الغيرة على الأعراض
عدد الزوار : 19967
تاريخ الإضافة : 28 صفر 1424
MP3 : 84913 kb
PDF : 6946 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

الغَيْرة على الأعراض

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الطلب إلا منك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك، اللهم تَتَابَع برُّك، واتصل خيرُك، وعظُم رِفدُك، وتناهى إحسانُك، وصدق وعدُك، وبرَّ قسمُك، عمَّت فواضلك، وتمَّت نوافلك، ولم تَسبِق حاجةٌ إلا قضيتَها وتكفَّلْتَ بقضائها، فاختم ذلك كله بالرضا والمغفرة، إنَّك أهلُ ذلك والقادر عليه.

أسأل الله -عز وجل- أن يتقبل من الجميع صالح الأعمال، وأن يجعل هذه الكلمات شاهداً لنا لا شاهداً علينا.

إن موضوعنا عن غريزة وخصلة فريدة تولد مع الإنسان، يجعلها الله -عز وجل- فيه لحكمة عظيمة من أجل صيانة ضرورات كبرى تقوم عليها حياة الناس، وإذا اختلَّت هذه الغريزة حصل من الفساد ما لا يُقادَر قدره.

فليس موضوعنا عن قضية تكميلية ثانوية، أو عن قضية تحسينية من التحسينيّات، إنما هو موضوع عن أصل كبير لابد من وجوده وإلا تحطَّمت الأخلاق والقِيَم، وذهبت الأعراض، واختلط الحابل بالنابل، وعمَّ الفساد.

موضوعنا عن الغَيْرة، وبالأخص عن الغَيْرة على الأعراض.

والغيرة تشتدُّ الحاجة عن الحديث عنها في هذه الأيام، وللأسف أن الحاجة لا تزال تشتدّ يوماً بعد يوم؛ وذلك لأن العوادي قد عدت على هذا الأصل الكبير، فتحطم في كثير من النفوس، واختل في كثير منها، ووقع له من الضعف والخلل ما لا يقادر قدره فأثَّر ذلك آثاراً فاسدةً لا تخفى على كل متأمِّل.

وسيكون الموضوع في تسع نقاط:

الأولى: عن حقيقة الغيرة.

الثانية: الفرق بين الغيرة للشيء، والغيرة عليه، والغيرة منه.

الثالثة: بيان منزلة هذه الخصلة.

الرابعة: هل تكون الغيرة في غير محلِّها في بعض الأحيان؟.

الخامسة: أنواع الغيرة.

السادسة: أين هؤلاء من الغيرة؟.

السابعة: أسباب ضعف الغيرة.

الثامنة: كيف نُنمِّي الغيرة في نفوسنا.

التاسعة: آثار الغيرة وثمراتها.

أسأل الله أن ينفع كل من قرأ هذه الرسالة أو اطلع عليها أو ساهم في نشرها، والحمد لله أولاً وآخراً، وعلى الله توكلي واعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

تعريف الغيرة:

الغيرة مشتقة من تغير القلب وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين، هذا في حقِّ الآدمي، فهي كراهة شركة الغير في حقِّه الذي يختص به.

وهي حميّة وأنَفَة جعلها الله –عز وجل- في النفوس الأبيَّة، تغار على ما يجب أن يغار منه، فهي فوران الغضب حمايةً على إكرام الحُرَم، وهي غريزة لا تختص بالرجال، بل تكون للكرام من الرجال والنساء من الصغار والكبار.

فالرجل الذي تحلَّى بهذه الحلية يُقال له: غيور، وغيران، ومِغيار، وأما الحرة من النساء التي لم تُدنس غيرتها فيُقال لها: غَيراء، وغيور.

فالغيور تقول له العرب: المُشفشِف والمُشفشَف، وهو الذي شفَّت الغيرةُ فؤادَه فأضمَرَتْه وهزلَتْه، والشَّفشَف هو الذي كأن به رِعدةً واختلاطاً من شدة الغيرة.

وكما هو ملاحظ فإن هذه الأسماء قوية ولها مدلولات تُعبِّر عنها هذه الحروفُ وهذه الألفاظُ، وأما الذي يُقابل ذلك فهو ما يُستحيَا من ذكره وهو الديوث، وضد الغيرة المماناة، ويُقال لهذا الرجل الديوث: المماذل والمماني والمماذي، ويُقال له: الخُنْذُع والقُنذُع، فانظر إلى هذه الألفاظ كيف هي مستكرهةٌ مستبشعة؟!

الفـروق:

الفرق بين الغيرة للشيء والغيرة عليه والغيرة منه، يمكن الإيجاز في ذلك فأقول:

الغيرة من الشيء: هي أن تكره مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك، كالمرأة التي تغار من ضرائرها، وكالأقران الذين يغار أحدُهم من الآخر.

وأما الغيرة على الشيء: فهي شدة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك، أي: أن يشاركك به غيرك دونك، أو يشاركك في الظفر والفوز به.

وأما الغيرة للشيء: فهي الحمية والغضب له إذا استهين بحقِّه وانتقصت حُرمتُه، فيغضب له ويحمَى وتأخذُه الغيرة له بالمبادرة إلى التغيُّر، فهذه من غيرة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وأتباعهم لله -تبارك وتعالى- ممن أشرك بالله وممن استحلَّ محارمَه؛ فالمؤمن يغار على حدود الله وحرماته إذا انتُهِكت، والدين كلُّه من هذه الغيرة، بل الغيرة هي الدين، وما جاهد مؤمنٌ نفسَه وعدوَّه ولا أمَرَ أحدٌ بمعروف ولا نهى عن منكر إلا بهذه الغيرة، ومتى خلت من القلب خلا من الدين، واضمحلَّ ذلك فيه.

منزلة الغيرة:

الغيرة لا تحتاج إلى بيان شرف ومنزلة، فهي منزلة عظيمة وشريفة وجليلة المقدار، يعرفُ كلُّ العقلاء منزلتها وفضلها ومكانتها، قال الله -عز وجل-: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ 33 سورة الأعراف، فهذا أصلٌ في باب الغيرة، ومن غيرتِه -تبارك وتعالى- لعبده وعليه أن يحْمِيَه مما يضرُّه في آخرته، وقد جاء من حديث محمود بن لبيد –رضي الله عنه- مرفوعاً إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إن الله ليحمي عبدَه المؤمن من الدنيا وهو يحبُّه، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافونه عليه)([1]) رواه أحمد بإسناد صحيح.

وبهذا نعلم أن الغيرة صفة من صفات الله –تبارك وتعالى-، وأن الله تعالى يحبُّها ويدني صاحبها.

متى تكون الغيرة في غير محلِّها؟

إذا كانت الغيرة صفة من الصفات المطلوبة المحبوبة لله رب العالمين، فهل تكون في بعض الحالات من الصفات المذمومة؟

الجواب: نعم، إذا تجاوزت هذه الصفة حدَّها، وتعدَّت قدرها فإنها تتحول إلى صفة من أوصاف الذم، كما لو صار ذلك شيئاً يلازمٌ الإنسان ويرتبط به شيء من سوء الظن بأهل العفاف والطهر والنزاهة، فيَغار ويظن بهؤلاء من الأهل والنساء من قراباته وغيرهن الظنون الفاسدة من غير موجِب.

وقد صحَّ عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من الغيرة ما يُحب الله ومنها ما يبغض الله، فأما التي يحبها الله -عز وجل- فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة)([2]).

فالممدوح أن تكون هذه الغيرة في محلها، وأن تكون مقترنة بالعذر، بمعنى أن الإنسان إن وجد عذراً لهذا الإنسان الذي يغار عليه فإنه يعذُرُه بذلك من غير تفريط ولا تمييع، وقد جاء في الصحيح عن النبي –صلى الله عليه وسلم-أنه قال: (لا أحد أغير من الله فلذلك حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله فلذلك مدح نفسه)([3]).

وفي رواية: (ومن أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد الله الجنة)([4]).

فجمع النبي –صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث بين الغيرة التي أصلها كراهة القبائح وبُغْضُها، وبين محبة العذر الذي يوجب كمال العدل والرحمة والإحسان من غير ظلمٍ لأحدٍ ومن غير تحميل للأمور ما لا تحتمل، وهذا غاية المجد والإحسان ونهاية الكمال؛ وذلك أن الكثير من الناس تحملهم شدة الغيرة على سرعة الإيقاع والعقوبة والأخذ من غير إعذار، فقد يكون له في نفس الأمر عُذرٌ، ولا تدع الغيرة هذا الناظر إليه يقبل عذْرَه.

 

فجمع النبي –صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث بين الغيرة التي أصلها كراهة القبائح وبُغْضُها، وبين محبة العذر الذي يوجب كمال العدل والرحمة والإحسان من غير ظلمٍ لأحدٍ ومن غير تحميل للأمور ما لا تحتمل، وهذا غاية المجد والإحسان ونهاية الكمال؛ وذلك أن الكثير من الناس تحملهم شدة الغيرة على سرعة الإيقاع والعقوبة والأخذ من غير إعذار، فقد يكون له في نفس الأمر عُذرٌ، ولا تدع الغيرة هذا الناظر إليه يقبل عذْرَه.

 

كما أنه في المقابل نجد كثيراً من الناس يبحثون عن المعاذير المستكرهة والمستبعدة، والتي لا تخطر على البال من أجل أن يمرِّروا المنكر، ومن أجل أن يُقرُّوا الخبثَ في أهلهم فيكون بذلك ديُّوثاً.

فالاعتدال في ذلك هو المطلوب، وقد جاء عن بعض السلف وهو سليمان بن داود المنقري -رحمه الله- أنه قال لابنه: لا تُكثر الغيْرة على أهلك ولم ترَ منها سوءاً فتُرْمَى بالشر من أجلك وإن كانت منه بريئةً([5]).

فإذا بالغ الإنسان وبدأ يتلمس ويبحث عن الأشياء من جهة سوء الظن بأهله فإنه يكون بذلك قد أوقعهم بريبة سواء قد قصد ذلك أو لم يقصد، وقد أحسن من قال:

ما أحسـن الغـيْرةَ في حينها *** وأقبحَ الغـيرةَ في غير حـين

من لم يــزل متهماً عِرسه ***   متبعاً فيها لقــول الظنـين

يوشـك أن يُغْرِيَها بالـذي   ***   يَخاف أن تُبْـرِزَها للعيـون

حسْبُـك من تحصينها وضعُها *** منك إلى عرض صحيح ودين

لا يُطعنُ منك على ريبــة ***   فيتبعُ المقرونُ حبـلَ القريـن

يقول: لا تُبالغ في ذلك، فتتَّهِم من غير موجب، فتُلْحِق التُّهمة بأهلك قصدت أو لم تقصد.

أنـواع الغيْـرة:

النوع الأول: تكون الغيْرة من الله.

النوع الثاني: تكون الغيْرة من العبد.

فأما الغيْرة من الله -تبارك وتعالى- فهي أنواع منها:

غيْرة الله -عز وجل- على عبده:

وذلك بأن لا يجعله للخلق عبداً، بل يتَّخِذه لنفسه عبْداً، فلا يجعل فيه شركاء متشاكسين، بل يُفرده لنفسه ويضن به على غيره، فالله -سبحانه وتعالى- لا يرضى من العبد في حال من الأحوال أن يتوجَّه بقلبه أو بعمله إلى ربٍّ ومعبودٍ سواه، فالله يغار من العبد إذا صرف شيئاً من عباداته لغيره -جل جلاله.

كما أن الله يغار على قلب العبد أن يكون معطَّلاً من حبِّه وخوفه ورجائه، وأن يكون فيه غيره، فالله -سبحانه وتعالى- خلقه لنفسه واختاره من بين خلقه.

