مقدمة
عدد الزوار : 8630
تاريخ الإضافة : 10 محرّم 1429
MP3 : 8349 kb
PDF : 189 kb

الشيخ/ خالد بن عثمان السبت
 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فأسأل الله -عز وجل- التوفيق والسداد في القول والعمل، وأسأله -تبارك وتعالى- القبول، والتوفيق لما يحب ويرضى، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا.
سنتحدث في هذه السلسلة عن جملة من الموضوعات المتعلقة بالتفسير العلمي، والإعجاز العلمي، وما يسمى بالإعجاز العددي.
ثم بعد ذلك سأتحدث عن موضوعات أخرى كالأمثال في القرآن، والقسم في القرآن والقصص القرآنية، وترجمة معاني القرآن، وأسأل الله -عز وجل- أن ييسر لي دراسة هذه الموضوعات.
أما فيما يتعلق بالتفسير العلمي والإعجاز العلمي والتفسير العددي فقد جمعت فيه منذ سنتين تقريباً كل ما استطعت أن أصل إليه من الكتب والأوراق في الإنترنت وفي غيره، كل ما كتب في هذا الموضوع وحاولت أن أصل إليه، وأن أقرأه بشيء من الإنصاف والتجرد، وبقيت أقرأ في هذه الأوراق الكثيرة والمؤلفات منذ أول الإجازة إلى يومي هذا، فأنا أقلبها وأنظر فيها وأحاول أن أبعد المكررات والأشياء التي لربما تكون معادة بصورة أو بأخرى قدر المستطاع، وخرجت بعد هذا كله بحصيلة كبيرة سأحاول –بعون الله- أن أنجز خلاصة ذلك في هذه السلسلة؛ فإن هذه الموضوعات قد كثر الكلام عليها، وللأسف فإن الذين يتحدثون في هذه القضايا ويلقون فيها المحاضرات تلو المحاضرات، ويعقدون المؤتمرات ويصدرون المقالات وما إلى ذلك هم من غير أهل الاختصاص.
ملحوظات لا بد منها قبل البدء حول كتابات هؤلاء وإصداراتهم في التفسير العلمي والعددي:
من خلال قراءتي لكتاباتهم كتبت بعض الملحوظات العامة على كتاباتهم وعلى إصداراتهم الصوتية الأشرطة التي سجلوها في مجموعات وألبومات وما إلى ذلك، فهذه سبع ملحوظات أبينها كما يلي:
الملحوظة الأولى:
كثرة التكرار في هذه الأشياء التي يذكرونها: تجد مواقع في الانترنت خاصة بالإعجاز العددي، ومجلات خاصة بالإعجاز العلمي والإعجاز العددي، وتجد كتباً خاصة في الإعجاز العددي، وهناك تكرار كبير جداً في هذه المعلومات فيظن من نظر في موقع من هذه المواقع أن هذا الموقع حافل وأن صاحبه قد جد واجتهد وجمع هذه الأشياء الكثيرة، فكيف بغيره ممن وضع موقعاً آخر أو ممن أصدر مجلة متخصصة أو نحو ذلك، بينما الواقع أن هذه المعلومات هي متكررة هنا وهناك، فهذه الملحوظة الأولى (التكرار الكثير).
الملحوظة الثانية:
نحن نعرف أن من آداب أهل العلم في التأليف أنهم إذا كتبوا وألفوا فإن الواحد منهم يعزو الفائدة إلى من أخذها منه.
والقرطبي -رحمه الله- في مقدمة كتابه في التفسير ذكر أن من بركة العلم أن ينسب العلم إلى قائله، والفائدة إلى من استخرجها.
والذي لاحظته عند عامة هؤلاء -فيما قرأت- أنهم لا يعرفون هذا إطلاقاً، فتقرأ وكأنه هو الذي استنتج هذه الأشياء جميعاً، وجاء بهذه الحسابات والأرقام بينما تجد أنها هي هـي موجودة في مؤلفات قبله، وموجودة في مواقع أخرى، وموجودة في مجلات، ومع ذلك لا تجد نسبة إلى هؤلاء الذين أخذها منهم!
الملحوظة الثالثة:
الجرأة المتناهية في القول في التفسير والكلام على هذه المعاني مع المسارعة، وكأن القضية منافسة، وهذا أمر غاية في العجب.
يعني إذا لاحظت أو تذكرت أن ثمة مؤتمرات ومجلات متخصصة ومواقع في الإنترنت ومحاضرات تلقى، إضافة إلى مؤلفات ومنظمات تعقد الاجتماعات تلو الاجتماعات، فستشعر وأنت تقرأ أن هناك مسارعة فكل إنسان يريد أن يكتشف شيئاً ليبرزه ويخرجه إلى الآخرين، وفي أي شيء في قضايا تتعلق بالقرآن، وهذا لا شك أنه أمر في غاية الخطورة -كما سيأتي فيما سأذكره بعد قليل إن شاء الله- في المقدمة التي لابد منها.
الملحوظة الرابعة:
نحن نعرف فيما نقرأ من كلام أهل العلم في التفسير وفي الحديث وفي الفقه وفي العربية وفي غيرها أن عبارات العلماء دقيقة، فالعالم يزن الحرف ويدقق في العبارة، ويعي ما يقول، ولا يطلق العبارات الصحفية كما يقال، بل عبارة عالم موزونة، حتى أنك إذا ناقشته فيها وقلت له: أنت قلت: كذا وكذا، قال: لا أنا قلت: كذا وكذا، لأني أستحضر الاستثناءات الفلانية في كلامي، وهذا مشاهد في كلام العلماء -رحمهم الله-.
ومن تعود قراءة كلام أهل العلم عرف ذلك، ومن ابتلي بقراءة كلام هؤلاء فإنه سيجد بوناً شاسعاً فهم لا يعرفون هذا إطلاقاً.
يأتي الإنسان ويلقي محاضرة أو يحضر مؤتمراً، أو يكتب في مجلة، أو يؤلف كتاباً ويطلق العبارات الفجة.
جلست مع أحدهم، فقلت له: أنتم تطلقون العبارات الفجة في أمور لم تتوثقوا منها، فقال: مثل ماذا؟
قلت: أنتم تقولون: إن الحديد الموجود في باطن الأرض في النواة -كما تزعمون- أنه من الشمس، وأن الأرض كانت ملتصقة مع الشمس، وأن هذا هو معنى قول الله -عز وجل-: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا
[(30) سورة الأنبياء]، ثم تذكرون مليارات السنين –تحددونها- قلت: فمن أين لكم هذا؟ أشهدتم خلقها؟ ستكتب شهادتكم وتسألون، من أين لكم هذه الأعداد التي تذكرونها؟ ومن أين لكم أن الأرض كانت ملتصقة مع الشمس؟ وأنها انفصلت عنها؟ وأن هذا الحديد الموجود في النواة -إن كان في النواة حديد- من أين لكم هذا الكلام؟؟!
قال: لا، هذه فرضيات، قلت: الآن لما ناقشتك تقول لي: فرضيات؟! أنتم حينما تلقون محاضرات للناس وحينما تأتون وتكتبون في مقالات وفي مؤلفات تطلقون العبارات جزماً أن الأرض كانت ملتصقة بالشمس، وأنها كانت جزءاً منها قبل كذا وكذا -مليارات السنين- ثم انفصلت عنها بعد ذلك، وهذا الحديد الموجود في النواة، إنما هو من الشمس، وأنه لا يوجد في شيء من عناصر الأرض الأصلية، من أين لك هذا؟ قال: لا هذه فرضيات.
قلت: كيف تطلقها بعبارات أخرى على سبيل القطع والجزم؟ ثم إذا كانت فرضيات وأنت الآن تعترف أنها فرضيات، كيف تفسر بها كتاب الله -عز وجل- في أمور غيبية لا يعلمها إلا الله -تبارك وتعالى-؟ من أين لك هذا التفسير؟!
الملحوظة الخامسة:
نحن عندنا من الأصول الثابتة التي تعلمناها وتربينا عليها أن أقوال السلف يحتكم إليها ولا تحاكم إلى غيرها، فهذه قاعدة من القواعد المتعلقة في التفسير، وهؤلاء يحكِّمون أقوال السلف على هذه النظريات.
من المبادئ التي تعلمناها أن كل قول يعود على أقوال السلف بالإبطال فهو فاسد، وتجيء إلى أحد هؤلاء الذين لا يكترثون بأقوال السلف، وتذكر له هذا الأصل وهذه القاعدة فيقول: لا يشترط أن يقول السلف هذا، ولا يشترط أن يعرفوه!
