(05) المقدمات في الأسماء الحسنى المجلس السادس
عدد الزوار : 2211
تاريخ الإضافة : 20 ذو القعدة 1428
MP3 : 53012 kb
PDF : 250 kb

بسم الله الرحمن الرحيم

أسماء الله الحسنى

(5) المقدمات في الأسماء الحسنى: المجلس السادس

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فما زال الحديث عن القواعد التي يطلب معرفتها في باب الأسماء والصفات:

فالتاسعة عشرة: أن الصفة متى قامت بموصوف لزمها أمور أربعة، أمران لفظيان، وأمران معنويان:

فاللفظيان: ثبوتي، وسلبي، والثبوتي أن يُشتق للموصوف منها اسم، والسلبي أن يمتنع الاشتقاق لغيره.

والمعنويان أيضاً ثبوتي وسلبي، فالثبوتي أن يعود حكمها إلى الموصوف، ويخبر بها عنه، والسلبي أن لا يعود حكمها إلى غيره، ولا يكون خبراً عنه.

اللفظيان: الثبوتي أن نشتق للموصوف منها اسمًا، والسلبي أن يمتنع الاشتقاق لغيره.

والمقصود بأن نشتق للموصوف منها اسمًا هذا من حيث العموم والإطلاق، فإذا قامت صفة بإنسان مثل: الكتابة، فنقول: إنه كاتب هذا اسم، وإذا قامت بالإنسان صفة مثل: الكرم، نقول: هو كريم، وإذا قام به وصف مثل السرقة، نقول: هو سارق، فهذا الوصف يرجع إليه هو، وهذه القاعدة يحتاج إليها في تقرير اعتقاد أهل السنة، والرد على المعتزلة، فمثلاً صفة الكلام هنا يقال: إن الله -عز وجل- متكلم على سبيل الإخبار.       

ولكن ليس المقصود بأن يُشتق له منها اسم أننا نسميه بما لم يسمِّ به نفسه، وإنما من حيث الإخبار، وباب الإخبار كما قلنا يتوسع فيه، ففرق بين هذا وهذا، وإنما نقصد بالاسم هنا ما هو مغاير أو ما هو قسيم للفعل والحرف، فنقول: الله -عز وجل- متكلم، لكن ليس من أسمائه المتكلم، لكن متكلم ليست فعلا وليست بحرف هذا هو المقصود، بينما المعتزلة ماذا يقولون؟، يقولون: الله كلم موسى لكنه خلق الكلام في الشجرة، وأهل السنة يقولون: لا، إذا ثبتت الصفة اشتُق له منها اسم فيقال: متكلم، لكن نحن نعلم أن باب الصفات أوسع من باب الأسماء، فهنا نقول: إن الله -تبارك وتعالى- متكلم، وإنه يتكلم، وحينما نقول: متكلم لا يعني أننا نسميه باسم لم يسمِّ به نفسه، فليس من أسمائه المتكلم لكن من باب الإخبار عنه، فهذا الذي أطلقناه في باب الإخبار هل هو اسم أو فعل أو حرف؟ اسم لكن هؤلاء من أهل البدع عمومًا ومن المعتزلة يرد عليهم من يرد من أهل الكلام ومن أهل السنة ممن خالفهم يقولون: لا يمكن أن يوصف بصفة تقوم في محل منفك عنه، فيقولون: خلق الكلام في الشجرة هذا غير صحيح إطلاقاً، فإنما الصفة تقوم بالموصوف وهي ملازمة له، ويصح أن يخبر بها عنه، يعني يُشتق اسم له منها فيقال: فلان سارق، وفلان كاتب، وفلان قارئ، إذا قامت به صفة القراءة، تخبر عنه بذلك، وإن كان ليس من أسماء فلان قارئ أو كاتب، اسمه زيد أو عمرو فلا نسميه بأسماء بمعنى أن هذه الأسماء يمكن أن تكون كاسمه الذي سماه به أبوه، فالله -تبارك وتعالى- له المثل الأعلى، سمى نفسه بأسماء لا يجوز للمخلوق أن يسميه بما لم يسمِّ به نفسه، فلا نشتق له من عند أنفسنا من أوصافه أسماء نسميه بها فنقول: الله -عز وجل- قال مثلاً: إنه يكتب سَنَكْتُبُ مَا قَالُواآل عمران:181، فلا نقول: من أسمائه كاتب، لكن يمكن في باب الإخبار نقول: إن الله كاتبٌ ما يقول هؤلاء، أو ما يعمله هؤلاء أو نحو ذلك، فقولنا: كاتب هذا اسم، هذا معنى: يُشتق له منها اسم، وإلا فكما سبق لا يجوز لنا أن نشتق لله أسماء نسميه بها، نقول: هذه من أسمائه الحسنى، وهو لم يسمِّ نفسه بذلك، هذا هو الفرق بين البابين، الذي أتحدث عنه هنا هو باب أوسع، هو باب الإخبار عنه إما بالفعل أو بالاسم، فنقول: الله -تبارك وتعالى- مثلاً موجود، موجود اسم، نقول: الله شيء، الله ذات، فهذه كلها أسماء لكن ليس ذلك من أسمائه الحسنى، فرق بين البابين.  

إذن من قامت به صفة يُشتق له منها اسم فيقال: هو كاتب، هو قارئ -يعني في الناس-، ولا يضاف ذلك إلى غيره ممن لم يقم به هذا الوصف، وهكذا أيضاً في الأمرين المعنويين، أن يعود حكمها إلى الموصوف ويخبر بها عنه، ولا يعود حكمها إلى غيره، ولا يكون خبراً عنه.

القاعدة العشرون: أن الأسماء الحسنى تنقسم باعتبار إطلاقها على الله -تبارك وتعالى- إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الأسماء المفردة، حينما نقول: الله، العزيز، الرحمن، المتكبر، الجبار، فنطلق عليه الاسم بمفرده، وهذا يكون في عامة الأسماء الحسنى لله -تبارك وتعالى-، فتقول: يا الله، يا عزيز، يا رحمن، تذكر الاسم بمفرده.

