(02) المقدمات في الأسماء الحسنى المجلس الثالث
عدد الزوار : 4456
تاريخ الإضافة : 28 شوّال 1428
MP3 : 47215 kb
PDF : 229 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

أسماء الله الحسنى

(2) المقدمات في الأسماء الحسنى: المجلس الثالث

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فأسأل الله -تبارك وتعالى- أن يجعل هذا المجلس خالصاً لوجهه الكريم، ومقرباً إلى مرضاته، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، كان آخر ما تحدثنا عنه ما يتصل بأركان الإيمان بالأسماء الحسنى، وقلنا: إنه يجب على المسلم أن يؤمن بكل اسم سمى الله به نفسه، أو سماه به رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

والركن الثاني: أن نؤمن بما تضمنه هذا الاسم من صفة لله -تبارك وتعالى-.

والركن الثالث: هو الذي سنتحدث عنه وهو ما يتعلق بالآثار التي تتعلق بالأسماء الحسنى:

وهذا الركن له تعلق بما قبله، فالإنسان إذا آمن بالاسم لابد أن يؤمن بما تضمنه هذا الاسم من صفة، ولا يمكن أن يؤمن بالأثر المترتب على ذلك إلا إذا آمن بالصفة، وآمن قبل ذلك بالاسم، فلابد من فهم معاني الأسماء، أن نعرف معانيها وما دلت عليه، فأسماء الله -تبارك وتعالى- لها آثار في هذا الخلق الذي نشاهده، ولها آثار أيضاً فيما يتصل بأمر الله -عز وجل- وحكمه الشرعي، وما شرعه لعباده، فمن نظر في هذا وهذا رأى آثار الأسماء الحسنى ظاهرة جلية لا خفاء فيها.  

وحديثنا إنما هو على الأسماء التي لها أثر، الأسماء المتعدية، ومعلوم أن من أسماء الله -عز وجل- ما ليس بمتعدٍّ، فاسم الله -تبارك وتعالى- "الحي"، و"العظيم" من أسمائه غير المتعدية، ففي مثل هذه الأسماء نؤمن بالاسم ونؤمن بما تضمنه من الصفة، وقلنا: كل اسم يتضمن صفة، وهناك أسماء متعدية، يعني لها آثار متعدية، فلابد من الإيمان بتلك الآثار مع الإيمان بالاسم والإيمان بالصفة التي تضمنها ذلك الاسم، ولذلك نقول: إن هذه الآثار التي يجب أن نؤمن بها يجب على كل مسلم أن يؤمن بها إجمالاً، وأما ما يتعلق بالتفصيل فإن ذلك لا يجب على كل أحد، ولكن الناس يتفاضلون في هذا ويتفاوتون تفاوتاً كبيراً.

وهذا فضل الله -عز وجل- يؤتيه من يشاء، فكلٌّ بحسبه، والله -عز وجل- لا يكلف نفساً إلا وسعها.

وإذا تأملت أسماء الله -تبارك وتعالى- التي تكون متعدية وجدت أن آثارها تترتب عليها ترتب الملزوم على لازمه، والمقتضَى على مقتضيه، وكترتب المرزوق والرزق على الرازق، وكترتب المرئيات والمسموعات على السميع والبصير، وهكذا، فلابد من ترتب الآثار على هذه الأسماء المتعدية، ولهذا فإن الحافظ ابن القيم -رحمه الله- اعتبر العلم بأسماء الله الحسنى أنه أصل العلم بكل معلوم، ووجْه ذلك أن كل المعلومات لا تخرج عن أمرين:

إما أن تكون هذه الأشياء التي نعلمها هي من قبيل خلق الله -عز وجل-، فيدخل في هذا جميع أنواع العلوم التجريبية، والعلوم المادية.

وإما أن يكون ذلك من قبيل العلم بأمره -جل جلاله-، فيدخل في هذا العلم بالله -عز وجل- وأسمائه وصفاته، وأحكامه، كل ذلك داخل فيه، فهذه العلوم إما علم بما كوّنه الله -عز وجل- وخلقه، أو علم بما شرعه، فمصدر الخلق إنما هو عن أسمائه -تبارك وتعالى-، وهكذا أيضاً مصدر الحكم والشرع، يقول الحافظ ابن القيم -رحمه الله-:

أسماؤه دلت على أوصافه *** مشتقةٌ منها اشتقاقَ معانِ

وصفاتُه دلت على أسمائه *** والفعلُ مرتبط به الأمرانِ

والحُكم نسبتها إلى متعلقاتٍ *** تقتضي آثارَها ببيانِ([1])

فأنت لو تصورت الآن في هذا العالم -هذا الخلق الذي تشاهده-: لو كان الحيوان بجملته معدوماً فالله يرزق من؟

الحيوان يقصدون به الأشياء الحية التي فيها روح، فيُدخلون في جملته الإنسان، فهذه الأشياء الحية الله -عز وجل- يقيمها، ويرزقها، فأقواتها وقيامها إنما هو بإقامة الله -عز وجل- لها، فهو الذي يرزق الحيتان في البحر، والديدان تحت الأرض، وهو الذي يرزق سائر المخلوقات بجميع أنواعها، فلو تُصور أنها معدومة فالله يرزق من؟ وإذا فُرض أن المعصية والخطيئة منتفية عن العالم أن الناس في عصمة من المعاصي فالمغفرة تكون لمن؟ عن من يعفو الله -تبارك وتعالى-؟ وعلى من يتوب؟  