كيف لا يشترط أن يعرفوه؟ هل يمكن أن يجمِع جميع السلف على فهم الآية على غير وجه الصواب ويحملونها على معنى غلط، ثم تأتي أنت وتحملها على المعنى الصحيح؟!
هذا محال لا يمكن أن يجمِع السلف جميعاً على الخطأ في فهم الآية، ثم تأتي أنت وتدعي الصواب ويكون ما تقوله أنت صواباً!
ولذلك نجد هؤلاء في الغالب إذا ذكروا أقوال السلف يذكرونها على سبيل التندر، والجيد منهم الذي يقول: هم مجتهدون وهذا مبلغهم من العلم.
ولا زلت أذكر وأنا طالب في المرحلة الثانوية إذ حضرت محاضرة في الجامعة، وكانت المحاضرة عن الإعجاز العلمي في القرآن، وكأني أراه الآن يتكلم في يوم شاتٍ والحشود خارج القاعة؛ بسبب كثرة الناس الحاضرين، وهو يتكلم عن قضية من هذه القضايا، ثم قال: لننظر ماذا قال القدماء فيها، ثم قال: مجاهد يقول: كذا وكذا، ثم ضحك استخفافاً بقول مجاهد! ثم ألتَفَتُّ إلى الموجودين وإذا هم في حال من النشوة والطرب لهذا الاكتشاف.
إنك لتعجب من النظرة إلى السلف، وكيف تكون أقوالهم وفهمهم وهم أعلم الناس بالقرآن يتحاكم فيها إلى قول جورج وميري وأمثال هؤلاء؟ وهذا في أي شيء؟ في القرآن، وفي معاني القرآن!
وأعجب ما سمعته أن أحد هؤلاء لما نوقش قال: هذا ليس بتفسير.
لما قيل: لا بد أن يكون لكم الأرضية التي تنطلقون منها في التفسير، والآلة التي تشترط فيمن تكلم في التفسير قال: هذا ليس بتفسير، ما هذا إذن؟
حينما تقول: أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا: أي ملتصقة، ثم تقول لهذا: ليس بتفسير؟! ما هو التفسير إذن؟
الواقع أن هذا من صلب التفسير، وليس من حواشيه أو من مكملاته، بل هم من صلب التفسير؛ لأن هؤلاء يبينون عن معاني القرآن، فلا يجوز لأحد أن يتكلم بهذه الطريقة، وهو يفتقد الخلفية التي يجب على من تكلم في معاني القرآن أن ينطلق منها؛ فهذه قضايا شرعية.
الملحوظة السادسة:
وأنت تقرأ أو تسمع لهؤلاء تجد مسافة شاسعة بيداء بينهم وبين العلوم الأساسية التي يجب أن تكون عند من أراد أن يتكلم في التفسير.
فهذا أحدهم يتكلم ويبين وجوه بعض الإعجاز، فيقول مثلاً: "فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً
[(14) سورة المؤمنون]، إلى آخرها، فالفاء كما هو معلوم عند علماء اللغة تدل على العموم".
أي لغة هذه؟ هذه في لغة التاميل؟ أم في اللغة العبرية؟ أم في اللغة السريانية؟ عن أي لغة تتكلم؟ متى كانت الفاء تدل على العموم؟ أنت تتكلم مع من؟ أي لغة التي تتكلم عنها وتقول فيها: إن الفاء تدل على العموم عند علماء اللغة؟!
هذا لا يوجد إطلاقاً، إلا إذا كنت تتكلم عن لغة أخرى غير لغتنا؛ فنحن نعرف كتب اللغة الموجودة، لم نجد أبداً من يقول: إن الفاء تدل على العموم، بل إن الفاء تدل على التعقيب المباشر، وتعقيب كل شيء بحسبه، وتدل على التعليل وتشعر به أحياناً.
أما أن تصادر الأمور بهذه الطريقة، وتتكلم وأمامك ناس ما يفهمون ويطربون لكلامك، وتقول: الفاء تدل على العموم كما هو معروف عند علماء اللغة، فهذه أشياء مضحكة مبكية في نفس الوقت، وشر البلية ما يضحك.
فالمطلوب منك أن تتوقف لتُناقَش حول هذا الكلام الذي تدعيه، والذي تقوله وتطلقه هكذا على عواهنه من غير خطام ولا زمام.
إن عامة هؤلاء -إن لم يكن جميعهم- تخصصاتهم إما أطباء، أو فيزياء، أو كيمياء، أو أحياء، أو زراعة، أو صيدلة، أو جيولوجيا، وما داموا كذلك فما شأن هؤلاء حتى يتكلموا عن تفسير القرآن؟ ما شأنهم في هذه الأشياء؟
هذه مشكلة كبيرة جداً يجب على الناس أن يتنبهوا لها، هذا كتاب الله -عز وجل- يجب أن نغار عليه، ولا يتكلم فيه من هب ودب ودرج.
الملحوظة السابعة:
إذا قرأت في كلامهم تلاحظ شيئاً منها كما أشرنا آنفاً يوجد تكرار كثير جداً، ومنها أنك لما تقرأ المعلومة في عشرة مصادر أو عشرين مصدراً أو نحو هذا، تلاحظ التفاوت، إذ تكتشف أن بعضهم يزيد عليها أشياء من التهويل مما ليست موجودة في المصادر الأصلية، ومعلوم أنه لا ينسب للمصادر، فيتيح لنفسه الفرصة أن يزيد من عنده أشياء حتى تكون القضية بزخم أفضل وإثارة أكثر، وليست هذه الزيادات المؤثرة في المعنى موجودة في أصل المعلومة، وإنما زادها من باب الإثارة، فهل مثل هذا يجعل المعلومات التي يدلي بها في قضايا تتعلق بتفسير كتاب الله -عز وجل- معلومات موثوقة؟!
المشكلة أن هناك أصول لا بد أن الناس يتربون عليها، وأقل الأحوال أولئك الذين يتكلمون في العلم، لا بد أن يكون عندهم شيء من التحرز والورع، وأن يعرفون أنهم يتكلمون عن معاني القرآن، وأن هذا الأمر سيحاسبون عليه، وأن القضية ليست بهذه السهولة وبهذه البساطة التي يتخيلونها.
سأتحدث بإذن الله -عز وجل- عن التفسير العلمي والإعجاز العلمي وما يسمى بالإعجاز العددي، ولذلك سأجعل هذا الحديث على عشر نقاط:
الأولى: في التعريفات.
الثانية: في الجذور التاريخية للتفسير العلمي والإعجاز العلمي.
الثالثة: في بواعث هؤلاء في هذا الاشتغال بالتفسير العلمي.
الرابعة: في أقوال الباحثين عموماً من المؤيدين ومن المخالفين.
الخامسة: في حكمه.
السادسة: في شروط قبوله.
السابعة: في أصناف المشتغلين به.
الثامنة: الاتجاهات في التفسير العلمي.
التاسعة: أهم المؤلفات المغرقة والموغلة فيه.
العاشرة: في محاسنه.
وسأحاول قدر الإمكان أن أنطلق من أصول وثوابت نتفق عليها جميعاً، وسأحاول أن أجعلكم تكتشفون أنتم الصواب في هذه الأشياء من الخطأ.
والله -عز وجل- أمر بالعدل والإنصاف، قال تعالى: وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ
[(152) سورة الأنعام]، فالعدل واجب بالأقوال والأحكام التي يقولها الإنسان، فمن أراد أن يتكلم على الناس أو يتكلم على القضايا التي يذكرونها أو يتكلم على الطوائف، أو يتكلم على المؤلفات أو نحو ذلك فلا بد أن ينطلق من أصول صحيحة، لا يتكلم بهوى وإنما يتكلم بعدل، والعدل لا يمكن إلا أن يكون منطلق المتحدث فيه من علم صحيح، ومن أصول ثابتة لا تضطرب عليه ولا تتناقض فيقع في ما لا يليق من التناقضات والتعارض والتضارب في أفكاره وأقواله وأحكامه، وعرفنا في القواعد فائدة القواعد، وأن من فوائدها أنها تضبط فهم الإنسان وأنها تنأى به عن الاضطراب والتناقض والتضارب.
المقدمة التي سأذكرها تشتمل على أمرين:
الأمر الأول: في ذكر نماذج من تورع السلف في التفسير، وأريد أن تكون هذه القضايا حاضرةً في ذهنك، استحضر هذا جيداً في جميع البحث الذي تكلم عليه، تذكر هذا جيداً وقارن في النماذج التي أعرضها عليك، قارن بين هذا وهذا، وبضدها تتميّز الأشياء.
