تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الإثنين 16 / رمضان / 1440 - 20 / مايو 2019
شرح حديث أبي هريرةَ رضي اللَّهُ عنه "اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلفاً" وحديث "الْيَدُ الْعُلْيا خَيْرٌ مِنَ الْيدِ السُّفْلَى"
تاريخ النشر: ١٩ / محرّم / ١٤٢٨
التحميل: 2249
مرات الإستماع: 41571

اللهم أعطِ منفقاً خلفاًً

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب النفقة على العيال أورد المصنف -رحمه الله-:

حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقاً خلفاًً، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً[1]، متفق عليه.

قوله:ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، هذا في كل أيام السنة، يقول أحدهما: الله أعطِ منفقاً خلفاً، مناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة، فهذا الذي ينفق عرفنا من الأحاديث السابقة أن أفضل هذه النفقة هي النفقة العيال، فيدخلون في هذا العموم اللهم أعط منفقاً خلفاً، من ينفق على عياله بالدرجة الأولى، وكذلك النفقة على القرابات، على الفقراء، على المحتاجين، وما أشبه هذا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً، لا تُوكِي فيُوكِي الله عليكِ، ولا تحصي فيحصي الله عليكِ[2]، فينبغي للإنسان أن يضع هذا الحديث نصب عينيه، إذا أراد الزيادة والبركة والخير والنماء في المال فعليه أن ينفق، أن يبذل، أن يعطي ذوي الحاجات، وأصحاب الحقوق حقوقهم، ويتصدق في سبيل الله ولو كان يسيراً، يعني: لو جعل الإنسان لنفسه كل يوم في صندوق للصدقة كل يوم ريالا، كل صباح، ويعوّد أولاده على هذا، فهذا ينطبق عليه هذا الحديث؛ لأنه لم يحدد قدراً معيناً من النفقة، اللهم أعط منفقاً خلفاً، فهذا يصدق عليه أنه منفق، فمثل هذه الأشياء يُستدفَع بها كثير من الشر والبلاء الذي قد يقع على الإنسان، وكذلك أيضاً يستجلب بها الخير والنماء والبركة، ورحمات الله على العبد.

اليد العليا خير من اليد السفلى

وفي الحديث الآخر:

حديث أبي هريرة وهو الحديث الأخير في هذا الباب، أن النبي ﷺ قال: اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، رواه البخاري

والمشهور من كلام أهل العلم وهو الذي لا ينبغي العدول عنه أن المقصود باليد العليا: اليد المعطية، خير من اليد السفلى وهي اليد السائلة، اليد الآخذة، وذلك أن المعطِي محسن ومتصدق فهو ليس كالآخذ والسائل.

قال: وابدأ بمن تعول يعني: هو بيّن فضل الإنفاق، اليد العليا أفضل من اليد السفلى، قال: وابدأ بمن تعول، أي: أن هؤلاء أولى بإحسانك وعطائك وأنت تؤجر على هذا، وعرفنا أن أفضل النفقة ما أنفقه الرجل على عياله، على أهله ومن يعول، فهنا قال: وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً، يعني: ذكَرَ الأولى من الناس بالصدقة، وهم من يعول، ثم ذكر أفضل أحوال الصدقة، وهي ما كان عن ظهر غنىً، وهذا يرجع إلى المعنى، تؤكد معنى الجملة التي قبلها، وذلك أن الإنسان متى يتصدق؟ يتصدق بما فاض عن حاجته، بما فاض عن حاجة من يعول، كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول[1] أو من يَقُوت[2]، فحينما يتصدق وليس عنده إلا طعام للصبية مثلاً، فهل هو مأمور بأن يأخذ هذا الطعام ويتصدق به، وليس عنه عوض؟ الجواب: لا، ابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً، أي: ما كان ناشئاً عن غنى، ما كان عند الإنسان بعد هذه الصدقة فضل من المال يكفيه ويكفي عياله، ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الإنسان لا يندب ولا يطالب ولا يحسن به أن يتصدق بكل ماله، والنبي ﷺ قال: إنك إن تذر أهلك -أو عيالك- أغنياء خير من أن تذرهم فقراء عالة يتكففون الناس[3]، أو كما قال ، وذكرنا في بعض المناسبات أن الأرجح في هذا أنه يختلف باختلاف الناس؛ لأن النبي ﷺ قبل صدقة أبي بكر وقد تصدق بكل ماله، ولما سأله: ما تركت لأهلك؟، قال: تركت لهم الله ورسوله ﷺ، وأن عمر  جاء بنصف ماله فقبل النبي ﷺ منه ذلك، ولما جاء الرجل بقطعة من ذهب يريد أن يتصدق بها أبى النبيﷺ أن يقبل منه، وأعرض عنه، ثم أخذها منه ورماه بها كالمغضب، وقال: يعمد أحدكم إلى ماله فيتصدق به، ثم يتكفف الناس[4]، فهذا يختلف باختلاف أحوال العباد، فمن الناس من يكون عنده من اليقين والثقة بالله ، والرضا بما عنده، بحيث إذا تصدق بكل ما عنده ما يتلفت قلبه للآخرين يعطونه أو يحسنون إليه، ومن الناس من إذا تصدق بكل ماله بدأ يتحرى أن يُعطَى، أن يدعم، أن يساعد، أن يلتفت إليه الناس، فمثل هذا لا يحسن به أن يتصدق بكل المال، ثم قال: ومن يستعفف يعفه الله، من يستعفف: السين والتاء للطلب، يستعفف يعني يطلب العفاف، بيّن أن اليد العليا أفضل من اليد السفلى، وقال: ابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنىً، لا تترك أهلك فقراء وتتصدق، ابدأ بهم.