وهكذا لو فرض أن الناس جميعاً أغنياء، أنهم مستغنون عن رازق يرزقهم فأين السؤال والتضرع، والافتقار إلى الله –عز وجل- والانطراح بين يديه؟ وأين ما يترتب على ذلك من إجابة سؤال السائلين ودعاء الداعين، وجبر كسر الضعيف -أصحاب القلوب المنكسرة-، وهكذا أيضاً ظهور إفضاله وإنعامه على عبيده؟، الله -تبارك وتعالى- من أسمائه العفو، الغفور، الرحيم، الرازق، كل هذه من أسماء الله -عز وجل- فلو أن الناس كلهم قد استغنوا عن العطاء والرزق، أو كلهم لا يعصون الله -عز وجل- فلمن تكون المغفرة؟، ولمن تكون الرحمة؟، ولمن تكون التوبة؟، فمن أسمائه -تبارك وتعالى- التواب، فلا تظهر آثار الأسماء الحسنى، وإنما اقتضت حكمته -تبارك وتعالى- أن يوجد ذلك جمعياً في الخليقة من أجل أن تظهر آثار أسمائه وكمالاته -جل جلاله-، فاسمه الخالق يقتضي مخلوقاً، والبارئ يقتضى مبروءًا، والمصور يقتضي مصوَّراً، فلابد من ذلك أصلاً، فهذه كلها من الأسماء المتعدية التي تقتضي أثراً ينتج عنها؛ ولذلك يقال: إن اسمه التواب، والغفار يقتضي مغفوراً له، ومن يتاب عليه. 

وهكذا أيضاً من تأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة، كما يمثل الحافظ ابن القيم على الأسماء الأولى التي وردت في أول سورة الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِالفاتحة:1-4، فهو يقول عن الله، والرب، والرحمن: "هذه الأسماء الثلاثة نشأ عنها الخلق والأمر والثواب والعقاب، وهي التي جمعت الخلق وفرقتهم، فلها الجمع والفرق"([2])، يقول: اسم الرب له الجمع الجامع لجميع المخلوقات هل يخرج أحد من ربوبية الله –عز وجل-؟

الجواب: لا، فهو رب للجميع للمؤمن والكافر، وهو رب للجماد، والحيوان والنبات، لا يخرج أحد عن ربوبيته -تبارك وتعالى-، واجتمع الخلق بهذا الاعتبار تحت صفة الربوبية، وأما صفة الألوهية فقد افترقوا فيها إلى مؤمنين وكفار فلها الفرق، الربوبية لها الجمع، والإلهية لها الفرق، فصار الناس إلى طائفتين، إلى فريقين سعداء وأشقياء، انقسموا إلى مؤمنين وكفار، فالدين والشرع والأمر والنهي مظهره وقيامه من صفة الإلهية، والخلق والإيجاد والتدبير صفة من صفات الربوبية، والجزاء والثواب والعقاب والجنة، والنار من صفة الملك.  

فالله -تبارك و تعالى- أمرهم بإلهيته، وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم بربوبيته، وعاقبهم بملكه وعدله، وأما الرحمة فهي التعلق والسبب الواصل بين الله -عز وجل- وبين العباد لا ينفكون عن رحمته بحال من الأحوال، لو تخلى عنهم لهلكوا جميعًا، فالتأليه منهم له، والربوبية منه لهم، والرحمة هي السبب الواصل بين الخالق والمخلوق بها أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب، ووفق من شاء إلى الهدى، وبها أسكنهم دار الكرامة الجنة، وبها رزقهم وعافاهم، وأعطاهم، وأنعم عليهم، وهكذا.

فهذه الآثار وهذه الأسباب التي خلقها الله -عز وجل- هي من لوازم كماله وملكه وقدرته وحكمته، فظهور تأثيرها وأحكامها في عالم الشهادة هو تحقيق لهذا الكمال ولابد، كيف نعرف أنه -تبارك وتعالى- القادر العزيز القوي المتين؟، يهلك أقواماً من العتاة، من المكذبين، من الضالين، من المحادين له ولرسله -عليهم الصلاة والسلام-، فيظهر من ذلك آثار هذه الأسماء، إذا أجدب الخلق تضرعوا إليه فأغاثهم وأعطاهم، فتظهر آثار جملة من الأسماء: الرازق، الرحمن، الرحيم، وهكذا.

إذن ظهور آثار هذه الأسماء الحسنى هو من جملة كماله المقدس، ولا يمكن أن يثبت العبد لله –عز وجل- الكمالات إلا إذا أثبت هذه الآثار في الخلق والأمر، في قضاء الله -عز وجل- وقدره، في وعده ووعيده، ومنعه وإعطائه، وإكرامه وإهانته، وعدله وفضله، كل هذه الأشياء تعرفنا بالمعبود -جل جلاله-

 

ظهور آثار هذه الأسماء الحسنى هو من جملة كماله المقدس، ولا يمكن أن يثبت العبد لله –عز وجل- الكمالات إلا إذا أثبت هذه الآثار في الخلق والأمر، في قضاء الله -عز وجل- وقدره، في وعده ووعيده، ومنعه وإعطائه، وإكرامه وإهانته، وعدله وفضله، كل هذه الأشياء تعرفنا بالمعبود -جل جلاله-

