(22- أ) حرف الكاف من قوله كلالة إلى قوله كان
عدد الزوار : 748
تاريخ الإضافة : 18 ربيع الآخر 1436
MP3 : 33954 kb
PDF : 397 kb

تفسير التسهيل لابن جُزي

معاني اللغات (الغريب)

(22- أ) حرف الكاف من قوله: كَلالة إلى قوله: كان

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، أما بعد:

فاللهم اغفر لنا، ولشيخنا، وللحاضرين، والمستمعين.

قال المصنف -رحمه الله تعالى-: كَلالة: هي: أن يموت الرجل، ولا ولد له، ولا والد.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فالكَلالة: يقول: أن يموت الرجل، ولا ولد له، ولا والد، أصل هذه المادة عند ابن فارس -الكاف واللام- يرجع إلى ثلاثة معانٍ:

الأول: يدل على خلاف الحِدّة، كلّ السيف كُلولاً، وكَلالة، الكلالة تقال لخلاف الحِدة، وهكذا: الكليل، يقال للسيف إذا كلّ حده، وهكذا يقال أيضاً: الكليل للسان، وكذلك أيضاً للطرف، ومن هذا: الكَلّ وهم العيال، وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ النحل: 76، الكَلّ: من يعتمد على غيره في معيشته، فيقال لليتيم: كل.

والمعنى الثاني: يدل على احتفاف شيء بشيء، وإحاطته به، ومن ذلك يقال: الإكليل، وهو الذي يوضع على رأس المرأة العروس تتزين به، يُحيط برأسها، الإكليل، والإكليل أيضاً يقال للسحاب الذي يدور بالمكان، يقال له: إكليل، ومنه: الكلالة، والكلالة في باب المواريث هم: من يحيط بالميت من الورثة غير الأصول، والفروع؛ ولهذا قالوا: إن الكلالة، هو: من لا أصل له، ولا فرع، أي: ميت، وتقال أيضاً الكلالة: للورثة هؤلاء الذين يحيطون به، يعني: تارة تقال: للميت الذي لا أصل له، ولا فرع من الوارثين، وتارة تقال: لهؤلاء الوارثين ممن يحيطون به غير الأصول والفروع.

وكذلك: الكَلكل، هو: الصدر، هذا المعنى الثالث عند ابن فارس -رحمه الله تعالى-: أنه عضو من الأعضاء، الكَلكل: الصدر، لاحظ: كلمة: كُلّ، التي تفيد الاستغراق، وتدل على: العموم، هذه لها تعلق بأي معنى من هذه المعاني الثلاثة التي ذكرها ابن فارس؟ ترجع إلى معنى: الإحاطة؛ لأن العموم فيه إحاطة واستغراق، فكُلٌّ تدل على ذلك.

ولو تأملت في المعنى الثاني الذي ذكره، والمعنى الثالث وهو العضو -مع أنه لم يرد في القرآن المعنى الثالث- فإنه يمكن أن يلتئم منهما معنى واحد، وهو: الإحاطة بالشيء، يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ النساء: 176، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ النساء: 12، فهذا ما ذُكر من تَكَلَّلَه النسب، أي: أحاط به، أو تكلَّلَه الورثة، أي: أحاطوا به، فذلك من لا أصل له ولا فرع.

قال -رحمه الله تعالى-: كاد: قارب الأمر ولم يفعله، فإذا نُفي اقتضى الإثبات

 

كاد: قارب الأمر ولم يفعله، فإذا نُفي اقتضى الإثبات

 

.

كاد هذه كما قال ابن جُزي -رحمه الله-، وهو ليس محل اتفاق، لكن هذا هو المشهور، وقد يُشكل عليه بعض المواضع، كما سيأتي.

ابن فارس -رحمه الله- يقول: إن هذه كلمة كأنها تدل على: التماس شيء ببعض العناء، يعني: بصعوبة، كاد يَكُود كَوْداً ومَكاداً؛ لذلك في عبارات العامة عندنا إلى اليوم في بعض البيئات -لعله منه- يقولون: كُودة يعني: أن ذلك مما يُرجُّون فعله، أو وقوعه، لكن به بعض الصعوبة، فيه بعض العناء، ويقولون: كاد يَكُود كَوْداً ومَكادا، ويقولون: لمن يطلب منك الشيء فلا تريد إعطاءه: لا، ولا مَكادة، هذا كلام ابن فارس.

ويقول أيضا: أما قولهم في المقاربة: كاد، فمعناها: قارب، يعني: مثل ما ذكر ابن جُزي، يقول: وإذا وقعت كاد مجردة فمعناها لم يقع ذلك الشيء، تقول: كاد يفعل، يعني: معناها: أنه لم يفعل، كاد يصل، كاد يقع، معناها: أنه لم يصل، ولم يقع، لكنه قارب، وإذا قُرنت بجحْد فمعناها قد وقع: لم يكد يصل، يعني: هو وصل، لكن بصعوبة، لم يكد يبرأ، حصل له البُرء، لكن بصعوبة، وهكذا، فإذا قلت: ما كاد يفعله، فقد فعله، ولكن بشيء من المشقة، والصعوبة.

يقول الله -عز وجل-: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا الإسراء: 74، إذن هو: لم يركن إليهم، ولكنه قارب، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ مريم: 90، تكاد، هي: لم تتفطر، لكنها قاربت ذلك، لاحظ: هذا في الإثبات: تكاد، وهكذا في قوله: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ الملك: 8، هي: لم تتميز، لكن تكاد: تُقارب، يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ إبراهيم: 17، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا الكهف: 93، لاحظ: لا يَكَادُونَ، فإذا نُفيت فمعناها: الإثبات، وفي قوله -تبارك وتعالى-: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ البقرة: 71، هم ذبحوها لكن وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، قد فعلوا، لكن بمعاناة، كما قرأتم في الآيات، بعد سؤالات، وتعنت، وترديد.