كما أن الله -سبحانه وتعالى- يغار على لسان العبد أن يتعطَّل من ذكره، وأن يشتغل بذكر غيره، ويغار أيضاً على جوارح العبد أن تتعطَّل من طاعة ربِّها ومعبودِها وسيِّدِها وإلهها -جلَّ جلاله- فتشتغل هذه الجوارح بمعصية الله -تبارك وتعالى.

ومن سنَّته -تبارك وتعالى- مع أوليائه ومن غيْرتِه عليهم أن قلوبَهم إذا ساكنت أحداً غير الله -عز وجل- أو ركنوا إلى شيء سواه، أو صالحوا بقلوبهم شيئاً شوَّش عليها صفوَ العبودية، فإن الله يَغار على هذه القلوب بأن يعيدها خالصة لنفسه -جل جلاله.

وإذا أراد الله -عز وجل- بقلب عبده خيراً –القلب الذي بدأ يتلفت يمنةً ويسرة– سلَّط الله -عز وجل- عليه أنواع الآلام والمكاره والمصائب من أجل أن يرجع إلى الله -عز وجل-، فيُخلِص لله -تبارك وتعالى- بالعبادة والتوجُّه والإنابة:

فلواحدٍ كن واحداً في واحد ** أعني سبيلَ الحقِّ والإيمانِ

ومن غيْرته -تبارك وتعالى- على عبده: أن العبْد لربَّما حصَّل مراتب عاليةً من مراتب العبودية، فيركن إلى ذلك ويأنس به ويُسَر به، ويحصل له نوع ارتفاعٍ بذلك، فيُلجئه الله -عز وجل- بألوان الآلام والمصائب مما يضطرُّه إلى الافتقار إليه -جل جلاله-؛ فالله يحب من عبْدِه أن يُظهر فقْره وفاقته ومسكنته إليه -تبارك وتعالى- ولا يركن إلى عبوديته وإلى عمله الصالح وإلى استقامته -ولو أنِسَ بذلك وسُرَّ به-، بل لابد من افتقار القلب للمعبود، وأن يكون هذا الفقْرُ تامّاً كاملاً في القلوب.

ومن غيْرته -تبارك وتعالى- على العبد أنه يغار منه أن يُضيِّع الأنفاس فيما سوى الله -تبارك وتعالى- في القيل والقال، وفي اللهو والعبث، وتضييع الأعمار فيما لا طائل تحته.

ومن غيْرة الله -عز وجل- غيرته على توحيده وعلى كلامه، فمن ذلك أنه -جل جلاله- جعل على قلوب الذين أعرضوا عنه وكذَّبوا رسله أكِنَّةً أن يفقهوا كلامه وفي آذانهم وقراً، وقد ثبَّط الله -عز وجل- هؤلاء المخذولين من المنافقين ومن أعداء الرسل -عليهم الصلاة والسلام- ثبَّطهم عن شرف اللحاق برسول الله –صلى الله عليه وسلم- في مغازيه، كما قال الله تعالى: وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ 46 سورة التوبة.

ومن غيْرته -تبارك وتعالى- أنه لم يجعل للخلق طريقاً يوصلهم إلى الله -تبارك وتعالى- إلا هو -جل جلاله- فليس هناك واسطة يتعلق بها العباد، وليس هناك وسيلة سوى التوجه إلى الله وحده لا شريك له بالعمل الصالح، وإذا أذنب العبد وأساء فعليه أن يتوجه إلى الله بقلبه وكلِّيته، فيُنيب إلى ربِّه -تبارك وتعالى- وليس بينه وبين الله في هذه التوبة واسطة.

فلا حاجة إلى قسِّيس أو إلى رجل دين أن يُجلسه على كُرسيِّ الاعتراف، فتنهال الاعترافات في الصغار والكبار من الذنوب والخطايا ليُقرِّرها أمام هذا القسيس، ثم بعد ذلك يتجاوز عنه ويغفر له ويرفع توبته إلى ربِّه -تبارك وتعالى-؛ فهذا القسيس لستَ أفقر إلى الله -عز وجل- منه، وليس بأفقر إلى الله -تبارك وتعالى- منك، فكلُكم فقير إلى الله –عزَّ وجلَّ-، وكلكم مذنب، وكلكم محتاج إلى رحمته ولُطفه -جل جلاله.

ومن غيرة الله تعالى: غيرته على حدوده: فالله يَغار إذا انتُهِكت حُرُماتُه، وقد أخرج الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ليس شيء أغير من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)([6]).

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: (إن الله يغار، والمؤمن يغار، وغيْرةُ الله أن يأتِيَ المؤمن ما حرَّم عليه)([7]).

وفي رواية عند مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: (المؤمن يغار، والله أشد غيْراً)([8])، فإذا رأى الله -عز وجل- عبدَه يُواقع معصيته وينتهك حدوده فإن الله -تبارك وتعالى- يغار عليه.

ووجه ذلك أن المسلم الذي يطيع هواه، أو ينقاد للشيطان ويقع في محارم الله -عز وجل- كأنه جعل لغير الله نصيباً في توجهه وعمله وإرادته، ولما كانت الطاعة خاصة بالله -عز وجل-، ويأبَى أن يُشاركه فيها غيره كان ذلك مبعثاً ليستثير العاصي غضب الرب -جل جلاله-؛ لأنه أطاع الشيطان والهوى والنفس الأمَّارة بالسوء، وترك أمر الله -عز وجل- وراء ظهره.

وقد جاء في الصحيحين عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال في خطبته في الكسوف: (يا أمة محمد، إنْ مِن أحدٍ أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته)([9])، فليخش العبدُ ربَّه، وليُراقب حدوده، فإن الله -عز وجل- يغار من عبده إذا رآه يقترف محارمه ويواقع معاصيه.

النوع الثاني من الغيرة: الغيرة تكون من العبد:

وغيْرة العبد على أنواع -كذلك- منها:

غيْرتُه من نفسه على نفسه:

أن يغار العبد من نفسه على نفسه، وذلك بأن لا يجعل شيئاً من أعماله وأقواله وأحواله وأقواته وأنفاسه لغير ربِّه -تبارك وتعالى-، فيغار العبد إذا رأى أعماله تنفرط بين يديه، وأوقاته تضمحل من بين يديه حينما تُصرف في غير مرضاة الرب -تبارك وتعالى-، وفي غير العمل الذي يُقرِّبُه إلى الله -جل جلاله.

فغيْرةُ العبد من نفسه أهمُّ من غيْرتِه من غيره؛ لأن العبد إذا غار من نفسه صحَّت له غيْرتُه لله -عز وجل- من غيره، فالذي لا يغار من نفسه من باب أولى لا يغار من غيره؛ لأن أهمَّ مطلوب هو نجاة العبد عند الله  -عز وجل-، وأن تنفكَّ رقبته وتُعتق من عذاب الله -جل جلاله.

ومن غيْرة العبد غيرته على قلبه، وذلك أن يغار العبد من تفرق هذا القلب على جمعِيَّته – كما يقول ابن القيم– ومن إعراضه على إقباله، ومن صفاته المذمومة على صفاته الممدوحة، وهذه الغيْرة خاصيّة النفس الشريفة الزكية العُلوية، وما للنفس الدنيَّة المهينة التي اتصفت بالرذائل في هذه الصفة من نصيب، وعلى قدر شرف النفس وعُلو همَّتها تكون هذه الغيْرة

ومن غيرة العبد كذلك غيْرته على أوقاته المتصرمة، فالوقت أعز شيء على العابد، فالعبد يغار عليه من أن ينقضي من بين يديه من غير طائل.

الوقت إذا فات وانصرم لا يمكن استدراكه، وهذه الأنفاس تخرج ولا تعود، ومن كانت أنفاسه في غير طاعة فهو في غبْن وخسارة.

من استوى يوماه فهو مغبون، ومن لم يكن إلى زيادة فهو حتماً إلى نقصان كما قال ابن القيم -رحمه الله.

ومن غيرة العبد: أن يغار من غيره، وذلك بأن يغار على حدود الله -عز وجل- وعلى دينه وعلى شرعه، فيغار إذا رأى حُرُمات الله -عز وجل- تنتهك، يغار إذا رأى الناس يعصون الله -عز وجل-، يغار إذا رأى المرأة المسلمة تهتِكُ حجابها وتهتك سترها، ويغار إذا رأى بعض المأفولين يكتبون عن شرائع الدين ويلمزونها بالرجعية ويشكِّكون في معالم الإسلام وفي أصوله الكبار وفي شرائع الحق -جل جلاله.

فالمؤمن يغار من ذلك كله، وكلما كان دين العبد أعظم وأمتن كلما ازدادت غيْرتُه، ولهذا كان النبي –صلى الله عليه وسلم- أعظم غيْرةً من غيره من هذه الأمة، فقد أخرج البخاري في صحيحه أنه –صلى الله عليه وسلم- قال: (تعجبون من غيْرة سعد! والله لأَنَا أغْيَرُ منه، والله أغْيرُ منِّي)([10])، فالذي يغار هو المؤمن، والذي يغار هو الذي قد كمُل إيمانه وقوِيَ.

وأما من خلا قلبُه من الإيمان فإن الغيْرةَ تتأثر بذلك وتضمحل وتقل ولربما انعدمت بالكلية، وأعني بذلك: الغيْرة على دين الله -عز وجل- وعلى حرمات الشرع.

وعلى قدر محبة العبد لربِّه ومحبته لدينه وشرعه تكون هذه الغيْرة، فإذا رأى حرمات الله تُنتهك وهو يُحب الله ورسوله، ورأى الربَّ -تبارك وتعالى- يُعصى ويُفرَّط في أوامره فإن نفس هذا العبد تتحرك وتغار غيْرةً لله -عز وجل-، وأما إذا كان الإيمان مضمحلاًّ فإن قلب العبد يكون بارداً ولا يتأثر إذا انتُهكت حرمات الله   -عز وجل.

جاء في ترجمة عالم من علماء المسلمين يُقال له: أبو الفضل محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني -وهو من علماء القرن السادس الهجري- كان إذا رأى شيئاً من المنكرات ورأى شيئاً من حدود الله تُنتهك دفع ذلك بيده وبلسانه بحسب وسْعِه وإمكانه، وإذا لم يستطع تأثَّر تأثُّراً يظهر فيه، ولربما اضطرب وارتعد وأخذَتْه الحُمَّى ومرض لذلك.

ومن أعجب ما اطلعت عليه في هذا الباب أن بعض الكفار يغارون على دينهم، ومن ذلك أن أعلى محكمة في إيطاليا وهم نصارى يعبدون المسيح ويُشركون بالله -عز وجل-، قد أصدروا قراراً: ألاَّ يُدرس مادة الدين أحدٌ من النساء اللاتي قد ولَدْنَ ولم يتزوَّجْن، ففصلوا المدرسات اللاتي لهن أولاد ويُدرسْن الإنجيل ومادة الدين وهن قد أنجبْن بالحرام والسفاح.

إذا كان هؤلاء يغارون على دينهم، ألسْنا أحق أن نغار على ديننا من أن يتكلم فيه مأفون؟، أو أن يتعدَّى حدود الله -عز وجل- أحدٌ من الناس بتفريط يوقعه في معصية الله -تبارك وتعالى-؟، كيف يُلام المؤمن على هذه الغيْرة؟!

ومن غيْرة المؤمن على غيره: أن يغار على العلم أن يبذل لغير أهله، وكما قال المناوي: من الغيرة غيرة العلماء لمقام الوراثة وهو مقام العلم([11])، فالعلم درة شريفة لا تُبذل للبطَّالين، فالعالم يغار على علمِه أن يبذله لغير أهله، أو أن يضعه في غير محلِّه.