 

، وهي ناشئة وناتجة بل هي من مقتضيات أسمائه الحسنى، فيظهر نتيجة لذلك أنه العفو المنعم، وتظهر سعة حلمه، وتظهر أيضاً شدة بطشه، وهكذا اقتضى كماله أنه في كل يوم له شأن، فمن جملة شئونه أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويشفي مريضاً، ويفك عانياً، وينصر مظلوماً، ويغيث ملهوفاً، ويجير مستجيراً، ويجبر كسيراً، ويغني فقيراً، ويجيب دعوة، ويقيل عثرة، ويعز ذليلاً، ويذل متكبراً، ويقصم جباراً، ويميت ويحيي، ويُضحك ويُبكي، يُضحك أقواماً، ويُبكي آخرين، ويخفض ويرفع، ويعطي ويمنع، فإذا عطل العبد الرب -تبارك وتعالى- عن أسمائه الحسنى وصفاته العليا فإنه بذلك يكون معطلاً لإلهيته، وربوبيته، ورحمته، وملكه، قد عطله عن كمالاته المقدسة، وبهذا تعرفون شؤم مذاهب المعطلة الذين نفوا الأسماء والصفات، أو الذين أثبتوا الأسماء، وقالوا: إنها لا تدل على أوصاف لله -تبارك وتعالى-، فهذا تعطيل للربوبية، والألوهية، والملك، والعزة والرحمة، كل هذه تتعطل وتنتفي؛ ولهذا أنكر الله -عز وجل- على أولئك الذين قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، قال: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ الأنعام:91، فإن حكمته ورحمته تقتضي أن يرسل للعباد رسلاً يبينون لهم ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام، ويعرفونهم بالمعبود -جل جلاله-، ويشرحون لهم الطريق التي توصلهم إلى ربهم وبارئهم وخالقهم -تبارك وتعالى-، فهذا كله من مقتضيات أسمائه. 

والله -تبارك وتعالى- أيضاً قال في حق أولئك الذين أنكروا المعاد، والبعث، والعقاب: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ الزمر:67؛ لأنهم اعتقدوا أن هذ الخلق هذا الإنسان إذا تحول إلى تراب أنه لا يستطيع أحد أن يعيده مرة أخرى إلى هذا الخلق الذي نشاهده، أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ الإسراء:49-51، فلتكونوا أقوى ما يمكن أن يتصوره العقل البشري حجارةً صلبة أو حديدًا، فالله قادر على أن يعيدكم مرة أخرى، فهؤلاء ما قدروا الله حق قدره، أولئك الذين قالوا: إنه لا يقدر على إعادة الإنسان بعد أن صارت عظامه رميماً وتحول إلى تراب.

وأنكر أيضاً على أولئك الذين جوزوا عليه التسوية بين المختلفين، بين أهل الأيمان وأهل الكفر، بين الأبرار والفجار، بين المجرمين والأخيار، أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَالجاثية:21، فإن مقتضى الأسماء الحسنى يأبي ذلك.  

وأخبر أن هذا حكم سيئ لا يليق بالله -عز وجل-: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِالمؤمنون:115-116نزه نفسه عن هذا الحكم، والظن السيئ، والحسبان الذي تأباه أسماؤه الحسنى وصفاته العليا -جل جلاله-، وهذا نظائره في القرآن كثيرة، انظر إلى أسمائه -تبارك وتعالى- الحميد، المجيد، فإن هذه الأسماء تأبى أن يترك الإنسان مهملاً معطلاً سدى لا يؤمر ولا ينهى، ولا يثاب ولا يعاقب.

وهكذا أيضاً اسمه الحكيم، كما أن اسمه الملك يقضتي مملكة، وتصرفاً، وتدبيراً، وإعطاءً، ومنعاً، وإحساناً وعدلاً وثواباً وعقاباً، وهكذا اسمه البر، المحسن، المعطي، المنان، كل هذه تقتضي آثارَها وموجباتها، فتصور أولئك الذين فسدت عقائدهم فلا يؤمنون بأسماء الله -عز وجل- وصفاته، أو أولئك الذين يثبتون ويقولون: هي مجرد أعلام جامدة لا تدل على صفات الكمال، كيف يكون نظر هؤلاء واعتقادهم بربهم -جل جلاله-؟، كيف تقبل عليه قلوبهم؟، وكيف تتوق نفوسهم إلى ألطافه ورحمته وعطائه وبره وكرمه وجوده؟ إذا أصابت الواحد الفاقة، أو المرض، أو وقع في بلية فإن قلبه كيف يتحرك إلى مولاه؛ ليخلصه ويرفعه ويعافيه، وبهذا تعرفون أثر فساد الاعتقاد على سلوك الإنسان، وعمله وعبادته وتفكيره ونظره في الأمور كلها.

والمقصود أن الخلق مرتبط بقدرته -تبارك وتعالى- تمام الارتباط، وهذا يقتضي أن لا يخرج شيء موجود عن قدرته، كما أنه مرتبط بعلمه، فعلمه يقتضي أنه -تبارك وتعالى- قد أحاط بكل شيء علماً، وهو أيضاً مرتبط بحكمته، وذلك يقتضي أن يقع على أحسن الوجوه وأكملها، كل ما يقع في هذا الوجود فإنه وقع على وفق حكمة الله -عز وجل-، وليس ذلك يقع اتفاقاً، أو يقع مجرد لمشيئة قد رجّحت مِثلاً على مِثل بلا رجحان، كما يقول بعض القدرية الذين لم يقدروا الله حق قدره، وما عرفوه حق معرفته.