وأما قوله -تبارك وتعالى- في وصف الظلمات التي يكون فيها أهل الكفر، يقول: إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا النور: 40، هذه منفية: لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا، معناه: أنه يراها بصعوبة، يراها لكن بصعوبة، فهل هذا هو المقصود هنا في هذه الآية؟ يعني: هل المقصود: أنه يراها بصعوبة، أو المقصود عدم الرؤية في هذه الظلمات التي بعضها فوق بعض، التي قال الله تعالى فيها: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا النور: 40، فبعض المفسرين يقولون هنا: المقصود: أنه لا يراها أصلاً؛ لشدة هذه الظلمات، طيب هذه جاءت منفية: لَمْ يَكَدْ؛ ولهذا بعضهم يعترض على هذا المعنى: أن يكون بهذا الإطلاق، وتجدون هذا في كتب التفسير والجواب عنه، وقد ذكرت شيئاً من هذا في الكلام على الأمثال في القرآن، عند الكلام على هذا المثل من سورة النور، فمن أراد التوسع، ومعرفة كلام المفسرين فليرجع إلى ما ذُكر هناك، وبعضهم أثبتها على ظاهرها، قال: قوله: لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا بمعنى: أنه يراها، لكن بصعوبة، لكن يمكن أن يقال: إن السياق يُبين المراد، فالأصل: أنها إذا جاءت منفية أنها تدل على: الإثبات، لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا بمعنى: أنه يراها، لكن بصعوبة، لكن السياق قد يدل على انتفاء ذلك.

قال -رحمه الله تعالى-: كريم: من الكرم، وهو: الحسب، والجلالة، والفضل، وكريم: اسم الله -تعالى-، أي: مُحسن.

هذه المادة عند ابن فارس ترجع إلى معنيين:

المعنى الأول: وهو: الشرف في الشيء، شرف الشيء في نفسه في ذاته، لاحظ: أننا نعبر نقول: أحجار كريمة في ذاتها، حجر كريم، فرس كريم، ونقول: موضع كريم، مقام كريم، فهذا لشرفه في نفسه.

المعنى الثاني: ما يرجع إلى خُلق تخلق به، مثل: الجود، والسخاء، والسماحة، والعفو، ونحو ذلك، فيقال: فلان كريم، الله كريم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كريم، وهكذا.

إذن: المعنى الأول: يدل على: شرفه في نفسه، تقول: هذه معادن كريمة، وأحجار كريمة، ونحو ذلك، والثاني: لسلوك، أو خُلق، أو صفة اتصف بها من الأوصاف المتعدية، مثل: البذل، والعطاء، يقال له: الكرم، فكرمُ الشيء: قد يراد به هذا، وقد يراد به هذا، نقول: كرّمه بمعنى: شرفه، وأحسن معاملته، ويقال: كرّمه على غيره، يعني: فضله في التكريم على غيره، وقدمه، قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ الإسراء: 62يعني: شرفته عليّ، وفضلته عليّ، وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ الإسراء: 70يعني: جعلهم مفضلين على كثير ممن خلق الله -تبارك وتعالى-، وهكذا تقول: أكرمه، يعني: سلك منه مسلك الكرم، والجود، فأحسن معاملته، وأنعم عليه بما يرضيه، فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ الفجر: 15، كَلَّا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ الفجر: 17، وهكذا في قول العزيز لامرأته عن يوسف -عليه الصلاة والسلام-: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ يوسف: 21، هنا يمكن أن يكون: أنزليه منزلاً كريماً، وأحسني معاملته، أَكْرِمِي مَثْوَاهُ، ويقال: كرُم الرجل بمعنى: شرُف، ويمكن أن يكون بمعنى: أنه سلك مسلكاً مرضيًّا من الإحسان، والجود، والبذل، فيكون إما بهذا المعنى، أو ذاك، وكذلك أيضاً: فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ النمل: 40بمعني: متفضل، مُنعم، جواد، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ الحاقة: 40الملك جبريل -عليه الصلاة والسلام-، أي: شريف، وله منزلة عند الله -تبارك وتعالى-، كريم عند الله، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ الواقعة: 77، ونحو ذلك، مثل: الرزق الكريم، أي: الطيب الموفور الذي لا تنغيص فيه، والمقام الكريم أي: المكان الطيب، الذي لا يحصل معه تنغيص، ولا يُمل، ويكون فيه من الأوصاف الكاملة من السعة، وطيب الجوار، إلى غير ذلك مما يُطلب، وهكذا: القول الكريم، أي: الطيب، الذي يسر النفوس، وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا الإسراء: 23، وهما الوالدان، أي: الكلام الطيب، الذي يحصل به الانشراح، والسعادة، والراحة، والطمأنينة، ونحو ذلك، فهذا يقال: للقول، وللفعل، وللأوصاف، والله أعلم، هذا كلام ابن جُزي، قال: كريم: من الكرم، وهو: الحسب، والجلالة، والفضل، والكريم: اسم الله -تعالى-، أي: مُحسن.

قال -رحمه الله تعالى-: أكنّة: أغطية، وأكنان: جمع كِن، وهو: ما وقى من الحر والبرد.

أصل هذه المادة يدل على: ستر، وصون عند ابن فارس -رحمه الله-، كل استعمالاتها ترجع إلى هذا المعنى، فيقال: كننتُ الشيء في كِنّه، يعني: إذا جعلته فيه، وصنته، أكننتُ الشيء، يعني: أخفيته، يقول الله -تبارك وتعالى-: أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ البقرة: 235يعني: أخفيتم، وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ النمل: 74يعني: ما تُخفي.

فالكِنّ يقال لهذا، ويقال عموماً: لما يُصان، أو يُستر فيه الشيء؛ ولذلك يقال للبيت: الكِنّ؛ لأن الإنسان يكتنّ به من المطر، والبرد، والحر، ويكتنّ به أيضًا من كل ما يتأذى به مما يكون خارجه، والله -عز وجل- يقول: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا النحل:81، من الكهوف، والغِيران، ونحو ذلك، التي يكتن بها الناس، يقول الله -عز وجل-: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ الأنعام: 25يعني: ما يغطيها، ويسترها، فلا يصل إليها الحق، وهكذا في قوله -تبارك وتعالى- عن الحور العين: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ الصافات: 49أي: مصون لم تمسه الأيدي، هذا البيض المكنون، بمعنى: أنه يبقى في حال من الصفاء، والنقاء، في شدة بياضه، ومن ذلك: الكِنانة التي توضع فيها السهام، فهي ترجع إلى هذا المعنى: الستر.

قال -رحمه الله تعالى-: كهلٌ: هو الذي انتهى شبابه.

الذي انتهى شبابه، هكذا قال، لكن العبارة فيها إطلاق واسع، فإن الهَرِم انتهى شبابه، ولكنه لا يقال له: كهل، فالمراحل التي يمر بها الإنسان لكل مرحلة اسم، على اختلاف بين أهل العلم من أهل اللغة، وغيرهم في تنزيل هذه الأسماء.