والقسم الثاني: وهي الأسماء المقترنة، وضابطها ما يطلق عليه مقترناً بغيره من الأسماء، وهذا أيضاً يقع في غالب الأسماء الحسنى، هذا مثل الأول لكنه جاءت بعض الأسماء مقترنة مثل: الرحمن والرحيم، العزيز الحكيم، الرءوف الرحيم، العليم الخبير، اللطيف الخبير، فجاءت مقترنة، ولو أنك أفردت واحداً فقلت: يا لطيف، الله لطيف، الله خبير، الله عليم، فلا إشكال، لكن نجد في القرآن مثلا وفي السنة في كثير من المواضع جاءت مقترنة مع غيرها وذلك كما أشرنا في بعض المناسبات يعطي كمالا أو وصفاً ثالثاً، فإذا قلنا: هو اللطيف الخبير فاللطيف الذي يعلم دقائق الأشياء، والخبير الذي يعلم باطن الأشياء وخفاياها، فإذا اجتمع هذا وهذا، العزيز الحكيم فالعزة إذا اقترنت مع الحكمة فهذا كمال ثالث، في المخلوقين العزة إذا وجدت وحدها تحمل على كثير من العسف والظلم والقهر والتسلط بغير حق وما أشبه ذلك، فيضع الأمور في غير مواضعها، ويوقعها في غير مواقعها، أما الله -تبارك وتعالى- فهو عزيز حكيم، عليم حكيم، إنما يتخلف الوقوع على الحق والصواب إما بسبب نقص العلم، وإما بسبب نقص الحكمة، قد يكون عنده علم لكنه لا يضع الأشياء في مواضعها، فالله -عز وجل- عليم حكيم، فهذا يعطي وصفاً ثالثاً، وهكذا، وتجدون هذا في كثير من ختم الآيات في كتاب الله -تبارك وتعالى-، فهنا لك أن تفرد الاسم ولك أن تقرنه بغيره سواء في حال الدعاء أو في حال  الثناء عليه، أو في حال الإخبار عنه، فأنت مخير.

القسم الثالث: وهي الأسماء المزدوجة، وذلك عند من يثبت لله -عز وجل- الأسماء التي تكون متقابلة ولابد فيها من الاقتران، وسبق الكلام في هذه القضية عند الكلام على ضوابط ما يطلق على الله -عز وجل- من الأسماء، من أهل العلم من لا يعتبر هذا من الأسماء، ومنهم من أثبته في الأسماء كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن القيم -رحمه الله- يقول في هذا النوع في نونيته:

هذا ومن أسمائه ما ليس يُفرد *** بل يقال إذا أتى بقرانِ

لابد من الاقتران، ولا يكون كمالاً إلا مع الاقتران.

وهي التي تدعى بمزدوجاتها *** إفرادها خطرٌ على الإنسانِ

إذ ذاك موهمُ نوعِ نقصٍ جل رب *** العرش عن عيب وعن نقصانِ

كالمانع المعطى وكالضار الذي*** هو نافعٌ وكماله الأمرانِ

ونظير ذا القابض المقرون*** باسم الباسط اللفظان مقترنان

القابض الباسط، المعطي المانع.

وكذا المعز مع المذل وخافض*** مع رافع لفظان مزدوجانِ([1])

الخافض الرافع، المعز المذل، النافع الضار عند من أثبت هذا في باب الأسماء، والمسألة ترجع إلى الضابط الذي ذكرناه، والعلماء مختلفون في هذه هل تعد من الأسماء الحسنى أو لا، فمن أثبتها قال: لابد من الاقتران، ما تقول: الله الضار هكذا، تقول: الله هو النافع الضار، ما تقول: الله هو المذل، تقول: هو المعز المذل، ما تقول: الله هو المانع، الله هو المعطي المانع، ما تكون كمالاً إلا مع ذكر ما يقابلها، هذه المزدوجات وضابطها: ما لا يطلق عليه بمفرده بل مقروناً بمقابلة؛ لأن الكمال في اقتران كل اسم منها بما يقابله، ولهذا ما جاءت مفردة، ولم تطلق عليه إلا مقترنة.

الحادية والعشرون: أن الصفات أربعة أنواع:    

منها: ما هو صفات كمال، مثل: الكرم، العزة، الحكمة، العلم، وما شابه ذلك، هي صفة كمال من كل وجه، نحن نتكلم على الصفات من حيث هي بصرف النظر عن صفات الله -عز وجل-، الصفات التي تطلق على الموصوفين منها ما يكون كمالاً مثلما مثلت.

ومنها: ما يكون نقصاً مثل: الظلم.

ومنها: ما لا يقتضي كمالاً ولا نقصاً من حيث هو.

ومنها: ما يكون كمالاً ونقصاً باعتبارين، في حال يكون من قبيل الكمال، وفي حال يكون من قبيل النقص، فالله -تبارك وتعالى- منزه عن صفات النقص كلها، وفيما يتعلق بالأوصاف نحن نثبت له الأوصاف الكاملة من كل وجه، ويُثبت له من الأوصاف التي تكون كاملة من وجه وناقصة من وجه يثبت له الكامل منها فقط مثلما يقال مثلاً في الكيد: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًاالطارق:15-16، فالكيد في محله يكون كمالاً، وقد لا يكون كمالاً في بعض المواضع، فكما ذكرنا من قبل في معاني أسماء الله -عز وجل- الحسنى: أن ما تحتمله من المعاني والأوصاف أننا نثبت لله -عز وجل- منها الأكمل، أما ما كان ناقصاً فإنه لا يثبت لله، والله -تبارك وتعالى- ينزه عنه، فهذه أربعة أنواع.