الأمر الثاني: في ذكر بعض القواعد في التفسير التي لها تعلق بالموضوع، فإذا فهمتها وحفظتها نطبق بعد ذلك ما يذكرونه على هذه القواعد، وسترى البون الشاسع.
أما القضية الأولى: وهي نماذج من تحرز السلف في التفسير: وكيف لا يتحرزون والله -عز وجل- يقول: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
[(33) سورة الأعراف].
ويقول -جل وعلا-: وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
[(60) سورة يونس].
ويقول –سبحانه وتعالى-: قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ
[(69) سورة يونس].
ويقول: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ
[(105) سورة النحل].
وأنا لا أقصد أن هؤلاء الذين يتكلمون في التفسير العلمي أو الأعجاز العلمي أنهم يفترون على الله الكذب، بل أقصد أنه ينبغي علينا أن نستحضر هذه المعاني؛ ليورث ذلك هيبةً في قلوبنا عند الكلام على معاني القرآن، وعند الكلام على تفسير القرآن.
هذا عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قرأ على المنبر أمام الناس وهو من أعلم الأمة، وهو خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قرأ الآية: وَفَاكِهَةً وَأَبًّا
[(31) سورة عبس].
عمر -رضي الله عنه- لم يتكلم فيها، قال: وفاكهةً وأبّا، ما الأب؟ ثم رجع إلى نفسه وقال: "إن هذا لهو التكلف يا عمر"، ما معنى هذا الكلام؟
اكتفى بالفهم العام للآية وهو أن الله يمتن على الخلق بأنه أوجد لهم ما يحتاجون إليه من المطعومات مما أخرج من الأرض من الفاكهة، والأب التي تأكلها دوابهم، لكن ما هو الأب؟ ما هذا النبات بعينه؟ يقول: لا حاجة لتفسيره فهذا من التكلف، فتورع من ذلك.
لقد تورع من السؤال ورجع عنه بعد أن طرحه على المنبر، فلم يطلب الإجابة منهم بعد هذا التراجع؛ لأنه رأى أن هذا من التكلف.
وفي رواية عن أنس -رضي الله عنه-: "كنا عند عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وفي ظهر قميصه أربع رقاع، فقرأ: وَفَاكِهَةً وَأَبًّا فقال: فما الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف، فما عليك ألا تدريه".
وهذا ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن سئل عن آيةٍ -كما يقول ابن أبي مليكة-: "لو سئل عنها بعضكم لقال فيها، فأبى أن يقول فيها".
يقول: آية تتبادر إلى السامع أنها سهلة، ولو سئلتم عنها لأجبتم، ولكنه رفض أن يجيب فيها وهو حبر الأمة وترجمان القرآن.
وهذا جندب بن عبد الله -رضي الله عنه- صاحب النبي -صلى الله عليه وسلم- جاءه طلق بن حبيب فسأله عن آية من القرآن فماذا قال جندب؟
قال: "أحرج عليك إن كنت مسلماً لما قمت عني"؛ خاف بمجرد ما سئل عن تفسير آية.
وهذا سعيد بن المسيب -رحمه الله- وهو من خيار علماء التابعين يُسأل عن تفسير آية من القرآن فيقول: "إنا لا نقول في القرآن شيئاً"؛ يتهيّب من التفسير.
وذكر عنه يحي بن سعيد أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن -الأشياء الواضحة- ما كان يتتبع الدقائق والغوامض، وسأله رجل عن آية من القرآن فقال: لا تسألني عن القرآن.
ويقول يزيد بن أبي يزيد: "كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحرام والحلال -وكان أعلم الناس- فإذا سألناه عن تفسير آيةٍ من القرآن سكت كأن لم يسمع".
وكذلك يقول عبيد الله بن عمر: "أدركت فقهاء المدينة وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم سالم بن عبيد الله والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع".
ويقول هشام بن عروة: "ما سمعت أبي -يعني عروة بن الزبير من فقهاء التابعين من علماء المدينة- يقول: "ما سمعت أبي يؤول آيةً من كتاب الله قط"، إنهم يخافون وهم جبال في العلم!!
وسأل محمد بن سيرين عبيدة السلماني عن آية من القرآن فقال له: "ذهب الذين كانوا يعلمون فيما أنزل القرآن، فاتق الله وعليك بالسداد".
وهذا إبراهيم النخعي يقول: "كان أصحابنا -يعني أصحاب ابن مسعود كعلقمة والأسود –يعني النخعي- وغيرهم من أصحاب ابن مسعود- يتقون التفسير ويهابونه".
ويقول الشعبي: "والله ما من آيةٍ إلا وقد سألت عنها" يقول: عندي علم فيها؛ البحر متلاطم، ما كان يعرف القراءة ولا الكتابة، وكان يقول: أقل ما أحفظه الشعر، ولو شئتم لحدّثتكم شهراً، يروي شعراً شهراً كاملاً بدون توقّف.
يقول: "لحدّثتكم شهراً لا أعيد بيتاً"، هذا أقل شيء يحفظه، وكان يقول: "والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله -عز وجل-". وكان مسروق يقول: "اتقوا التفسير فإنه هو الرواية عن الله".
وشيخ الإسلام ابن تيمية مع تبحّره في العلم حتى كان -رحمه الله- إذا تكلم في فن يظن السامع أنه لا يحسن غيره؛ لشدة تحققه فيه وضبطه له، حتى إن الطوائف حينما يناقشهم ويرد عليهم كانوا يستفيدون منه في مذهبهم ما لا يعرفونه هم عن عقائدهم.
وكان إذا تكلم في أيِّ فنٍ من الفنون يسمعه إنسان في الرياضيات ويتكلم معه ويعرض عليه أبواب فكان الواحد منهم يخرج ويقول: والله لقد تعلّمت منه أبواباً ما كنت أظن أني أتعلمها.
علماء في الرياضيات يجلسون مع هذا العالم ويجدون عنده أشياء لا يجدونها عند أصحابهم، ومع ذلك كانت له اليد الطولى في التفسير مع قوة استحضار لنصوص الكتاب والسنة وأقوال السلف، ومع هذا كله كان يقول: "ربما طالعت في الآية الواحدة نحو مائة تفسير".
كان يذهب إلى مساجد خربة ومهجورة في دمشق، ويسجد ويمرغ جبهته في التراب يقول: "كنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأمرغ وجهي في التراب وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلّم إبراهيم فهّمني"، يقرأ نحو مائة تفسير، تفاسير ليست مطبوعة طباعة رشيقة، ولا بضغطة زر في الانترنت أو في الكمبيوتر اليوم، وإنما كتب مغبرة ولربما سبّبت له ألواناً من الأمراض من الربو والحساسية ونحو ذلك، ومع ذلك يقرأ نحو مائة تفسير في الآية الواحدة ويذهب ويدعو، فأين نحن من مثل هؤلاء؟
القضية الثانية في هذه المقدمة: وهي ذكر بعض القواعد التي ينبغي التفطن لها، هناك قواعد كثيرة جداً، لكن سأكتفي ببعض ما له مساس مباشر بموضوعنا هذا، وأرجو أن تكون هذه القضايا حاضرة في أذهاننا، ونحن نناقش التفسير العلمي والإعجاز العلمي وما يسمى بالإعجاز العددي.
عندنا قاعدة تقول: "تحمل نصوص الكتاب على معهود الأميين في الخطاب": فمن هم الأميون؟ هم الذين خوطبوا بالقرآن حينما نزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
[(2) سورة الجمعة]، فهؤلاء يجب أن نحمل نصوص القرآن على معهودهم في المخاطبة، وطريقتهم في التكلم والمحادثة، واستعمال العربية في وجوه المخاطبات، فنحمل نصوص القرآن على معهودهم، وبناءً على ذلك فإننا نقول بكل اطمئنان: إن الشريعة لا تحتاج في فهمها وتعرف أوامرها ونواهيها وأحكامها إلى التغلغل في العلوم الكونية والرياضية وما إلى ذلك، واستحضروا هذا جيداً؛ لأنه سيأتي من يقول: إذا كان القرآن لا يشرح الرياضيات والفيزياء والفلك والكيمياء والأحياء والعلوم، علوم الذرة فلا يصلح لهذا العصر.
