أو بناء أو غراس أو علم لا يبتغي به وجه الله، أو عمل لا يقربه الى الله"([21]). 

علم لا يبتغى به وجه الله، لاحظ مع أن العلم في الأصل يقرب إلى الله والدار الآخرة،لكن إذا كان لا يبتغى به وجه الله يقول: أنا أحفظ كذا وكذا.

وقال -رحمه الله-: "أو عمل لا يقربه الى الله، فكل هذا من التكاثر المُلهي عن الله والدار الآخرة.    

وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن الشخير أنه قال: انتهيت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقرأ: "ألهاكم التكاثر" قال: (يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما تصدقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟) ثم أوعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدا مؤكداً إذا عاين تكاثره قد ذهب هباء منثوراً، وعلم أن دنياه التي كاثر بها إنما كانت خداعاً وغروراً، فوجد عاقبة تكاثره عليه لا له، وخسر هنالك تكاثره كما خسر أمثاله، وبدا له من الله ما لم يكن في حسابه، وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه، فعُذب بتكاثره في دنياه، ثم عذب به في البرزخ، ثم يعذب به يوم القيامة، فكان أشقى بتكاثره إذ أفاد منه العطب دون الغنيمة والسلامة، فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين، ولم يحظَ من علوه به في الدنيا إلا بأن حصل مع الأسفلين، فياله تكاثراً ما أثقله وزرًا، وما أجلبه مِن غنًى جالباً لكل فقر، وخيراً تُوصل به إلى كل شر، يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه: يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي الفجر:24، وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا المؤمنون:99-100 تلك كلمة يقولها فلا يعول عليها، ورجعة يسألها فلا يجاب إليها، وتأمل قوله أولاً: "رب" استغاث بربه، ثم التفت الى الملائكة الذين أمروا بإحضاره بين يدي ربه -تبارك وتعالى- فقال: "ارجعون"، ثم ذكر سبب سؤال الرجعة، وهو أن يستقبل العمل الصالح فيما ترك خلفه من ماله وجاهه وسلطانه وقوته وأسبابه فيقال له: "كلا" لا سبيل لك إلى الرجعة وقد عمرتَ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ فاطر:37، ولما كان شأن الكريم الرحيم أن يجيب من استغاث وأن يفسح له في المهلة؛ ليتذكر ما فاته أخبر سبحانه أن سؤال هذا المفرط الرجعة كلمة هو قائلها لا حقيقة تحتها، وأن سجيته وطبيعته تأبى أن تعمل صالحاً لو أجيب، وإنما ذلك شيء يقوله بلسانه، وأنه لو رُد لعاد لما نُهى عنه وأنه من الكاذبين، فحكمة أحكم الحاكمين وعزته وعلمه وحمده يأبى إجابته الى ما سأل فإنه لا فائدة في ذلك، ولو رُد لكانت حالته الثانية مثل حالته الأولى كما قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ الأنعام:27-28

وقوله: كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ جوابه محذوف دل عليه ما تقدم، أي: لمَا ألهاكم التكاثر، وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم لمّا فقد منكم علم اليقين، وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها، ولو وصلت حقيقة هذا العلم الى القلب وباشرته لما ألهاه عن موجبه ولترتب أثره عليه، فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه، فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد، فإذا صار عين يقين كجملة المشاهدات كان تخلف موجبه عنه من أندر شيء، وفي هذا المعنى قال حسان بن ثابت -رضي الله عنه- في أهل بدر:

سِرنا وساروا إلى بدرٍ لحتفهِمُ  ***  لو يعلمون يقينَ العلمِ ما ساروا

وقوله: كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ، قيل: تأكيد لحصول العلم كقوله: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ النبأ:4-5، وقيل: ليس تأكيداً بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت، والعلم الثاني في القبر، وهذا قول الحسن ومقاتل ورواه عطاء عن ابن عباس"([22]).

لاحظ ابن القيم يرجح هذا باعتبار القاعدة: أن التأسيس مقدم على التوكيد.

وقال -رحمه الله-: "ويدل على صحة هذا القول عدة أوجه:

أحدها: أن الفائدة الجديدة، والتأسيس هو الأصل وقد أمكن اعتباره مع فخامة المعنى وجلالته وعدم الإخلال بالفصاحة.

الثاني: توسط "ثم" بين العِلمين وهي مؤذنة بتراخي ما بين المُرتَّبيْن زماناً وخطراً.

الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع؛ فان المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه، ثم يعلم في القبر وما بعده ذلك علماً يقينًا هو فوق العلم الأول.