الثانية والعشرون: أن من أسمائه الحسنى ما يكون دالا على عدة صفات، ويكون ذلك الاسم متناولاً لجميعها تناول الاسم الدال على الصفة الواحدة لها، يعني الآن مثل: الكريم يدل على صفة واحدة، وهي الكرم، الرحيم يدل على صفة الرحمة، لكن هناك أسماء تدل على مجموعة من صفات الكمال، من هذه الأسماء ما يدل على ثلاث صفات كمال، منها ما يدل على أربع، منها ما يدل على خمس، ومنها ما يدل على أكثر من ذلك، فمن أسمائه مثلا التي تدل على مجموعة من الأوصاف العظيم، المجيد، الصمد، كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير الصمد قال: "هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع شرفه وسؤدده وهو الله -سبحانه وتعالى-، وهذه صفة لا تنبغي إلا له، ليس له كفو، وليس كمثله شيء"([2])، ففسر ابن عباس -رضي الله عنهما- الصمد بهذه المجموعة من الأوصاف الكاملة، فلا يقال: إن الصمد مثلاً مثل الرحيم يدل على صفة الرحمة فقط، وإنما يدل على مجموعة من الصفات الكاملة، وقل مثل ذلك بالنسبة للرب، السيد الذي قد كمل في سيادته، والمربي لخلقه، والمتصرف فيهم، وما إلى ذلك من المعاني.  

قضية أخرى وهي ما يطلق على الله -تبارك وتعالى- من الصفات، أو الأخبار، والمقصود بالصفة هي تلك الإطلاقات التي وردت بها نصوص شرعية تدل على وصف الله بها.

وأما الخبر فالمقصود به تلك الإطلاقات العامة الكلية التي لم يرد لوصف الله -تبارك وتعالى- بها دليل لا من الكتاب ولا من السنة، وشرط جوازها أنها لا تحمل معانيَ غير لائقة بالله -تبارك وتعالى- لا تُشعر بذم ولا بنقص ولا عيب، فهذه الإطلاقات على الله -تبارك وتعالى- من جهة الصفة والخبر تنقسم إلى ستة أقسام:

منها: ما يرجع إلى الذات، سواء كان ذلك في باب الصفات أو في باب الإخبار الذي هو أوسع من باب الصفات، مثلاً حينما تقول: الله ذات، أو الله شيء، هذا من باب الخبر ليس من أسمائه -تبارك وتعالى- ذلك لكن هذا في باب الإخبار، تقول: الله موجود، فهذه الأشياء ترجع إلى الذات.

ومنها: ما يرجع إلى صفات معنوية، مثل: العلم، القدرة، السمع.

ومنها: ما يرجع إلى الأفعال مثل: الخالق، الرازق.

ومنها: ما يرجع إلى التنزيه المحض مثلما نقول: القدوس، السلام، المقدس عن كل عيب ونقص، الطاهر من كل عيب، لكن هذه كما قلنا يجب أن تكون متضمنة لثبوت كمال أضدادها

 

القدوس، السلام، المقدس عن كل عيب ونقص، الطاهر من كل عيب، لكن هذه كما قلنا يجب أن تكون متضمنة لثبوت كمال أضدادها

 

، فإذا قلت: هو المنزه عن كل عيب هذا يقتضي أنه الكامل من كل وجه الذي ثبتت له صفات الكمال.

النوع الخامس: وهو الاسم الدال على جملة أوصاف متعددة لا تختص بصفة معينة كالصمد.

والنوع السادس: وهي الصفة الثالثة التي تحصل من اقتران الاسمين كما تقدم حينما يقول: العزيز الحكيم، نخرج بوصف ثالث.  

ومن المسائل التي تذكر في هذا الباب: ما يتعلق بأنواع الصفات التي يوصف ربنا -تبارك وتعالى- بها يمكن أن نقسم الصفات باعتبارات مختلفة، فإذا نظرت إلى الشيء من جانب معين يمكن أن تقسمه إلى أقسام كما نقول في كثير من الدروس: إننا يمكن أن نقسم الإنسان مثلاً فنقول: بالنسبة للجنس ينقسم إلى ذكر وأنثى، وبالنسبة للدين ينقسم إلى مؤمن وكافر، وبالنسبة للصحة والاعتلال ينقسم إلى صحيح وعليل، وهكذا فنحن حينما نقسم الشيء ننظر إليه من زوايا متعددة، فينقسم باعتبارات مختلفة، فالصفات يمكن أن تنقسم باعتبارات مختلفة مثلاً: من حيث الإثبات والنفي هناك عندنا صفات ثبوتية، وهي ما أثبته الله -عز وجل- لنفسه أو أثبته له رسوله -صلى الله عليه وسلم- مثل: العزة، والعلم، والحكمة، والقدرة،  والضحك، والكلام، وما أشبه ذلك.

وهناك صفات سلبية وهي ما نفاه الله عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهذه أوصاف نقص ينزه الله -تبارك وتعالى- عنها مثل: السِّنة والنوم، لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌالبقرة:255، ولكن كما قلنا: يقتضى ثبوت ضده، فإذا قلت: لا تأخذه سنة ولا نوم فهذا يتضمن كمال حياته وقيوميته، فالحياة التي تعتريها السنة والنوم حياة ناقصة، والله -تبارك وتعالى- منزه عن ذلك.

الاعتبار الثاني الذي يمكن أن نقسم به الصفات نقسمها من حيث التعلق بذات الله وأفعاله فهناك صفات يقال لها: الصفات الذاتية، وهي التي لم يزل ولا يزال متصفاً بها مثل: العلم، والقدرة، والحياة، والسمع، والبصر، والوجه، واليدين، فهذه من صفاته -تبارك وتعالى- الذاتية، وهناك صفات فعلية وهذه تتعلق بمشيئته وإرادته إن شاء فعلها وإن لم يشأ لم يفعلها، فالمجيء، والنزول، والغضب، والفرح، والضحك كل هذا ثبت في الأحاديث، وبعضه ثبت في القرآن وهذه تسمى بالصفات الاختيارية.