ابن فارس يقول: إن أصل هذه المادة يدل على: قوة في الشيء، أو اجتماع جِبِلَّة، من ذلك: الكاهل يقال لما بين الكتفين، والكاهل سُمي بذلك لقوته، هذه المنطقة التي تكون بين الكتفين تكون قوية، وتحتمل، فصاحبها يحمل عليها المتاع، ونحو ذلك، يضعه على كاهله؛ ولهذا يقولون: أثقل كاهله، ويقال للرجل المُجتمِع أيضاً الذي وَخَطه الشيب يقال له: كهل، المُجتمِع الذي اكتملت قواه، فهذا هو: الكهل، وأما الشباب فيكون غضًّا، وإذا أردت أن تعرف هذا قارن هذا الشاب الغض بغيره، يعني: قارن هذا الشاب الذي بلغ الحلم، ولم يبلغ الثلاثين، فهو: دون الثلاثين، ما بين الخامسة عشرة والثلاثين، تجد أنه غض طري، هذا يُدرَك، ويُعرف، ويُشاهد، حينما تقارنه بغيره من الناس، فهو: غض في بناء جسده، لا يحمل اللحم، ولا يثْقل، وكذلك أيضاً هو: غض في الغالب أيضاً في نفسه، وغض في رأيه، ونظره؛ ولذلك تجد عنده من القابلية ما لا يكون عند كبار السن، ولربما يستهويه ما لا يستهويهم، ويكون فيه من النشاط، والحركة ما لا يكون في غيره، فهذا المُجتمِع الذي وخطه الشيب، يقال له: كهل، يقولون: هو: من جاوز الثلاثين، فيكون كهلاً، بعضهم يقول: إلى الخمسين، هذه مرحلة الكهولة، الذي وَخَطه الشيب، والمقصود: أنه وخطه الشيب في أوانه، فمن الناس من يُبكر الشيب إليه، فيقع له دون العشرين، ومن الناس من يتأخر عنه، فيبلغ الستين ولم يظهر فيه الشيب، ليست العبرة في هذا، ولا ذاك، وإنما المقصود ما يكون في حينه، وبعضهم يقول: إن الكهل هو: من جاوز الشباب، ولم يصل إلى الشيخوخة، يعني: ما بين الثلاثين والستين، يقال له: كهل، الذين تقيدوا بالثلاثين في الكهولة هم كأنهم ينظرون إلى قوله -تبارك وتعالى- عن عيسى -صلى الله عليه وسلم-: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا آل عمران: 46، والمشهور: أن عيسى -صلى الله عليه وسلم- رُفع وهو في الثلاثين أو نحوها، يعني: بعضهم يقول: إنه قد بلغ الثلاثين، وبعضهم يقول: الثالثة والثلاثين، فهذا السن قيل عنه: كهولة، قيل لصاحبه: كهل، قالوا: إذن: من بلغ الثلاثين فما بعدها تكون مرحلة الكهولة، ومرحلة الكهولة ليست مرحلة ضعف، خلافاً لما يقوله العامة اليوم، يقولون: فلان كهل، يعني: كبير في السن، يطلقونه على من بلغ مرحلة الشيخوخة، فيقولون ذلك: للجدات والأجداد، يقولون: فلانة كهلة، وفلان كهل، ولكن هذا يقال: لاجتماع القوة، وإنما تجتمع قوة الإنسان في هذا السن، كما ذكرنا في الكلام على الأشُد: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً الأحقاف: 15، فهذا الكمال والنضج يحصل له في هذا السن، كما سبق عن ابن جرير، وجماعة، كما ذكرنا سابقاً في بلوغ الأشُد في الآية، جعلوا ذلك بنحو الثلاثين، وأن ذلك يكتمل، فتكتمل قوى الإنسان البدنية، والعقلية، يكون منتهى الكمال إلى الأربعين، كما سبق، ثم يستمر بعد ذلك مدة قد تصل إلى الخمسين، أو نحو هذا في القوة البدنية، ثم بعد ذلك يبدأ الضعف في البدن مع اكتمال العقل، فالعقل يزيد كمالاً، ونضجاً، والبدن يصير إلى حال من الضعف.

قال -رحمه الله تعالى-: أكمام الثمر والنخل: جمع كِم، وهو: ما تكون الثمرة فيه قبل خروجها.

في الطبعة الأخرى يقول: الأكمام: ثمار النخيل، لكن ما في هذه الطبعة أدق، يقول: الثمر والنخل، جمع كِم، وهو: ما تكون الثمرة فيه قبل خروجها، حتى هذه العبارة ليست كما ينبغي، الأكمام ليست هي: الثمار، لكن يمكن إذا جُعل الكلام متصلاً، ويقال: أكمام الثمر والنخيل: جمع كِم، وهو: ما تكون الثمرة فيه قبل خروجها، ويكون النخيل من باب: عطف الخاص على العام؛ لأن ما ينتج عن النخل إنما هو ثمر، إلا على قول من عمم الأكمام، فجعل ذلك في كل ما يستر غيره، كالليف، ونحو ذلك، والمشهور: أن ذلك يقال: لما يُغلف الثمر، وهكذا يقول ابن فارس -رحمه الله-: إن أصل هذه المادة تدل على: غشاء، وغطاء، فالكِم هو: وعاء الطلع؛ ولذلك يقال أيضاً: الأكمام في الثياب، كذلك؛ لأنها يحصل بها التغطية، والستر.

يقول الله -عز وجل-: وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا فصلت: 47جمع كِم، فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ الرحمن: 11، فيخرج من النخل هذه الأكمام، وهي: وعاء الطلع الذي يكون في أوله يضرب إلى البياض، ثم بعد ذلك ينشق هذا الكِم، ثم يُؤبَّر هذا الطلع، ثم بعد ذلك يكون الثمر، فهذا معروف، أولًا تبدأ تظهر هذه الأكمام، فهذا يكون في ثمر النخيل، ويكون في غيره مما يكون كذلك، مما يكون له غلاف، ثم بعد ذلك ينشق عنه، هذا معروف.

قال -رحمه الله تعالى-: أكبّ الرجل على وجهه، فهو: مُكِب، وكبه غيره بغير ألف.