والمسألة الدقيقة اللطيفة التي تُبذل لغير أهلها كالمرأة الحسناء التي تُهدى إلى ضرير مُقعَد.

وقد قال ابن القيم:

خَوْدٌ تُزف إلى ضرير مُقعَد *** يا مِحنة الحسناء بالعُميانِ([12])

ويرحم الله الشافعي حينما قال: "أأنثر دُرّاً بين سارحة الغنم؟"، وقد قيل: لا تُقلِّدوا الحكمة أعناق الخنازير فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.

ورحم الله من قال:

عليَّ نحت المعاني من معادنها *** وما عليَّ إذا لم تفهم البقرُ.

فكان يُنزِّه علمَه من أن يبذله لغير أهله.

ومن غيرة العبد: أن يغار على عرضه، وعلى أعراض المسلمين: فأعظم الناس غيْرة على الأعراض هم الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ثم الأمثل فالأمثل، فكلما كان العبد متشبِّهاً بالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- مكمِّلاً للإيمان مستوفياً للرجولة فإنه تعظم غيْرتُه.

ولا يختص ذلك بالرجال، بل إن المرأة المؤمنة تغار على عرضها، وتغار على عرض النساء المؤمنات.

هذا سعد بن عبادة –رضي الله عنه- وهو سيد الخزرج وهو من أكثر الناس غيْرةً، حتى إنه ما طلَّق امرأةً فتجرأ أحدٌ على أن يتزوجها بعده؛ لشدة غيْرتِه.

يقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا رسول الله، لو وجدت مع أهلي رجلاً لم أمسه حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (نعم)، قال: كلا والذي بعثك بالحق، إنْ كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك"، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اسمعوا إلى ما يقول سيدكم، إنه لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني)([13]).

وفي رواية فقال: "والذي بعثك بالحق، إنْ كنت لأضربه بالسيف غير مُصْفَح –يعني أضربه بحد السيف لا بعرضه، حتى يقطِّعه به-، فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: (أتعجبون من غيْرة سعد؟، لأنا أغْيرُ منه، والله أغْيرُ مني)([14]).

وكان عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- من أشد الناس غيْرةً، وأخباره في ذلك كثيرة، فقد كان –رضي الله عنه- شديد الغيرة لاسيما في أمهات المؤمنين([15]).

ومما يذكر عنه -رضي الله تعالى عنه- أن امرأته عاتكة بنت زيد كانت تُحِب الخروج إلى المسجد لتُصلِّيَ مع الجماعة، وكان عمر يكره ذلك، وكانت تقول له حين ترى الكراهة في وجهه: إنْ نَهَيْتَني انتهيت، فكان لا ينهاها امتثالاً لقول النبي –صلى الله عليه وسلم-: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)([16]).

وعمر هو الذي أشار على النبي –صلى الله عليه وسلم-أن يُحجِّب نساءه قبل أن تنزل آية الحجاب، وقد كانت من عادة العرب أن المرأة لا تحتجب لنزاهتهم ونزاهة نسائهم، وكان الأمر في أول الإسلام على ذلك، فقال عمر –رضي الله تعالى عنه-: "يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر"، فنزلت آية الحجاب([17]).

بل إن النبي –صلى الله عليه وسلم-كان يعرف غيْرة عمر، ويتجلَّى ذلك في الحديث الذي قال النبي –صلى الله عليه وسلم- فيه: (بينما أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب القصر، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: هذا لعمر، فذكرت غيرته فوليت مدبراً)([18]).

ورُفِع إلى عمر –رضي الله تعالى عنه- رجل قد قتل امرأتَه ورجلاً معها، فقال لأولياء المرأة: ما تقولون؟ فقالوا: قتل بنتنا، وقال لأهل الرجل: ما تقولون؟ فقالوا: قتل صاحبنا، فقال له: ما تقول؟ قال: إنما ضربت بالسيف بين فخذيْها، فقال: ما تقولون؟ فقال هؤلاء الناس: ضرب بسيفه فقطع فخذي المرأة فأصاب وسط الرجل، فقطعه باثنتين، فقال عمر –رضي الله عنه-: "إن عادوا فعُد"([19]).

ورُفِع إلى عمر رجلاً قد قتل يهودياً، فسأل عن خبره، فقال القاتل: إن فلاناً من المسلمين قد خرج غازياً، وأوصاني بامرأته، فبلغني أن هذا اليهودي يدخل عليها وأنه يفجر بها، فكمنْتُ حتى جاء، وسمعته ينشد ويقول عن الرجل الذي خرج غازياً:

وأشعثَ غرَّه الإسلامُ منِّي *** خلوْتُ بعِرْسِه لـيلَ التمامِ

أبيتُ على ترائبها ويُمسي *** على جرداءَ لاحقةِ الحِزامِ

كأنّ مواضعَ الرَّبَلات منها *** فئامٌ ينهضـون إلى فئـامِ

فلم يحتمل هذا المسلم، فقام إليه فقتله، فلما بلغ ذلك عمر –رضي الله عنه- أهدر دَمَه ([20]).

وجاء عن عُبيْد بن عُميْر: أن رجلاً أضاف إنساناًً من هُذيْل، فذهبت جاريةٌ لهم تحتطب، فراودها هذا الرجل عن نفسها، فرمَتْهُ بفهرٍ –أي بحجر– فقتلته، فرُفِع ذلك إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فقال: ذاك قتيل الله، لا يودى أبداً([21]).

وجاء أيضاً أن رجلاً يُقال له: أبو السيارة، قد أولع بامرأة لأبي جندب، وكان يُراودها عن نفسها، فقالت: ويحك، إن عَلِمَ بك أبو جندب قتَلَك، فلم يكترث، فأخبرت أخاً لأبي جُندب فنهاه وزجره، فلم يكترث، فأخبرت أبا جندب، فقال لها: إني سأقول للناس إني ذاهب إلى الإبل، ثم أعود في الظلام، فإذا جاء إليك فأدخليه عليَّ، فكَمَن في البيت، فلما جاءها هذا الرجل قالت: ويحك، هل رأيتَ مني ريبةً قط؟ فقال: لا، ولكن لا صبْر لي عنك، فأدخلَتْه في الدار، وقالت: حتى أتهيَّأ لك، فأقفل أبو جندب الباب، وجعل يضرب هذا الرجل، ودقَّه من عُنقِه إلى عجب ذنبه، فذهبت المرأة تجري وتستغيث بأخيه، وتقول: أدرك الرجل، فإن أبا جندب قاتله، فجعل أخوه يناشده ويقول: يا أبا جندب، أذكِّرُك بالله، حتى تركه أبو جندب، وأخذه وألقاه إلى مدرجة الإبل، فكان إذا مرَّ به إنسان قال: ما لك؟ قال: ألقاني بعيرٌ في هذا الموضع.

وهذا عثمان بن عفان –رضي الله تعالى عنه- لمَّا كثُر اللعب بالحَمَام في وقته، وصار بعض هؤلاء يصعدون على السطوح، فلربَّما اطلع الواحد منهم على شيء من حُرُمات المسلمين وعلى نسائهم، فنهى الناسَ عن ذلك، ونهى عن تطيير الحمَام، ولم يكْتفِ بذلك بل أمر رجلاً أن يقُصَّ أجنحة الحمَام من أجل أن لا تطير.

ولما دخل على عثمان خصومه وأعداؤه ليقتلوه، جاءت امرأته نائلة ونشرت شعرها، وأرادت أن تستره بشعرها وتحميه، فقال لها: خُذي خمارَكِ، فلعمري لدخولهم عليَّ –أي لقتلي– أهون من حُرْمة شعرك.

وهذا علي بن أبي طالب –رضي الله تعالى عنه- نُقِل عنه أنه لمَّا رأى شيئاً من الاختلاط الذي يكون في الأسواق بين الرجال والنساء، قال للناس: ألاَ تستحون؟، ألاَ تغارون أن يخرج نساؤكم؟ فإنه بلغني أن نساءكم يخرُجْن في الأسواق يزاحِمْن الرجال والعلوج.

وهذا معاذ بن جبل –رضي الله تعالى عنه- كانت امرأته تأكل تفَّاحة، فمرَّ بها سائلٌ فقير، فأعْطتْه هذه التفاحة التي قد قضمتْها، فغضب معاذُ وأوْجعَها ضرْباً؛ لأنها قد أعْطَت لهذا الفقير تفاحة قد باشرت أسنانها ولعابها وفمها.

وهذا عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، كان لزوجته قريبٌ من قراباتها، فسمعها يوماً تحادِثُه ولم يعلم أنه قريبٌ لها، فأوجعها ضرباً بجريد النخل حتى أضبَّت حسيساً.

وهذه أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- كانت تحمل النوى، وزوجها الزبير بن العوام ولم يكن لها خادم، ولم يكن له مال، فكانت تستقي الماء، وتحمل النوى على رأسها، فمرَّ بها النبي –صلى الله عليه وسلم-وأناخ بعيره وقال: (إخْ إخْ) –ينيخ البعير- ثم قال لها: (اركبي)، فتذكَّرت غيْرة الزبير -رضي الله عنه- فأبَتْ، لأنها تعرف أن زوجها يغار منها([22]).

ودخل رجل على أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- ورأى حيَّةً في الدار، فنهاه أبو سعيد أن يقتل هذه الحيَّة، وذكر له خبر ذلك الرجل الذي كان مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم-في غزوة الخندق، فكان هذا الرجل حديث عهدٍ بعُرْس، فكان يستأذن النبي –صلى الله عليه وسلم-في وسط النهار ليذهب إلى امرأته، فرجع إليها يوماً فوجدها واقفةً بين البابين، فأهوى إليها بالرمح مباشرةً ليطعنها به حيث أصابته غيْرة، فقالت له: اكفف عليك رُمْحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا هو بحيَّةٍ عظيمة منطوية على فراشه، فأهوى إليها بالرمح … والقصة معروفة مشهورة([23]).

فانظر إلى هذا الرجل مع محبته لامرأته وتعلُّقِه بها حيث كان يستأذن النبي –صلى الله عليه وسلم- للذهاب إليها في وسط النهار، ومع ذلك بمجرد أن رآها واقفة بين البابين أهوى إليها بالرمح ليقتلها به.

وهذه امرأة من نساء المسلمين جاءت إلى سوق بني قينقاع وهم قوم من اليهود، فجلست إلى صائغٍ منهم فراودها عن نفسها، وحاول أن تكشف حجابها وغطاء الوجه، فأبت عليه ذلك، فاحتال عليها فقام فعقد أسفل ثوبها بأعلاه، فلما قامت ارتفع ثوبها فظهرت عورتها، فصاحت: يا للمسلمين، فما أتمَّت هذه العبارة إلا ورأس هذا اليهودي يتدحرج، قتله أحد المسلمين، فتعاون عليه جماعة من اليهود فقتلوه، فجهَّز لهم النبي     –صلى الله عليه وسلم- الخميس –أي الجيش-، فأخرجهم من المدينة بسبب هذه المرأة التي كشفوا عن سوأتها.

وكم من نساء من المسلمات يُنتهكُ عرضُها! وكم عرضت وسائل الإعلام العلوج وهو يركلون نساء المسلمين في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان وفي غيرها من بلاد الله في شرق الأرض وغربها، يركلون المرأة ويضربونها، ولربما هتكوا عرضها، ولربما جرَّدوها من حجابها وحشمتها، وللأسف أكثر من مليار من المسلمين يتفرَّجون ولا يحرك لهم ذلك ساكناً.

ولم تكن الغيْرة على الأعراض تختص بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بل هي عند كلِّ فحلٍ حُرٍّ أبِيٍّ ذو شِيَم.