تأمل في هذا العالم وأجزائه كيف صار منتظماً هذا الانتظام، فإن ذلك يدل على كمال قدرة الخالق -سبحانه وتعالى-، وكمال علمه وكمال حكمته، وكمال لطفه، الحافظ ابن القيم([3])-رحمه الله- يمثل هذا العالم -هذه الدنيا- بالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه ساكنه، فيه مصالحه وآلاته، فالسماء سقفه المرفوع، والأرض مهاد وفراش وبساط ومستقر لهؤلاء الساكنين، والشمس والقمر سراجان يضيئان، والنجوم مصابيح وزينة، والجواهر والمعادن مخزونة فيه كالذخائر، وضروب النبات مهيَّأ لمآربه، وصنوف الحيوان مصروفة لمصالحه فمنها الركوب، ومنها الحلوب، ومنها الغذاء، ومنها اللباس، والأمتعة والآلات، ومنها الحرس الذي يحرسه، كيف ركبه الله -عز وجل- وكونه، وأوجده بهذه الطريقة، وبهذا الانتظام، وتتحقق بذلك مصالح العباد، ويكون محلا صالحاً لإقامة العبودية لله -تبارك وتعالى- وعمارة الأرض، هذا كله لا شك مرتبط بقدرته وحكمته وعلمه ومشيئته وأسمائه وصفاته.

الركن الرابع: الذي لابد منه حتى يكون العبد محققاً للإيمان بأسماء الله الحسنى: هو أن يدعو ربه بها، والدعاء هنا يشمل نوعين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة.

-       دعاء العبادة:

يقتضي أن يتعبد العبد لربه -تبارك وتعالى- بمقتضى هذه الأسماء، فتؤثر معرفة هذه الأسماء في عبودياتنا الظاهرة والباطنة، هناك أسماء الله -عز وجل- يحب من عباده أن يتصفوا بموجبها، فهو -تبارك وتعالى- عفو يحب العفو وأهله، جواد يحب الجود وأهله، جميل يحب الجمال وأهله، رحيم يحب من عباده الرحماء، وتر يحب الوتر، رفيق يحب الرفق، حكيم كريم ماجد محسن ودود صبور شكور يطاع فيشكر، ويُعصى فيغفر، والله محسن يحب المحسنين، طيب يحب كل طيب، عليم يحب العلماء من عباده، كريم يحب الكرماء، قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، بر يحب الأبرار، عدل يحب أهل العدل، حيي ستيّر يحب أهل الحياء والستر، غفور عفو يحب من يعفو عن عباده ويغفر لهم ويتجاوز عن زلاتهم وأخطائهم وإساءاتهم، وهو صادق يحب الصادقين، ولمحبته -تبارك وتعالى- لمقتضيات أسمائه -جل جلاله- أمر عباده بموجبها ومقتضاها، فأمرهم بالعدل، والإحسان، والبر، والعفو، والجود، والمغفرة، والرحمة، والصدق، والعلم، والشكر، والحلم، والأناة، والتثبت، وما إلى ذلك.

وهذا كله يرجع إلى الأسماء التي يليق بالعبد أن يعمل بمقتضاها، أو كما يعبر بعضهم: أن يتعبد الله -عز وجل- بها، فالكبر مثلاً الله من أسمائه المتكبر فلا يليق بالعبد أن يقول: أريد أن أحقق هذه الصفة، فهو عفو يحب العافين عن الناس، وكريم يحب الكرماء، وهو المتكبر يحب المتكبرين، لا، الكبر لا يصلح إلا للخالق -جل جلاله-، وهكذا ما كان من الصفات التي لا تليق بالمخلوق أن يتصف بها.

والمقصود أن أكمل الناس عبودية لله -عز وجل- هو المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر مما يصلح لمثلهم أن يتصفوا به، فلا تحجبه عبودية اسم من هذه الأسماء عن عبودية اسم آخر، كمن يحجبه التعبد باسمه القدير عن التعبد باسمه الحليم الرحيم، أو التعبد بأسماء التودد والبر واللطف والإحسان عن أسماء العدل والجبروت والعظمة، ونحو ذلك، هذا بالنسبة للتعبد لله بأسمائه -تبارك وتعالى.

-    دعاء المسألة:

فيسأل العبد ربه، والله يحب الداعين والسائلين، وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْغافر:60، فيسأل ربه -تبارك وتعالى- بهذه الأسماء الحسنى في كل مقام بما يناسبه، ويليق به، فالله -تبارك وتعالى- يحب من عبده أن يفعل ذلك فيقول الداعي: اللهم اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم، كما جاء في الأدعية التي ذكرها الله –عز وجل- في كتابه: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ البقرة:127، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُالبقرة:128، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ آل عمران:8.

وسليمان -عليه الصلاة والسلام- قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ص:35.

والخليل وإسماعيل -عليهما الصلاة والسلام- كان من دعائهما: وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الغفور)([4])، ولما سألته عائشة -رضي الله عنها- عما تدعو به في ليلة القدر علمها أن تقول: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)([5]).