هذه المادة عند ابن فارس تدل على: جمع وتجمع، الانكباب، فيقال لما تجمع من الرمل: كُبَاب، بضم الكاف، ولعل ما يقوله الناس اليوم للون من صُنع اللحم، ويعبرون عنه بالفتح، يقولون: كَبَاب، لعله وأظنه من هذا، لكنه بالضم: كُباب؛ لاجتماعه، فهم: يجمعونه بهيئة معينة، وكذلك منه: كببت الشيء لوجهه، وأكب فلان على كذا، أكب على هذا الأمر، أكب على الكتاب، ونحو ذلك، كأنه قد اجتمع عليه؛ لشدة إقباله، وهكذا أيضاً: الكبكبة، فتكرار الحروف كما ذكرت في بعض المناسبات تدل على: تكرر في المعنى، كالزلزلة، والصلصلة، ويتجلجل، تدل على: تكرر في المعنى، فهنا: الكبكبة تدل على: تدهور الشيء، إذا أُلقي في هوة حتى يستقر، يقال: كبكبة، فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ الشعراء: 94، وكأنه تردد في الكب، وهكذا يقال: الكُبَّة: المُجتمع من الغزل، ولعله سُمي بها نوع من الطعام الآن يشبهها، قيل له: كُبة، أليس كذلك؟ ما اجتمع من الغزل يقال له هذا، وكب الشيء، بمعنى: أسقطه، أو ألقاه على وجهه، وهكذا يقال: أكب فلان على وجهه، بمعنى: سقط على وجهه، ويقال: فلان مُكب على درسه.

يقول الله -تبارك وتعالى-: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ الملك: 22كأنه قد تساقط على وجهه، هذا المتعثر في مشيته، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ النمل: 90يعني: يلقون على وجوههم.

قال -رحمه الله تعالى-: كهف: غار.

الكهف: الغار، هذه المادة كذا قال ابن فارس بأنها غار في جبل، وبعض أهل العلم يفرقون بين الكهف والغار، كلاهما نقب في جبل، إلا أن الكهف أوسع من الغار، فالغار يقال: للنقب الصغير، والكهف يقال: للكبير، هذا هو الفرق بين الكهف والغار، أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ الكهف: 9نقب في جبل، وعلى قول من فرق: فيه سعة، أوسع من الغار، إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ الكهف: 10، وكذا: فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ الكهف: 11، وهكذا: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ الكهف: 16.

قال -رحمه الله تعالى-: كيد: هو من المخلوق احتيال، ومن الله مشيئة أمر ينزل بالعبد من حيث لا يشعر.

لاحظ: هذا الآن تأويل لهذه الصفة، وسبب هذا التأويل الذي تجده عند المتكلمين في مثل هذا الموضع، وفي غيره مما هو أوضح منه، السبب: أنهم توهموا المعنى الذي يليق بالمخلوق، فسبق إلى أذهانهم هذا المعنى السيئ، فهم: وقعوا في التشبيه، ثم بعد ذلك رجعوا بالتعطيل، فعطلوا الصفة، ففسر هذا الكيد: بأنه مشيئة أمر ينزل بالعبد من حيث لا يشعر، ويمكن أن يُحتج عليهم، فيقال: إن العبد أيضاً تكون له مشيئة، فشبهتم الله بخلقه، فلابد أن يقول هؤلاء: إن مشيئته تليق بجلاله، فنقول: كذلك: سمعه، وبصره، وغضبه، ورضاه، ورحمته، وكيده، كل ذلك يليق بجلاله، وعظمته، فقولوا بهذا الذي نفيتم كقولكم في ذاك الذي أثبتم، فالمخلوق له مشيئة، فأثبتم المشيئة، فإذا قلتم: مشيئة تليق بالله -عز وجل-، فقولوا أيضاً: كذلك هذا الوصف يليق بجلال الله، وعظمته، فنحن لا نقيس الله -عز وجل- على خلقه، كما أن ذات الخالق تليق بجلاله، وعظمته، فكذلك أيضاً: صفات الخالق تليق بجلاله، وعظمته، فله ذات لا تشبه ذوات المخلوقين، كذلك له صفات لا تشبه أو لا تماثل صفات المخلوقين، هكذا ينبغي أن يقال.

إذن: ما معنى الكيد؟ ابن فارس يقول: إن هذه المادة تدل على: معالجة لشيء بشدة، يعني: في أصلها تدل على: معالجة لشيء، ما معنى المعالجة؟ يعني: أن الإنسان يعمل أعمالاً، ويزاول مزاولات، حتى يصل إلى مراده، كما قال الله -تبارك وتعالى- عن عاقر الناقة: فَتَعَاطَى فَعَقَرَ القمر: 29، هذا التعاطي ما هو؟ هو: معالجة، ذهب، واستعد، وحمل ما يعقرها به، وحد سلاحه، وجلس يرصدها في مكان، حتى وثب عليها، فعقرها، فَتَعَاطَى فَعَقَرَ القمر: 29، يقول ابن فارس: إن كل الاستعمالات ترجع إلى هذا، قال: ثم يسمون المكر كيداً، باعتبار: أن هذا الكيد لا يحصل لأول وهلة، لقيه فضربه، فيقال: هذا كيد، لا، وإنما يقال: لنوع من الأعمال التي يعدها للإيقاع به، حتى يصل إلى مراده، كالاستدراج يكون كيداً، يعطيه، ثم يعطيه، ويُملي له، ثم يأخذه، فهذا يقال له: كيد، ويقولون للحرب كذلك: إنها كيد، يقال: خرجوا ولم يلقوا كيداً، يعني حرباً، لما في الحرب من المعالجة، وما إلى ذلك؛ ولهذا يقال: كاده: إذا احتال في إلحاق الضرر به، وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ الأنبياء: 57، لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا يوسف: 5.

وهذه المكايد قد تكون صالحة محمودة، فالذي فعله إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- بأصنامهم هو شيء محمود، ولا شك أنه فعله بوحي من الله -عز وجل-، فهو قال: إني سقيم، حتى خرجوا إلى عيدهم، ثم بعد ذلك فعل بأصنامهم ما فعل، وعلق الفأس على كبيرها، وقال: فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا الأنبياء: 63.

وقد تكون مذمومة، فالكيد الذي فعله إخوة يوسف من الكيد المذموم، فهم جاءوا إلى أبيهم بعد أن اتفقوا على أمر يفعلونه بيوسف -عليه الصلاة والسلام-، وهو: إلقاؤه في البئر، فجاءوا إلى أبيهم، وقالوا: مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ يوسف: 11 - 12، فهذا كله من الكيد، ثم بعد ذلك: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ يوسف: 16، وذكروا له هذه الحكاية المختلقة، إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ يوسف: 17، وجاءوا بالقميص عليه الدم المكذوب، فهذا كله من الكيد، احتالوا في إخراجه، ثم ألقوه في البئر، ثم بعد ذلك جاءوا بهذه الأعذار الكاذبة، فهم ما أخذوه وقتلوه مثلاً لأول وهلة هكذا أمام أبيهم، وإنما احتالوا بهذه الحيلة، فهذا يقال له: كيد.