هذا الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك كان شديد الغيْرة، لا يغار على نسائه فقط بل كان يغار على إمائه، جاءت إليه أمَةٌ من إمائه في ليلة قمراء وعليها حُليٌ ومعصْفر فسمع مغنٍياً في تلك الليلة يقول:

وغـادةٍ سمعت صــوتي فأرَّقهـا *** من آخر الليل لما ملَّهـا الســهرُ

تُدني على فخِذَيْها من معصفــرةٍ   *** والحَـلْيُ دانٍ على لبَّاتِها خُضُـرُ

لم يحجب الصوتَ أحراس ولا غُلُق  ***   فدمعها بأعــالي الخد ينحـدرُ

في ليلة البــدر ما يدري معايِنُها   ***   أوجْهُها عنــده أبهى أم القمـرُ

لو خُلِّيَتْ لَمَشَت نحوي على قدمٍ     ***   تكاد من رقَّــةٍ للمشي تنفطـرُ

فلما سمِع ذلك غضب، وأخذته الحمية والغيْرة، فدعا بهذا المغنِّي وأحضره، وأراد أن يقطع ذلك منه، لتذهب غريزته وتتبدد شهوته، فجاءه عمر بن عبد العزيز وكلَّمه في أمْرِه، فقال له سليمان بن عبد الملك: اسكت، إن الفرس يصهل، فتستودق الحِجْرُ له: أي أن أنثى الخيل إذا صهل الذكر فإنها تتهيأ للضِّراب. 

قال: وإن الفحل يخطِر فتضبع له الناقة، أي أن الفحل من الإبل يضرب بذنبه يمنة ويسرة فتفهم ذلك الناقة فتتهيأ له، قال:  وإن التيْس يَنِبُّ فتستحرم له العنز، أي أنه يصدر صوتاً للضراب فتتهيأ له العنز.

قال: وإن الرجل يُغني فتشبق له المرأة.

فجاء سليمان بن عبد الملك ودعا كاتبه، فأمره أن يكتب من ساعته إلى عامله ابن حزم بالمدينة أن يُحصِيَ المخنَّثين –وهم المغنُّون–، فتشظَّى قلمُ الكاتب، فوقعت نقطةٌ على ذروة الحاء، فأصبحت الحاء خاءً، ففُهِم الخطاب على غير وجهه، فقُطِع ذلك منهم وكان سبباً لذهاب غرائزهم.

أين الفحول عن نسائهم اللاتي يُصبحن على سماع أصوات المطربين والمغنِّين، ويعْرِفْنَ المغنين أكثر مما يعرفْن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويحْفَظْن من الأغاني أكثر مما يحفظن من آيات التنزيل؟!.

وهذا رجل من أمراء المسلمين يُقال له سيف الدين، كان غيوراً شديد الغيْرة، لا يترك أحداً من الخدم يدخل على دور نسائه، وإذا كبُر الخادم فإنه يمنعه من الدخول، ولا يدخل عليهنَّ إلا الصغار.

فهذا أمير من الأمراء، فأين الذين قد جعلوا الحبل على الغارب للسائقين يذهبون بنسائهم وبناتهم، الذين يذهبون بالبكر تتهادى، يجري أمامها هذا الرجل الغريب العجيب الذي لربما لم يعرف عفافاً ولم يعرف ديناً ولم يعرف حُرمةً فهو كما قيل:

ولكنّ الفتى العربيَّ فيها *** غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ

فهو غريب في هذه البلاد، غريب الوجه واليد واللسان، وإذا كان الإنسان غريباً فإن حياءه يقِل، وإن حِشْمَته تضمحلّ، فكيف إذا اضمحلَّ الدين؟! وكيف إذا كان هذا السائق قد نشأ في بلدٍ لا يَعرف فيها الحياء ولا يعرف العِرْض ولا الحِشمَة ولا يعرف حدود الله -عز وجل-، ثم جئنا به إلى هنا فجعلناه بمنزلة المُصَرَّاة –وأعتذر من هذا التعبير–، أردنا أن نحجر عليه وكأنه جمادٌ من الجمادات لا شهوة له ولا غريزة.

فأقول: هذا إنسان وليس بحجر، وكأنَّي به ليس بين عينيه إلا هذه البنت التي يذهب بها إلى الأسواق أو إلى المدرسة أو إلى الكلية أو إلى زميلاتها أو إلى صالات الأفراح أو إلى غير ذلك.

هذا ابن كثير -رحمه الله- حينما تكلَّم على عماد الدين زنكي ذكر غيْرته في سياق الثناء عليه وقال: وكان من أشد الناس غيرة على نساء رعيته.

بل حتى المؤرخ من المسلمين والجغرافي من المسلمين، فهذا ابن بطوطة حينما طاف البلاد مرَّ على بلدٍ يُقال لها: (إيوالاتن)، ووصفها وصفاً عجيباً يقول –وهذا مما لفت نظره-: ولنسائها الجمال الفائق، وهُنَّ أعظم من الرجال، وشأن هؤلاء القوم عجيب وأمرهم غريب، فأما رجالهم فلا غيْرة لهم، وهم مسلمون محافظون على الصلوات وتعلم الفقه وحفظ القرآن، وأما نساؤهم فلا يحتشِمْن من الرجال، ولا يحتجبن مع مواظبتهن على الصلوات.

فابن بطوطة يتعجَّب كيف جمع هؤلاء بين النقيضين، فكيف لو عاش ابن بطوطة في هذا الزمان؟! كيف لو رأى كثيراً من التهتُّك الذي وقع فيه كثير من بنات ونساء المسلمين؟!

كيف هؤلاء بذلك الرجل الذي رأى زوجته تستاك فغار عليها من السواك، ما غار عليها من رجل أجنبي، بل غار عليها من السواك أن يباشر ريقها وفمها، فقال واصفاً:

لقد فُزْتَ يا عود الأراك بثغرها *** أما خِفْتَ يا عود الأراكِ أراكا

لو كنتَ من أهل القتال قتلْتُك ***   ما فاز مني يا سـواكُ سواكـا

فهو يغار على زوجته من السواك أن يباشر فاها، فكيف بالرجل الذي لا يغار من امرأته وهي تضاحك الرجال وتحدِّث الرجال وتذهب حيثُ شاءت؟!

فهذه أنواع من الغيْرة مِلاكُها ثلاثة، كما قال ابن القيم -رحمه الله-:

غيْرة العبد لربٍّه أن تُنتهك محارمه، وأن تُضيَّع حدوده، وغيْرتُه على قلبِه أن يسكن إلى غيره وأن يأنس بسواه، وغيْرته على العِرض وعلى حُرمتِه أن يتطلَّع إليها غيرُه، فهذه الغيْرة هي التي يُحبها الله ورسوله، والغيْرة تدور على هذه المعاني.

بل إن الغيْرة لا تختص بالمسلمين، بل هي غريزة من الغرائز توجد عند الكافر الذي لم تتدنس فطرته في هذه القضية، ففي كوبا –وهذا من العجائب والغرائب كما نُشِر في بعض صُحُفِهم– تمَّ الإبلاغ عن اثنَيْ عشر هجوماً بحامض الكِبْريتيك في مدينة واحدة في شهرين اثنين قد أُلْقِيَت هذه المادة على وجوه النساء؛ غيْرةً من الرجال على النساء اللاتي قد أبْدَين الزينة وأظْهرْن السفور، فكان قراباتُهن يقومون بهذا العمل الذي هو غاية في الإجرام ولا يقره الشرع يقومون به وهم كفَّار غيْرةً على أعراضهم.

بل تمَّ تسجيل ثلاثة وثلاثين هجوماً من هذا النوع في عام 2002م.

وليست الغيْرة للآدميين فحسب، بل حتى الحيوان يغار، كما في الأثر الذي أخرجه البخاري -رحمه الله- عن عمرو بن ميمون: أنه رأى في الجاهلية قرداً قد تمدد ثم مدَّ ذراعَه فجاءت قِرْدة ونامت على ذراعه، فلما شعَرت أنه نام، انسلَّت انسلالاً خفيفاً، فجاء قِردٌ آخر فذهبت معه وواقعها، فشعر بذلك القرد الأول -زوجها- فانتفض وأزعَجه ذلك، ثم لما جاءت صاح بصوتٍ سمعتْه القِرَدة، فتجمَّعت فقاموا برجْمِها، يقول عمرو بن ميمون: وكنت ممن رجمها، وهذه الواقعة في صحيح البخاري وليست في أساطير الأوَّلين، وليست من الاختلاق الذي يُبالغ فيه([24]).

فإذا كان الله يغار، والأنبياء يغارون، والمؤمنون يغارون، وأهل الشهامة والغيْرة يغارون، بل حتى الكفار يغارون، بل حتى الحيوانات من ذكور المعز والدِّيَكة والإبل والقرود يغارون، فلو جعلت اثنين من الدِّيَكة لرأيت قتالاً شنيعاً تدْمى له رءوسهم.

ولو وضعت اثنين من الفحول من الإبل أو المعز أو نحو ذلك لرأيت عِراكاً عظيماً لا يقادر قدره.

ومع هذا كله لا ندري أين ذهبت الغيْرة عند كثير من المسلمين اليوم؟ أين ذهبت الغيْرة من الرجل الذي يأمر امرأته إذا سافرت إلى خارج هذه البلاد أن تضع حجابها؛ لأنها تسبب له حرجاً وحياءً وخجلاً؟.

أين ذهبت غيْرة الرجل الذي يأمر امرأته أن تُصافح قراباته من الرجال؟ بل يأمرها أن تُصافح أصدقاءه أو قومه وعشيرته!

أين ذهبت غيْرة الرجل الذي يرضَى لامرأته أن تخرج بعباءة في غاية الزينة؟ عباءة مخصَّرة فاتنة، لو خرجت من غير حجاب لكان ذلك أرحم لقلوب الرجال.

فلقد رأيت في أحد المطارات امرأةً قد شُقَّت عباءتُها إلى رُكبتِها –ولا أبالغ– ثم هي تمشي ويكون ذلك بطريقة منتظمة لا تُفسَّر إلا بأنها من إملاء الشيطان، يلوح أثناء ذلك ساقٌ في غاية البياض مع حجاب في غاية السواد كظلام الليل، ثم يختفي هذا الساق ويظهر الساق الآخر، وزوجها يمشي بجانبها لا يحرك له ذلك ساكناً.

أين ذهبت الغيْرة عند الرجال الذين يذهبون بنسائهم إلى خارج هذه البلاد في بلاد يكثُر فيها السفور والعُرِي والتبرج، فيشاهدون أموراً لا يجوز لهم أن يشاهدوها؟!

أين الغيْرة عند فحْلٍ يتزوج ابنة الكرام، ثم يذهب من ليلته بهذه المرأة التي نشأت بالعفاف والطُهْر، لترى ما لا يحلّ لها أن تراه في بلادٍ لا تعرف ديناً ولا حشمة ولا حياءً، تتسكَّع معه وتزاحم الرجال في المنتزهات وعلى الشواطئ وفي أماكن لا يليق بامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدخلها؟!

أين الغيرة من رجلٍ يحادث امرأة أجنبية بحجة أنها مخطوبة، ولا يكتفي بذلك بل لربما أصرَّ وأقام الدنيا ولا أقعدها، بل لربما طالب بفسخ هذه الخِطبة؛ لأن هذه المرأة قد امتنعت من محادثته، لأن حياءها وكرامتها تمنعها من هذا الحديث الطويل بالساعات؟، إنه يلومُها على هذا الامتناع!

أين غيْرته على هذه المرأة التي يريد أن يتزوج منها، فضْلاً عن أن يريد الخروج مع هذه المرأة ولم يعْقِد عليها بعْد؟!