الرابع: أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وغيره من السلف فهموا من الآية عذاب القبر، قال الترمذى: حدثنا أبو كريب حدثنا حكام بن سليم الرازي عن عمرو بن أبى قيس عن الحجاج بن المنهال بن عمر عن زر عن على -رضى الله عنه- قال: "ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: أَلْهاكُمُ التَّكاثُر"([23]).

قال الواحدي: يعنى أن معنى قوله: كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ في القبر.

الخامس: أن هذا مطابق لما بعده من قوله: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى وتراخي الثانية عنها، ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد والنون الثقيلة عن سؤال النعيم فكل أحد يُسأل عن نعيمه الذي كان فيه في الدنيا هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟، فإذا تخلص من هذا السؤال سُئل سؤالا آخر هل شكر الله تعالى عليه فاستعان به على طاعته أم لا؟، فالأول سؤال عن سبب استخراجه، والثاني عن محل صرفه كما في جامع الترمذي من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه  قال: (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيم أنفقه، وعن ماذا عمل فيما علم)([24]).

وفيه أيضا عن أبى برزة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أبلاه)([25])، وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح".

وفيه أيضا من حديث أبي هريرة -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة -يعنى من النعيم- أن يقال له: ألم نصحَّ جسمك ونرويك من الماء البارد)([26]).

وفيه أيضا من حديث الزبير بن العوام -رضى الله عنه- لما نزلت "لتسألن يومئذ عن النعيم" قال الزبير: يا رسول الله، فأي النعيم نُسأل عنه وإنما هو الأسودان التمر والماء؟ قال: (أمَا إنه سيكون)([27])، وقال: هذا حديث حسن، وعن أبي هريرة ذكر نحوه، وقال: "إنما هو الأسودان العدو حاضر وسيوفنا على عواتقنا"، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن ذلك سيكون)([28])، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن ذلك سيكون)، إما أن يكون المراد به أن النعيم سيكون، ويحدث لكم، وإما أن يرجع إلى السؤال أي: إن السؤال يقع عن ذلك وإن كان تمراً وماء فإنه من النعيم، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم- في  الحديث الصحيح: وقد أكلوا معه رطبًا ولحمًا وشربوا من الماء البارد (هذا من النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة)([29])، فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه.

وفى الترمذي من حديث أنس -رضى الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يجاء بالعبد يوم القيامة كأنه بذج فيوقف بين يدى الله تعالى فيقول الله: أعطيتك وخولتك وأنعمت عليك فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب، جمعته وثمرته فتركته أوفر ما كان فارجعني آتيك به، فإذا أعيد لم يقدم خيرًا فيمضى به إلى النار)([30]).

وفيه من حديث أبي سعيد وأبي هريرة -رضى الله عنهما- قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول الله: ألم أجعل لك سمعاً وبصراً ومالاً وولداً وسخرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأس وتربع، أفكنت تظن أنك ملاقٍ يومك هذا؟ فيقول: لا، فيقولله: اليوم أنساك كما نسيتني)([31])، قال: هذا حديث صحيح.

وقد زعم طائفة من المفسرين أن هذا الخطاب خاص بالكفار وهم المسئولون عن النعيم، وذكروا ذلك عن الحسن، ومقاتل، واختار الواحدي ذلك، واحتج بحديث أبي بكر لما نزلت هذه الآية: قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أرأيتَ أكلة أكلتها معك ببيت أبي الهيثم بن التَّيهان من خبز شعير ولحم وبسر قد ذَنّب وماء عذب أتخاف علينا أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنماذلك للكفار ثم قرأ: وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ سبأ:17)، قال الواحدي: والظاهر يشهد بهذا القول؛ لأن السورة كلها خطاب للمشركين، وتهديد لهم، والمعنى أيضا يشهد بهذا القول وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم حيث أشركوا به، وعبدوا غيره فاستحقوا أن يُسألوا عما أنعم به عليهم توبيخاً لهم هل قاموا بالواجب فيه أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن قال: "لا يُسأل عن النعيم إلا أهل النار"

 

قال الواحدي: والظاهر يشهد بهذا القول؛ لأن السورة كلها خطاب للمشركين، وتهديد لهم، والمعنى أيضا يشهد بهذا القول وهو أن الكفار لم يؤدوا حق النعيم عليهم حيث أشركوا به، وعبدوا غيره فاستحقوا أن يُسألوا عما أنعم به عليهم توبيخاً لهم هل قاموا بالواجب فيه أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم قال: وهذا معنى قول مقاتل، وهو قول الحسن قال: "لا يُسأل عن النعيم إلا أهل النار"

 

([32]).