فلا يقول: اللهم إنك أنت القوي العزيز الجبار فاغفر لي، وإنما يقول: يا غفور اغفر لي، ويا رحيم ارحمني، ويا رزاق ارزقني، ويا جبار اجبرني. 

وهكذا في كل مقام بحسبه، وإذا تأملت الدعاء والثناء على الله -تبارك وتعالى- في القرآن مثلاً وجدت أن الثناء غالباً يأتي مضافاً إلى أسماء الله -عز وجل- الحسنى الظاهرة دون الضمائر، تقول: الحمد..، هذا ثناء، إضافة المحامد إلى الله -عز وجل- وتكريره ثانياً هو الثناء، وذكره ثالثاً هو التمجيد، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، "الحمد لله" أضافه إلى اسمه -تبارك وتعالى- الظاهر هنا، يعني ما أضافه إلى الضمير، ما قال: "الحمد له"، قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الفاتحة:2-3، مضافاً هنا إلى أسمائه الظاهرة، وسر ذلك -والله تعالى أعلم- كما يقول الحافظ ابن القيم أن تعليق الثناء بأسمائه الحسنى لما تضمنته معانيها من صفات الكمال ونعوت الجلال، فيأتي بالاسم الظاهر ولا يأتي بالضمير؛ لأن الاسم الظاهر له دلالات لا يؤديها الضمير، لو تقول: "الحمد له"، فإن الضمير هنا لا يدل على صفة، لكن لما تقول: "الحمد لله" فالله -تبارك وتعالى- هذا الاسم الكريم متضمن لصفة الألوهية، وصفة الألوهية تتضمن الكثير من الصفات، فإنه لا يكون إلهًا إلا من كان ربًّا، وقادراً عليماً حكيماً مدبراً لهذا الكون يفعل ما يشاء لا راد لحكمه، ولا معقب لقضائه، هذا هو الإله، ولهذا تقول: الحمد لله، الحمد لربي، الحمد لخالقي، الحمد للكريم، الحمد للعزيز، الجبار، المتكبر، فأنت تضيف الحمد، أو الثناء للأسماء الظاهرة ولا تضيفه للضمائر؛ لأن هذه الأسماء تدل على أوصاف الكمال التي استحق الرب -جل جلاله- الحمد من أجلها، وأما الدعاء فإنه يأتي غالباً متعلقاً باسم الرب -تبارك وتعالى-، لماذا أكثر دعاء الأنبياء -كما قال الشاطبي([6])، والحافظ ابن  القيم-([7])يأتي مع اسم الرب؟، إذا تأملت: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَاالأعراف:23، رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَاآل عمران:193، رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌهود:47، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول بين السجدتين: (رب اغفر لي، رب اغفر لي)([8]).   

وسر ذلك -والله تعالى أعلم- أن العطاء والتدبير، والمنع، والتصريف كل ذلك من معاني الربوبية، فإذا قال العبد: رب اغفر لي فإن ما يصدر من الرب -تبارك وتعالى- من غفر أو رزق أو إحياء أو إماتة أو إهلاك أو غير ذلك كل هذا من معاني ربوبيته، فإذا دعا العبد قال: رب ارزقني، رب انصرني، رب اغفر لي، وهكذا، والله تعالى أعلم. 

فنحن نثني على الله -تبارك وتعالى- بإلهيته المتضمنة لإثبات جميع ما يجب له من الصفات العلى والأسماء الحسنى، ونسأله تعالى ربنا بربوبيته، تأمل كل ما في القرآن سُبْحَانَ اللَّهِالمؤمنون:91، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَالصافات:180، سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الحديد:1، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَالأعراف:54، وما شابه ذلك، هذه أربعة أركان لابد منها للعبد حتى يؤمن بأسماء الله -تبارك وتعالى-، وقد ذكر الحافظ ابن القيم -رحمه الله- في نونيته معتقد أهل السنة والجماعة في هذا الباب فقال:

واشهد عليهم أنهم قد أثبتوا *** الأسماء والأوصاف للديانِ

وكذلك الأحكام أحكام الصفات *** وهذه الأركان للإيمانِ

قالوا عليم وهو ذو علم *** ويعلم غاية الإسرار والإعلان

إلى أن قال:

والوصفُ معنى قائم بالذات *** والأسماء أعلام له بوِزانِ

أسماؤه دلت على أوصافه *** مشتقة منها اشتقاق معانِ

وصفاته دلت على أسمائه *** والفعل مرتبط به الأمرانِ

والحُكم نسبتها إلى متعلقاتٍ *** تقتضي آثارَها ببيان([9])

هذه أمور أربعة.