أين الغيْرة من الرجال الذين يسمحون لنسائهم أن يسافِرْن من غير محْرَم، فتكون آفة وعرضة لكل آسر وكاسر؟!

بل أين الغيْرة من ذلك الذي يترُكُ ابنتَه لتذهب إلى بلاد بعيدة من أجل الدراسة والتعليم –كما يُقال– وليس لها حسيب ولا رقيب؟! ليس معها محرم يحوطُها ويرعاها.

أين الغيْرة من هؤلاء الذين تركوا الزوجات والبنات والأخوات في هِجَر ومُدُن بعيدة كل البُعْد عن موطن إقامتهم بحجة أنها تعيَّنت في ذلك المكان؟! فهي مُدرِّسة، فتبقَى في ذلك المكان من غير محرم يحوطُها ويحرسها.

أين الغيْرة عند أولائك الرجال الذين تذهب زوجته أو بنته أو أخته لمسافة لربَّما تبلغ المئات من الكيلو مترات مع رجل أجنبي -بحجة أنها ذهبت مع نساء ثقات- في كل صباح لتذهب إلى أماكن عملها وتدريسها؟!.

أين الغيْرة عند رجال تتكلُّم نساؤهم مع اللاعبين والمطربين والفنَّانين ومع مَنْ يُبْدين إعجابهن معهم؟!

أين الغيْرة عند من يسمح لامرأته أن تُداخل مداخلة على الهواء مباشرة، فتتكلَّم مع مذيع أو مع فنَّان أو مع ساقطٍ من الساقطين من اللاعبين وغيرهم؟!

أين الغيْرة عند رجل يسمح لموْلِيَّته أن تعرض سؤالاً على الهاتف بصوتها الذي يعرفه من يعرفها، وتسأل عما يخرج منها من ماء الرجل بعد الجماع بعد أن اغتسلت، والناس في شرق الأرض وغربها يسمعون هذا السؤال بصوتها؟!.

أين الحياء وأين الغيْرة عند هؤلاء الرجال؟! وأين الغيْرة عند هذه المرأة أن تسأل عن مثل هذا السؤال أمام الملأ وأمام العالمين؟!

أين الغيْرة من أقوام قد بلغ الحديثُ في مجالس نسائهم مبلغاً لا يُطاق، يتحدَثْن عن أخص الأمور مما يتعلق بالمعاشرة الزوجية؟!

لقد قرأتُ إحصائيات لا تكاد تُصدَّق، نساء قد أُجْرِيَت عليهن بعض الاستبيانات، فقد قال سبعون في المائة منهن: إن هذا يكثر في مجالس النساء، وإن النساء اللاتي يرغبن بهذا الحديث تصل نسبتهن إلى خمس وخمسين بالمائة من روَّاد تلك المجالس.

أين الغيْرة عند رجالٍ تتحدث نساؤهم مع الرجال الأجانب من غير حياءٍ ولا احتراز ولا حشمة؟!، ومعلوم أن كثْرة المحادثة وكثرة المخالطة تؤدي إلى ويلات وويلات، تؤدي إلى ذهابٍ للأعراض وتدنيس للشرف.

هذه امرأة من أشراف العرب يُقال لها زينب، قد زنَت بعبدها، وكان العرب تأنف نساؤهم من الزنا بالأحرار والكبراء، فكيف بالزنا بالعبيد والأرقَّاء؟!، فافتُضِح أمرُها، وانتشر وذاع خبرها، فسئلت عن ذلك، فقالت: طول السُّهاد، وقُرب الوساد، يعني كثرة المخالطة مع كثرة المحادثة.

وقد أحسن من قال وهو يصف المرأة الأبية الحرة:

يعزُّ على من يطرق البابَ لفظُها *** جواباً فلا عَقـداً تراه ولا حلاّ

يُطيل وقوفاً لا يُجـاب محرَّماً ***    عليها كـلام الأجنبي وإن قلَّا

أي أنه لا يَسمع الجوابَ من يطرق الباب أو يدقُّ سمَّاعة الهاتف، فالمرأة الأبية الحرة لا ترد على الباب، ولا تردُّ على الهاتف غيْرة على نفسها، وغيْرة من زوجها على عرضه وحرَمِه وحشمِه وامرأتِه.

أغارُ عليكِ من نفسي ومنِّي *** ومنكِ ومن مكانِك والزمانِ

ولو أني خبأتُك في عيـوني *** إلى يوم القيامة ما كفـاني

هكذا يكون الشهم الحرُّ الفحل الذي لم تمُت الغيْرة في قلبه.

أين الغيْرة من أولائك الرجال الذين تركوا لنسائهم أن يُقلِّبْن الطَرْف في مجلات الأزياء، والمجلات الهابطة التي ترى فيها ألوان الفتنة من شباب في غاية الوسامة، تُختارُ صُورَهم بعناية، ومن نساء قد أبديْن زينة الأجساد واللحوم وقد عرَّت مفاتنها وصارت في غاية الإغراء؟!

أين الغيْرة عند الرجال الذين يتركون لنسائهم أن يشاهدن القنوات الفضائية؟! وما أدراك ما القنوات الفضائية!! وما أدراك ما يحدث في هذه القنوات!!

هذه قصة عجيبة كتبها رجلٌ بدمِه ولم يكتبها بدموعه، أذكرها ملخَّصاً:

هذا رجل يسمع من أصدقائه وزملائه في العمل كثيراً عن أخبار المباريات والأخبار والتحليلات وما إلى ذلك، فأراد أن يُدخِل هذا الطبق في بيته، وتجاسر على ذلك فأدخله، ثم جاءه بعض جيرانه ومنعوه من هذا وحذَّروه ونصحوه، فأبى ولم يقبل نصائحهم، وكان يقول: كنت أعتقد أن الحديث الذي أسمعه من الخيِّرين في المساجد عن هذه القنوات والقصص العجيبة الذي يوردونها كنت أعتقد أن هذا من قبيل المبالغات.

يقول: فلمَّا أتيْتُ بهذا الطبق وبهذا الجهاز كنت أُسمِّر عيني وحولي أسرتي نشاهد هذه الجهاز ونلتفُّ حوْلَه، ومضت الشهور والسنوات ثم شُغلتُ عنه بالشواغل، واستمر الأبناء والبنات يشاهدونه، وكنت في بعض الأيام لا آتي إلى بيتي إلا في ساعة متأخرة من الليل، يقول: فأتيْتُ ذات ليلة ولم يشعر بي أحد، لتأخُّر ساعة مجيئي، فأخلدتُ إلى النوم، فسمعتُ أصواتاً متداخلة، ففزعت وذهبتُ فنظرت فلم أرَ شيئاً، فأتيتُ إلى باب حجرة أبنائي فوجدتُ الباب مغلقاً، ثم تذكرت أن هناك باباً آخر فذهبتُ إليه فحرَّكتُ مقبضه فإذا الباب ينفتح، فرأيتُ شيئاً لا يُطاق، رأيت ابني قد فعل ما لا يمكن أن يُتحدث عنه.

يقول: فصحْتُ صيحةً، وخررتُ مغشياً، فجاءت الأم تركض، فلما رأت ذلك خرَّت مغشياً عليها، يقول: فأنا أكتب لكم ذلك بعد فوات الأوان.

أين الغيْرة عمَّا يجري في كثير من أسواقنا وفي أماكن الملاهي وفي الأماكن العامة كالمنتزهات وفي غير ذلك؟!

أورد لكم بعض القصص الغريبة، وهي مما كتبها لي بعض الغيورين من العاملين في الحسبة ممن أقاموا في كل واحدة منها محضراً، وتحقق من هوية هؤلاء الناس:

يقول هذا المحتسب الغيور: دخلتُ في مكتبنا فوجدتُ رجلاً قد استشاط غضباً، وإذا هو يقول كيف أوقف أنا وزوجتي؟

فسألتُ عنه، فقيل لي: إنه جاء بسيارته هو وزوجته في مواقف أحد المجمَّعات التجارية يدورون ويردِّدون بعض الأغاني بصوتٍ عالٍ، ويُصفِّقون ويرقصون داخل السيارة، فلما استوقفناه قال: أنا حُر أصنع ما أشاء.

هذا مما قاله المحتسب، ولو قالها غيرُه لقلنا: هذا من باب المبالغة، ولو فعلها إنسان لقلنا: هذا ساقط قد فعله مع ساقطة، ولا يمكن لأحدٍ عنده غيْرة أن يفعل ذلك مع امرأته، ولكن حينما يُتحقق من إثبات هذا الرجل ومن أوراقه الرسمية تبيّن أنه زوجها فعلاً، ثم بعد ذلك يقول: أنا حُر.

بل أغرب من هذا: رجلٌ جاء إلى السوق ومعه امرأته في غاية التبرج، وقد خرج جزءٌ من صدرها، وعليها عباءة مخصَّرة جدّاً، وعليها غطاءٌ شفَّاف.. فلما ناصحوه وقالوا له: كيف ترضى يا أخي أن ينظر الناس إلى زوجتك وهي في كامل زينتها، هذه الزينة ليست إلا لك؟!، فقال بلهجته: أنا ما وضعتها إلا لكم، الذي يرغب أن ينظر فلينظر!!.

وهذا رجل آخر جاء مع أخته وهي في غاية التبرج، ولم يبقَ شيءٌ من الأصباغ إلا وضعته في وجهها، فلما نُصِح بأن هذا يُعرِّضُها للفتنة، قال: ولماذا وُضِع النظر؟.

أين هؤلاء من ذلك الأعرابي الذي رأى رجلاً ينظر إلى زوجته ويُقلِّب نَظَرَه فيها، فطلَّقَها، ثم عوتِب على ذلك، فقال:

وأترك حُبَّها مـن غير بُغْضٍ *** وذاك لكثرة الشركاء فيـه

إذا وقع الذبابُ على طعـامٍ *** رفعْتُ يدِي ونفسي تشتهيه

وتجتنب الأسودُ وُرُودَ مـاءٍ *** إذا رأت الكلابَ وَلَغْن فيـه

أين هذا الذي يقول: لماذا وُضِع النظر؟ من هذا الأعرابي الذي طلَّق امرأته من أجل نظر الناظرين إلى زوجته؟!

وهذا شخص خرج مع زوجته، وقد لبسَتْ عباءة مخصَّرةً، ووضعت لثاماً على وجهها يزيد وجهها إغراءً وفتنةً، فلما نُصٍح وذُكِّر بالله قال قولته التي تُنبئُ عن بَلادَةٍ وقلة حياءٍ وضعف غيْرة، قال بلهجته التي كتبها هذا المحتسب وبعثها إليَّ: (إيش تبيني أسوِّي، تعبتُ ويَّاها).

وهذا آخر خرج مع زوجته وقد كشفت عن وجهها بالكامل وملأتْه بالأصباغ، فلما عوتب على ذلك قال: (إيشْ  فيها، أنا زوجها وأنا ويَّاها، أهم شيء أكون معاها).

وأعتذر أن أورد لكم هذه العبارات باللهجة العامية، فلعلَّ هذا يصوِّر شناعة هذا الوضع، ويُقرِّب ذلك إلى الأذهان، فإن المستقبَح تارة يظهر قبحُه وما فيه من البجاحة إذا أُورد بحرفه ونصه ولفظه.

وهذا شخص خرج مع أخته المتبرجة تبرُّجاً فاضحاً، ودخل معها أحد المحلات، يقول هذا المحتسب الغيور: فخرج بعض أصحاب المحلات ينظرون إليها، فلما نصحناه قال: (أنت شايف شعرها طالع، بعْدين أنا حُر أَلَبِّسْها الذي أَلَبِّسْها!!).