نقول: الشريعة لا يحتاج في فهمها إلى علوم الفلك والرياضيات والكيمياء والفيزياء والأحياء الدقيقة وما إلى ذلك، بل هذه علوم تحتاجها الأمة لبناء حضارتها وللأخذ بأسباب القوة، وهي من فروض الكفاية يجب أن يوجد من المسلمين من يقوم بها، ولا يجوز لأحدٍ أن يهوّن من شأنها، لكن هل يتوقّف فهم القرآن عليها؟
الجواب: لا، وذلك لأمور:
الأمر الأول: أن الذين تلقّوها وخوطبوا بها كانوا من الأميين: فمعنى ذلك أنهم خوطبوا بما يدخل تحت إدراكهم وفهمهم ولم يخاطبوا بطلسمات ولا بأحاجي ولا بألغاز وإنما خوطبوا بكلامٍ عربيٍ فصيحٍ مبين فهموه حق الفهم.
الأمر الثاني: لو لم تكن الشريعة كذلك لما وسعت جمهور الخلق: يعني لو لم تكن مراعى فيها معهود الأميين لما صارت صالحةً لجمهور الناس؛ لأن جمهور الناس لا يتوفّر لهم هذه العلوم والتخصّص فيها وإنما هي لأفراد قلة، فيصعب على الناس إذن الامتثال والتكليف، وهذه الشريعة جاءت للأحمر والأسود، الأعرابي يستطيع أن يطبّقها، وأناط الله -عز وجل- أحكامها ومعرفتها... الخ بأمورٍ مدركة للجميع.
مثال ذلك: دخول شهر رمضان برؤية الهلال، ما يحتاج إلى مكبّر وآلات رصد ومراصد وما إلى ذلك، ولا يحتاج الإنسان حتى يفهم نصوص القرآن أو يعمل بالأحكام الشرعية إلى تكنولوجيا وآلات دقيقة جداً، واحتراف في بعض العلوم المادية، لا يحتاج إلى ذلك كله، بل يستطيع أن يطبق الشريعة وهو لم يسمع بهذه العلوم قط، يقول –عليه الصلاة والسلام-: ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا))
(1)؛ فالحاصل أن الشريعة روعي فيها هذه الأمور من رحمة الله ولطفه، فهي صالحة لكل زمان ولكل مكان.
وكذلك لا يعوز أحداً رام الامتثال أن يطبقها في الصحراء، في وسط البحر، في بيته، في أي مكان، وبناءً على ذلك نعلم غلط من تجاوز في دعواه فأضاف إلى القرآن كل علمٍ يذكر من علوم المتقدمين، والمتأخرين من علوم الطبيعيات والرياضيات والهندسة والمنطق وعلم الحروف وأشباه ذلك مما يذكره بعضهم.
سيأتي تصريح جماعة يقولون: كل هذه العلوم موجودة في القرآن، فإذا عرفت ما سبق ستعرف بطلان ذلك، وبناءً على ذلك أيضاً نقول: يجب أن نقتصر في فهم القرآن على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة، فبذلك يوصل إلى علم ما أودع فيه من الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغير الأداة التي يصح تطلبه بها فإنه يضل في فهمه، وهذه المعاني ذكرها الشاطبي -رحمه الله-.
والأمر الثالث: ينبني على ما سبق وقد ذكره الشاطبي أيضاً: أن العرب الذين نزل القرآن بلسانهم لهم عرف مستمر لا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، فإذا لم نجد لهم عرفاً خاصاً فإننا نرجع إلى لغة العرب وننظر معنى هذا الكلام في كلام العرب الأولين.
ومن عادة العرب في عرفهم في كلامهم ومخاطباتهم أنهم يلقون الكلام على عواهنه، ما معنى يلقون الكلام على عواهنه؟
معناه: أنهم لا ينقِّرون في الكلام -لا يتكلّفون- ولذلك فإن الشاعر الجيد عندهم هو الذي يلقي القصيدة على البديهة بحسب المناسبة يحضر موقفاً من المواقف ثم بعد ذلك يصور مشاعره بشِعره، أما الشاعر الذي يكتب قبل ذلك ويحضر ويكتب ثم يعيد ويزيد وينقّح فما كانوا يستحسنون شعره وإن كان حسناً في ظاهره، ولهذا كان الأصمعي يعيب على الحطيئة مع أن الحطيئة شاعر من نوابغ الشعراء، والأصمعي إمام من أئمة اللغة كان يعيب على الحطيئة ولا يستحسن شعره لماذا؟
يقول: وجدت شعره كله جيداً فدلني على أنه كان يصنعه قبل ذلك، يحسّن في هذا الشعر، ويزيد ويحذف الكلمة وينقص -يحضر لهذا الشعر من قبل- ثم يلقي القصيدة، فما كانوا يستمدحون هذا الصنيع، بل من عادتهم أنهم يلقون الكلام على عواهنه.
وإذا كان الأمر كذلك فينبغي على أن من نظر في القرآن الذي نزل بحسب معهود الأميين في الخطاب أن لا ينقّر وهو يفسّر القرآن، فيحمل القرآن على تكلّفات لم يقصدها القرآن ولم تخطر على بال السامعين له من العرب الأقحاح.
والأمر الرابع: ينبني على ما سبق أنه ينبغي أن تكون العناية منصبّة على المعاني دون أن تكون منصرفةً إلى الألفاظ والتدقيق فيها؛ لأن من عادة العرب العناية بالمعنى دون التنقير في اللفظ والتكلف فيه.
والأمر الخامس: ينبني أيضاً على كون القرآن عربي وأنه يجب حمله على معهود الأميين في الخطاب أن لا يتكلم على معانيه إلا من كان عربياً، إما عربياً باللسان والنسب أو أن يكون عربياً باللسان والفهم، وليس معنى ذلك أن الأعاجم لا يجوز لهم أن يستنبطوا، بل كثير من علماء المسلمين كانوا من الأعاجم، لكنهم تعلّموا من العربية ما جعلهم يزاحمون العرب الأقحاح في فهمهم وتذوّقهم للغة العرب وتصوّرهم لمعانيها، وأما العجمة -عجمة اللسان وعجمة الفهم- فإنها تورث عللاً في تفسير الإنسان وحمله للألفاظ على معانٍ لم يردها المتكلم.
لقد صرنا نحن العرب نعاني العجمة منذ عصور متطاولة -أعني أبناء العرب فضلاً عن الأعاجم- لماذا؟ لأن ألسنتنا قد تكدرت واختلطت وصار الواحد منا يحتاج إلى أن يراجع كثيراً من الأمور حتى يفهم، كما يتعلم الأعجمي علوم البلاغة وعلوم اللسان العربي حتى يفهم الخطاب فهماً صحيحاً، وكل هذا بعد أن كان العرب يفهمونه لأول وهلة بما حباهم الله -عز وجل- به من الفطرة اللغوية النظيفة وسلامة الذوق اللغوي وسلامة ألسنتهم وأفهامهم من العجمة.
فإذن: لا يجوز أن يتكلم عليه –التفسير- من تلوّث بعجمة حتى يحصّل تحصيلاً يؤهله لفهمه على الوجه المطلوب، ولهذا دخلت كثير من البدع والانحرافات في التفسير وفي غير التفسير بسبب هذه اللوثات والعجمة كما قال الحسن -رحمه الله-: "أهلكتهم العجمة".
ويقول الشافعي -رحمه الله-: "ما جهل الناس واختلفوا إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس"، لاحظ هذه العبارة الدقيقة من الشافعي -رحمه الله- يقول: ما حصل التكدير والجهل والاختلاف والانحراف في الفهم إلا بعد ما تركوا لسان العرب واتجهوا إلى لسان أرسطاطاليس، ما هو لسان أرسطاطاليس؟
صاروا يتعلمون المنطق اليوناني، وهو علم أجنبي على الأمة وغلب عليهم ذلك حتى تكدرت به ألسنتهم فأصابتهم لوثة اليونان وغير اليونان من أصحاب هذه العلوم، فصاروا يحكّمون هذه المصطلحات في نصوص الكتب والسنة، وفي الكلام على القواعد وما إلى ذلك، وهذا تجده في أصول الفقه كثير، وفي أصول التفسير، وفي مصطلح الحديث وفي علوم البلاغة وفي علم النحو، وما شاء الله من كتب التفسير ومن شروح الحديث تجد هذه اللوثة التي سرت إلى المسلمين من اليونان ومن غيرهم، فصارت هذه المصطلحات صبغةً عند كثيرٍ من الشرّاح والمفسّرين فصار القارئ في هذه الكتب يحتاج إلى شرح لهذه المصطلحات، ثم صاروا يفهمون بناءً على التركيبة الذهنية التي وجدت عندهم بعد ما صيغت عقولهم هذه الصياغة التي تربوا فيها على منطق اليونان، منطق أرسطو وأفلاطون وأمثال هؤلاء.
فالعقول تصاغ بسبب النظر في الكتب والدراسة والتلقي، فيصبح للإنسان طبيعة خاصة في الفهم والاستنباط وتصوّر الأشياء فتصاغ عقليته.