قال: ومن يستعفف يعفه الله أي: من يطلب العفاف يعفه الله، فإذا كف الإنسان نفسه عن التطلع للآخرين ولم يطلبهم أن يعينوه وأن يساعدوه فإن الله يعفه، والجزاء من جنس العمل، أما من يذهب ويسأل الناس ونحو ذلك فمثل هذا لا يسد حاجتَه وجوعته البحرُ، فهو دائماً يسأل، ولربما اتخذ ذلك مهنة يتكسب بها، وهكذا في كل شئون الإنسان، فالتعفف أولى به، أن لا يطلب الناس.

والله قد مدح فقراء المهاجرين، قال: لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة:273]، يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أي: بحالهم أغنياء من تعففهم، وذلك لشدة تعففهم، تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْأي: بما يظهر عليهم من الشحوب، وعلى ثيابهم من الرثاثة، يُعرف الفقير.

قال: لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا لا يسألون ملحفين من كل وجه، كما يفعل بعض السائلين، يأتي من جميع الطرق يوسط إنسانًا، ويأتي هو يتكلم، ويدعو مرة، ويقف في طريقك، ويتمسكن، ويأتي، هذه كلها طرق في السؤال، فهم لا يسألون الناس ملحفين، ولا غير ملحفين أيضاً، لكنه ذكر أبشع صور السؤال وهو الإلحاح والإلحاف في المسألة.

ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله[5]، رواه البخاري، ومن يستغنِ، أي: يطلب الغنى، يغنه الله، من يستغنِ عن الناس: يطلب الغنى عنهم، عما في أيديهم، فإن الله يغنيه، ولهذا قال الله وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ [النــور:33]، يستعفف يعني: يطلب العفاف، حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ.

هذا، وأسأل الله أن يغنينا وإياكم من فضله، وأن يرزقنا وإياكم القناعة والرضا، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه النسائي في الكبرى، إثم من ضيع عياله، (8/ 268)، رقم: (9131)، والحاكم في المستدرك، (4/ 545)، رقم: (8526)، وصححه الألباني في المشكاة رقم: (3346).
  2. أخرجه أبو داود، كتاب الزكاة، باب في صلة الرحم، (3/ 118)، رقم: (1691)، وأحمد في المسند، (6/ 48)، رقم: (6495)، وصححه الألباني في الإرواء.
  3. أخرجه البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي ﷺ: اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم، (2/ 81)، رقم: (3936)، ومسلم، كتاب الهبات، باب الوصية بالثلث (3/ 1250)، رقم: (1628).
  4. أخرجه الدارمي، من كتاب الزكاة، باب النهي عن الصدقة بجميع ما عند الرجل، (2/ 1032)، رقم: (1700)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير، رقم: (6408).
  5. أخرجه البخاري، كتاب الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى، (2/ 112)، رقم: (1427).

مواد ذات صلة