وهذا آخر خرج مع زوجته في السيارة في مكان عام يجامعها في سيارته في موقف من مواقف السوق -ولولا هذه القضية وصلتني من هذا المحتسب الذي أثبت هذه القضية في محضر لم أُصدِّقْها ولم أورِدْها عليكم- قال المحتسب: فلما كلَّمْناه وأخرج لنا الإثبات وتعرفنا على المرأة، قال الرجل: (ما لنا شهرين منذ أن تزوجنا ما قدرت أن أصبر).

وهذا آخر خرج مع زوجته -ومعه أبناؤه- يمشي خلفها في أحد الأسواق والمجمَّعات وكأنه دجاجة أو نعجة، ثم قال لها: هيا نعود إلى البيت، فالتفتت إليه وقالت له بلغة تزجره فيها بصوت متوهِّجٍ مكهْرب: اذهب أنت مع الأولاد إلى السيارة وانتظر حتى آتي إليك، فذهب الرجل مطأطِئاً رأسه، وأخذ الأولاد إلى السيارة مُنفِذاً لأمرها، وذهبت تتسكَّع في السوق حيث شاءت.

وهاتان أختان، رآهما بعض المحتسبين مع شابَّيْن في أحد المنتزهات، وعندما تمَّ الذهاب بهما إلى ولِيهما في نفس المنتزه، وقيل له: هؤلاء البنات بناتُك؟ قال: نعم، قيل له: كُنَّ مع هؤلاء الشباب، فلما رأى ذلك قال بكل برود: (أنا إيش قلتُ لكم، ما قلتُ لكم: لا تروحون بعيد؟ ترى مرَّة ثانية ما عاد أجيبكم، هيَّا اسمعوا كلام الشيخ، انصحْهم يا شيخ، علشان ما يكررونها مرة ثانية!!)

بل أحد المشايخ حدَّثني بنفسه فقال: جاءني أحد الأراذل، وقد زنت امرأته وهو يقول لهذا الشيخ: أريدك يا شيخ أن تنصح هذا الإنسان وتأخذ رقمه، لعله مسحور قد بُليَ بها وبُليَت به.

أين الغيْرة؟ أين هو من هذا الصحابي سعد بن عبادة الذي يقول: أضرِبُه بالسيف غير مُصفَح.

وكم من شخص هاتفني وهو يسأل عن وقوع امرأته فيما لا يليق، ثم أُفاجأ أنه يُحدِّثُني عن أنه لا يصبر عن المرأة، وأنه يُحبُّها، وأنه لا يستغني عنها، فقلتُ له: أين المرأة الآن؟ فقال: هي تسمعني الآن وأنا أُحادِثُك، هاهي كلِّمْها يا شيخ، انصحها.

سبحان الله! امرأته تفعل ما لا يليق، ويقول: لا أصبر عنها، وأحبُّها حُبّاً شديداً، ثم هل يُقال أمام المرأة هذا الكلام؟!.

أين ذهبت الغيْرة؟! هل هؤلاء من المسلمين؟! هل هؤلاء رجال؟! هل هؤلاء آدميون أم من الحيوانات؟! القرد يغار على قردته، والجمل يغار على الناقة، والتيس يغار على المعز، والديك يغار على الدجاجة، وأشباه الرجال لا يغارون على نسائهم!!

ومما بعث به هذا الغيور المحتسب أنه قال: هذه امرأة أُخِذت مع رجل، فطلبت هي بنفسها أن يحضر الزوج، فلما حضر الزوج قلنا له: هذه المرأة مع رجل أجنبي! فأجاب بكل برود قال: (يا شيخ، ما يرضون لنا أن نطلع من العمل، فكلَّمْتُ جاري أن يذهب بها، وهذه المرة سماح، وحقكم علينا يا شيخ).

وصدق من قال:

مررتُ على المروءة وهي تبكي ***  فقلتُ لها لِمَ تبكِي الفتــاةُ؟

فقالت: كيف لا أبكي وأهلــي ***  جميعاً دون خلق الله ماتـوا!

وهذا أحد الذكور –لا أقول أحد الرجال– يمشي خلف امرأته وهو مطأطِئٌ رأسه وهي في غاية التبرج، فأخذه هذا المحتسب جانباً فأنكر عليه، فرد عليه بقوله: أنا كلَّمْتُها وما سمِعَتْ، كلِّمْها يا شيخ، ثم أشار إلى زوجته لتأتي، ففهِمَت المرأة فسحبت زوجها من خلفه سحباً حتى سقط عقاله، ثم استحيا وابتسم ابتسامة صفراء وانساق معها وجعل يضحك بطريقة غريبة، وقال وهي تجُرُّه من قفاه: شكراً يا شيخ.

وما عجباً أنّ النساء ترجَّلت *** ولكنَّ تأنيثَ الرجالِ عجيبُ

أين الغيْرة عند أولياء تلك البنت التي رأتها مديرة المدرسة -وهي طالبة في المرحلة الابتدائية– في كل يوم يضعها السائق في حِجْره والبنت تبكي، فلمَّا أحضروا أمَّها، أقامت الأم الدنيا ولا أقعدتْها على مديرة المدرسة، ورمتْهم بكل قبيح، وقالت: هذا السائق عندنا منذ سنين ولا نشك فيه طرفة عيْن، ولا نسمح لكم أن تتكلَّموا في حقِّه أو أن تلمزوه أو أن ترموه برزية.

وهذا أحد طلاب العلم يحدثني قائلاً: على طريق سريع في البلد رأيت سائقاً ماشياً في غاية البُطء وقت انصراف الناس من المدارس، ومعه بنت قد كشفت وجهها في زهوِّ شبابها وهو يحادثها وتضحك ويضحك معها، فتبِعْتُهم حتى وصلتُ دارهم، فطرقتُ الباب، فخرج إليَّ رجل فقلت: هل هذا السائق يعمل عندكم؟ فقال: نعم، فقلت: هذه ابنتكم؟ فقال: نعم، فقلت له: رأيت كذا وكذا، وأنا أغار على أعراضكم، وأنتم كرام وأهل شهامة، فغضب وقال: وما شأنك؟، وقال كلمة يُستحيا من ذكرها: (دعْه يفعل بها وفي أبيها كذا وكذا وكذا) وصرَّح بذلك في عبارة في غاية القُبْح.

وهذه إحدى الأخوات كتبت ما رأته في أحد المحلات تقول: هذه امرأة مع زوجها في محل يبيع مستحضرات التجميل، فهذه المرأة تسأل البائع، وهو يقول لها: ما لون بشرتكِ حتى أحضر لك ما يناسبُكِ؟، فقالت: لونها كذا، ثم قالت: لا، لونها كذا، فقال: حددِّي لون البشرة، فماذا قال الزوج الذي كان يتفرَّج ولا يتحدَّث بالنيابة عنها؟ قال: خلاص، لا مشكلة عند الضرورات تباح المحرمات، اكشفي وجهكِ حتى يرى ما يُناسبُك من الألوان، فالوقت ضاع علينا، ونحن نبحث عمَّا تريدين.

أين هؤلاء من امرأة تقدمت إلى قاضي الريِّ ادعت على زوجها بصداقها خمسمائة دينار، فأنكره، فجاءت ببينة تشهد لها به، فقالوا: نريد أن تسفر لنا عن وجهها؛ حتى نعلم أنها الزوجة أم لا، فلما صمَّموا على ذلك قال الزوج: لا تفعلوا، هي صادقة فيما تدعيه، فأقر بما ادعت؛ ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها، فقالت المرأة حين عرفت ذلك منه وأنه إنما أقر ليصون وجهها عن النظر: هو في حلٍّ من صداقي عليه في الدنيا والآخرة" ([25]).

أين الغيْرة من رجل قد دخل أحد المطاعم، واصطفَّ في طابور طويل مع كثير من الشُبَّان والرجال، ومعه بنتٌ يافعة في غاية النضارة والحُسْن والجمال والبهاء، وقد امتلأت عافية وشباباً، وقد لبِسَت بنطالاً في غاية الضيق لا يتجاوز بنطالها ركبتيها ووقفت معه، فلمَّا كلَّمه أحد الغيورين وقال له: هذا لا يليق، حجِّب هذه البنت واستُرْها، فماذا قال الذكر؟ قال: (إيش دخْلَك، بس هذا الذي أنتم فالحين فيه،؟ ستِّر بناتك، ستِّر بناتك؟ ثم قال: هذه صغيرة)، وظهرت عليه علامات الغضب وبدأ يُزَمْجِر.

ما الذي أوصلنا إلى هذا الحد ونحن ننتسب إلى أشرف دين، وننتسب إلى أعرق الأمم غيْرة، وأركزِها رجولة وشهامة ونخوة؟، أين ذهبت الغيْرة عند المسلمين؟ ولماذا ضعُفت؟.

لماذا ضعُفَتْ الغيْرة؟

إن مما أذهب الغيْرة وأضعفها:

كثرة الذنوب والمعاصي: إذ إن المعاصي لها عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- أن من عواقب المعاصي أنها تُطفئ من القلب نار الغيْرة التي هي للقلب حياته وصلاحه فهي كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن، فالغيْرة هي حرارة القلب، وناره التي تُخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة، كما يُخرج الكير خبثَ الحديد والفضة، وأشرف الناس وأعلاهم قدْراً وهمّةً أشدُّهم غيْرةً على نفسه وخاصَّتِه وعموم الناس([26]).

فكلَّما اشتدت ملابسةُ العبد للذنوب والمعاصي كلَّما خرج من الغيْرة من قلبه بقدر ذلك، حتى يصير العبد لا يستقبح القبيح من نفسه ولا من غيره، وإذا وصل إلى هذا الحد فقد وقع في الهلاك.

وكثير من هؤلاء لا يقفُ بهم الأمر عند هذا الحد بل يصير الواحد منهم يُحسِّن الباطل ويُزيِّن السفور والتبرج والفساد، ويُزيِّن القبائح والرذائل، ويسعى إلى تحصيلها، فيكون بذلك ديُّوثاً من أخبث خلق الله، والجنة عليه حرام، ويكون بذلك مواقعاً للرذائل، وهذا يدلُّ على أن الغيْرة مرتبطة بالدين، وأن من لا دين له لا غيْرة له، فالدين يحمي القلب ويؤثّر الغيْرة فيه ويُقوِّيها ويُنمِّيها كما لا يخفى.

وبين الذنوب وبين قلة الحياء وعدم الغيْرة ملازمة أكيدة من الطرفين، وكلٌّ منهما يستدعي الآخر ويطلبه طلباً حثيثاً، لاسيما الفواحش من الذنوب كالزنا وما في معناه فهو يجمع خلال الشر كلها، يجمع قلة الدين وذهاب الورع وفساد المروءة وقلة الغيْرة، وكما قال ابن القيم -رحمه الله-: لا تجد زانياً معه ورع، ولا وفاء بعهد، ولا صدق في حديث، ولا محافظة على صديق، ولا غيْرة على الأهل، فالغدر والكذب والخيانة وقلة الحياء وعدم المراقبة وعدم الأنَفَة للحُرَم، وذهاب الغيْرة من القلب من شعبه وموجباته"0([27]).

ومن الذنوب التي تؤثِّر في ذلك تأثيراً أكيداً: الخمور والمسكرات والمخدرات والحشيش، كل ذلك يُؤثِّر فيه، فهذه تغتال العقول، وتغتال الشيمة والغيْرة والمروءة، وتدعو إلى الزنا، ولربما دعت إلى الوقوع على البنت والأخت وذوات المحارم، وتُذهِب الغيْرة، كما قال ذلك طائفة من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وتلميذه ابن القيم([28]).

