تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الإثنين 09 / ربيع الآخر / 1440 - 17 / ديسمبر 2018
شرح حديث أَبي هُريْرَةَ رضي اللَّه عنه "مَن لا يَرْحمْ لاَ يُرْحَمْ" وحديث عائشةَ رضي اللَّه "أَوَ أَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّه نَزعَ مِنْ قُلُوبِكُمْ الرَّحمَةَ"
تاريخ النشر: ٠٩ / جمادى الآخرة / ١٤٢٧
التحميل: 2323
مرات الإستماع: 26727

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فعن أبي هريرة قال: قبّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: من لا يَرحم لا يُرحم[1] متفق عليه.

فالنبي ﷺ مجبول على الشفقة والحنو والرحمة واللطف والإحسان، وقد وصف الله نبيه ﷺ في مواضع في القرآن مما يدل على هذا المعنى وتحقُّقِ هذا الوصف، فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:195]، والله يقول: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة:128]، وكان بمنتهى الرأفة والرحمة، كان ﷺ يشق عليه كُفر مَن كَفَر، وإعراض من أعرض، ولهذا قال الله له مواسياً فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6]، أي أنك تهلك نفسك متأسفًا على كفرهم وإعراضهم، دعهم فالله يتولى عباده، لا تتعب نفسك من أجل كفر هؤلاء الذين كفروا، ولا تحمل نفسك أعباءً من الأحزان بسبب إعراض من أعرض عن الله -تبارك وتعالى- ودينه الحق، فالمقصود أن النبي ﷺ كان رحيماً ﷺ، فعن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث قال: "أتينا النبي ﷺ ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله ﷺ رفيقًا، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سألنا عمن تركنا بعدنا، فأخبرناه"،  قال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم ومُروهم..[2]، ولما مات صبي لإحدى بنات النبي ﷺ: فدُفع الصبي إليه ونفسه تقعقع كأنها في شَنٍّ، ففاضت عيناه، فقال له سعد: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء[3].

 فالمقصود أن النبي ﷺ من رحمته وشفقته أنه كان يقبل الصبيان، وهذا مشهد كان أمام رجل من الأعراب، قبّل النبي ﷺ الحسن بن علي وكان صغيراً.

 وهؤلاء الصغار تؤثر فيهم القبلة غاية التأثير، ولكن الإنسان حينما يكون جافًّا قد لا يشعر بمشاعر الآخرين،  بل يظن أن هؤلاء الأطفال لا يفهمون ولا يميزون ولا يدركون وليس عندهم شعور وإحساس، فيعاملهم أحياناً كأنهم حشرات، يتحدث بعبارات جارحة تدل على احتقار لهم، وإذا هموا بالجلوس على مائدة أو نحو ذلك أُبعدوا بطريقة تجرح مشاعرهم، وهم يميزون ويعرفون الذي يحتقرهم والآخر الذي يراعيهم، ويعرفون الذي يؤانسهم ويتحدث معهم ويضاحكهم ولا ينسون له ذلك أبداً، وإذا أردتم أن تعرفوا هذا أرْجِعوا الشريط إلى الوراء، تذكروا حينما كنتم أطفالاً في سن التمييز وقبل سن التمييز، من الذي كان إذا جاء لا يخلو جيبه من حلوى مع ابتسامة ومؤانسة وملاطفة، نذكره إلى هذه الساعة، ومن هو الجار الذي كان  يزجرنا ويغلظ علينا فحن  لو رأيناه اليوم لتحاشيناه، من هو القريب الذي كان يعاملنا بشيء من الفظاظة والغلظة والاحتقار، ومن هو الآخر الذي كان يدافع عنا ويطلب منا المجيء والجلوس، ويعيد لنا شيئاً من الثقة بنفوسنا، ويقول للواحد منا: أنت رجل بمعنى الكلمة، أو نحو ذلك.