قلت: ليس في اللفظ ولا في السنة الصحيحة ولا في أدلة العقل ما يقتضى اختصاص الخطاب بالكفار، بل ظاهر اللفظ وصريح السنة والاعتبار يدل على عموم الخطاب لكل من اتصف بإلهاء التكاثر له، فلا وجه لتخصيص الخطاب ببعض المتصفين بذلك، ويدل على ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- عند قراءة هذه السورة: (يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟)([33])، الحديث وهو في صحيح مسلم، وقائل ذلك قد يكون مسلماً وقد يكون كافراً، ويدل عليه أيضًا الأحاديث التي تقدمت وسؤال الصحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- وفهمهم العموم حتى قالوا له: وأي نعيم نسئل عنه وإنما هو الأسودان؟ فلو كان الخطاب مختصاً بالكفار لبين لهم ذلك، وقال: ما لكم ولها إنما هي للكفار، فالصحابة فهموا التعميم، والأحاديث صريحة في التعميم، والذي أنزل عليه القرآن أقرهم على فهم العموم.

وأما حديث أبي بكر الذي احتج به أرباب هذا القول فحديث لا يصح، والحديث الصحيح في تلك القصة يشهد ببطلانه ونحن نسوقه بلفظه، ففي صحيح مسلم عن أبى هريرة قال: "خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: (ما أخرجكما من بيوتكما في هذه الساعة؟)، قالا: الجوع يا رسول الله، قال: (وأنا والذي نفسى بيده لأخرجني الذي أخرجكما، قوما)، فقاما معه، فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته امرأته قالت: مرحباً وأهلاً، فقال لها رسول الله: (وأين فلان؟)، قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء، إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله وصاحبيه فقال: الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم أضيافاً منى، قال: فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا من هذا، فأخذ المُدية، فقال له رسول الله: (إياك والحلوبة)، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله لأبي بكر وعمر: (والذي نفسى بيده لتسئلن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم)([34])فهذا الحديث الصحيح صريح في تعميم الخطاب وأنه غير مختص بالكفار.  

وأيضا فالواقع يشهد بعدم اختصاصه، وأن الالهاء بالتكاثر واقع من المسلمين كثيراً، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر، وخطاب القرآن عام لمن بلغه، وإن كان أولَ من دخل فيه المعاصرون لرسول الله، فهو متناول لمن بعدهم، وهذا معلوم بضرورة الدين وإن نازع فيه من لا يعتد بقوله من المتأخرين، فنحن اليوم ومن قبلنا ومن بعدنا داخلون تحت قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ سورة البقرة:183 ونظائره كما دخل تحته الصحابة بالضرورة المعلومة من الدين فقوله: أَلْهاكُمُ التَّكاثُر خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف، وهم في الإلهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله.  

فإن قيل: فالمؤمنون لم يلههم التكاثر؛ ولهذا لم يدخلوا في الوعيد المذكور لمن ألهاه، قيل: هذا هو الذي أوجب لأرباب هذا القول تخصيصه بالكفار؛ لأنه لم يمكنهم حمله على العموم، ورأوا أن الكفار أحق بالوعيد فخصوهم به، وجواب هذا أن الخطاب للإنسان من حيث هو إنسان على طريقة القرآن في تناول الذم له من حيث هو إنسان كقوله: وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً سورة الإسراء:11، وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُوراً سورة الإسراء:100، إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ سورة العاديات:6، وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً سورة الأحزاب:72، إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ سورة الحج:66 ونظائره كثيرة فالإنسان من حيث هو عارٍ عن كل خير من العلم النافع والعمل الصالح، وإنما الله سبحانه هو الذي يكمله بذلك ويعطيه إياه وليس له ذلك من نفسه، بل ليس له من نفسه إلا الجهل المضاد للعلم والظلم المضاد للعدل، وكل علم وعدل وخير فيه فمن ربه لا من نفسه، فإلهاء التكاثر طبيعته وسجيته التي هي له من نفسه ولا خروج له عن ذلك إلا بتزكية الله له، وجعله مريدًا للآخرة مؤثرًا لها على التكاثر بالدنيا، فإن أعطاه ذلك وإلا فهو مُلتهٍ بالتكاثر في الدنيا ولابد.   

