تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 14 / صفر / 1441 - 13 / أكتوبر 2019
شرح حديث أبي هُريرة رضيَ اللَّهُ عنه "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ"وحديث أَبي كَبشَةَ الأَنمَاريِّ رضي اللَّه عنه "ثَلاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيهِنَّ وَأُحَدِّثُكُم حَدِيثاً فَاحْفَظُوهُ"
تاريخ النشر: ١٢ / ذو القعدة / ١٤٢٩
التحميل: 2124
مرات الإستماع: 39715

ما نقصت صدقة من مال

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير أورد المصنف -رحمه الله:

حديث أبي هريرة ، أن رسول الله ﷺ قال: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله [1].

هذه أمور ثلاث محكمات وهي جاءت بهذه الصيغة التي تدل على العموم في الأحوال كلها والأشخاص والأزمنة والأمكنة ما نقصت صدقة من مال، يعني: قط، أيًّا كانت هذه الصدقة كبيرة أو صغيرة ما نقصت صدقة من مال، وأهل العلم حينما يتحدثون على معنى هذا الحديث منهم من يقول: ما نقصت صدقة من مال، بمعنى أنه يُبارَك في هذا المال بسبب هذه الصدقة والعبرة بالبركة، فالمال قد يكون كثيرٌ عدده ولكن حينما ترفع بركته لا يبقى منه شيء، ولا ينتفع الإنسان به، ويضمحل من بين يديه ولا يشعر كيف ذهب، فبعضهم قال: يُبارَك فيه، ويحتمل أن يكون أن الله يعوضه بدلاً من هذا المال الذي أنفقه، يفتح له أبواباً من الرزق كما جاء في الحديث الذي سبق: اللهم أعطِ منفقاً خلفًا، فهذا الخلف يكون في الدنيا ويكون في الآخرة.

ومن أهل العلم من يقول: إن ذلك في الآخرة ما نقصت صدقة من مال، بمعنى أن الله يجزيه على هذه الصدقة الأجر والثواب ورفعة الدرجات، وقد كان بعض السلف إذا رأى السائل -يعني: الفقير المحتاج، قال: مرحباً بمن ينقل أموالنا من دار الدنيا إلى دار الآخرة، بمعنى أن هذا الذي تعطيه لهذا السائل هو ينتقل من مالك في دنياك إلى آخرتك، هذه هي الحقيقة.

والجملة الثانية وهي قوله: وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزًّا، وهذا على خلاف ما يتوهمه كثير من الناس أن العفو قد يورثه ضعفاً ومهانة ومذلة فيجترئ عليه الناس، ولكن الواقع خلاف هذا، وهذا العز المذكور في هذا الحديث هو عز في الدنيا، بمعنى أن هذا الإنسان يرتفع بالعفو، والإنسان حينما ينتقم لنفسه لاشك أنه يهبط في منزلته ومرتبته بحيث لا يرتقي ويعلو كما لو أنه عفا، لو وقف الإنسان مع كل من ظلمه وكل من اعتدى عليه وكل من أساء إليه فيريد أن يفاصل الناس في الحقوق ويقتص من هذا وينتقم من هذا ويأخذ حقه من هذا وما أشبه ذلك لا يفوّت شيئاً فإن مرتبته عند الناس ستكون ليست كما ينبغي، ليست في المرتبة العالية، أما الذي يعفو عن الناس فإنه يرتفع وتحبه القلوب ويكون له من العز ما لا يقادر قدره، ولذلك قال الله لنبيه ﷺ: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [سورة آل عمران:159]، ولا يمكن للإنسان أن يكون سيداً عزيزاً إلا إذا كان يعفو ويتسع صدره للناس، تصور لو كان النبي ﷺ وحاشاه من ذلك لو كان يريد أن ينتقم من كل أحد أساء إليه، وأخطأ فيه، هذا أمر لا يمكن ولا يليق بمقامه ﷺ، بل مقامه أعظم وأجل وأكبر من ذلك -صلوات ربي وسلامه عليه، فهكذا من أراد أن يسمو بنفسه وأن يحلق عالياً فلا يقف مع إساءات الآخرين، وإنما يعفو ويصفح؛ ولهذا قال الله خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [سورة الأعراف:199].