ومن أسباب ضعف الغيرة: الانسياق وراء العواطف: فمن الخطأ أن يعالج الإنسان المشكلات والقضايا والأمور التي يشاهدها ويلاحظها في بيته من سلوكيات عند زوجته وبنته وقريباته وأخواته بالعاطفة، ولهذا يقول الله تعالى في حدِّ الزناة: وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ 2 سورة النــور، لماذا؟

لأن كثيراً من الناس تحملهم المحبة والشفقة التي تكون في غير محلِّها بانعطاف القلب على هؤلاء من أهل الفواحش والموبقات، فيرأفون بهم، فيدخل على كثير من الناس من هذا الباب وبسبب هذا المعنى يدخل عليهم كثير من صفات الدياثة وقلة الغيْرة، فإذا رأى من يهوى مع بعض من يتَّصل به من غير المحارم أو يعاشرهم معاشرة منكرة حملته محبته لهذا الإنسان إلى التماس الأعذار والمخارج، ويلين الجانب في هذه القضية، ولربما غض الطرف وكأنه لم يشعر بذلك ولم يدرِ به، فهذه مهانة ودياثة وقلة دين، وضعف إيمان، وإعانة على الإثم والعدوان، وترْك للتناهي عن الفحشاء والمنكر.

وبهذا يدخل الإنسان -والعياذ بالله- في القَوادة بعد الدياثة، فيكون قوَّاداً على أهله لأنه يرى فيهم هذا الخبث ويمرر ذلك ولا يتحرك له ساكن، فيقرّ الخُبْث والخَبَث في بيته وأهله.

الثالث مما يذهب الغيرة: سوء التربية:

رجل اليوم ربَّتْه امرأة اليوم، لقد اشتد البلاء –كما قالت إحدى الأخوات– يوم أن أردْنا أن نُعزِّي أفئدتنا المفئودة، فقلنا: لعل المرأة خُلقت من ضلع أعوج، لكن حينما نرى الرجل يُضيِّع القوامة ويكون تبَعاً للمرأة، وتُغتال الغيْرة والرجولة في قلبه، ويُسمِّر عيْنه إلى الشاشات، يُقلِّب بصرَه في المناظر المؤذية في المحطَّات، ليُطفئ بالإثم غليل الشيطان، ويُغْوِيَ بالمعصية ظمأ نفسه من التقى والإيمان، ثم بعد ذلك يُضيِّع ما أمره الله  -عز وجل- به، فيترك النساء يفْعلْن ما شئْنَ، ويتربَّى على ذلك الصغير وينشأ وهو يرى أمَّه تخرج حيثُ شاءت وأبوه لا يُغيِّر، وآخر ينشأ وهو يرى أخته تفعل ما شاءت وهو لا يُغيِّر، فكيف ننتظر من هؤلاء الناشئة أن ينشأوا؟! كيف ننتظر منهم الأخلاق الحميدة والغيْرة؟

فكيف تظن بالأبنـاء خــيراً  *** إذا نشئوا بحضن السافـلاتِ

وهل يُرجى لأطفـالٍ كمـالٌ *** إذا ارتضعوا ثُدِيَّ الناقصاتِ

وليس النبتُ ينْبُتُ في جنـانٍ ***  كمثل النبْتِ ينبت في الفَلاةِ

 الرابع: التأثُّر بحياة الغرب:

التأثر بحياة هؤلاء الساقطين الذين لا دين لهم ولا مروءة ولا حياء، ولربما ربط كثير من المسلمين التقدُّم والتحضر بلون من الدياثة، أن تُتْرك البنت لا يُحجر عليها، وأن تُتْرك الزوجة لا يُحجر عليها من غير رقيب ولا حسيب، تذهب حيث شاءت، وتخالل من شاءت، وتفعل ما شاءت!

الخامس: دخول مفاهيم وعادات غريبة على مجتمعنا:

لقد أدَّت هذه المفاهيم والعادات الغريبة إلى تغيُّر كثير من المعايير لدى كثير من الناس، فتغيرت تصوراتهم، فهذه بعض المقابلات مع بعض النساء، انظر إلى اهتماماتهن في مجتمعنا:

هذه بنتُ في الثانوية تقول: الأحداث المؤلمة جعلتنا لا نُفكِّر بشكل مستقر في رسم مستقبلنا، ومن هذه الأحداث: تدخل الأهل في اختيار مجال التخصص الدراسي، إصرارهم على توجه بعيْنه يجعلني لا أستطيع تحديد طموحي المستقبلي، فكل يومٍ أجد نفسي أتوجَّه لشيء معيَّن، فمثلاً: أنا أهوى الخط وأحرص على الكتابة بخط جميل … إلخ. ثم قالت: وأحياناً أُفكِّر بأن أُصبح فيزيائية وأن أشارك في البحوث العلمية، ولكن أسرتي تريد أن أكون طبيبة...، ثم تقول: أنا لا أريد أن أتزوج ليكون لي أطفال كثيرون، يكفيني طفلٌ واحد أو طفلان لتحقيق طموحي العلمي والدرجات العلمية، ولأمارس هواياتي بكل حُرِّية.

انظر إلى الانتكاس في مفاهيم كثير من فتياتنا.

إن المرأة خُلِقت لتعبد ربَّها -جل جلاله- ولتُكوِّن جيلاً يتربي على الدين والجهاد وحماية الدين، وتربيهم على الفضيلة وما إلى ذلك.

 

إن المرأة خُلِقت لتعبد ربَّها -جل جلاله- ولتُكوِّن جيلاً يتربي على الدين والجهاد وحماية الدين، وتربيهم على الفضيلة وما إلى ذلك.

 

وهذه أخرى تدرس في معهد للحاسب الآلي تقول: اهتمامات فتيات اليوم لم تعُد في كُتُب التثقيف، بل انصرفت إلى القنوات الفضائية، وتقليد المذيعات والفنَّانات في الموضة، أما بالنسبة لي شخصياً فأنا أقضي وقت فراغي في قراءة القصص والروايات والشعر –وما أدراك ما القصص والروايات والشعر!– وأتطلع للحصول على شهادة الدبلوم، وأن أجد وظيفة مرموقة … إلخ.

وهذه أخرى فتاة جامعية تقول: أُفضِّل المشاهد النادرة التي تعلق في الذاكرة، تشدني الرحلات إلى الديار الغريبة والطبائع النادرة غير المألوفة، لا أحبُّ الروتين.

وأخرى تدرس في كلية الاقتصاد المنزلي تقول: أنا من المهْتمَّات بالسفر والتنقل من بلدٍ لآخر، وهذا نابع من شغفي بالتعرف على الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم، وهذا بلا شك سيساعدني على التعرف على أساليب التعامل مع الشعوب المختلفة وتوجهاتهم، وهو باعتقادي مهم بالنسبة لكل إنسان.

السادس: السفر إلى الخارج:

السفر إلى الخارج يجعل الرجل يرى أشياء والمرأة ترى أشياء، وكذلك الأطفال يرون أشياء، فينقلون هذه الأمراض إلى مجتمعنا.

السابع: دور البرامج والتمثيليات:

دور البرامج والتمثيليات في تصوير الرجل الغيور، وما (طاش ما طاش) عنكم ببعيد، حيث يُصَوَّر الرجل الغيور على أنه محل للتندُّر والضحك والاشمئزاز.

يصوِّرون رجلاً غيوراً قد ذهب بزوجته إلى البحر أو إلى البر، ثم يأتي ويضع رواقاً في مكان ليس فيه أحد، ثم يأتي بمنظار فينظر من بعيد هل يوجد أحد هنا أو هناك!! فيضحك الناس منه.

هذه البرامج مقصودة ومدروسة ولم تأْتِ عفويَّة، وإنما جاءت بدراسة ومكرٍ ودهاء، من أجل إفساد بناتكم ومحارمكم وأعراضكم، ومن أجل أن يُصوَّر الغيور على أنه درويش من الدراوشة.

الثامن: ما ألِفَه الناس من مظاهر العري والتكشف والانحلال:

وذلك عبر ما يشاهدونه في المجلات والقنوات والإنترنت والأسواق، وفي أسفارهم وحلِّهم وترحالهم.

هذا ياقوت الحموي صاحب كتاب معجم البلدان، زار بلدة في اليمن يقال لها: ظَفار، يصفها في ذلك الحين قديماً يقول: أهلها عرب وزيّهم زي العرب القديم، وفيهم صلاح مع شراسة في خلقهم وتعصب، ولفت نظره أن فيهم قلة غيرة كأنهم اكتسبوها بالعادة، وذلك أنه في كل ليلة تخرج نساؤهم إلى ظاهر مدينتهم ويسامرنَ الرجال الذين لا حرمة بينهم، ويلاعبْنهم ويجالسْنهم إلى أن يذهب أكثر الليل، فيقبل الرجل على زوجته وأخته وأمه وعمته وإذا هي تلاعب آخر وتحادثه، فيعرض عنها ويمضي إلى امرأة غيره فيجالسها كما فُعِل بزوجته.

يقول: وقد اجتمعت بكثير منهم، وجلست مع أحد فضلائهم، وكان رجلاً عاقلاً أديباً يحفظ شيئا كثيراً، وأنشدني أشعاراً وكتبتها عنه، فلما طال الحديث بيني وبينه قلت له: بلغني عنكم شيء أنكرته ولا أعرف صحته، فبدرني وقال: لعلك تعني السمر؟ قلت: ما أردت غيره، فقال: الذي بلغك من ذلك صحيح، وبالله أقسم إنه لقبيح، ولكن عليه نشأنا، وله مذ خلقنا أَلِفْنا، ولو استطعنا أن نزيله لأزلناه، ولو قدرنا لغيرناه، ولكن لا سبيل إلى ذلك مع مر السنين عليه واستمرار العادة به([29]).

التاسع: دعاة الفتنة وأعداء الفضيلة:

أصحاب الجهود الشيطانية الذين استماتوا في ضرب الضرورات الخمس: "الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال".

يقول أحدهم -قطع الله لسانه- وهو أستاذ جامعي: لن يقِرَّ لي قرار حتى أرى الشاب والفتاة جنباً إلى جنْب في أروقة الجامعة.

وآخر يدعو إلى قراءة جديدة للقرآن الكريم، تُحرَّف فيها النصوص والمعاني.

وثالث يلوح على المناهج، ورابع يُطالب بنزع الحجاب، وآخر بقيادة المرأة للسيارة، وأخرى تقول: ثم ماذا لو اكتشفْت أن ابنتي تحادث شابّاً!.

تفنَّنت أساليبهم، وتعدَّدت طرائقهم، يدعون نساءنا لنزع الحجاب والتمرد على الدين، ويصفونه بأبشع الأوصاف، فتارة يقولون للمرأة المحجبة: خيمة، وتارة يقولون عنها: كأنها غراب على ضلع أسود.

وآخر يقول: هذه بقية من موروثات سلجوقية وعثمانية، وآخر يدعو صراحة إلى هتْكِه، وآخر يُشبِّه المرأة المتحجبة بكيس الفحم.

وآخر يدعو المرأة إلى مخالطة الرجال وممارسة دورها، وإلى مشاركتها في الألعاب الرياضية، والمهرجانات الشبابية، وسباق الفروسية.

وآخر يدعو إلى الاختلاط المبكِّر في المدارس. وآخر يدعو إلى استثمار طاقات النساء في بعض التخصصات لاستغلال نصف المجتمع المعطَّل، وصاروا يتباكوْن على المرأة، ووظائف المرأة، ودور المرأة في الوظيفة والمجتمع، وتارة يتباكوْن على الاقتصاد... وقد كذبوا والله!!

وآخر يقول: أرجو من الأطراف التي كانت ولا تزال تعارض إدخال التربية البدنية في مدارس البنات أن تعيد النظر في آرائها ومواقفها.

وأخرى تقول: لا زالت الأندية النسائية في طريق البداية، وتقول: لكن اعتقد أن مثل هذه النوادي ستكون في المستقبل أكثر تطوُّراً … إلخ.