فهذا الكيد يقال: للاحتيال في إلحاق الضرر، وكذلك يقال: للوسيلة التي يتذرع بها الكائد للوصول إلى غرضه، فرعون يقول: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ طه: 64يعني: الأشياء التي تحتالون بها، فجاءوا بالعصي، والحبال، ونحو ذلك، وهكذا: فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ طه: 60جاء بهؤلاء السحرة، وما معهم، فهذا يقال له: كيد، الشيء الذي يتوصل به إلى مطلوبه يقال له: كيد، فالحبال، والعصي، إلى آخره يقال لها: كيد، وكذلك أيضاً: الحيلة، نفس الحيلة، يقال لها: كيد، لما جاء المشركون ورأوا الخندق، قالوا: هذه مكيدة لم تعرفها العرب، قالوا: هذه مكيدة، هم يتحدثون عن الخندق، فالشيء الذي يتوصل به إلى مطلوبه يقال له: كيد، ويقال ذلك أيضاً: لنفس الحيلة، أو لنفس الاحتيال، يقال له: كيد.

فهنا الكيد إذن: يقال: للعمل، وللمعمول، أو الوسيلة التي يتوصل بها إلى المطلوب للإيقاع بالغير، إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ طه: 69، ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ الأنفال: 18، وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ غافر: 25، وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ غافر: 37، فلاحظ: كيد هؤلاء المردة من أعداء الله -عز وجل- من الكافرين، ولو بلغوا ما بلغوا، كفرعون، فهو: في ضلال، والضلال هو: الذهاب، ذهاب الشيء، وتلاشيه، واضمحلاله، يقال له: ضلال في اللغة، وكذلك أيضاً: تباب، فمهما بلغ كيد هؤلاء، وبذلوا فيه من الأموال، فإن ذلك يضمحل، قال الله -تبارك وتعالى-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ الأنفال: 36، هذه هي النتيجة لنفقات الكفار، والبذل، والجهود، والأعمال التي يعملونها للصد عن سبيل الله -عز وجل-، وإطفاء نور الله، الحكم عليها قد سبق، فِي تَبَابٍ غافر: 37، فِي ضَلالٍ غافر: 25، إنما يجمعون أوزاراً، وحطباً، يُحرقهم في الدنيا والآخرة، هذه حقيقة الحال لمن بصره الله -تبارك وتعالى- بوحيه، وهُداه الذي أنزله على رسوله -عليه الصلاة والسلام.

إذن: قد يكون هذا الكيد محموداً، كما قال الله -عز وجل-: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ يوسف: 76، أي: من أجل أن يأخذ أخاه، ففعل ما فعل، كما في قوله: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ يوسف: 70، فلما تنصلوا من هذا، وتبرءوا منه، وسألهم عن عقوبته، وأقروا بأن ذلك إنما يكون بحسب ما في شريعة يعقوب -صلى الله عليه وسلم- جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ يوسف: 75يعني: لا يؤخذ أحد سواه، فالجاني يُسترق عند من سُرق منه المتاع، وهذا لم يكن معمولاً به في أرض مصر في ذلك الحين، لم يكن ذلك هو القانون المعمول به في البلاد المصرية، فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ يوسف: 76من أجل أن لا ينتابهم شك، فلو بدأ بوعاء أخيه، واستخرجها، وقال: هاهي لقيل: هذا قصد ذلك، ورتبه، ولكنه بدأ كما قال الله -تبارك وتعالى-: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ يوسف: 76، فعندها قالوا: فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ يوسف: 78، فأبى، وقال: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَيوسف: 79، كيف نأخذ غير الجاني؟ وهم الذين أقروا بهذه العقوبة ابتداء، فسوغ له ذلك أخذه، فأخذه، ولم يستطيعوا إنكار ذلك، ولا الخلاص من مثل هذا الحكم الذي أقروا به ابتداء، فهذا كيد.

فالكيد تارة يكون كمالاً، وتارة يكون نقصًا، فإذا كان الكيد بمن يستحق، فهو: محمود، فإملاء الله -عز وجل- للظالمين، فيزدادون إثماً، وإجراماً، ثم بعد ذلك يكون ذلك زيادة في عقوبتهم، هذا من الكيد، الذي حصل للمشركين في يوم بدر، فخرجوا في حال من الغضب، والحمية الجاهلية، لم تكن القضية في أولها يراد بها الحرب، فالمسلمون خرجوا للعير، ما خرجوا للقتال؛ ولذلك لما كانوا أمام المشركين وقع منهم ما وقع من الاختلاف: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ الأنفال: 7، ثم ما وقع مع ذلك: إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا الأنفال: 43، وكذلك أيضاً: كل فئة كيف كانت ترى الأخرى؟ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ الأنفال: 44، من أجل أن يُغريهم بكم، يقولون: هؤلاء قلة، حفنة، نستطيع أن نستأصلهم، كل هذا من أجل أن يقع هذا الأمر الذي أراده الله -تبارك وتعالى-، فكانت حتوفهم في تلك الوقعة، فقُتل سبعون من رءوسهم، وكبرائهم، وقادتهم، وأُسر سبعون، منهم: سُهيل بن عمرو العامري، وأما القتلى، ففيهم رأسهم: أبو جهل ومن معه، عُتبة بن ربيعة، شيبة بن ربيعة، الوليد بن عتبة، وأمثال هؤلاء الكبار من رءوس المشركين، فهذا من كيد الله -عز وجل- لأوليائه، ومن كيده بأعدائه، فحصل هذا الإغراء، إغراء المؤمنين بالقافلة، بالعير، إغراء الكافرين بالمؤمنين من أجل أن يستعيدوا هيبتهم، ومكانتهم بين العرب، فلا يجرؤ عليهم أحد، فصاروا في حال يجرؤ عليهم الثعالب، انكسرت نفوسهم، وحصلت لهم هذه الهزيمة المنكرة، حتى إن صفوان بن أمية في الحِجر لما جاء من يذيع الخبر في مكة بهذه الهزيمة النكراء، فما سألوه عن أحد إلا قال قُتل من كبارهم، فما صدقوا هذا، فقال صفوان بن أمية: سلوه عني، يعني: هذا كلام غير معقول، سيقول لكم: صفوان قُتل، سلوه عني، فقالوا: أين صفوان؟ قال: ها هو في الحِجر، ولما جاء زيد بن حارثة إلى المدينة بالبشرى والخبر لم يصدقه الناس، وقال اليهود وبعض من في قلبه مرض، قالوا: إنه رأى هولاً وذعراً، ففقد صوابه، فصار يتكلم بهذه الطريقة، يعني: أن أصحابه قد استؤصلوا، فجاء يهذي بهذا الكلام، يقول أسامة بن زيد: حتى دخل أبي الدار، فقلت: أحقًّا يا أبي؟ قال: إي والله، يعني: هل هذا معقول؟ فهذا من أعظم الكيد.