قال: وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ، تواضع لله بهذا القيد، والتواضع هو التطامن في النفس، ويظهر ذلك في الأفعال ولابد، فلا يرى لنفسه فضلاً على الناس، فهذا مبتدؤه من القلب ثم بعد ذلك يظهر في أعمال العبد وسلوكه وما أشبه ذلك، لكن يكون ذلك لله، فإن هذا القيد لابد منه؛ لأن الإنسان قد يتواضع ذلة ومهانة؛ لأنه ضعيف أصلاً، وقد يتواضع الإنسان رياء وتصنعاً وسمعة فهو يعلم أن التواضع صفة كمال للإنسان فيُظهر التواضع أمام الآخرين، والواقع أن نفسه الأسد -كما قيل- يربض بين جوانحها، فهي نفس متوثبة تطلب العلو والرفعة ولكنه يفعل ذلك من أجل أن يسمو ويرتفع في نفوس الناس فهو يفعله أمامهم، لكن لو أنه خلا فإنه قد يعامل خدمه في البيت أو العمال الذين عنده أو نحو ذلك يسومهم الخسف والذل ويحتقرهم، ولا يمكن أن يأكل معهم ويجلس معهم، وهكذا بالنسبة للمرأة تتنزه وتترفع أن تأكل مع الخادمة، أو تدعو الخادمة، لا، الخادمة يوضع لها شيء من الطعام ولربما البقايا وهكذا كثير عليها في نظر لربما بعض الناس، والسائق حينما يأتي ويوصله إلى مناسبة ونحو ذلك يجلس في الشارع في الشمس من بعد صلاة الظهر إلى العصر لا يأكل ولا يشرب ولا يستريح، أمّا أن يقال له: ادخل وكل معنا فهذا أمر للأسف قليل أو نادر، هذا هو التواضع الحقيقي أن يجلس الإنسان مع الضعيف والمسكين وذي الحاجة والفقير ويأكل مع هؤلاء، ويسلم على هؤلاء إلى آخره، يقول: وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله.

ثلاثة أقسم عليهن
حديث أبي كبشة عمر بن سعد الأنماري ، أنه سمع النبي ﷺ يقول: ثلاثة أقسم عليهن، وأحدثكم حديثا فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر -أو كلمة نحوها- وأحدثكم حديثا فاحفظوه قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما، ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالا، ولم يرزقه علما، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل. وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، فوزرهما سواء[2].

ما نقص مال عبد من صدقة معناها كما قال العز بن عبد السلام -رحمه الله: إنه ما يضيع شيء، لاحظ ولا ظُلم عبد مظلمة، "مظلمة" نكرة في سياق النفي، نحن نأتي بهذه الأشياء على أساس بعض الإخوان ما تشكل عليه هذه العبارات، لكن هذا للعموم، أيّ مظلمة صغيرة في مال أو نفس أو عرض فصبر عليها إلا زاده الله عزًّا، لا يليق بالإنسان أن يجعل من نفسه مشاكساً لعباد الله، ويريد أن لا يفوت مظلمة ويذهب إلى هذا ويضرب هذا وينتقم من هذا ويزجر، هذا ما يليق، ولا فتح عبد باب مسألة، يعني: يسأل الناس إلا فتح الله عليه باب فقر، -نسأل الله العافية، ولهذا هؤلاء الذين يسألون الناس هل يحصل لهم الغنى ويغتنون؟ لا، بل يبقى -نسأل الله العافية- من مسغبة إلى مسغبة، أو كلمة نحوها.

قال: وأحدثكم حديثاً فاحفظوه قال: إنما الدنيا لأربعة نفر، يعني: الناس في هذه الدنيا أربعة، على أربعة أحوال، على أربع صفات: الأولى: عبد رزقه الله مالاً وعلماً، علماً ليس المقصود أنه يكون عالماً، لا، علماً يعني بالأمور وبصراً فيما ينبغي أن يكون فيه التدبير وبذل المال وما لله من حق، قال: فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، عنده مال وعنده نظر صحيح هداه الله إلى الطريق الصحيح في التصرف في هذا المال، وهو ينفقه في وجوهه فهذا في أعلى المنازل، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء، يقول: لو كان عندي مثل فلان كنت فعلت مثله بنيت مساجد، وضعت أوقافًا، وتصدقت وفطّرت الصائمين، وحججت واعتمرت، وبذلت ذلك في وجوه الخير، الثالث: وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً، هذا إنسان سيئ في عمله وفي تصرفاته وفي بذله للمال قال: ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله بغير علم، يخبط يعني: يتصرف فيه على غير اهتداء، لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأخبث المنازل، أُعطي مالا لكنه -نسأل الله العافية- لم يُعطَ هداية وعلماً.

قال: وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء، لاحظوا هذا ما عمل لكن يتمنى يقول: لو أن عندي مثل مال فلان كان كل أجازة أذهب وأسافر، كفلان يفعل ويفجر وما يترك شيئاً، فهذا مماثل له في الوزر مع أنه ما عمل، وهذا يدل على أهمية النية، وأن الإنسان قد يبلغ بها، وقد ينحط وينسحب، فإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يبذل وأن يقدم فلا أقل من أن تكون نيته صالحة ينوي الخير دائماً ويتمناه، ويقول: لو كان عندي مثل فلان كنت فعلت كذا وفعلت كذا من وجوه الخير وما إلى ذلك من أجل أن يؤجر، ويحصل له ما يحصل لهؤلاء من الثواب والأجر، وهذا من لطف الله بعباده.

هذا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع، برقم (2588).
  2. رواه الترمذي، أبواب الزهد عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر، برقم (2325)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (3024).

مواد ذات صلة