وأما احتجاجهم بالوعيد على اختصاص الخطاب بالكفار فيقال: الوعيد المذكور مشترك، وهو العلم عند معاينة الآخرة، فهذا أمر يحصل لكل أحد لم يكن حاصلاً لهم في الدنيا وليس في قوله: سَوْفَ تَعْلَمُون ما يقتضى دخول النار فضلاً عن التخليد فيها، وكذلك رؤية الجحيم لا يستلزم دخولها لكل من رآها، فإن أهل الموقف يرونها ويشاهدونها عياناً، وقد أقسم الرب -تبارك وتعالى- أنه لابد أن يراها الخلق كلهم مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا مريم:71 فليس في جملة هذه السورة ما ينفي عموم خطابها، وأما ما ذكروه عن الحسن أنه لا يُسأل عن النعيم إلا أهل النار فباطل قطعاً، إما عليه وإما منه، والأحاديث الصحيحة الصريحة ترده، وبالله التوفيق.

ولا يخفى أن مثل هذه السورة مع عظم شأنها وشدة تخويفها وما تضمنته من تحذير الإنسان عن التكاثر المُلهي وانطباق معناها على أكثر الخلق يأبى اختصاصها من أولها إلى آخرها بالكفار، ولا يليق ذلك بها، ويكفي في ذلك تأمل الأحاديث المرفوعة فيها، والله أعلم.

وتأمل ما في هذا العتاب الموجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته كلها إلى أن زار القبور ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثر قلبه فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات، وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق يتبين لك أن العموم مقصود، وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثَر به ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا على اختلاف أجناسها وأنواعها، وأيضا فإن التكاثر تفاعل، وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكاثر صاحبه فيكون أكثر منه فيما يكاثره به، والحامل له على ذلك توهمه أن العزة للكاثر، كما قيل:

ولستُ بالأكثرِ منهمْ *** غِنًى وإنما العزةُ للكاثرِ

فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة من الصحابة ولم تضرهم إذ لم يتكاثروا بها، وكل من كاثر إنسانًا في دنياه أو جاهه أو غير ذلك شغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تكاثر بما يدوم عليها نفعه وتكمل به وتزكو وتصير مفلحة فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك، وينافسها في هذه المكاثرة ويسابقها إليها، فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد، وضده تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم، فهذا تكاثر مُلهٍ عن الله والدار الاخرة، وهو جارٌّ إلى  غاية القلة، فعاقبة  هذا التكاثر قِلٌّ وفقر وحرمان، والتكاثر بأسباب السعادة الأخروية تكاثر لا يزال يذكِّر بالله ونعمه، وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى، وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولاً وأحسن منه عملاً وأغزر علما، وإذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحاقه فيها كاثره بخصلة أخرى وهو قادر على المكاثرة بها، وليس هذا التكاثر مذموماً ولا قادحاً في إخلاص العبد بل هو حقيقة المنافسة واستباق الخيرات، وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج -رضى الله عنهم- في تصاولهم بين يدى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره، وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر -رضى الله عنهما-، فلما تبين له مدى سبقه له قال: "والله لا أسابقك إلى شيء أبداً"([35]).    

ومن تأمل حسن موقع "كلا" في هذا الموضع فإنها تضمنت ردعاً لهم وزجراً عن التكاثر، ونفياً وإبطالاً لما يؤملونه من نفع التكاثر لهم، وعزتهم، وكمالهم به، فتضمنت اللفظة نهياً ونفياً، وأخبرهم سبحانه أنهم لابد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علماً بعد علم، وأنهم لابد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لابد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم من أين استخرجوها وفيم صرفوها.

فلله ما أعظمها من سورة! وأجلها وأعظمها فائدة وأبلغها موعظة وتحذيراً وأشدها ترغيباً في الآخرة وتزهيداً في الدنيا على غاية اختصارها وجزالة ألفاظها، وحُسن نظمها! فتبارك من تكلم بها حقًّا وبلغها رسوله عنه وحياً.

وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حي زائرين غير مستوطنين، بل هم مستودعون في المقابر مدة وبين أيديهم دار القرار، فإذا كانوا عند وصولهم الى الغاية زائرين فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟! فهم فيها عابرو سبيل إلى محل الزيارة، ثم منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر، فهنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، وبعدها النقلة إلى دار القرار"([36]).

نعم،يعني الدنيا ممر والبرزخ زيارة والآخرة مقر

وقال -رحمه الله-: "ثم قال تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال محمد بن جرير -رحمه الله-: يقول تعالى: ثم ليسألنكم الله -عز وجل- عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا، ماذا عملتم فيه، من أين وصلتم إليه، وفيم أصبتموه، وماذا عملتم به؟، وقال قتادة: إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمه وحقه، والنعيم المسئول عنه نوعان:

نوع أخذ من حله وصرف في حقه فيُسأل عن شكره.