فالكيد تارة يكون محموداً، وتارة يكون مذموماً، فإذا كان فيمن يستحق، أو لمن يستحق، فهذا هو المحمود، حينما يكون أحد المفسدين المجرمين، ثم بعد ذلك يأتي أهل الحسبة، ويحتالون من أجل الإيقاع به، فهذا الكيد يكون محموداً، مثل: ساحر، فاجر، مجرم، يغرر بالناس، فوضعوا له مكيدة، حيلة، حتى أوقعوا به، فهذا يُحمد، لتخليص الناس من شره.

وأما إذا كان الكيد بمن لا يستحق، إنسان يكيد للناس المكايد، من قرابته، وأهله، وجيرانه، وعموم الناس، يريد بهم سوءًا، يوصل إليهم الشر، فهذا شيطان، وهذا فعل الشياطين، فهذا لا يكون محموداً.

فالكيد تارة يكون محموداً، وتارة يكون مذموماً، فلِله -عز وجل- من ذلك ما يُحمد، كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ يوسف: 76، إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا الطارق: 15 - 16، وما يذكره أكثر أهل العلم من أن الكيد لا يكون إلا مع مقابله في الذكر ليس بصحيح، فالكيد يأتي في القرآن مع ما يقابله، يعني: ما يقابله من كيد الكفار، إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا الطارق: 15 - 16، وقد يأتي من غير ذلك، كما في قوله: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ يوسف: 76، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ الأعراف: 183، فلم يذكر كيدهم، وإنما ذكر كيده -تبارك وتعالى-، فلا يلزم من ذلك أن يكون في مقابل كيدهم، وبعض أهل السنة الذين لا يتفطنون لبعض العبارات التي يذكرها المتكلمون في كتب التفسير وغيره، يقولون: هذا من باب المشاكلة، يعني: إذا ذُكر مع كيد أولئك، ويغفلون عن هذه المواضع التي ذكر الله فيها كيده منفرداً، يعني: من غير مقابلة كيد الكفار، كقوله في المقابلة: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا الطارق: 15 - 16، فهنا سماه: كيداً، من باب المشاكلة اللفظية، مثل:

قالوا اقترحْ شيئاً نُجِدْ لك طبخَه *** قلتُ اطبخوا لي جُبّةً وقميصا

الجُبة والقميص ما تُطبخ، قالوا: هذه مُشاكلة لفظية؛ لأنهم استعملوا لفظ الطبخ، فعبر بها عن مراده، وهو أنه بحاجة إلى كساء، قلت: اطبخوا لي جُبة وقميصا.

فقوله: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا الطارق: 15 - 16، يقولون: إن هذا من باب المشاكلة اللفظية، والمشاكلة: نوع من المجاز عند جمع من أهل البلاغة، لكن هذا غير صحيح، هذا ليس من باب المشاكلة اللفظية، وإنما هي: صفة حقيقية تليق بجلال الله، وعظمته، وهكذا أيضاً: المكر، فإن ذلك يكون في مقابل مكرهم، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ الأنفال: 30، ولا يقال: إنه مشاكلة لفظية، وقد يرد أيضاً مع عدم وجود مقابله في اللفظ، كقوله -تبارك وتعالى-: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ الأعراف: 99، فهذا لم يذكر مكرهم، ويقال فيه كما قيل في الكيد، والله أعلم.

قال -رحمه الله تعالى-: كِسَفًا -بفتح السين-: جمع كِسَفة، وهي: القطعة من الشيء، وبالسكون كذلك، أو مُفرد.

ابن فارس يُرجع هذا إلى أصل واحد، يدل على: تغير في حال الشيء إلى ما لا يُحَب، وذكر معنى أيضاً بعده، وهو: قطع شيء من شيء، يقول: الكاف والسين والفاء أصل يدل على: تغير في حال الشيء إلى ما لا يُحَب، وعلى: قطع شيء من شيء.

هذا التغير: تغير في حال الشيء إلى ما لا يُحَب، من ذلك: كسوف القمر، ويقال: كسوف الشمس، ويقال: كسوف القمر، وخسوف القمر، وكسوف الشمس، فهذا الكسوف هو: تغير حيث يزول ضوء القمر، وهكذا يقال: رجل كاسف الوجه، يعني: يظهر عليه مسحة حزن، كاسف الوجه، يقال: فلان كاسف البال، إذا كان يعيش في حزن، وضيق، أو نحو ذلك، سيئ الحال، ولعل منه ما يقوله الناس في بعض البيئات اليوم، يقال: فلان مكسوف، يعني: في حال من الخجل، والحياء، إذا وقع له ما يوجب ذلك، يقال: كسفه، وانكسف، فهذا الذي يعبرون به له أصل صحيح، وهو: أنه تغيرت حاله لما وقع له، يعني: وقع له ما يوجب تغير الحال، فحصل له الانكسار، والحياء، أو الخجل، والتغير، انكسف، فهذا المعنى الذي يرجع إلى التغير.

فيما يتعلق بالقطعة من الشيء، أو قطع الشيء من الشيء، فالكِسْفة تقال: للطائفة من الثوب، كِسفة، وتقال أيضاً: للقطعة من الغيم، يقال لها: كِسفة.

لاحظ: كلام ابن جُزي يقول: كِسَفاً -بفتح السين- جمع كِسَفة، وهي: القطعة من الشيء، وبالسكون كذلك، يعني: أنه يكون محركاً وساكناً بالنسبة للسين، يقول: أو مفرد، بمعنى: أن الكِسْفة هي: المفرد، تجمع على كِسَف، أو كِسْف يعني: أن الكِسَف جمع، والكِسْفة واحدة، والكِسْف جمع أيضاً، كِسْف وكِسَف، وقد يُطلق الكِسْف عند بعضهم هكذا، قالوا: الكِسْف والكِسَف على الواحد والجمع.