ما الذي يجعل بعض الناس يرجع من بلاد أوروبا وأمريكا ويبدأ يتكلم على الشريعة عندنا، وأننا يجب أن نفهم القرآن الآن فهماً جديداً، ما الذي جعله يقول هذا وهو من أبناء المسلمين؟
السبب أنه صيغ عقله بناءً على ما تربّى عليه ودرسه، فصارت عنده هذه اللوثات.
لماذا كثير ممن يدرسون في بعض العلوم خاصة مثل العلوم الإنسانية -كما يقولون هناك- يرجعون وعندهم لوثات؟
تتناقش مع أناس صيغت عقولهم صياغة خاصة، ومن ثم فالفهم عندهم فيه إشكالات كثيرة جداً وانحرافات.
ما الذي يجعل كثير ممن يذهبون هناك يرجع وهو يتكلم عن قضايا شرعية كبيرة وهامة وحسّاسة، يتكلم عليها على أنها قضايا لربما فهمها السلف بطريقة معينة، ومن حقنا أن نفهم أيضاً بحسب معطيات العصر، فالسلف لهم فهمهم بحسب المعطيات التي كانت عندهم، ونحن من حقنا أن نفهم القرآن ولسنا ملزمين بفهم السلف، ما الذي جعلهم يقولون هذا؟
صيغت عقولهم هذه الصياغة، وصار إذا أراد أن يتكلم عن الكافر يقول: (الآخر)، (فهم الآخر)، ما يقول: الكافر، بل يقول: (الآخر) (فهم الآخر) (التحاور مع الآخر) (التعايش مع الآخر) من هو الآخر؟
لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[(المجادلة:22)].
في السابق كان يقول: (غير المسلمين) الآن يقول: (الآخر)!!
للأسف هذه الألفاظ يقولها بعض من ينتسب إلى الدعوة إلى الله، فما بالك بغيره!
أنا رأيت واحداً في تلك البلاد تخصصه في النكاح، ويحدثني عن مشرفه في مرحلة الدكتوراه في الفقه يقول: لا يفيق من السكر، فهو سكران دائماً، يقول: تقع لي مشكلة في البحث في الكلية، فآتي إليه وهو في حالة من النشوة، فيقول: دع الموضوع عليّ، أنا أتكفل لك بحل هذه المشكلة، يقول: ثم آتيه في اليوم الآخر وأقول له: ماذا عملت يشأن المشكلة؟ يقول: أيّ مشكلة؟
لا يذكر شيئاً إذ أنه كان سكراناً، فإذا كان من هذا حاله مشرفاً على رسالة دكتوراه في موضوع النكاح، ما بال هذا يذهب ليدرس الفقه على مثل هؤلاء؟ يا ترى ماذا يرجو من هذا؟ وبأي شيء سيرجع إلينا؟
إن العقول هناك تصاغ، وبالتالي يتغيّر تفكير الإنسان الذي يذهب إلى هناك، و تتغير نظرته للأمور وتقييمه للأشياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وعلى كل حال فالسيوطي -رحمه الله- يعلق على عبارة الشافعي: "ولسان أرسطاطاليس" فيقول: إن الشافعي أشار إلى ما حدث في زمن المأمون من ترجمة كتب اليونان، حيث ترجم المنطق والفلسفة وما إلى ذلك، وتسارع إليها الناس يتعلمونها فاستفزهم بعد ذلك أناس مثل الغزالي، وقالوا: إنه لا يوثق بعلم من لا يعرف هذه العلوم –علوم المنطق وغيره- وقالوا: إن من شروط الاجتهاد أن لا يبلغ الإنسان رتبة الاجتهاد حتى يحصل هذه العلوم، فبهذا استُفٍزّ العلماء -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فصاروا يتعلّمون المنطق ويدخلونه في التفسير وشرح الحديث وفي الكلام في الأصول وغيرها من أجل أن يثبت أنه بلغ هذه الرتبة، وبالتالي فسد الفهم.
تقرأ أحياناً عشرات الصفحات بالخط الدقيق من الورق الكبير في بعض كتب التفسير فلا تجد قضية تستحق أن تقول فيها: هذه فعلاً قضية تستحق أن تقف عندها؛ لأن كلامه كلام ليس عليه نور، فالحاصل أن هذا أوقعهم في إشكالات في العقائد وما إلى ذلك.
يقول: "والقرآن ما نزل إلا على مصطلح العرب ومذاهبهم في المحاورة والتخاطب والاحتجاج والاستدلال لا على مصطلح اليونان" -هذا كلام السيوطي يشرح كلام الشافعي- يقول: "ولكل قومٍ لغة واصطلاح، فمن عدل عن لسان الشرع إلى لسان غيره وخرج الوارد من نصوص الشرع عليه جهل وضل ولم يصب القصد فإن كان في الفروع نسب إلى الخطأ وإن كان في الأصول نسب إلى البدعة".
وأمر سادس: وهو أن من تعرض للخوض في التفسير ولم يكن متأهلاً بمعرفة كلام العرب ووجوه مخاطباتهم كانت موافقته للصواب -إن وافقه- غير محمودة، لماذا؟
لأنه وقع عليه اتفاقاً، ولم يصل إلى الصواب بالطرق التي يجب أن تسلك للوصول إليه، فهو إنما وقع عليه مصادفةً إن صح التعبير، وهذا المعنى ذكره الشاطبي -رحمه الله تعالى-.
قاعدة أخرى:
"كل معنىً مستنبط من القرآن غير جارٍ على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شيء":
والواقع أن هذه مرتبطة بالقاعدة السابقة ونتيجة لها، وبهذه القاعدة تبطل تفسيرات الملاحدة والمتكلمين التي خالفوا فيها عقيدة أهل السنة والجماعة وتفسيراتهم، كما تبطل تفسيرات الزنادقة وهي كثيرة جداً، وكذلك تأويلات الباطنية، والتفسيرات الصوفية الإشارية في عامتها وأغلبها، كما تبطل التكهنات التي تذكر في الحروف المقطعة في أوائل السور فيما يسمى بحساب الجُمَّل، وسنعرض له -إن شاء الله- فيما بعد، فإن هذا لا قيمة له؛ لأنه من علوم اليهود وليس من علوم العرب في شيء، فمن الخطأ أن تفسر كهيعص
[(1) سورة مريم]، بحروف الجمّل، كل حرف له قيمة عددية، ثم تحسب نهاية الأمة أو احتراق دولة إسرائيل وسقوطها، أو تحسب قيام الساعة متى يكون عن طريق هذه الحسابات؟
إن حساب الجمّل حساب غير صحيح، وكل ما تتوصل إليه من نتائج بهذا الحساب فهو باطل من أساسه، كما أن هذه القاعدة أيضاً تأتي على ما يذكر من التكلفات فيما يسمى بأسرار الرسم العثماني، وسأذكر بعد قليل بعض هذه الأسرار المزعومة، سنذكر بعض النماذج من عبث الملاحدة حتى نععرف أن العبث ليس جديداً في كتاب الله -عز وجل- وإنما هو من قرون متطاولة.
هذا رجل ممن لا خلاق له يقال له: بيان بن سمعان، هذا الرجل قتله خالد القسري وأحرقه بالنار وله طائفة تنسب إليه يقال لها: البيانية، يقول في قول الله تبارك وتعالى: هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ
[(138) سورة آل عمران]، يقول: هذه الآية تصرّح باسمي، هذه الآية تتكلم عني، هذا بيان للناس.
وآخر أخرق اسمه (الكسف) أو ملقب بـ (الكسف) هو أبو منصور تنسب إليه طائفة يقال لها: (المنصورية) من أهل الضلال والبدع يلقب بالكسف، يقول: أنا المراد بقوله تعالى: وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ
[(44) سورة الطور].
لو فرضنا أنك أنت المراد فما معنى: سَحَابٌ مَّرْكُومٌ ساقط من السماء، هل سقطت من السماء؟!
وإذا أردت أن ترى تندّر الشاطبي -رحمه الله- به أو بأمثاله فراجع الموافقات وانظر تعليقات الشاطبي على مثل هذا المثال.
وهذا عبيد الله الباطني الرافضي الملقب بالمهدي -تنسب إليه العبيدية- حينما ملك أفريقيه كان له صاحبان من كُتَّامه، ينتصر بهما على أمره، لقب أحدهما بنصر الله، ولقب الآخر بالفتح، ويقول: هما المراد بقوله -تبارك وتعالى-: إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
[(1) سورة النصر]، وعنده ناس يصفّقون له ويقولون: نعم صحيح.