وأفعاله -تبارك وتعالى- نوعان: نوع لازم، ونوع متعدٍّ، فالاستواء على العرش، والنزول ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، وهكذا الإتيان كل ذلك ثابت لله -عز وجل-، وهي من الصفات اللازمة، ومن الأفعال اللازمة، هناك أفعال متعدية مثل: الإعطاء، الخلق، الرزق، هذه تتعدى إلى معطًى، إلى مرزوق، إلى مخلوق، الخلق يقتضي مخلوقاً، وهكذا. 

الاعتبار الثالث الذي يمكن أن نقسم الصفات بالنظر إليه هو من حيث ثبوت الصفات والأدلة التي ثبتت بها، هناك ما يسمى بالصفات الخبرية، وهذه التي تكون متوقفة على الخبر، على النقل فقط، على الوحي لا مدخل للعقل في إثباتها، مثل ماذا؟

حينما يخبرنا الله -عز وجل- بأن له وجهاً يليق بجلاله وعظمته، أو بأن له يدين، أو بأن له صفات كالفرح، والضحك، والغضب، ونحو ذلك، لا يمكن أن نعرف هذا بالعقل، وإنما هذا متوقف على النقل، على السماع من الكتاب والسنة فقط.

وهناك صفات يقال لها: سمعية عقلية بمعنى أن العقل يدركها، لكن نحن لا نثبت لله -عز وجل- صفة بمجرد العقل، وإنما طريق ذلك الوحي، ولكن من الصفات ما يدركه العقل مثل: الحياة، أليس ذلك قد جاء في المنقول وأيضاً العقل يدل عليه؟ العقل يدل عليه، أن الله متصف بالحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والخلق، والإعطاء، والرزق، أليس ذلك كله يعرف بالعقل؟ من الذي خلق السموات والأرض، والجبال والناس، وهذا الخلق العجيب الدقيق بهذه التفاصيل؟، هو الله -تبارك وتعالى-، فالعقل يدل على ذلك، وهو ثابت أيضاً في الكتاب والسنة، فهذه يقال عليها: سمعية وعقلية، يعني من جهة الدليل الذي عرفت به تنقسم بهذه الاعتبارات.

والألفاظ التي يعبر بها عن الله -تبارك وتعالى- في هذا الباب أيضاً أقسام:

منها: ما يكون كمالاً مطلقاً لا نقص فيه بوجه من الوجوه، فهذا يسمى الله به، ويوصف به وهذا لابد أن يكون ثابتًا في الكتاب أو السنة، فهو كامل في ذاته، وفي موضوعه، ومتعلقه مثل: السميع، البصير، فهذا ثابت في الكتاب والسنة وهي أوصاف كاملة من كل وجه في ذاتها، وفي موضوعها ومتعلقها.

وإما أن تدل على كمال في ذات اللفظ لا في موضوعه ومتعلقه؛ لأن الموضوع والمتعلق منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، فيحتمل النقص بالتقدير، فهذا لا يسمى الله به، وإنما قد يوصف الله به ويخبر به عنه، فمثلاً: الكلام هذا اللفظ من حيث هو يعتبر كمالا، لكن بالنظر إلى متعلقه قد يكون نقصاً وقد يكون كمالاً، يتكلم بماذا؟ الإنسان يوصف بأنه يتكلم لكن هذا الكلام قد يكون نقصاً بالنظر إلى متعلقه يعني ما يقع عليه الكلام، ما يتكلم به، الموضوع الذي يتحدث عنه، قد يكون غيبة، قد يكون كذباً، قد يكون نميمة، فالكلام لا يكون كمالاً بالنظر إلى متعلقه في كل الحالات، فمثل هذا لا يسمى الله به، مثل: الإرادة، الإرادة من حيث هي كمال، لكن بالنظر إلى متعلقها قد يكون يريد الخير وقد يكون يريد الشر، هذا بالنسبة للموصوف بها بإطلاق، لا نتحدث عن الله -عز وجل-، فإذا كان الوصف بالنظر إلى متعلقه أو موضوعه يكون تارة كمالاً وتارة نقصاً فإن الله -عز وجل- لا يسمي به، فلا يقال: الله من أسمائه المريد، المشيئة كمال من حيث هي، وبالنظر إلى متعلقها قد تكون المشيئة للخير وقد تكون المشيئة للشر، قد تكون نقصاً وقد تكون كمالاً بالنظر إلى موضوعها، ولهذا لا نسمى الله -عز وجل- بالشائي مثلاً.    

وقد تكون دالة على الكمال والنقص في ذاتها فهي تحتمل الكمال والنقص في معناها نفسه، فهذا لا يطلق على الله -عز وجل-، وإنما يذكر مقيداً، مثل: المكر، والكيد، والاستهزاء، والمخادعة، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْالنساء:142، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُالأنفال:30، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْالبقرة:15، فهذه إنما تكون كمالاً بما قيدت به فقط، ولهذا لا يسمى الله -تبارك وتعالى- بشيء من ذلك، انتهينا من القواعد.