فهنا يقول: بفتح السين: جمع كِسَفة، وهي: القطعة من الشيء، وبالسكون كذلك، يقال: كِسْف وكِسْفة وكِسَفة: القطعة من الشيء، ويحتمل أن تكون الكِسْفة: مفرد، أو الكِسْف مُفرد، والكِسَف من قبيل الجمع.

يقول الله -عز وجل- عن المشركين: أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا الإسراء: 92يعني: قطعاً، فهذا من معنى: القِطع، ليس من معنى: التغير، فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ الشعراء: 187قطعاً، وقوله -تبارك وتعالى-: وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ الطور: 44، ما المراد بذلك؟ هم يقولون هذا على سبيل المكابرة، يعني: لو حصل، لو رأوا القطع تنزل من السماء عليهم كما طلبوا، وكما اقترحوا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا الإسراء: 92، هم اقترحوا هذا، وطلبوه، فيقول: لو رأوا ذلك، وشاهدوه، وحصل؛ لقالوا: سحاب مركوم، أي: أنه سحاب بهذه الهيئة، أن بعضه فوق بعض؛ لشدة مكابرتهم.

قال -رحمه الله تعالى-: كُبِتوا: أي: أُهلكوا، وقوله: أَوْ يَكْبِتَهُمْ آل عمران: 127أي: يُهلكهم، أو يُخزيهم.

هذه المادة -الكبت- أرجعها ابن فارس إلى معنى: الإذلال، والصرف عن الشيء، هذا المعنى الذي أشار إليه ابن جُزي -رحمه الله- في قوله: أو يخزيهم، فقال: كُبتوا قال: أُهلكوا، أَوْ يَكْبِتَهُمْ آل عمران:127أي: يهلكهم، أو يُخزيهم، يقال: كبته: إذا أغاظه، أو أذله، أو جعله بهذه المثابة، يعني: جعله مغيظاً ذليلاً، هذا الكبت، إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ المجادلة: 5أي: أُذلوا، وأُهينوا، أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ آل عمران: 127، لاحظ: ليس معناه: أن يهلكهم فينقلبوا خائبين؛ لأنه إذا كبتهم لم ينقلبوا، يعني: هؤلاء لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ آل عمران: 128يعني: أن ذلك إلى الله -تبارك وتعالى-، فيعذب هؤلاء، أو يفعل بهم ما شاء، أو يتوب عليهم، أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ آل عمران: 127، فلا يحصل لهم مطلوب، فذلك يكون بالهزيمة، أو يكون بردهم، ودحرهم بأمر آخر، كما وقع يوم الأحزاب بالريح، فرجعوا لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ الأحزاب: 25، وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا الأحزاب: 25يعني: لم يحصل لهم التشفي بنصر، أو بقتل، أو أسر لأهل الإيمان، فرجعوا بحنقهم، وغيظهم، كبتهم الله -عز وجل-، فهذا معنى: الكبت، وهو: الإذلال، والقهر، فلا يستطيع التشفي، وإنما يرجع بغيظه، ولا يحصل مطلوبه، هذا الذي يتشوف إلى أذى الناس، وإيصال الشر لهم، ومحاربة أولياء الله -تبارك وتعالى-، ومحاربة المعروف، والبر، والخير، فإذا كبته الله -عز وجل- بمعنى: أنه رده خائباً بغيظه، وحنقه، لم يحصل له مطلوب، ولم يتحقق له مراد، فهذا يقال: كبته الله، هذا هو: الكبت.

فهذا الكبت قد يكون بإهلاكه، لكنه لا يُفسر به: الكبت، يعني: ليس معنى الكبت هو: الإهلاك، لكن الكبت يكون له صور، الأصل: أنه يكون بمعنى: الإذلال، والقهر، والخزي، ونحو ذلك، فلا يحصل له مطلوب في التشفي، ولا تكون العاقبة له، فيرجع بحنقه، وغيظه؛ فيقال: هذا كُبت، وقد يكون هذا الكبت بإهلاكه بالكلية، فهؤلاء الذين أهلكهم الله في يوم بدر، واستأصلهم: كبتهم، فهذا معنى: الكبت، والله أعلم.

قال -رحمه الله تعالى-: أكْمه: هو: الذي ولد أعمى.

هكذا أطلقه، وقد لا يكون ذلك بهذا الإطلاق، ابن فارس يُرجع معنى هذه الكلمة إلى: العمى الذي يولد عليه الإنسان، أي: ولد أعمى، يقول: وقد يكون من عرض يعرض، وهكذا يذكر عامة أهل اللغة، يقولون: إن الأكمه يقال: للذي يولد أعمى، ويقال: لمن ذهب بصره بعد ذلك لعارض، يعني: أصابه العمى بعد ولادته ولو بحين، في شبابه، أو في شيخوخته، يقال للأعمى: أكمه، قال: وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ آل عمران: 49، يعني: الأعمى، سواء الذي ولد أعمى، أو الذي عرض له العمى، ولا شك أن إبراء الذي ولد أعمى أبلغ في الآية، بخلاف من عرض له ذلك، فقد يعرض له شيء يسير، كالماء الذي يكون على العين، أو نحو هذا، فمثل هذا كما هو معروف يعالج بكثرة، ولربما في اليوم الواحد تُجرى عشرات العمليات، فترجع إلى هؤلاء الناس أبصارهم، لكن الذي ولد أعمى هذا يكون أبلغ في الآية، ولكن لا يلزم أن يكون هذا هو: معنى الأكمه، قال: وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي المائدة: 110، فهذه آية لعيسى -عليه الصلاة والسلام-، إذن: لا يتقيد الأكمه بالذي ولد أعمى.

قال -رحمه الله تعالى-: كان: على نوعين: تامة، بمعنى: حضر، أو حدث، أو وقع، وهي: ترفع الفاعل، وناقصة، وهي: ترفع الاسم، وتنصب الخبر، وتقتضي ثبوت الخبر للمُخبر عنه في زمانها، وقد تأتي بمعنى: الدوام في مثل قوله: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا الفرقان: 70، وقوله: وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا الفرقان: 54، وشبه ذلك، وهو كثير في القرآن، ومعناه: لم يزل ولا يزال موصوفاً بذلك الوصف.

كان: أصل هذه المادة عند ابن فارس يدل على: الإخبار عن حدوث شيء، إما في زمان ماضٍ، أو زمان راهن، يقولون: كان الشيء يكون كوناً: إذا وقع وحضر، وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ البقرة: 280يعني: حضر وجاء، وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ البقرة: 280يعني: بعضهم يقول: هذه تامة، بمعنى: وُجد، ونحو ذلك، أما الماضي فقولنا: كان زيد أميراً، هذا كلام ابن فارس -رحمه الله-.