ومنذ نلك الخزعبات أنك تجد بعض التكلّفات الفقهية عند فقهاء من المتعصّبـة في الفقه، إذ تجد عجائب وغرائب في الفهم، ومن ذلك هذا الرجل الذي يقول: يجوز التزوّج بتسع نساء، قإذا قلت له: من أين جئت بهذا الحكم؟ قال لك: الله يقول: فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ
[(3) سورة النساء]!!
جمع مثنى وثلاث ورباع: اثنين وثلاثة يساوي خمسة، ورباع: أربعة فالمجموع تسعة، فهو قال معناها: المجموع يجوز، معناه تخيَّر، أو تزوج ثلاث، أو تزوج أربع، وقد ردّ العلماء على هذا.
بعضهم قال: شحم الخنزير جائز، ما الدليل على أن شحم الخنزير جائز؟ قال: في القرآن، وأين الذي في القرآن يا أستاذ؟
قال الله -عز وجل- يقول: أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ
[(145) سورة الأنعام]، إذن: الشحم جائز، قيل له: أصلاً اللحم يطلق على الأحمر والأبيض في كلام العرب فهذا داخل فيه الشحم.
وبعض الذين عندهم عقيدة معينة يريدون أن يحملوا النصوص تبعاً لعقيدته كأولئك الذين يقولون: إن الأنبياء لا تقع منهم المعصية، وإذا سئل ماذا تقول عن قول الله تبارك وتعالى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى
[(121) سورة طـه]؟
قال: غوى: من غوى الفصيل ولد الناقة، يعني شرب من الحليب حتى بشم، أي انتفخ بطنه، فآدم أكل من الشجرة حتى انتفخ بطنه، فهذا معنى عصى آدم ربه فغوى عندهم، وليس من الغواية التي هي المعصية وإنما انتفاخ البطن والبشم من كثرة الأكل!!
وابن جرير الطبري –رحمه الله- يردّ على مثل هؤلاء وبيّن أصل الكلمة من الناحية التصريفية وأن فهمهم أصلاً أعجمي.
وهذا آخر يتكلم على قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ
[(179) سورة الأعراف]، وهو عنده عقيدة أن الإنسان يخلق فعله، وأن الله لم يقدر أفعال العباد -ينفي القدر– يقول: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ خلقنا لجهنم هذا معناها، قال: لا، هذا ليس معناها، وإنما معناها ذرأنا لجهنم: يعني أن تذروه الرياح.
والحقيقة أن هذه غير هذه، والعلماء ردوا عليه على كل حال.
كذلك الذين ينفون صفات الله -عز وجل- مثل المحبة وأنه لم يتخذ إبراهيم خليلاً، نفوا الخلة، ماذا يقولون في قوله تعالى: وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً
[(125) سورة النساء]؟
يقولون: اتخذه خليلاً من الخّلَّة يعني فقيراً، اتخذ الله إبراهيم فقيراً، والصواب أن هناك فرق بين الخُلَّة وبين الخَلَّة.
وهناك قاعدة معروفة وهي أن التأكيد بالمصدر ينفي احتمال المجاز، والمعتزلة يسلمون بهذه القاعدة، وإذا أتينا إلى قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا
[(164) سورة النساء]، فبناء على القاعدة تكون: تكليماً: مصدر مؤكد للفعل قبله كلّم تكليماً، ومع ذلك إذا سألت المعتزلة عن معنى الآية قالوا: جرّحه بمخالب الحكمة، فجعلوا كلَّم من الكلْم وهو الجرح، فهذا التأويل من إملاء الشيطان.
ومن إملاء الشيطان تفسيرات الباطنية، ومن أمثلة ذلك تفسيرهم الجنابة بأنها مبادرة المستجيب بإفشاء السر إليه قبل أن ينال رتبة الاستحقاق، والغسل من الجنابة يعني تجديد العهد على من فعل ذلك، والطهور: التبري والتنظف من اعتقاد كل مذهب سوى متابعة الإمام، والتيمم: الأخذ بالمأذون إلى أن يشاهد الداعي يعني أو الإمام، والصيام: الإمساك عن كشف أسرار المذهب والطائفة، والكعبة: النبي، والباب: علي، والصفا: النبي، والمروة: علي، ولهم أيضاً من هذه الخرافات ما يسمونه بالإعجاز العددي تشبه هذا تماماً، وسيأتي قريباً ضمن السلسلة.
وتوجد أيضاً نماذج من تفسير الصوفية والتي يسمونها بالتفسير الإشاري، وفيه أمثلة كثيرة منها:
تفسيرهم لقول الله -عز وجل- وهو يقول لبني إسرائيل لما قال لهم موسى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ* قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ
[(67 -68) سورة البقرة]، قالوا: البقرة هي النفس تذبح بسكين الطاعة.
طيب وماذا عن قوله: لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ؟ قالوا: هذا الصوفي لا في شرخ الشباب والطيش:

إن شرخ الشباب والشعر الأسود***ما لم يعاصى كان جنوناً

فما هو في شرخ الشباب ولا في سن الكهولة والضعف والشيخوخة، بل هو متوسط، لا فارض ولا بكر، صارت البقرة هي الصوفي فالحاصل أنه: لا فارض ولا بكر، عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ.
وقوله تعالى: قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ
[(69) سورة البقرة]، قالوا: هذه صفرة وجوه أصحاب الرياضة -رياضة النفس- الصوفية، فهي صفرة العبادة، ما هي صفرة مرض؟ وجوههم صفر من العبادة وقيام الليل وصيام النهار، هذه البقرة الصفراء، فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ: أي أنها صفرة عبادة.
ثم قال: قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ
[(71) سورة البقرة]، قالوا: هذا الصوفي ما هو فخاط في الأسواق ورايح جاي، خرّاج ولّاج في تجمعات الناس وأماكن أسواقهم وصخبهم والحراج وما إلى ذلك، بل هو جالس في خلوة لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلّمة لا شية فيها.
كذلك في قوله: وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ
[(35) سورة البقرة]: هذا الكلام لآدم -صلى الله عليه وسلم- وحواء، قالوا: لا، معناها ليس هو الأكل حقيقةً، وإنما مساكنة الهمّة لشيء سوى الله -عز وجل-.
وقوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا
[(96) سورة آل عمران]، قالوا: باطن البيت قلب محمد -صلى الله عليه وسلم-.
ولهم خرافات في حساب الجمّل كالكلام عن الأعداد وفواتح السور ويذكرون أشياء في عمر الأمة وخراب بعض الدول، وأشياء في نهاية العالم، وأمور باطلة، لا أساس لها، وهذا العلم هو من علوم اليهود لا يجوز أن يبنى عليه استنباط وفهم وحكم.
نماذج مما يسمى بأسرار الرسم العثماني:
مما يذكرونه ويدعونه في أسرار الرسم العثماني ما يقولونه في كتابة الألف الزائدة في قوله تعالى: لَأَْذْبَحَنَّهُ
[(21) سورة النمل]، كيف كتبت بالرسم العثماني؟ كتبت هكذا في الرسم العثماني: لَأَاْذْبَحَنَّهُ، فيها ألف زائدة، طبعاً مؤلف كتاب في الرسم العثماني اسمه أسرار الرسم العثماني، يقول: لا دخل لعثمان ولا غير عثمان في رسم المصحف، ليس لهم من هذا الرسم العثماني ولا ذرة، كله متلقى من الله مباشرةً، ويقول: كل هذا له أسرار.
يقول: هذه الألف تدل على معنى أن المؤخر أشد في الوجوب من المقدم عليه لفظاً، فهنا ماذا قال سليمان -صلى الله عليه وسلم- للهدهد حينما توعّده؟
قال تعالى عنه: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ* لَأُاْعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ
[(20 -21) سورة النمل]، قال: الزيادة هنا تدل على زيادة تنكيل، ومعناها أن الذبح أشد من: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا.
وهذا مثال آخر:
في قول يعقوب -صلى الله عليه وسلم- لأبنائه: وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ
[(87) سورة يوسف] كتبت في الرسم العثماني هكذا: وَلاَ تَاْيْئسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَاْيْئَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [(87) سورة يوسف].
ومثل هذا قوله تعالى: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا
[(31) سورة الرعد].