الخامس عشر: وهي لفتة وفي ضمنها دعوة إلى التأمل فيما يذكره الله -تبارك وتعالى- لنا في كتابه مما نجده في كثير من الآيات من تذييل الآيات بالأسماء الحسنى، وهذا له دلالة ينبغي أن يتدبر الإنسان وأن يتفطن لهذا المعنى، فإذا تأملت هذه الأسماء التي تختم بها الآيات فإنك يمكن أن تستخرج جملة أمور:

1. أن ذلك يكون تارة للدلالة على أن الشرع، والأمر، والخلق كله صادر عن أسماء الله الحسنى، ومرتبط بها، وإليكم هذا المثال من سورة الحج (59-65)، انظر ما ذكره الله -سبحانه وتعالى- فيها، 

الله -عز وجل- يقول: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا [الحج:58]، وقال: لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ الحج:59، فختم هذه الآية بالعليم والحليم، وهذا يقتضي علمه بنياتهم الجميلة وأعمالهم الجليلة، وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا، ومقاماتهم العالية الشامخة فيجازيهم على ذلك بالفضل العظيم، ويعفو، ويحلم عن سيئاتهم، وكأنهم ما فعلوها، ولهذا قال: وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ، عليم بأعمالهم وما خرجوا من أجله، وما لاقوا من الشدائد والمشقات والأذى في سبيله فهو حليم لا يعاجل عدوهم بالعقوبة، وإنما يمهل، وهو أيضاً يحلم عن سيئاتهم وتقصيرهم وجناياتهم، ثم قال الله -تبارك وتعالى- بعدها: ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌالحج:60، هؤلاء الذين أوذوا أخرجوا من ديارهم وأخذت أموالهم وأصيبوا في أبدانهم.    

إذا حصل منهم انتقام فليس عليهم في ذلك حرج، لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ فختمها بهذين الاسمين فإنه أباح المعاقبة بالمثل، وندب إلى مقام الفضل، وهو العفو، وعدم معاقبة المسيء، وأنه ينبغي لكم أن تعبدوا الله بالاقتداء والعمل بهذين الوصفين لتنالوا عفوه، ومغفرته فهو العفو الغفور، يقول: من انتقم لا حرج عليه، ثم قال لهم في أسمائه: إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ، يرشدهم إلى العفو والغفر، وأنها مرتبة أعلى، ثم قال بعدها: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌالحج:61، وهذا يقتضي سمعه لجميع أصوات ما سكن في الليل والنهار، وبصره بحركاتهم على اختلاف الأوقات وتباين الأحوال، ثم قال: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُالحج:62، وذلك لأن علوه المطلق وكبرياءه وعظمته ومجده يضمحل معه جميع المخلوقات ويبطل معه كل ما عبد من دونه، وبإثبات كمال علوه وكبريائه يتعين أنه هو الحق، وما سواه هو الباطل، هو الكبير العلي، وما دونه فزيف، أو زيوف لا اعتداد بها من الآلهة المدّعاة، ما يعبد من دون الله -تبارك وتعالى-، ثم قال بعده: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ الحج:63، فذكر هذين الاسمين اللطيف الخبير الدالين على سعة علمه ودقيق خبرته بالبواطن كالظواهر، ثم قال: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُالحج:64، فختم بهذين الاسمين الغني والحميد بعدما ذكر ملكه للسموات والأرض وما فيهما من المخلوقات، وأنه لم يخلقها لحاجة منه فإنه الغنيُّ الغِنى المطلق، خلقها لا ليتكمل بها -سبحانه وتعالى- فهو الحميد الكامل؛ وإنما ليدل خلقه على أنهم جميعاً فقراء إليه من جميع الوجوه وذلك يستوجب عليهم أن يعرفوه بأنه هو الحميد في أقداره، والحميد في شرعه، والحميد في جزائه، فله الحمد المطلق ذاتاً، وصفاتاً وأفعالاً، ثم قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ الحج:65، ختم بهذين الاسمين الرءوف والرحيم، فإن من رأفته ورحمته تسخيرَ المخلوقات لبني آدم، وحفظَ السموات والأرض وإبقاءَها وإمساكها؛ لئلا تزول فتختل مصالحهم، ومن رأفته ورحمته أن سخر لهم البحار؛ لتجري الفلك في منافعهم ومصالحهم، فرحمهم حيث خلق لهم المسكن وأودع لهم فيه كل ما يحتاجونه، وحفظها عليهم وأبقاها، وهكذا انظر إلى الآيات عموماً في كتاب الله -عز وجل- تجد أشياء من هذا، والشيخ عبد الرحمن بن سعدي في القواعد الحسان ذكر ذلك وتكلم عليه بكلام جميل فليراجع.

2. يمكن أن نستخرج من النظر والتأمل في ختم الآيات بالأسماء الحسنى أن الله يذكر ذلك ليبين أن الحكم المذكور في الآية له تعلق بالاسم، فيكون هذا الاسم كالتعليل في الحكم، انظروا مثلاً: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُالبقرة:54، و"إنّ" هنا تشعر بالتعليل كأنه يقول: تاب عليكم لأنه هو التواب الرحيم.

3. أن الله قد يذكر الاسم في آخر الآية دون ذكر الحكم والجزاء فيها؛ تنبيهاً لعباده أنهم إذا عرفوا الله بذلك الاسم العظيم عرفوا ما يترتب عليه من أحكام، وأن ذلك الحكم من آثار هذا الاسم، مثال: بعد أن ذكر الله إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا المائدة:33، قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ المائدة:34، ما قال: إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاتركوهم أو فاعفوا عنهم، ما ذكر الحكم في هؤلاء الذين تابوا قبل التمكن منهم لكنه قال: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، بمعنى اتركوهم، وهذا ظاهر من الآية.

4. يمكن أن نستنبط أن الله قد يختم بعض الآيات بالأسماء الحسنى؛ تعليلاً للأمر الوارد في الآية، أو تعليلاً للنهي الوارد فيها، مثال على تعليل الأمر: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌالتوبة:5، والله -عز وجل- يقول: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌهود:90، نستغفره ثم نتوب إليه؛ من أجل أن يرحمنا، فختم الآية بهذين الاسمين؛ ليكون ذلك تعليلاً للأمر بالاستغفار والتوبة، وفيه حث عليهما.

5. وهو أن الله قد يختم بعض الآيات التي فيها دعاء باسم، أو اسمين يتناسبان مع الدعاء المطلوب، وهذا من الأدب في دعاء الله -عز وجل- بأسمائه الحسنى، الله يقول: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُالبقرة:127-128، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُآل عمران:8.