رابعاً: ما يتعلق بإحصاء الأسماء الحسنى:

الحديث: (إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة)([10])، ما معنى هذا الإحصاء؟

هذه اللفظة في كلام العرب تأتي بمعنى العد، تقول مثلاً: حصيتُ الحصى إذ عددته، ومن ذلك قول الأعشى:

فلستُ بالأكثر منهم حصًى *** وإنما العزة للكاثر([11])

ويقولون للعد: إحصاء، هذا معنى، ومن المعاني التي تأتي لها هذه اللفظة أنه يقال: الحصاة: العقل، ومنه قول الشاعر:

وأنّ لسان المرء مالم تكن له *** حصاةٌ على عوراته لدليلُ([12])

يقول: الإنسان إذا كان ما في عقل يحجز هذا اللسان من الانفلات والانطلاق فيتكلم الإنسان في كل شيء، ويهرف بما لا يعرف فإنه بذلك يدل على عوراته

وأنّ لسان المرء ما لم تكن له *** حصاةٌ -عقل يحجزه ويمنعه- على عوراته لدليلُ

وهناك معنى ثالث أيضاً وهو الإطاقة عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ المزمل:20يعني: تطيقوه فما يتعلق بقيام الليل، فَتَابَ عَلَيْكُمْالمزمل:20إذا كانت هذه معاني الإحصاء في كلام العرب فما المراد بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أحصاها دخل الجنة)، هل المراد به العد؟ أو المراد عقل معانيها؟ أو المراد بذلك معنى آخر؟

من أهل العلم من قال: المراد منه العد، (من أحصاها) أي: استطاع أن يعدها، أي: جمعها وحفظها وأحاط بها، والمقصود بالإحاطة عند هؤلاء أنه استطاع أن يستقرئ هذه الأسماء، وأن يجمعها، أي: أن يعرف ألفاظها، فهذا معنًى ذهب إليه كثير من أهل العلم في تفسير الحديث، واحتجوا برواية الحديث عند البخاري في الصحيح، وهي قوله -صلى الله عليه وسلم-: (من حفظها دخل الجنة)([13])، قالوا: إن كلمة أحصاها تحتمل عدة معانٍ، وهذه الرواية تبين الإجمال الذي وقع فيها، من أحصاها: أي حفظها، وهذا ذهب إليه الإمام البخاري -رحمه الله- وقال به جماعة كالخطابي، والنووي، وعزاه النووي لأكثر أهل العلم، وهو اختيار ابن الجوزي. 

وبعض العلماء الذين قالوا بهذا القول قال: إن الناس يتفاوتون في ذلك، وهذا المعني -التفاوت- قد صرح به القرطبي -رحمه الله- قال: "إن مقتضى رحمة الله -عز وجل- أن يحصل هذا الإفضال والعطاء -دخل الجنة- على أقل ما يصدق عليه هذا اللفظ" من أحصاها وهو مجرد حفظ الألفاظ، يقول: فضل الله -عز وجل- عظيم، والله كريم، لماذا نعقد هذه القضية، ونقول: الإحصاء أصعب مما تتخيلون وأمره ليس بالسهل وهو شديد ولا يقع إلا للواحد بعد الواحد؟، لا، بل نقول: يصدق على أقل ما يمكن أن يراد بهذا اللفظ، فمن عدها فقد أحصاها، ثم الكمال على درجات، يأتي فوقه من عرف معانيها، ويأتي فوقه من تعبد الله -عز وجل- بهذه الأسماء، تعبده بالدعاء، وتعبده أيضاً بألوان العبوديات التي تقتضيها هذه الأسماء الحسنى، وهذا القول له وجه.

ومن أهل العلم من قال: إن الإحصاء المراد به الإطاقة، قالوا: قوله: (من أحصاها) مفسر بقول الله -عز وجل-: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ المزمل:20 أي: أن لن تطيقوه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (استقيموا ولن تُحصوا)([14])، يعني لن تقدروا و لن تطيقوا أن تأتوا بالاستقامة على الوجه الكامل لكن سددوا وقاربوا، قالوا: المراد هنا أن العبد يطيق الأسماء الحسنى، بمعنى أنه يحسن المراعاة لها بعد أن يعرف ألفاظها، هذه الأسماء المحصورة التي أشار إليها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن لله تسعة وتسعين اسماً)، فإذا استطاع العبد أن يستقرئها عرف ألفاظها، وأحسن المراعاة لها، وعمل بمقتضاها، فإذا قال: اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ الحج:61 يعلم أن الله يسمعه ويراه، وأنه لا تخفى عليه خافية فيخاف الله -عز وجل- في سره وعلانيته، قالوا: هذا هو المراد بالإحصاء.

وذهبت طائفة أخرى من أهل العلم إلى أن المراد بالإحصاء هو المعرفة، وعقل المعاني، فيكون المراد: من أحصاها أي عرفها وعقل معانيها وآمن بها دخل الجنة، وهذا قال به أبو نعيم، وقال به المفسر ابن عطية([15]).

ومن أهل العلم من حملة على أكمل معاينه، وهو الذي ذهب إليه الحافظ ابن القيم -رحمه الله- قال: "إن الإحصاء لا يكون إلا بمعرفة الأسماء"([16])، أي: أن يجمعها العبد -يعرف ألفاظها-، وأن يعرف معانيها، وأن يتعبد لله -عز وجل- بمقتضاها، لابد من هذه الأمور الثلاثة.   

ومن أهل العلم من قال: المقصود بالإحصاء هو أن يقرأ القرآن كاملاً، وهذا يمكن أن يوجه كما قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- بأنهم قصدوا بذلك أن هذه الأسماء موجودة في القرآن([17])، فإذا قرأ العبد كتاب الله فإنه يكون بذلك قد مر على جميع الأسماء الحسنى، أي أنه يتتبع ذلك من القرآن.