إذن: لدينا الألفاظ الآتية: لا تاْيئسوا، إِنَّهُ لاَ يَاْيْئَسُ، أفلم ياْيئس هكذا كتبت بالألف الزائدة، فلماذا زيدت هذه الألف؟
يقولون: زائدة لتدل على أن الصبر وانتظار الفرج أخف من الإياس، والإياس لا يكون في الوجود إلا بعد الصبر والانتظار، وبعبارة أخرى يقول: زاد في كلمة تيأسوا حرفاً؛ ليدل على أن اليأس ليس كالصبر، فالصبر أخف من اليأس، فاليأس له آثار سلبية ويسبب عندك مشاكل واكتئاب واضطرابات وقلق، والصبر يجعل الإنسان رزين ويتحلى به ويؤجر وما إلى ذلك، فيقولون: لزيادة نكاية اليأس زاد فيه ألف في الرسم، وفي قوله تعالى: سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ
[(18) سورة العلق]، كتبت سندع هكذا، ما كتب معها واو الجمع والألف الفارقة (سندعوا الزبانية) ولم تسبق بجازم حتى يحذف حرف العلة، فلماذا حذفت الواو؟
يقولون: حذفت الواو من (نَدْعُ)؛ لأن فيه سرعة الفعل وإجابة الزبانية وقوة البطش، أي: سندع مباشرةً ويأتون بسرعة فائقة فحذفت الواو.
طبعاً نحن نعرف أن الرسم العثماني ليس بتوقيفي، وأنه اصطلاح كتبوا به القرآن في زمن عثمان -رضي الله تعالى عنه- ومصاحف الصحابة مكتوبة ليست على طريقة الرسم العثماني، والقرآن كان يكتب بالعسب واللخاف وما إلى ذلك، وما روعي فيه قواعد معينة في الكتابة، وما يذكرونه من الأدلة على أن الرسم العثماني كان توقيفياً، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاوية: حرّف القلم ونحو ذلك من الكلام، فهذا لا يصح ولا يثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم إن السلف أعلم الأمة ما أشاروا إلى هذا العلم الذي استنبطه هؤلاء.
قاعدة أخرى: "لا يجوز حمل ألفاظ القرآن على اصطلاح حادث": سمعت أساتذة متخصصون في العقيدة يتكلمون عن الأحاديث التي ورد فيها أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، يقول: الذرة معلوم أنها تتكون من سالب وموجب، يوجد منهما شحنة كهربائية، وهذا هو النفي والإثبات في لا إله إلا الله في التوحيد، فمعناها أنه الذي لا يوجد عنده النفي والإثبات لا يستحق الخروج من النار إذا كان توحيده منخرماً.
إن الذرة بهذا المعنى اصطلاح جديد للمعاصرين في أن هذا الجزء الصغير المكون من سالب وموجب.. الخ، لكن ما يجوز أن تحمل عليه اصطلاح القرآن وألفاظ القرآن فتفسرها بهذا التفسير، وإنما الصواب هو أن االذرة هي صغار النمل، في اصطلاح المخاطبين بالقرآن، هذا هو اصطلاحهم فلا يجوز لإنسان يأتي ويفسّر القرآن، كما قال كثير من أصحاب التفسير العلمي في القرن الماضي في قوله تعالى: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ*وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[(7 -8) سورة الزلزلة]، كانوا يقولون: هذا إعجاز علمي؛ لأن العلم أثبت أن أصغر شيء هو الذرة فالله مثّل بها في الصغر.
والآن اكتشفوا أن هناك ما هو أصغر من الذرة بل رأيت أحد الذين ينتقدون المتسرعين في التفسير العلمي ويقول ينبغي التريّث، رأيته يذكر هذا المثال، ويقول: ليس بعد الذرة إلا تحطيم الذرة، يعني مؤمن بهذا المثال مسلّم له.
كيف تحملون قول الله -عز وجل-: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ على هذه الذرة التي اصطلحتم عليها؟
وإنما هي صغار النمل؛ لأنهم –المخاطبين- هكذا كانوا يفهمون، فيجب حمل ألفاظ القرآن على ما كانوا يفهمون، ولا يجوز أن نحمله على المصطلحات الجديدة.
أيضاً كلمة (قرية) في اصطلاحنا المعاصر نطلقها على مجمع البنيان الصغير، ومدينة على مجمع البنيان الكبير، فلما تأتي وتقرأ قوله تعالى: وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ
[(13) سورة محمد]، فلا يجوز أن تفهم منها أنها هي المجمع الصغير للبنيان، أو البلدة الصغيرة؛ فهذا خطأ وانحراف في الفهم، وإنما القرية والمدينة بمعنىً واحد عند المتقدمين هي مجمع البنيان، فهذه قاعدة أيضاً لا بد من فهمها والتنبه لها: "لا يجوز حمل ألفاظ الكتاب على اصطلاحٍ حادث".
ومن القواعد أيضاً التي ينبغي فهمها القاعدة التي تقول: "القرآن عربي فيسلك به في الاستنباط والاستدلال مسلك العرب في تقرير معانيها".
هذه بعض القواعد، والشاطبي -رحمه الله- تكلّم على هذه المعاني في كتابه: الموافقات، وهي موجودة في قواعد التفسير.
أولاً: التعريفات:
ما هي المعجزة؟
المعجـزة: هي الشيء الخارق للعادة.
قهذا اللفظ ينبئ عن معناه الذي هو العجز، فمعنى ذلك أن الشيء إذا كان معجزاً فمعناه أنه يخرق عادة مثله، يعني أن هذا الذي جاءت على يده، هذه المعجزة يخرق عادة مثله من الناس، فلا أحد يستطيع أن يأتي بمثل ما جاء به، فهو يخرق عادة الناس.
وهذه المعجزة يعَرِّفونها عادةً بقولهم: هي أمر خارق للعادة على وجه التحدي، وهذا التعريف هو تعريف الأشاعرة، وليس بصحيح، فإن المعجزة لا يشترط فيها أن تكون على وجه التحدي؛ بدليل نبع الماء بين أصابع النبي -صلى الله عليه وسلم- هل هذا كان يراد به التحدي؟ لا بل كان حينها بين أصحابه؟
وكذلك تكثير الطعام بين يديه هل يراد به التحدي؟ ما قصد به التحدي.
بل هناك ما هو أوضح من هذين الدليلين، وهو أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يحصل له الشيء وهو يظن أنه لم يره أحد، ولم يقصد إطلاع الناس عليه، ومن ذلك حديث جابر في صحيح مسلم لما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر فمال عن الطريق ليقضي حاجته فتبعه جابر يريد أن يصب عليه الماء وهو لم يشعر، ونص الحديث كما في صحيح مسلم يقول جابر: "سرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى نزلنا وادياً أفيح، فذهب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم ير شيئاً يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: ((انقادي عليَّ بإذن الله))، فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: ((انقادي عليَّ بإذن الله))، فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما لأم بينهما -يعني جمعهما- فقال: ((التئما علي بإذن الله)) فالتأمتا، قال جابر: "فخرجت أحضر مخافة أن يحش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقربي فيبتعد -وقال محمد بن عباد: فيتبعد- فجلست أحدث نفسي، فحانت مني لفتة، فإذا أنا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقبلاً، وإذا الشجرتان قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقف وقفة فقال برأسه هكذا -وأشار أبو إسماعيل برأسه يميناً وشمالاً- ثم أقبل فلما انتهى إليَّ قال: ((يا جابر، هل رأيت مقامي؟)) قلت: نعم يا رسول الله...الحديث"
(2)
فقول جابر: "فخرجت أُحْضِر -أي أعدو وأسعى سعياً شديداً- مخافة أن يحش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقربي فيبتعد، فدل ذلك على أنه إنما أسرع خشية أن يراه النبي -صلى الله عليه وسلم- فهل هذا قصد به النبي -صلى الله عليه وسلم- التحدي أو إظهار الإعجاز؟ ليس كذلك إذ لم يكن يشعر بأن جابر -رضي الله تعالى عنه- يراه.
فإذن: المعجزة لا يشترط فيها التحدي، قد تذكر على سبيل التحدي، وقد لا يراد بها ذلك، وإنما هي الأمر الخارق للعادة مما يعجز عنه البشر.
الساحر يأتي بخوارق، لكن هل يعجز عنها مثله؟ لا، بل قد يأتي شخص آخر متعلم للسحر ويفعل أكثر مما فعل، فالسحرة يعرفون طرائق بعضهم، ويستطيع الساحر أن يبطل فعل الساحر أو أن يأتي بما يضاهيه، ولهذا ظن السحرة أن ما جاء به موسى -صلى الله عليه وسلم- من السحر فجاءوا بسحرٍ عظيم لإبطال معجزة موسى -صلى الله عليه وسلم- وهذا الإشكال هو الذي جعل الأشاعرة والمتكلمين حينما اشترطوا التحدي فيها، قالوا: يلتبس السحر مع موضوع المعجزة؛ لأن السحر من الخوارق.