وآخر يقول: طالبت يوم أمس بإلغاء المناهج الدراسية الحالية، بالنسبة للبنين والبنات حتى نتمكَّن من توفير البيئة العلمية الصالحة لاكتشاف المواهب.

وآخر يعتبر أزمة الجيل في بلادنا من المناهج، فيكتب مقالاً بعنوان: (أزمة الجيل)، وآخر يطالب بقيادة المرأة للسيارة ويقول: طموحُنا لا يتوقف عند قيادة المرأة للسيارة... إلى آخر ذلك مما يكتبون ويقولون.

وهم يستغلون الأحداث -كما في هذه الأيام- فأظهروا قرونهم، وأبدوا نفاقهم، وبدءوا يكتبون كتابة حثيثة، تارة بأسمائهم، وتارة بأسماء مستعارة مكررة، وتارة بأسماء نساء يطالبون فيها بالتهتك ونزع الفضيلة من مجتمعنا.

فيجب على من بسط الله -عز وجل- يدَه أن يأخذ على أيديهم؛ فإن من أعظم مقاصد الولايات: الاحتراز للضرورات الخمس "الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال"، فهم يهدِّدون هذه الضرورات الخمس جميعاً، وبالحفاظ على هذه الكليات الخمس يكون الأمن الحقيقي الذي يجب أن يُحتاط له.

وقد قال سيدهم وزعيمهم في هذا العصر بوش: إن بلاده ستتدخَّل في كل بلدة لم تُحرَّر فيها المرأة.

يقول هذا بعد أن ضجَّوا، كما قالت المفوّضة الأوروبية للشئون الاجتماعية -وهي امرأة-: إن امرأة من أصل خمس تقع ضحية للعنف في أوروبا.

وهذه إدارة بوش تدرس قراراً للفصل بين الرجال والنساء في المدارس، وقد أثبتت الدراسات عندهم –وهذا منشور في صحفنا وصفحهم– أن الأبناء والبنات الذين قد فُصِلت مدارسهم يحقِّقون ألواناً من النجاح والمعدَّلات أكثر من المدارس التي يختلط فيها البنين بالبنات.

ماذا يريد هؤلاء؟ هل يريدون أن نكون كحال أولائك الذين كتب أحدُهم بمرارة يصف ابنته وما جرى معها والتي لم تجاوز أربعة عشر ربيعاً؟!

خرجت في ليلة فنهاها عن ذلك، فاتصلت بالشرطة وهي في غاية العُرِيِّ، فجاءت الشرطة فأخذوه ووضعوه في الحجْز، ثم خرجت مع هذا الرجل، وهو رجل زنجي إفريقي عاطل عن العمل مُدْمِن مخدرات، وهي تتعاطى معه المخدرات، فلما شبِعَتْ منه أسقطت الدعوة عن أبيها، فخرج وهو يبكي على حاله ويقول: سجنوني لأنني منعْتُها من مصاحبة هذا المدمن للمخدرات.

العاشر من أسباب ضعف الغيرة: ضعف الإيمان، واتباع الهوى.

الحادي عشر: الجهل بعِظَم الإثم، وخطورة الدياثة، وتضييع المسئولية.

الثاني عشر: السكوت عن المنكر.

الثالث عشر: الترف الزائد:

هذه امرأة العزيز قد راودت يوسف –صلى الله عليه وسلم- عن نفسه، وشاهدها زوجها عند الباب، وثبت ذلك بالبيِّنة، فماذا كانت ردَّة الفعل؟

كانت ردَّة الفعل: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا29 سورة يوسف، لا تذْكُره لغيرِك؛ لئلا يفتضِح، ولم يُفرِّق بينهما بل أبقاها، وأصبحت تتحدَّى، ولما تحدَّث النساء في المدينة جاءت وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا31 سورة يوسف، ثم أمرتُه بالخروج عليهن، وهذا يدلُّ على أنها بقِيَت معه، وأنها قريبةٌ منه، ولم يُبْعِدْه زوجها عنها، بل توعَّدت وقالت: وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ 32 سورة يوسف، فالذي أمر بالسجن ليس العزيز، وإنما هي المرأة التي كانت تتحكم بهذا الرجل الذي كان منقاداً لها، وهذا المعنى قد بيَّنه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بعبارات بديعة تركت ذكرها اختصاراً.

الرابع عشر مما يضعف الغيرة: الإعلام بكل صوره ومشاهدة العُرِي والتهتُّك:

فالإعلام بجميع صُوَرِه إن لم يكُن محافظاً للفضيلة دافعاً للرذيلة فإنه يكون سلاحاً فتَّاكاً في تدمير الغيْرة على الأعراض.

الخامس عشر: الاسترخاء والشعور بالأمن الزائد: الاسترخاء والشعور بالأمن الزائد والثقة الزائدة في غير محلِّها، فتُتْرَك المرأة تسرح وتمرح كما تشاء.

كيف نُنمِّي الغيـْرة؟

نُنمِّي الغيْرة بأمور كثيرة:

- نربِّي الصغيرات على الحشمة والحياء في اللباس وغيره.

- نُربِّي الأولاد على الغيْرة، نجعل الولد هو الذي يقوم مقام البنت في الكلام مع البائع، هو الذي يذهب يشتري ويدفع.

- ندفع بكل الأمور التي تميت الغيرة، فُنخرج الأطباق-الدشوش- من البيوت، ونُخرج المجلات الهابطة.

- الرجوع إلى الدين، وغرس هذه الأمور في نفوس الناس.

- التأكيد على دور الرجل.

- توعية المجتمع بمثل هذه الأمور.

- معرفة قدر الأعراض؛ فإن معرفة قدر الشيء تدعو إلى المحافظة عليه والاستماتة في سبيله.

آثـار الغيـْرة:

آثار الغيْرة كثيرة جداً منها:

1- أنها قوة تقاوم أدواء القلب المتنوِّعة.

2- أن ذهاب الغيْرة ذهاب للدين.

3- أنها تُحرِّز صاحبها من الفواحش، فإذا كان لا يغار على محارمه فهل يغار على نفسه من أن يقع في فاحشة أو أن يقارف مكروها؟

4- من آثارها أن الله يحبُّ أهلها، فالغيْرة صفة من صفات الله -عز وجل-، فالمؤمن الذي يغار في محل الغيرة قد وافق ربه في صفة من صفاته، ومن وافقه في صفة منها قادته تلك الصفة بزمامه، وأدخلته عليه، وأدنته منه، وقربته من رحمته([30]).

5- من آثارها أنه بوجودها تُصان الأعراض.

وغير ذلك من الآثار الطيِّبة، فأسأل الله -عز وجل- أن يُلهِمَنا وإياكم رُشْدنا، وأن يحفظ أعراضنا وأعراض المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 

[1]  - رواه الإمام أحمد في مسنده (23671) (ج 5 / ص 427)، والحاكم (7465) (ج 4 / ص 231)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (1814).

[2]  - رواه أبو داود في كتاب: الجهاد – باب: في الخيلاء في الحرب (2659) (ج 2 / ص 57)، والنسائي في كتاب: الزكاة   - باب: الاختيال في الصدقة (2558) (ج 5 / ص 78)، وابن ماجه في كتاب: النكاح - باب: الغيرة (1996) (ج 1 / ص 643)، وأحمد (23798) (ج 5 / ص 445)، والدارمي (2226) (ج 2 / ص 200)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (5905).  

[3]  - رواه البخاري في كتاب التفسير – سورة الأنعام – باب قوله تعالى: وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ 151 سورة الأنعام، (4361) (ج 4 / ص 1699)، ومسلم في كتاب: التوبة – باب: غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش (2760) (ج 4 / ص 2113).

[4]  - أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد – باب: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا شخص أغير من الله) (6980) (ج 6 / ص 2698)، ومسلم في كتاب: اللعان (1499) (ج 2 / ص 1136).

[5]  - انظر كتاب: حلية الأولياء للأصفهاني (3/71).

[6] - أخرجه البخاري في كتاب: النكاح – باب: الغيرة (4924) (ج 5 / ص 2002)، ومسلم في كتاب: التوبة – باب: غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش (2762) (ج 4 / ص 2115) وهذا لفظ مسلم.

[7]  - أخرجه البخاري في كتاب: النكاح – باب: الغيرة (4925) (ج 5 / ص 2002) دون قوله: (وإن المؤمن يغار)، وأخرجه بهذا اللفظ الإمام مسلم في كتاب: التوبة – باب: غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش (2761) (ج 4 / ص 2114).

[8]  - أخرجه مسلم في كتاب: التوبة، باب: غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش (2761) (ج 4 / ص 2115).

[9]  - أخرجه مسلم في كتاب الكسوف، باب: صلاة الكسوف (901) (ج 2 / ص 618).

[10] - أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد – باب: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا شخص أغير من الله) (6980) (ج 6 / ص 2698)، ومسلم في كتاب: اللعان (1499) (ج 2 / ص 1136).

[11]  - انظر كتاب: فيض القدير (ج 6 / ص 253).

[12] - نونية ابن القيم -رحمه الله.

[13] - أخرجه مسلم في كتاب: اللعان (1498) (ج 2 / ص 1135).

[14] - أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد – باب: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا شخص أغير من الله) (6980) (ج 6 / ص 2698)، ومسلم في كتاب: اللعان (1499) (ج 2 / ص 1136).

[15]  - انظر كتاب: عمدة القاري في شرح صحيح البخاري لـ ( بدر الدين العيني) (ج 2 / ص 285).

[16]  - أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء والصبيان وغيرهم (858) (ج 1 / ص 305)، ومسلم في كتاب: الصلاة – باب: خروج النساء إلى المساجد إذا لم يترتب عليه فتنة وأنها لا تخرج مطيبة (442) (ج 1 / ص 326).

[17] - أخرجه البخاري في أبواب الصلاة، باب: ما جاء في القبلة ومن لا يرى الإعادة على من سها فصلى إلى غير القبلة (393) (ج 1 / ص 157).

[18]  - أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب الغيرة (4929) (ج 5 / ص 2004)، ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم – باب من فضائل عمر -رضي الله عنه- (2395) (ج 4 / ص 1863).

[19]  - ذكره ابن قدامة في المغنى (ج 9 / ص 337).

[20]  - انظر كتاب: حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني (ج 4 / ص 322).

[21] - انظر : سنن البيهقي (17427) (ج 8 / ص 337)، ومصنف ابن أبي شيبة (27794) (ج 5 / ص 439).

[22] - أخرجه البخاري في كتاب: النكاح – باب: الغيرة (4926) (ج 5 / ص 2002)، ومسلم في كتاب: السلام – باب: جواز إرداف المرأة الأجنبية إذا أعيت في الطريق (2182) (ج 4 / ص 1716).

[23]  - انظر صحيح مسلم في كتاب: السلام - باب: قتل الحيات وغيرها (2236) (ج 4 / ص 1756).

[24]  - أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار - باب: القسامة في الجاهلية (3636) (ج 3 / ص 1397).

[25]  - انظر كتاب: البداية والنهاية لـ (ابن كثير) (ج 11 / ص 81).

[26]  - انظر كتاب: الجواب الكافي لـ (ابن القيم) (ص 43 – 44).

[27] - انظر كتاب: روضة المحبين لـ (ابن القيم) (ص 360).

[28] - انظر كتاب: حادي الأرواح لـ (ابن القيم) (ص 122).

[29]  - انظر : معجم البلدان لـ (ياقوت الحموي) (ج 5 / ص 97).

[30] - انظر كتاب: فيض القدير للمناوي (ج 6 / ص 253).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 2
teleqram
trees
about