ولا شك أن من تمام المعرفة لأسماء الله وصفاته التي يستحق بها ما ذُكر في الحديث "دخل الجنة" هو أن يعرف العبد الألفاظ أو يعرف مدلولات هذه الألفاظ، وإذا كان ذلك لا يؤثر فيه عملاً ولا إيماناً فإن هذا العلم من العلم الذي لا ينتفع به، فيحتاج العبد إلى أن تظهر آثارها عليه في قلبه، ولسانه، وجوارحه، وهذا الذي ذكره كثير من أهل العلم كالطلمنكي من أهل السنة([18])، وطائفة، ومثل القرطبي -رحمه الله- قال: هذه مراتب ثلاث لأهل الإيمان كما يقال مثلاً: بأن هناك مرتبة للسابقين ومرتبة للصديقين، ومرتبة لأصحاب اليمين، فمن عرف ألفاظها فقط فهذا من أهل اليمين، ومن عرف المعاني فهو من الصديقين، ومن عمل بمقتضاها فهو من السابقين"([19])، وهذا المعنى ذكره جماعة ولا حاجة للتطويل فيه أكثر من هذا.

خامساً: هل أسماء الله -عز وجل- محصورة بعدد معين؟

الحديث يقول: (إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة)، ما المقصود؟

هل المقصود أن أسماء الله تعالى محصورة بتسعة وتسعين؟ أو أن المقصود هو أن هذه الأسماء التي أشار إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- لها مزية معينة وهي أن من أحصاها دخل الجنة؟

العلماء -رحمهم الله- مختلفون في عدد أسماء الله الحسنى، فعامة أهل العلم -الذي عليه الجمهور- يقولون: إن أسماء الله الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد يمكن أن يصل إليه الخلق، أسماء الله أكثر من أن نحيط بها، هذا الذي عليه عامة أهل العلم وهو القول الذي لا ينبغي العدول عنه، وهو مذهب سلف هذه الأمة

 

العلماء -رحمهم الله- مختلفون في عدد أسماء الله الحسنى، فعامة أهل العلم -الذي عليه الجمهور- يقولون: إن أسماء الله الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد يمكن أن يصل إليه الخلق، أسماء الله أكثر من أن نحيط بها، هذا الذي عليه عامة أهل العلم وهو القول الذي لا ينبغي العدول عنه، وهو مذهب سلف هذه الأمة

 

، بل إن من أهل العلم من قال كالنووي -رحمه الله-: إنه محل إجماع([20]).

والصحيح أن الإجماع لا يثبت في هذا؛ لأنه يوجد من خالف كابن حزم([21])، والسهيلي([22])، والرازي([23])، قالوا: إنها محصورة، والذين قالوا: إنها محصورة اختلفوا في العدد، فبعضهم قال: إنها محصورة في ثلاثمائة اسم، وهذا لا دليل عليه، ومنهم من قال: ألف، ومنهم من قال: ألف وواحد، ومنهم من قال: أربعة آلاف، ومنهم من يقول: مائة وأربعة وعشرون ألفاً عدد الأنبياء، وهذا لا دليل عليه، ومنهم من يقول: إن أسماء الله هي تسعة وتسعون اسماً فقط.

هكذا فهموا من الحديث، ومجموع ما ذكره العادون مما يصلح أن يكون اسماً لله -عز وجل- أو لا يكون لأن الذين حاولوا جمع الأسماء كثير، خلق من العلماء، بعضهم ألف في ذلك مصنفات مستقلة، وبعضهم ذكرها ضمن كتاب من كتبه، فلو حاولنا أن نستقرئ كل ما ذكروه مما يصلح أن يكون اسماً لله وما لا يصلح فإن ذلك يزيد على مائتين وثمانين اسماً، هذا جملة ما عده العادون، ومما يدل على أن أسماء الله -عز وجل- لا تحصر بعدد ما جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)([24])، وجه الاستدلال أنه لو كان يحصي جميع الأسماء الحسنى لأحصى الثناء على الله -تبارك وتعالى-، هكذا استدل به أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "درء التعارض"([25])، وغيره.

وكذلك حديث الشفاعة الطويل، وفيه: (ثم يفتح الله عليّ من محامده، وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي)([26]).

وكذلك أيضاً حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما أصاب عبداً هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك، وابن أمتك...-إلى أن قال-: أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)([27]).

وهذا من أوضح الأدلة على أن من أسماء الله -عز وجل- ما لم يُطلع عليه أحداً من الخلق، لا ملكًا مقرباً، و لا نبيًّا مرسلاً، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- جعل الأسماء على هذه الأقسام الثلاثة:

1.     قسم أنزله في كتابه.

2.     قسم علمه أحداً من خلقه.

3.     قسم استأثر به في علم الغيب عنده.

وبهذا نعرف أن الواجب علينا إزاء أسماء الله -عز وجل-، وصفاته التي استأثر بها في علم الغيب عنده أن نقر بالعجز، والوقوف عند ما أذن لنا فيه من ذلك، نؤمن بالأسماء التي أخبرنا عنها، ونكل علم ما لم نعلم إلى عالمه، وأما الحديث وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)، فهذه صفة وليست بخبر، أي أن لله تسعة وتسعين اسماً لها شأن خاص، لها مزية خاصة، كما تقول: فلان له خمسة دور قد أعدها للضيوف، وكما تقول: لفلان ألف ريال قد أعدها للصدقة، هل تفهم من هذا أن كل ما يملكه هو ألف ريال، وأن كل الدور التي عنده هي خمسة فقط؟.