فالجواب: نقول: السحر لا يخرق العادة بإطلاق، وإنما يخرج عادة من لا يعرفون السحر، لكن لا يخرق عادة مثله من السحرة.
ولفظ المعجزات هذا اصطلاح ما جاء إلا في وقت متأخر، وإنما الذي في الكتاب والسنة (آيات الأنبياء) ثم بعد ذلك صار العلماء يعبرون بدلائل النبوة، وألفوا كتب في دلائل النبوة، مثل كتاب أبي نعيم وغيره، يقال: آيات الأنبياء، وبعد ذلك قالوا: دلائل النبوة، وما عرف استعمال لفظ المعجزة إلا في وقت متأخر، يمكن أن يقال: في أوائل القرن الرابع الهجري على يد بعض المتكلمين.
هناك رجل يقال له: محمد بن يزيد الواسطي المتوفّى سنة 306هـ ألف كتاباً سمّاه: إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه، ويقال: إن هذا أول كتاب ألف –أو هو على الأقل أول كتاب وقفنا عليه في موضوع إعجاز القرآن- ولا مشاحاة في الاصطلاح، لا مانع من تسمية هذه الخوارق التي تظهر على يد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وأتباع الأنبياء بالمعجزات، وهذا الاصطلاح، اصطلح الناس على أن ما يظهر على أيدي الأنبياء يقال له: معجزات، وما ظهر على يد أتباعهم من الخوارق أنهم يسمونه بالكرامات، والواقع أن هذا جميعاً من دلائل النبوة، فالآيات التي يظهرها الله -عز وجل- على يد أتباع الأنبياء هي مؤيدة للأنبياء الذين تبعهم هؤلاء الأتباع، فالطريق الذي يسيرون عليه مما رسمه لهم الأنبياء طريق صحيح، فأظهر الله هذه الخوارق على أيدي هؤلاء الأتباع، فصارت تسمى بكرامات الأولياء، وإلا فإن كل ذلك من آيات الأنبياء ودلائل النبوة.
هل دلائل النبوة وآيات الأنبياء تقتصر على الخوارق فقط؟
الجواب: ليست مقصورة على ذلك؛ لأن آيات النبوة كثيرة منها ما يعرف من وجهه –صلى الله عليه وسلم- أنه صادق، أي ما في وجهه من البهاء والنور والإضاءة والإشراق، ولقد رآه عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- فقال: "عرفت أن وجهه ليس بوجه كذّاب"، فهذه من دلائل النبوة.
ومن دلائل النبوة حسن خلقه -صلى الله عليه وسلم- كان يلقب بالصادق الأمين، فهذا كله من دلائل نبوته، ومن دلائل نبوته -صلى الله عليه وسلم– طيب رائحته، ومن دلائل نبوته أمانته ووفائه، كل ذلك من دلائل النبوة، فليست كل دلائل النبوة معجزات، بل دلائل النبوة منها ما هو معجزات ومنها ما هو غير ذلك وهذه دلائل النبوة منها ما يظهر على يد النبي، ومنها ما يظهر على يد بعض أتباعه، وكلها من دلائل نبوته، فهذه هي المعجزة ودلائل النبوة وآيات الأنبياء.
ما هو الإعجاز العلمي:
نحن نعرف أن العلم هو معرفة الشيء على حقيقته، هذا هو العلم أياً كان، سواءً كان في العلوم الإنسانية أو كان ذلك في العلوم المادية التطبيقية التجريبية، أو غير ذلك، فهذا كله يقال له: علم.
لكن في القرنين الأخيرين صار يقال: العلم والعلمي وما إلى ذلك من التخصصات للعلوم التطبيقية والتجريبية والمادية، وصار يقال –جهلاً-: فلان المتخصص في الكيمياء علمي، وفلان المتخصص في الفقه أدبي! وعلى كل حال، ليس المقصود مناقشة هذه القضية لكن حينما يقولون: الإعجاز العلمي، ما المقصود بالإعجاز العلمي؟
يمكن أن يقال عن الإعجاز العلمي: هو إخبار القرآن الكريم، أو السنة بحقيقة أثبتها العلم التجريبي وثبت عدم إمكانية إدراك هذه الوسائل البشرية في زمن المخاطبين بالقرآن، مما يدل على صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحة نسبة القرآن إلى الله تبارك وتعالى.
وهذا تعريف الإعجاز العلمي الذي يقصدونه هم، وإلا فالإخبار عن المغيّبات فهذا من الإعجاز العلمي أليس كذلك؟ أليس الكلام عن المغيبات من العلم الذي أخبر عنه النبي -عليه الصلاة والسلام- فوقع كما أخبر، ومن ذلك قوله تعالى: ألم* غُلِبَتِ الرُّومُ
[(1-2) سورة الروم] أليس هذا من الإعجاز العلمي؟
بلى، ولكن المقصود عند المتأخرين أو عند المعاصرين بالإعجاز العلمي لون خاص من الإعجاز، ولا مشاحّة في الاصطلاح، إذ لا إشكال أن يصطلحوا عليه بمعنى خاص، فلا ننازعهم في كونهم قصدوا به معنىً معيناً وهو إخبار القرآن الكريم أو السنة النبوية بحقيقةٍ أثبتها العلم التجريبي وثبت عدم إمكانية إدراك هذه الوسائل البشرية في زمن المخاطبين بالقرآن، مما يدل على صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحة نسبة القرآن إلى الله تبارك وتعالى.
ما هو التفسير العلمي؟:
التفسير العلمي: هو تفسير السلف، هذا هو العلم الصحيح، لكن باصطلاحهم ولا مشاحاة في الاصطلاح يقصدون به معنىً خاصاً، ما هذا المعنى الخاص في اصطلاحهم حينما نقول التفسير العلمي؟
يقصدون به التفسير الذي يحكِّم الاصطلاحات العلمية في عبارات القرآن، ويجتهد في استخراج مختلف العلوم منها.
طبعاً انتقيت أفضل التعريفات، وإلا فهناك تعريفات أخرى ليست مضبوطة ولا صحيحة، لكن هذه التعريفات هي الأقرب.
ما هي النسبة بين الإعجاز العلمي والتفسير العلمي، أو ما الفرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي؟ أو نسأل بطريقة أخرى فنقول: أيهما أعمّ الإعجاز العلمي أم التفسير العلمي؟
معروف أن التفسير العلمي أعمّ من الإعجاز العلمي، والعجيب أني رأيت أحد الكاتبين كتب يقول: إن الإعجاز العلمي أعمّ، ثم تتابع طائفة غير قليلة ممن كتبوا يرددون نفس العبارة -أن الإعجاز العلمي أعمّ- وهذا ليس بصحيح؛ لأن التفسير العلمي منه قضايا هي من قبيل الإعجاز، وهناك قضايا ليست من قبيل الإعجاز، فحينما يأتي إنسان ويتكلم عن قوله -تبارك وتعالى-: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
[(39) سورة يــس]، ويبدأ يتكلم عن قضية منازل القمر وكلام أهل الفلك في ذلك فهل هذا إعجاز؟
لا، ليس بإعجاز، وإنما يسمى هذا تفسيراً علمياً.
لكن حينما يذكر الله -عز وجل- مراحل خلق الجنين: من نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم يخبر الله -عز وجل- وأنه جعل المضغة عظاماً ثم يكسوها لحماً، ثم أنشأه خلقاً آخر، ثم يذكرون تفاصيل ذلك مما عرفوه، حديثاً عن طريق التشريح ومراقبة الجنين وما إلى ذلك ويذكرون تفاصيل دقيقة جداً توافق هذا الكلام، من غير تكلف، فهذا يسمى إعجازاً؛ لأنه لم يكن عند النبي -صلى الله عليه وسلم- مشرحة؟ ولا آلات تراقب الجنين في بطن أمه، ولم يكن الناس في ذلك الوقت يعرفون هذه التفاصيل بهذه الدقة، ولذلك احتار العلماء في هذا العصر في مثل هذه المسائل، فهذا إعجاز هو تفسير علمي وهو متضمن لإعجاز، وبهذا يظهر الفرق بين التفسير العلمي والإعجاز العلمي، وأن الإعجاز العلمي أخص من التفسير العلمي، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
 

___________________________

1- أخرجه مسلم في كتاب الصيام – باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوماً (1080) (ج 2 / ص 759).
2- أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر (3012) (ج 4 / ص 2306).

 

إضافة تعليق
Image CAPTCHA
Enter the characters shown in the image.
التعليقات 1
teleqram
trees
about