6. أن بعض الآيات تختم باسمين مختلفين تماماً في المعنى، وذلك لإفادة حكمين مختلفين وردا في الآية، فيتعلق مقتضى الاسمين بكل من الحالتين والحكمين المختلفين كل اسم بما يناسبه، انظر مثلاً: الله يقول بعدما يذكر الأنبياء في سورة الشعراء: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الشعراء:9، فكل قصة من قصص الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- تضمنت نجاة النبي، وأتباعه، وهذا بلطف الله ورحمته، وتضمنت إهلاك المكذبين له، وذلك من آثار عزته فإذا ذكر قصة نبي قال: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، بعزته قهر هؤلاء المكذبين، وبرحمته نجّى المؤمنين، فذكر العزة والرحمة مع أن الغالب أن الذي يذكر مع الرحمة المغفرة، هنا ذكر معها العزة؛ لأن الآيات تضمنت هذا وهذا.

7. بعض الآيات قد تختتم أحياناً ببعض الأسماء التي قد يتوهم السامع أنه لا مناسبة بينها وبين موضوع الآية، أو الدعاء الوارد فيها، أو نحو ذلك، لكن الواقع أنه في غاية المناسبة، فمثلاً: في سورة المائدة فيما قص الله -سبحانه وتعالى- من خبر عيسى -عليه السلام- في الآخرة فعيسى -عليه السلام- حينما يسأله ربه -تبارك وتعالى-: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّالمائدة:116، إلى أن قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَالمائدة:118، ما قال: الغفور الرحيم، قال: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُالمائدة:118 قد يتبادر إلى كثير من الأذهان أن هنا يقال: الغفور الرحيم، فلماذا قال: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ؟

قال ذلك؛ لأن هذا مقام يغضب فيه الرب -تبارك وتعالى- غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، فهؤلاء نسبوا له الصاحبة والولد، وجاءوا بهذا الإجرام العظيم، فعيسى -صلى الله عليه السلام- لا يريد أن يجعل نفسه مدافعاً عنهم ومحامياً عنهم في ذلك المقام فيطلب لهم المغفرة والرحمة، وإنما يقول: هؤلاء هم عبادك بين يديك إن غفرت فأنت الغفور الرحيم، وإن عذبت فإنك أنت العزيز الحكيم، وهنا معنى آخر وهو أنك إن غفرت فليس ذلك عن عجز بالمؤاخذة، إن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، تغفر وأنت قادر عليهم وعلى معاقبتهم وأخذهم.

8. الثامن والأخير: وهو أن من ألطف مقامات الرجاء أن يذكر الله أسباب الرحمة، وأسباب العقوبة، ثم يختمها بما يدل على الرحمة، وهذا تجدونه في مواضع من القرآن الله يقول: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُآل عمران:129، ما قال: وهو مثلاً العزيز القوي، لا، قال: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌآل عمران:129، يقول مثلاً: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًاالأحزاب:73، فهذا يدل على أن رحمة الله -عز وجل- قد سبقت غضبه -جل جلاله.

السادس عشر: ما يتعلق بأهمية معرفة الأسماء الحسنى والصفات العلى أقول: 

أولاً: العلم بذلك هو أشرف العلوم، الناس قديماً وحديثاً أولعوا بالعلم والمعرفة والاكتشاف، والبحث حتى الصغير يكسر اللعب، وما يقع في يديه يكتشف ما الذي يحصل، ويضع يده على النار، ويضع في فمه كل ما يقع في يده؛ ليكتشف هذا الذي وجده ما هو، فهذه غريزة في الإنسان، والناس يتنافسون في مراكز الأبحاث في العالم، فالذين يقدرون البحث والعلم والمعرفة وينفقون عليها الأموال الطائلة -المليارات- كل ذلك من أجل المزيد من العلوم والمعارف، فينقبون ويبحثون ويرسلون الآلات والمراكب الفضائية، والغواصات ويجوبون القفار، ويبحثون في باطن الأرض، وفي كل مكان من أجل الاكتشاف والمعرفة والوصول إلى العلم والحقيقة وما إلى ذلك، وتفرعت العلوم وتنوعت، وكثرت التخصصات، وانتسب إليها الخلائق الذين لا يحصيهم إلا الله -تبارك وتعالى- في ألوان المعارف الدقيقة حتى صار التخصص ينقسم إلى تخصصات فرعية جزئية، يمكن أن ينقسم الواحد منها إلى تخصصات، وهذه علوم تتفاوت في شرفها تفاوتاً عظيماً.

وإذا كان الأمر كذلك والناس يتسابقون في العلم والمعرفة، فالعلم بالله وأسمائه وصفاته هو أشرف العلوم على الإطلاق، ومع ذلك نجد الخلق عنه في غفلة إلا من رحم الله -تبارك وتعالى-، فأين الذين يتنافسون في هذا ليتعرفوا على الله -عز وجل- من خلال ما ذكره من أسمائه وصفاته، وما ذكره رسوله -صلى الله عليه وسلم-؟، أين الانكباب على دراسة هذه الأشياء ومعانيها، وما لها من الآثار العظيمة في النفس والخلق والشرع؟، فهذا العلم مطلوب لنفسه، مراد لذاته، فالله -عز وجل- يقول: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًاالطلاق:12، فأخبر أنه خلق السموات والأرض ونزّل الأمر بينهن؛ ليعلمنا أنه عالم وعليم بكل الأشياء، وأنه على كل شيء قدير.

فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة أن يعلموا أن الله هو الواحد الأحد، الفرد الصمد الذي يفعل ما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، فهو الذي يستحق التأليه وحده والعبادة.

