تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 01 / ربيع الآخر / 1440 - 09 / ديسمبر 2018
شرح حديث أبي هريرةَ رضي اللَّه عنه "أَتَدْرُونَ مَا أَخَبَارُهَا؟ "
تاريخ النشر: ٠٧ / شوّال / ١٤٢٨
التحميل: 1694
مرات الإستماع: 4303

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب الخوف أورد المصنف -رحمه الله- حديث أبي هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة:4]، ثم قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عملتَ كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها[1]، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

وقول أبي هريرة : قرأ رسول الله ﷺ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، ثم قال: أتدرون ما أخبارها؟، هذا لون من التفسير النبوي، فالنبي ﷺ كان يفسر لأصحابه ما يحتاجون إلى تفسيره من معاني القرآن، فتارة كان ﷺ يقرأ الآية ثم يبيّن معناها، وتارة يذكر لهم المعنى ثم يذكر الآية التي تتصل به، وأحياناً يستشكلون شيئاً ويختلفون فيه فيرجعون إليه ﷺ فيبيّن لهم المعنى المراد، إلى غير ذلك من طرق تفسيره ﷺ، قال: أتدرون ما أخبارها؟، وهذه الطريقة في التعليم أنجع وأنفع، عن طريق عرض السؤال وذلك من أجل أن يحضر السامع ذهنه، يسألهم ثم بعد ذلك يجيبهم، ثم هم تأدبوا في الجواب فقالوا: الله ورسوله أعلم، وهذا هو اللائق أن يكِل الإنسان علم ما لم يعلم إلى الله -تبارك وتعالى، وذكرنا لكم في بعض المناسبات السابقة أنهم في زمان النبي ﷺ في أيام حياته يجيبون بمثل هذا الجواب في القضايا الشرعية، الله ورسوله أعلم، أما نحن اليوم فإنما نقول ذلك في الأحكام وما يتصل بها، ولكن حينما تقول مثلاً: أين فلان؟ ما يقال: الله ورسوله أعلم، لا تقول حينما تُسأل مثلاً عن مسألة تتعلق بالفيزياء أو الكيمياء، أو تُسأل عن قضية تتعلق مثلاً بما ستفعله غداً أين ستذهب في الغد؟ هل ستسافر أو لا؟ لا تقول: الله ورسوله أعلم، لماذا؟ لأن النبي ﷺ لا يعلم ذلك، وإنما تقول: الله أعلم، هذا الجواب، لكن إذا سُئلت عن مسألة شرعية لا تعرف الجواب، ما حكم قراءة الفاتحة خلف الإمام؟ يمكن أن تقول: الله ورسوله أعلم؛ لأن النبي ﷺ هو أعلم الأمة بدينها، الشاهد أنهم قالوا: الله ورسوله أعلم، وهذا هو اللائق أن الإنسان إذا كان لا يعلم أن يكل العلم إلى عالمه، ولا يتكلم فيما لا يعلمه. قوله: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، في هذا النص عمومان: تشهد على كل عبد أو أمة، فظاهره أنه يشمل المسلم والكافر، البر والفاجر. والعموم الآخر هو قوله ﷺ: بما عمل أي: بكل ما عمل، فهذا يشمل الخير والشر، الكبائر والصغائر، تشهد عليه، وتخبر وتُنبِئ وتنطق وتتكلم بكل ما عُمل عليها، تقول: فلان عمل في الساعة الفلانية العمل الفلاني في المكان الفلاني، تتكلم، تنطق هذه الأرض، ولذلك الإنسان إذا أراد أن يعصي الله فليبحث عن مكان لا يشهد عليه، وهل سيجد؟! الأرض كلها تنطق، والجلود تنطق، الجوارح تنطق، وكذلك أيضاً الله يراه، والملَك يكتب ذلك جميعاً، فأين يذهب الإنسان؟ فليبحث عن أرض سوى أرض الله يعصيه عليها، وليبحث عن مكان لا يراه الله -تبارك وتعالى- فيه، وهل يمكن هذا؟!، كثير من الناس إذا سأل عن بعض المسائل التي لا يفعلها أمام الآخرين، حينما يُسأل يقال له: هل تفعل هذا أمام أدنى الناس منزلة؟ فيقول: لا، لم أفعل هذا، مستحيل، طيب أنت تفعله أمام الله -تبارك وتعالى، لا يخفى عليه من أمرك خافية، فالشاهد أن الأرض تشهد، والشهود كثير، الملائكة يشهدون، والأرض تشهد والبقاع، وكذلك الأعمال، الجلود، كل ذلك ينطق على الإنسان، فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، والله يقول: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12]، أي: ما أسلفوا من الأعمال، وَآثَارَهُمْ: فسر بعض السلف الآثار بما تركوه، إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له[2]، قالوا: هذه هي الآثار التي تكتب، ما يتركه بعده، وبعضهم فسرها بالخطى، تكتب هذه الخطى، أي: الخطى إلى المساجد مكتوبة، إلى مجالس العلم مكتوبة، الخطى إلى أماكن المعصية، كل ذلك يكتب، قال الله تعالى بعدها: وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ أي: في كتاب يبين عما في داخله، فلا يفوته شيء من هذه الأعمال. قوله: تقول: عملتَ كذا وكذا في يوم كذا وكذا فهذه أخبارها، ولهذا نقول: إن من هم بمعصية الله فليتذكر هذا المعنى، أنه سيأتي يوم تتكلم هذه الأرض، وتقول: عمل عليّ كذا، فلا يكثر على نفسه الشهود، لا تكثر على نفسك الشهود، والله حكم عدل لا تخفى عليه خافية، ومن تمام عدله ومحبته للعذر أنه لا يكتفي بما علمه من حال العبد، ولا بما كتبه الملك، بل يُشهد عليه أبعاضه، والأرض التي كان يمشي عليها، فأين يذهب الإنسان؟ ولماذا نكثر على أنفسنا من الأوزار والذنوب؟ ولماذا نكثر من الشهود؟ والله لا يفوته شيء، الإنسان قد يجحد بعض الأشياء عند الناس، ويقول: أنا ما فعلت كذا أبداً، وإذا وُوجه قال: أبداً هذا الكلام ليس صحيحاً، فإذا جاءوا له بصورته وهو يفعل هذا الفعل، وجاءوا إليه بصوته مسجلًا لربما يُسقط في يده، مع أن هذه الأمور شرعاً لا يثبت بها شيء على الإنسان كدليل قاطع، وإنما هي من باب القرائن؛ لأن الصورة قد تدبلج، والصوت قد يعبث به، أما عند الله فلا يخفى شيء، ولذلك أقول: نحتاج إلى أن نحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبنا الله -تبارك وتعالى، فإن الموقف شديد وعصيب، وأمام رب عظيم، قوي، شديد العقاب. أسأل الله -تبارك وتعالى- أن يحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمته أن نغتال من تحتنا، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه الترمذي، باب ومن سورة إذا زلزلت الأرض، (5/ 447)، رقم: (3353)، والنسائي في السنن الكبرى، (10/ 342)، رقم: (11629)، وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي، رقم: (2559).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، (3/ 1255).

مواد ذات صلة