لا، وإنما هذه الألف من شأنها كذا، فالله -تبارك وتعالى- له تسعة وتسعون اسماً لها مزية، وشأن خاص، وهو أن من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا ينفي عنه أن تكون له أسماء أخرى غير هذه الأسماء، هكذا قال المحققون كشيخ الإسلام ابن تيمية([28])، والخطابي([29])، والحافظ ابن حجر([30])، والقرطبي صاحب المفهم([31])، والبيهقي([32])، بل نقل الإمام النووي -رحمه الله- أن هذا الحديث المذكور ليس للحصر، قال: "إن هذا باتفاق العلماء"([33])، وهو الذي قال به الحافظ ابن كثير([34])-رحم الله الجميع.

كل ما ذكرناه هو في المقدمات لمّا ندخل بعد على كل اسم على حدة، وهذه المقدمات في غاية الأهمية، وهي توطئة لما سيذكر في الكلام على الأسماء، وسنتكلم على معنى كل اسم، وما يتعلق به من حكم، والآثار الإيمانية، وما أشبه هذا، فإذا عرفنا هذه القضايا التي سنذكرها الآن بعد ذلك يمكن للإنسان أن يدرك ما يقال، ويربط بين هذا كله، ويعلم أن هذا كله يدخل تحت الإيمان بهذه الأسماء الكريمة.

فأسأل الله -تبارك وتعالى- أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.



[1]- الكافية الشافية لابن القيم (ص: 173).

[2]- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 57).

[3]- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (1/ 206).

[4]- أخرجه الترمذي، أبواب الدعوات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، باب ما يقول إذا قام من مجلسه، برقم (3434)، وابن ماجه، باب بر الوالدين، باب الاستغفار، برقم (3814)، وأحمد في المسند، برقم (4726)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط الشيخين"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (3486).

[5]- أخرجه الترمذي، أبواب الدعوات عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، برقم (3513)، وابن ماجه، أبواب الدعاء، باب الدعاء بالعفو والعافية، برقم (3850)، وأحمد في المسند، برقم (25384)، وقال محققوه: "إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (3337).

[6]- الموافقات (4/ 203).

[7]- بدائع الفوائد (2/ 194).

[8]- أخرجه أبو داود، باب تفريع أبواب الركوع والسجود، باب ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم (874)، والنسائي، كتاب التطبيق، باب الدعاء بين السجدتين، برقم (1145)، وابن ماجه، أبواب إقامة الصلوات والسنة فيها، باب ما يقول بين السجدتين، برقم (897)، و(898)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، برقم (818).

[9]- نونية ابن القيم (ص: 173).

[10]- أخرجه البخاري، كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار، والشروط التي يتعارفها الناس بينهم، وإذا قال: مائة إلا واحدة أو ثنتين، برقم (2736)، وبرقم (7392)، كتاب التوحيد، باب إن لله مائة اسم إلا واحدا، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، برقم (2677).

[11]- البيت للأعشى، انظر: شرح الكافية الشافية (2/ 1135)، والخصائص (1/ 185)، وشرح ابن الناظم على ألفية ابن مالك (ص: 343).

[12]- انظر: مقاييس اللغة (2/ 70)، وديوان طرفة بن العبد (ص: 67)، وتاج العروس (37/ 442)، ونسب البيت لكعب بن سعد الغنوي، والصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (6/ 2315).

[13]- أخرجه البخاري، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، برقم (2677).

[14]- أخرجه ابن ماجه، أبواب الطهارة وسننها، باب المحافظة على الوضوء، برقم (277)، وأحمد في المسند، برقم (22378)، وقال محققوه: "حديث صحيح، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الصحيح"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (952).

[15]- انظر: فتح الباري لابن حجر (11/ 226).

[16]- انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 126)، وفائدة جليلة في قواعد الأسماء الحسنى (ص: 30).

[17]- انظر: فتح الباري لابن حجر (11/226- 227).

[18]- انظر: المصدر السابق (11/ 226).

[19]- لم أقف على هذا النقل.

[20]- شرح النووي على مسلم (17/ 5).

[21]- انظر: المحلى بالآثار (1/ 50-51).

[22]- انظر: فتح الباري لابن حجر (11/ 221)، والمجلى في شرح القواعد المثلى (ص: 131).

[23]- انظر: تفسير الرازي (22/ 14).

[24]- أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم (486).

[25]- درء تعارض العقل والنقل (4/ 16).

[26]- أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا الإسراء:3، برقم (4712).

[27]- أخرجه أحمد في المسند، برقم (3712)، وقال محققوه: "إسناده ضعيف"، وابن حبان في صحيحه، برقم (972)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (199).

[28]- انظر: مجموع الفتاوى (6/ 382)، ودقائق التفسير (2/ 475).

[29]- أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) (2/ 1342).

[30]- انظر: فتح الباري لابن حجر (11/220).

[31]- المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (22/ 77)، الشاملة غير موافق للمطبوع.

[32]- انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (1/ 27), والاعتقاد للبيهقي (ص: 53).

[33]- انظر: شرح النووي على مسلم (17/ 5).

[34]- انظر: تفسير ابن كثير (3/ 515).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about