تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الخميس 18 / صفر / 1441 - 17 / أكتوبر 2019
بعض ما جاء عن السلف في باب الكرم والجود 4
تاريخ النشر: ٢٣ / ذو القعدة / ١٤٢٩
التحميل: 1498
مرات الإستماع: 2720

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب "الجود والكرم" يقول أبو معشر: "كان محمد بن المنكدر سيداً عظيماً يطعم الطعام ويجتمع عنده القراء"[1].

وقال خالد بن عبد الله القسري على المنبر: "إني لأطعم كل يوم ستة وثلاثين ألفًا من الأعراب تمراً وسويقاً"[2]، كان أميراً ومثل هذا لا يستغرب، يعني لا يقال: إنه مبالغة؛ لأن الأمير يمكن أن يفعل ذلك فيكون له من الوكلاء في النواحي المتخلفة، والآن المستودعات الخيرية كما هو معروف، المستودع الخيري يكفل أحياناً عشرين ألف أسرة، كل أسرة لو قلنا: معدل سبعة أشخاص فاحسب هذا، فلو قال مدير المستودع الخيري: نحن نطعم أربعين ألفًا، فإن مثل هذا أمر واقع وحاصل.

وذكر الأصمعي -رحمه الله: "أن أعرابياً قال لخالد القسري: أصلحك الله لم أصن وجهي عن مسألتك فصنه عن الرد"، وهذا أسلوب في السؤال طريقة تحرج المسئول يقول: "لم أصن وجهي عن مسألتك فصنه عن الرد، وضعني من معروفك حيث وضعتك من رجائي"، فوصله، وقال له أعرابي: يأمر الأمير لي بملء جرابي دقيقاً، قال: املئوه له دراهم، فقيل للأعرابي فقال: "سألت الأمير ما أشتهي فأمر لي بما يشتهي"[3].

ويقول مولى له يقال له: عبد الملك: "إني لأسير بين يدي خالد القسري بالكوفة ومعه الوجوه -يعني كبراء الناس، فقام إليه رجل فقال: أصلح الله الأمير فوقف، وكان كريماً فقال: مالك؟ قال تأمر بضرب عنقي، قال: لمَ؟ قطعت طريقاً؟ قال: لا، قال: فنزعت يداً من طاعة؟ قال: لا، قال: فعلام أضرب عنقك؟ قال: الفقر والحاجة، قال: تمنى، قال: ثلاثين ألفاً، فالتفت إلى أصحابه فقال: هل علمتم تاجراً ربح الغداة ما ربحت؟ نويت له مائة ألف، فتمنى ثلاثين ثم أمر له بها"[4]، وكان يجلس ثم يدعو بالبِدَر -جمع بِدْرة- وهي أكياس توضع فيها الأموال بقدر معين، يأمر بالبِدَر، ويقول: إنما هذه الأموال ودائع لابد من تفريقها[5]، وقال له أعرابي:

أخالدُ بين الحمدِ والأجرِ حاجتي فأيهما يأتي فأنت عمادُ
أخالدُ إني لم أزرك لحاجةٍ سوى أنني عافٍ وأنت جوادُ

فقال: سل، قال: مائة ألف، قال: أسرفتَ يا أعرابي، قال: فأحطُّ للأمير؟، قال: نعم، قال: قد حططت تسعين ألفًا، فتعجب منه، فقال: سألت على قدرك وحططتك على قدري وما أستأهله في نفسي، قال: لا، والله لا تغلبني، يا غلام أعطه مائة ألف[6]، يقول: أنا في البداية حينما سألت، سألت على قدرك، ثم بعد ذلك لما قلت: حط من هذا حططت على قدري، فكم بين المائة ألف والعشرة؟.
ونقل المدائني أن سماط يوسف بن عمر الثقفي كان كل يوم خمسمائة مائدة كلها شواء[7].

وعن الوليد بن مَزْيد الأوزاعي، قال: كان لحسان بن عطية غنم فسمع ما جاء في المنائح، يقول الوليد فقلت: كيف الذي سمع؟ قال: يوم له ويوم لجاره[8]، وصار ربيعة وهو شيخ الإمام مالك -رحمه الله- إلى فقه وفضل وما كان بالمدينة رجل أسخى بما في يديه لصديق أو لابن صديق أو لباغ يبتغيه منه، كان يستصحبه القوم فيأبى صحبة أحد إلا أحدًا لا يتزود معه، ولم يمكن معه في يده ما يحمل ذلك[9]، يعني: إذا أراد أحد أن يصحبه في سفر يشترط عليه ألا يحمل معه شيئًا، بمعنى أنه يقوم بما يحتاجون إليه جميعاً.

وأنفق محمد بن سوقة في أبواب الخير مائة ألف درهم[10].

وبلغت عطايا سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس في بعض المواسم خمسة آلاف ألف درهم[11]، يعني كم؟ خمسة ملايين.

وورد أن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس كان في سطح القصر فسمع نسوة يقلن: ليت الأمير اطلع علينا فأغنانا، يعني: يتمنين، فسمع، فرمى إليهم جوهراً وذهباً[12].

وأما سليمان التميمي -رحمه الله- الإمام الكبير العابد فلم تمر عليه ساعة قط إلا تصدق بشيء، فإن لم يكن شيء صلى ركعتين[13].

وكان رزق يزيد بن عمر بن هبيرة في السنة ستمائة ألف، وكان يفرقها في العلماء والوجوه[14]، يعني أهل الفضل.

هذه نماذج وبقيت أشياء أيضاً، وليس المقصود أن يفعل الإنسان مثل هذا بطبيعة الحال، ولكن هذه الأشياء تحرك في النفس، ويذكّر المرأ في حال غفلته، ويعلم تقصيره، ولربما يعيش الإنسان في بيئة لا تعينه ولا تساعده ويرى أنه لربما الأفضل وأنه يبذل، فإذا رأى مثل هذه النماذج لا يعجب بعمله، ولا يحصل  له شيء من الزهو والترفع ونحو ذلك.

هذا هو المقصود، وأسأل الله أن يعيننا وإياكم، ونحن نستقبل أيامًا فاضلة العشر من ذي الحجة وهي أفضل أيام العام، فالصدقة والبر وجميع أنواعه والعبادة.

فأسأل الله أن يعيننا على هذه النفوس، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. حلية الأولياء (3/ 149).
  2. سير أعلام النبلاء (6/ 147).
  3. تاريخ دمشق (16/ 144)، وسير أعلام النبلاء (6/ 147).
  4. تاريخ دمشق (16/ 145)، وسير أعلام النبلاء (6/ 147).
  5. تاريخ دمشق (16/ 146)، وسير أعلام النبلاء (6/ 147).
  6. سير أعلام النبلاء (6/ 148).
  7. المصدر السابق (6/ 159).
  8. حلية الأولياء (6/ 70)، وتاريخ دمشق (12/ 442)، وسير أعلام النبلاء (6/ 176).
  9. سير أعلام النبلاء (6/ 251).
  10. المصدر السابق (6/ 281).
  11. المصدر السابق (6/ 301).
  12. تهذيب الكمال (12/ 46)، وسير أعلام النبلاء (6/ 301).
  13. حلية الأولياء (3/ 28).
  14. سير أعلام النبلاء (6/ 331).

مواد ذات صلة