فالله يقول: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُمحمد:19 فالعلم بوحدانيته تعالى، وأنه لا إله إلا هو مطلوب لذاته، وإن كان لا يكتفى به وحده، بل لابد معه من عبادته وحده لا شريك له، فهما أمران مطلوبان لأنفسهما: أن يُعرف المعبود بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن يعبد بموجب ذلك ومقتضاه، وشرف العلم بشرف المعلوم، وشرف العلم بشرف متعلقه، لذا كان الطب مثلاً الذي يتعلق ببدن الإنسان أشرف من الطب الذي يتعلق ببدن الحيوان، فالطبيب البشري أشرف من الطبيب البيطري في المهنة، الذي يعمل في المعادن ويشتغل بالذهب غير الذي يشتغل في الحديد، فهذا حداد، وهذا صائغ للذهب، فصنعة هذا أفضل من صنعة هذا، الذي يشتغل بالطب، ويشتغل بطبابة القلوب أشرف من الذي يشتغل بطبابة الجلد مثلا، أو أشرف من الذي يشتغل بطبابة الركبة، وهذا أمر معلوم.

والأطباء يعرفون هذا، وهذا في كل التخصصات، وفي كل العلوم.

فشرف العلم تابع لشرف معلومه، ولا ريب أن أشرف معلوم وأعظمه وأكبره هو الله -تبارك وتعالى- الذي لا إله إلا هو رب العالمين، وقيوم السماوات والأرضين.

فأصل كل معلوم ومنشؤه هو العلم بالله -تبارك وتعالى-، فمن عرف الله عرف ما سواه، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل كما قال الله -تبارك وتعالى-: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْالحشر:19، والقرآن كما نشاهد لا تكاد تخلو آية من آياته من صفة لله -سبحانه وتعالى-، أو اسم من أسمائه الحسنى كما يقول شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله-: إن القرآن فيه من ذكر أسماء الله تعالى وصفاته وأفعاله أكثر مما فيه من ذكر الأكل والشرب والنكاح في الجنة مثلاً، والآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظم قدراً من آيات المعاد؛ لأن أعظم آية في القرآن هي آية الكرسي المتضمنة لجملة من أسماء الله وصفاته الكاملة، وذلك ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم لما قال لأبي بن كعب: (أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟)، قال: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُالبقرة:255، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- له: (لِيَهْنك العلم أبا المنذر)([3]).

يعني هنيئاً لك بالعلم حينما عرفت هذه المعرفة التي ميزت بها هذا التمييز.

وأفضل سورة في القرآن هي أم القرآن، هي الفاتحة كما في حديث أبي سعيد بن المعلى، قال: مر بي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت ثم أتيت، فقال: (ما منعك أن تأتيني؟)، فقلت: كنت أصلي، فقال: (ألم يقل الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْالأنفال: 24، ثم قال: (ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد)، فذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- ليخرج من المسجد فذكّرته، فقال: (الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته)([4])، وفيها من ذكر أسماء الله وصفاته أعظم مما فيها من ذكر المعاد كما لا يخفى، وقد ثبت في الصحيح، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)([5])، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الإخلاص:1، إنما هي في صفة المعبود -جل جلاله-.

والأمر الثاني: مما يدل على أهمية معرفة الأسماء والصفات أن ذلك هو أساس الإسلام، وهو الإيمان بأسماء الله وصفاته، وهو الطريق إلى معرفة الله -عز وجل-

 

مما يدل على أهمية معرفة الأسماء والصفات أن ذلك هو أساس الإسلام، وهو الإيمان بأسماء الله وصفاته، وهو الطريق إلى معرفة الله -عز وجل-

 

، فهذا "أصل الدين وأساس الهداية وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول"([6])، وذلك أن معرفة الله -جل جلاله- هي غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا كما يقول شيخ الإسلام: "خلاصة الدعوة النبوية، وزبدة الرسالة الإلهية"([7])، كما أن سر العبودية وغايتها وحكمتها إنما يطلع عليها من عرف صفات الرب -جل جلاله-، ولم يعطلها، وعرف معنى الإلهية وحقيقتها كما يقول ابن القيم([8]).  

وبهذا نعرف أن أجل الفوائد وأشرفها ما دل عليه الكتاب العزيز من معرفة الله بصفات كماله ونعوت جلاله، وآياته ومخلوقاته، ومعرفة ما يترتب على ذلك من عبادته، وطاعته وتعظيم أمره ونهيه، فهذان الأصلان هما زبدة الرسالة، ومقصود النبوة، ومدار الأحكام عليهما، وإذا شاء العباد أن يعرفوا ربهم ومعبودهم ويزدادوا به علماً فليس أمامهم من طريق إلا التعرف عليه عبر النصوص الواصفة له، والمصرحة بأفعاله وأسمائه؛ لأن الله غيب لا يرى في الدنيا، فلا نعرفه إلا عن طريق النظر في معاني الأسماء الحسنى والصفات الكاملة، والله -تبارك وتعالى- أوجز في القرآن خلاصة الرسالات السماوية في آية واحدة وهي قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِالأنبياء:25، وقال أيضاً موجزاً خلاصة ما أوحاه إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-: قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَالأنبياء:108، فمفتاح الدعوة الإلهية معرفة الله -جل جلاله- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ لأنه كما قال شارح الطحاوية: "لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا لذة ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بما سمى به نفسه، أو وصف به نفسه، ويكون أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه ويدنيها من مرضاته"([9])، فبعث ربنا -تبارك وتعالى- الرسل، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود الحق بأسمائه وصفاته وأفعاله؛ فهو -سبحانه وتعالى- مستوٍ على عرشه كما يقول ابن القيم، يكلم ملائكته، ويدير مملكته، ويسمع أصوات خلقه، ويرى أفعالهم وحركاتهم، ويشاهد بواطنهم كما يشاهد ظواهرهم، يأمر وينهى، ويرضى ويغضب، ويحب ويسخط، ويضحك من قنوطهم وقُرب غِيَره، يجيب دعوة مضطرهم، ويغيث ملهوفهم، ويعين محتاجهم، ويجبر كسيرهم، ويغني فقيرهم، ويميت ويحيي، ويمنع ويعطي، ويؤتي الحكمة من يشاء، مالك الملك، قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌآل عمران:26، كل يوم هو في شأن؛ يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويفك عانياً، وينصر مظلوماً، ويرحم مسكيناً، ويغيث ملهوفاً، ويسوق الأقدار إلى مواقيتها، ويجريها على نظامها، ويقدم ما يشاء تقديمه، ويؤخر ما يشاء تأخيره، فالأمور كلها بيده، وكيف تصمد القلوب إلى من ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلا به، ولا منفصلاً عنه -كما يقول أهل الكلام-؟، وكيف تأله القلوب من لا يسمع كلامها، ولا يرى مكانها، ولا يُحِب ولا يُحَب؟  تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيراً.