على كل حال: كان هذه تستعمل في القرآن في عدة معانٍ:

الأول: أن تدخل على المبتدأ والخبر، فتدل على اتصاف المبتدأ بالخبر في زمن معين، ماضيًا كان أو مستقبلاً، وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا مريم: 5، لاحظ: أصل الجملة مبتدأ وخبر، امرأتي عاقرٌ، فلما دخلت عليها كان هذه الناقصة، وهي: من النواسخ، صار المبتدأ اسماً لها ترفعه، والخبر خبراً لها تنصبه، وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا مريم: 5، هذا في أي زمن؟ في الماضي، وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا مريم: 5.

الثاني: أن تفيد بمعونة السياق: اتصاف المبتدأ بالخبر على سبيل الاستمرار، وهذا مهم: أن السياق يُبين المراد، ولا حاجة لاستشكال هذا الموضع، أو التكلف في محامله، حمْله على المحامل البعيدة، أن تفيد بمعونة السياق اتصاف المبتدأ بالخبر على سبيل الاستمرار، هذا يحل لك إشكالات فيما يتعلق بما يضاف إلى الله -تبارك وتعالى-، ويخبر عنه من ذلك، يعني: في الماضي، والحاضر، والمستقبل، دون التقيد بزمن معين، فهذا يدخل فيه أوصاف الله -تبارك وتعالى- وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا الأحزاب: 25، هذا لا يقال: في الزمن الماضي، بل في الماضي، والحاضر، والمستقبل، وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا الأحزاب: 40، في الماضي، والحاضر، والمستقبل.

أيضاً يدخل في هذا: الأوصاف التي تكون من طبيعة الموصوف، الأوصاف الثابتة، إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا الإسراء: 81، كان، ليس في الماضي، وإنما هذه طبيعة الباطل: أنه ذاهب مُضمحل يتلاشى، فلا ينقطع صبرك أمام الباطل، وأهله، فإن من شأنه الذهاب، والاضمحلال، وإنما هي مسألة وقت فقط، تحتاج إلى شيء من الصبر والثبات على المبدأ، فهذا في كل وقت، هذه طبيعته، وكذا: إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا مريم: 44، هذه طبيعة الشيطان، ليس في الزمن الماضي، بل الماضي والحاضر والمستقبل.

 إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، هذه طبيعة الشيطان، ليس في الزمن الماضي، بل الماضي والحاضر والمستقبل.

 

يدخل في ذلك أيضاً -يعني: مما يدل عليه السياق أنه للماضي والحاضر والمستقبل-: الفرائض الثابتة، إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا النساء: 103، في الماضي، وفي الحاضر، وفي المستقبل، لا يقال: هذا في الماضي فقط، ولا يمكن أن يُفهَم هذا، كذلك أيضاً يقال: للوعد، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ الروم: 47أي: أنه شيء ثابت، ويمكن في بعض الأمثلة أن ترجع إلى الأول، أي: ما يتعلق بأوصاف الله -عز وجل-، فهذا السياق يدل على أنه لا يتقيد بزمن كالماضي دون غيره.

ومن استعمالات كان هذه وهو: الثالث: أن تستعمل في أسلوب الجحود، بمعنى: الاستبعاد، أو الاستنكار، أو التنزيه بالنسبة لله -تبارك وتعالى-، وذلك إذا كانت منفية وبعدها لام الجحود، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ البقرة: 143، فهذه للنفي تنزيه لله -تبارك وتعالى-، وكذلك أيضاً: إذا جاءت بعدها أن الناصبة للمضارع، أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ البقرة: 114، فهذا للإنكار، كذلك أيضاً: اسم الفاعل بعدها، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ الأنفال: 33، فهذا أيضاً يرجع إلى معنى: التنزيه، أو الإنكار، إنكار التعذيب.

استعمال رابع: أن تكون بمعنى: صار على قول بعض أهل العلم، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ البقرة: 34، هو: لم يكن كذلك قبل أن يؤمر بالسجود، ما كان من الكافرين، فقالوا: هي بمعنى: صار، لما أبى السجود، لكن هذا ليس محل اتفاق، فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ الرحمن: 37، هي: ليست كذلك في الزمن الماضي، فهي هنا بمعنى: صارت وردة كالدهان، أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا الرعد: 5، ليسوا كذلك في الزمن الماضي، وإنما بمعنى: صار.

استعمال خامس: أن تدل على الوجود أو الثبوت، وهي: كان التامة، التي تكتفي بالفاعل، التي ذكرها ابن جُزي، فهذه لا تحتاج إلى اسم وخبر، كقوله: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ البقرة: 280يعني: وُجد.

السادس: أن تكون زائدة للتوكيد، وكما سبق في الكلام على الزيادة، هل يليق أن يقال: في القرآن شيء زائد أو لا، وبعضهم يقول: التعبير بهذا ما يليق، لكن يقولون: يعبرون بعبارات أخرى من باب التأدب، هم يقصدون: زائدة إعراباً، وليست زائدة في المعنى؛ لأنه لا يوجد شيء في القرآن لا معنى له إطلاقاً، فهذه يُمثلون لها، أو يمكن أن يُمثل بقوله: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا مريم: 29يعني: كيف نكلم من هو في المهد صغير، مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا مريم: 29.

وعلى كل حال: كان بالنسبة للقرآن، كان الناقصة هي: الأكثر في القرآن، ولا تقارن بغيرها، يعني: يبلغ عدد المرات التي وردت فيها كان الناقصة في القرآن: (233 مرة)، هذه كان الناقصة، وما يدل منها على الاستمرار بحسب السياق في نحو: (137 مرة)، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا النساء: 1، في الماضي والحاضر والمستقبل، ثم بعد ذلك تأتي الجحودية المسبوقة بالنفي في: (34 مرة).

لاحظ كلام ابن جُزي يقول: كان: على نوعين: تامة، بمعنى: حضر، أو حدث، أو وقع، يعني: وُجد، أو نحو ذلك، قال: وهي: ترفع الفاعل، أي: تكتفي بذلك، وناقصة، وهي: التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر، يقول: وقد تأتي بمعنى: الدوام، هذه التي فصّلت فيها، وهو كثير في القرآن، ومعناه: لم يزل، إلى آخره، فهذه كان، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله، وصحبه.

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about