فنحن حينما نتعامل مع هؤلاء الصغار ينبغي أن يكون هناك حنو ورحمة وشفقة، وإلا فإن هؤلاء ستؤثر فيهم المعاملة القاسية، ولربما يرتمون في أحضان الأشرار من شياطين الإنس والجن فيتلاعبون بهم، وكثير من الذين يقعون في الانحرافات من الفتيات ومن الشباب غالب هؤلاء إنما وقعوا فيها بسبب القسوة التي يجدونها في بيوتهم، المعاملة الفظة الشديدة، المعاملة التي لا يجدون فيها الرحمة وسماع المشكلات، والجلوس معهم، حتى لو كان الإنسان جادًّا في تربيتهم وتعليمهم فإنه لربما كرر ذلك عليهم كثيراً، حتى ينفرهم ويكرههم بهذه المعاني الطيبة التي يدعوهم إليها والعلم الذي يريد منهم أن يتعلموه أو حفظ القرآن أو غير ذلك، لأنه يأتي به لطماً بالوجه مرة بعد مرة في كل وقت من غير ترويح، من غير تنفيس، وهم بحاجة إلى لعب، بحاجة إلى مساحة، إلى هامش يتحركون فيه، بحاجة إلى أن يعبروا عن أنفسهم، لكن حينما يكون هذا الطفل كلما تكلم أهين، حتى إذا صرخ في البيت هو يريد أن يثبت وجوده، هناك سقف للولد رقم اثنين لأنه يشعر أن أخاه الأكبر منه هو الذي يفرض نفسه، فالأخ الذي بعده يشعر أنه ليس طفلاً، ولا يستطيع أيضاً أن يبرز وأن يرفع رأسه لأن أخاه الأكبر قد بلغ في المجد ذروته، ثم يفاجأ بالكبت والإذلال والتحقير والإهانة فيحصل له عكس مقصوده تماماً، ولكن إذا عاملتهم برحمة سيحبونك ويحبون المعاني التي تقولها، وسيقبلون عليك، ويثقون بك تماماً.

 فالقسوة تخرج شخصيات مهزوزة، لا يثقون بأنفسهم، بل يشعر أحدهم أنه إذا تكلم عند الرجال أو في المجلس سيهان أو يعاب، لأنه متعود في البيت أنه لا يتكلم، ولا يستطيع أن يحضر مجامع الرجال، ولا يجلس معهم، ولا يتحدث معهم.

فقال الأقرع بن حابس: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر النبي ﷺ إليه...

والأقرع بن حابس هو فِرَاس، وقيل له: الأقرع لقرع كان في رأسه، وهو سيد من سادات تميم ، وتميم لهم مناقب، ولهم مزايا، ولهم أوصاف ذكرها النبي ﷺ.

 وأبو هريرة يقول: أحبُّ تميمًا لثلاث، ذكر النبي ﷺ أنهم أشد الأمة على الدجال، ولما جيء بسباياهم أو كانت عند إحدى أمهات المؤمنين جارية من تميم قال: أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل، وأيضاً المزية الثالثة لهم هي أن النبي ﷺ لما جاءت صدقات تميم قال هذه صدقات قومي[4]، لكن الكمال لله ، فهم أقرب في ذلك الوقت إلى طبع البادية، أو التربية الصحراوية كما يقال، هذا يؤثر، ما اعتاد محبة الطفل، والمسح على رأسه، الحياة عندهم فيها شيء من القسوة.

 فالنبي ﷺ قال: من لا يَرحم لا يُرحم، من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ، لأن الجزاء من جنس العمل.

 والحديث الآخر حديث يشبهه عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله ﷺ، فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟، فقالوا: نعم، فقالوا: لكنا والله ما نقبل، فقال رسول الله ﷺ: وَأملكُ إن كان الله نزع منكم الرحمة؟، وقال ابن نمير: من قلبك الرحمة[5].

وبعض أهل العلم يقول: هم قوم الأقرع من بني تميم، وبعضهم يقول: هو عيينة بن حصن، يعني: واقعة ثانية ليست الواقعة نفسها.

 فالإنسان يرحم الصغار، ويشفق عليهم ويعطف عليهم، وهم برآء ليس عندهم ذنوب، وصوتهم يملأ الدنيا بهجة، وانظروا إلى المرأة التي لم تنجب ليس لها أمنية في الدنيا إلا أن تسمع ضجيج الأطفال يملأ بيتها، ألم تروا كيف يتحسر من ليس له أولاد؟!.

 وآخرون لديهم أطفال يعاملونهم بمنتهى القسوة، ويدعون عليهم،  فهذا لم يشكر هذه النعمة، ولم يقم عليهم بما أمر الله به، كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته[6].

 فالشارع أمرنا بتربية الأطفال، هذا كلام المصطفى ﷺ.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، (8/ 7)، برقم: (5996) ومسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، (4/ 1808)، برقم: (2318).
  2. أخرجه البخاري، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام، (9/86)، برقم: (7246)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة، (1/465)، برقم: (674).
  3. أخرجه البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله -تبارك وتعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى [الإسراء: 110]، (9/ 115)، برقم: (7377)، ومسلم، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، (2/ 635)، برقم: (923).
  4. أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (2/ 1095)، برقم: (2282).
  5. أخرجه مسلم، كتاب الفضائل، باب رحمته ﷺ الصبيان والعيال وتواضعه وفضل ذلك، (4/ 1808)، برقم: (2317).
  6. أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الجمعة في القرى والمدن، (2/ 5)، برقم: (893)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم، (3/ 1459)، برقم: (1829)، بلفظ: ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته.

مواد ذات صلة