ونوع أخذ بغير حله وصرف في غير حقه فيُسأل عن مستخرجه ومصرفه، والله أعلم"([37]).

هذا كلام نفيس يستحق أن يقرأ، ولا تجدون غيرًا له ولا ما يقاربه في كتب التفسير، ومن قرأ في كتب التفسير ثم قرأ هذا أسره هذا الكلام، وهذا التفسير الذي قد سمعتم، فرحمه الله رحمة واسعة.



([1]) رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله، برقم (2886).

([2]) رواه البخاري، كتاب الرقائق، باب ما يتقى من فتنة المال، برقم (6436)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثا، برقم (1048).

([3]) انظر: تاريخ الإسلام، للإمام الذهبي (18/ 76).

([4]) رواه البخاري، كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره، وفضل من لم يكتو، برقم (5705)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، برقم (220).

([5]) رواه البخاري، كتاب الرقائق، باب ما يتقى من فتنة المال، برقم (6439)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثا، برقم (1048).

([6]) رواه مسلم في أوائل كتاب الزهد والرقائق، برقم (2958)، والترمذي، أبواب الزهد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في الزهادة في الدنيا، برقم (2342)، والنسائي، كتاب الوصايا، باب الكراهية في تأخير الوصية، برقم (3613)، وأحمد في المسند، برقم (16305).

([7]) رواه مسلم في أوائل كتاب الزهد والرقائق، برقم (2959).

([8]) رواه البخاري، كتاب الرقائق، باب سكرات الموت، برقم (6514)، ومسلم في أوائل كتاب الزهد والرقائق، برقم (2960).

([9]) رواه أحمد في المسند، برقم (12142)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا، برقم (1047).

([10]) رواه ابن جرير في تفسيره "جامع البيان" (24/ 606)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، وبتحققه تحققا تاما، واستحباب الاجتماع على الطعام، برقم (2038).

([11]) رواه البخاري، كتاب الرقائق، باب لا عيش إلا عيش الآخرة، برقم (6412).

([12]) رواه أحمد في المسند، برقم (10378)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة، فمن رجال مسلم".

([13]) رواه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ومن سورة ألهاكم التكاثر، برقم (3358)، وابن حبان في صحيحه، برقم (7364)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (2022).

([14]) رواه البزار في مسنده، برقم (2640)، والطبراني في الأوسط، برقم (4710)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (7301).

([15]) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها، برقم (373)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب كراهة الصلاة في ثوب له أعلام، برقم (556).

([16]) الفوائد لابن القيم (ص: 30).

([17]) المصدر السابق.

([18]) المصدر السابق.

([19]) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 183).

([20]) المصدر السابق.

([21]) المصدر السابق (ص: 183-184).

([22]) المصدر السابق (ص: 184-188).

([23]) رواه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ومن سورة ألهاكم التكاثر، برقم (3355).

([24]) رواه الطبراني في المعجم الكبير، برقم (9772)، وصححه الألباني بشواهده في السلسلة الصحيحة، برقم (946).

([25]) رواه الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب في القيامة، برقم (2417)، والبزار في مسنده، برقم (1435).

([26]) رواه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ومن سورة ألهاكم التكاثر، برقم (3358)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (2022).

([27]) رواه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ومن سورة ألهاكم التكاثر، برقم (3356).

([28]) رواه الترمذي، أبواب تفسير القرآن عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ومن سورة ألهاكم التكاثر، برقم (3357)، وأحمد في المسند، برقم (1405)، وقال محققوه: "إسناده حسن".

([29]) رواه أحمد في المسند، برقم (14637)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط مسلم"، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان، برقم (3402).

([30]) رواه الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في العرض، برقم (2427)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم (6413).

([31]) رواه الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما جاء في العرض، برقم (2428)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (7997).

([32]) عدة الصابرين (ص: 188-190).

([33]) رواه مسلم في أوائل كتاب الزهد والرقائق، برقم (2958).

([34]) رواه مسلم، كتاب الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك، وبتحققه تحققا تاما، واستحباب الاجتماع على الطعام، برقم (2038).

([35]) رواه أبو داود، كتاب الزكاة، باب في الرخصة في ذلك، برقم (1678)، والحاكم في المستدرك، برقم (1510)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، وقال الألباني: "إسناده حسن، وهو على شرط مسلم"، صحيح أبي داود، برقم (1473).

([36]) عدة الصابرين (ص: 188-194).

([37]) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 84).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about