وقد ذكر أبو القاسم الأصبهاني صاحب كتاب: "الحجة" نقلاً عن بعض أهل العلم يقول: "لو أن رجلاً أراد أن يتزوج إلى رجل أو يزوجه أو يعامله طلب أن يعرف اسمه وكنيته واسم أبيه وجده، وسأل عن صغير أمره وكبيره، فالله الذي خلقنا ورزقنا نرجو رحمته ونخاف من سخطته أولى أن نعرف أسماءه وتفسيرها"([10]).

فالمقصود: "أنه لا يستقر للعبد قدم في المعرفة بل ولا في الإيمان حتى يؤمن بصفات الرب -جل جلاله-، ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل بربه، فالإيمان بالصفات وتعرفها هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان"([11])، كما قال الحافظ ابن القيم -رحمه الله-.

والتوحيد الذي جاءت به الرسل -عليهم السلام- نوعان: نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد، ويسمى الأول التوحيد العلمي، والثاني بالتوحيد القصدي والإرادي؛ لتعلق الأول بالإخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة، ومدار النوع الأول من التوحيد على إثبات صفات الكمال لله تعالى، وعلى نفي التشبيه والمثال عنه وتنزيهه عن العيوب والنقائص.

بل قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله-: إن الإيمان بأسماء الله الحسنى ومعرفتها يتضمن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأنواع هي روح الإيمان ورَوْحه، وأصله وغايته، فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته ازداد إيمانه وقوي يقينه([12])

والمقصود: أنه على أساس العلم الصحيح بالله وبأسمائه وصفاته يقوم الإيمان الصحيح، والتوحيد الخالص، وتُبنى مطالب الرسالة، فهذا التوحيد هو أساس الهداية والإيمان، وهو أصل الدين الذي يقوم عليه، ولذلك فإنه لا يتصور إيمان صحيح ممن لا يعرف ربه، فهذه المعرفة لازمة لانعقاد أصل الإيمان، وهي مهمة جدًّا للمؤمن لشدة حاجته إليها لسلامة قلبه وصلاح معتقداته، واستقامة أعماله، وقد جعل الله -عز وجل- منكر صفاته مسيء الظن به، وتوعده بما لم يتوعد به غيره من أهل الشرك والكفر والكبائر، فقال: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَفصلت:22-23، ظنوا أن الله لا يعلم كثيراً مما يعملون فأرداهم هذا الظن، وقد قال الله -عز وجل- في الظانين به ظن السوء: عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًاالفتح:6، فالذي لا يعرف الله معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته قد يسيء الظن به، ولما كان أحب الأشياء إليه -تبارك وتعالى- حمده، ومدحه، والثناء عليه بأسمائه وصفاته وأفعاله كان إنكارها وجحدها أعظم الإلحاد والكفر به، وهو شر من الشرك كما ذكر الحافظ ابن القيم، يقول: "إن المعطل شر من المشرك؛ لأنه لا يستوي من جحد صفات الملك، وجحد ملكه، وجحد أوصافه الكاملة مع من أشرك به غيره؛ فهذا الأول جحد أوصاف الكمال وعطله من كل شيء، وذاك يكون أثبت له أوصافاً لكنه جعل له شريكاً آخر"([13]).

فيذكر ابن القيم أن جميع الشرك الموجود في العالم أصله يرجع إلى التعطيل([14])، وهذا إن تأملته تجده صحيحاً.

ويقول الإمام الدارمي: "لن يدخل الإيمان قلب رجل حتى يعلم أن الله لم يزل إلهاً واحداً بجميع أسمائه وصفاته"([15])، بل إن ابن القيم -رحمه الله- يقول: "وهذا بابٌ حرامٌ على الجهمي المعطل أن يلجه إلى الجنة، حرام عليه ريحها"([16]).



[1]- نونية ابن القيم (ص: 214).

[2]- أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات للبيهقي (1/ 156), برقم (98).

[3]- أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل سورة الكهف، وآية الكرسي، برقم (810).

[4]- أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ المَثَانِي وَالقُرْآنَ العَظِيمَالحجر:87، برقم (4703).

[5]- أخرجه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب فضل قل هو الله أحد، برقم (5013)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة قل هو الله أحد، برقم (811).

[6]- انظر: الفتوى الحموية الكبرى (ص: 178)، ومجموع الفتاوى (5/ 6).

[7]- مجموع الفتاوى (5/ 7).

[8]- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 118).

[9]- انظر: شرح الطحاوية (ص: 17).

[10]- الحجة في بيان المحجة (1/ 134).

[11]- مدارج السالكين (3/ 324).

[12]- التوضيح والبيان لشجرة الإيمان (ص: 72).

[13]- انظر: نونية ابن القيم (ص: 198).

[14]- انظر: الجواب الكافي (ص: 130).

[15]- انظر: معارج القبول بشرح سلم الوصول (1/ 125).

[16]- التبيان في أقسام القرآن (ص: 234).

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 0
teleqram
trees
about