تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 19 / صفر / 1441 - 18 / أكتوبر 2019
شرح مقدمة الباب وحديث جابر رضي اللَّه عنه "اتَّقُوا الظُّلْمَ"
تاريخ النشر: ١٥ / ذو الحجة / ١٤٢٩
التحميل: 1635
مرات الإستماع: 2606

مقدمة باب النهي عن البخل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فقال المصنف -رحمه الله: "باب النهي عن البخل والشح"، وقد تحدثت في بعض المناسبات السابقة عن الفرق بين البخل والشح، والعلماء -رحمهم الله- لم يتفقوا على واحد من هذه الفروقات التي تذكر، بل إن بعضهم يقول: إن البخل والشح بمعنى واحد، ولكن المشهور هو التفريق بينهما وإن اختلفوا في هذه الفروقات، فمن أهل العلم من يقول: الشح هو الصفة النفسانية، والبخل هو المنع، منع الحقوق الواجبة، الحقوق التي تكون لله كالزكاة، والحقوق التي تكون للخلق كالنفقات على العيال والزوجات وما إلى ذلك مما يلزمه نفقته، ومن أهل العلم من يقول: إن البخل أن يبخل الإنسان على الآخرين فلا يعطيهم حقوقهم، وأما الشح فهو أن يبخل على نفسه، يمسك هذا المال ويقتّر على نفسه، فتجد الرجل لربما كان غنيًّا ولكن إذا نظرت إليه في هيئته وحاله ومأكله وملبسه ونحو ذلك كأنه فقير ليس عنده شيء، فهذا محروم، بل إن من أهل العلم من فسر قوله -تبارك وتعالى: لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [سورة المعارج:25] فسر المحروم بهذا.

ومن أهل العلم من قال: إن الفرق بين الشح والبخل أن البخيل هو الذي يمنع الحقوق، يمنع ما بيده، ولكن الشحيح ليس ذلك فحسب بل يتألم ويتضايق لمّا يرى الآخرين، يعني هو يريد أن يحصّل ما عند الآخرين أيضاً، لا يمسك فقط ما في يده بل يريد أن يحصل على ما عند الناس، فلا يقف ذلك عنده هو، ما في يده من الأموال يمسكها، ولكنه أيضًا يتطلع إلى ما عند الناس، فهو شحيح يريد أن يأخذ ما عندهم، ويمكن أيضاً أن يقال: إن الشحيح ليس فقط يمسك ماله بل إنه يريد من الآخرين أن يمسكوا أموالهم فهو يتضايق لمّا يرى أحدًا من الناس ينفق ويبذل ويعطي ويساعد، فيتضايق وينزعج ويشعر بالألم؛ لأنه يرى أن هذا الإنسان يضيع المال ويعطيه هنا وهناك مع أنه لا يخسر شيئاً، فهذا هو الشحيح.

وعامة أقوال أهل العلم ترجع إلى أن الشح أشد من البخل، فالذي سلم من حقوق الخلق فأداها وسلم من حقوق الخالق فأداها يكون قد سلم من الشح وسلم من البخل، والعرب تعبر عن البخل بمعنى أوسع مما يعبر عنه الشرع، العرب يطلقون البخل ويقولون: فلان بخيل ونحو ذلك على ما هو أوسع من منع الحقوق الواجبة، بل يطلقون ذلك على منع الفضل والبذل والإحسان، وإن لم يكن واجباً، فيقولون: فلان بخيل، فقِرى الضيف واجب ولكن هناك حالات غير الضيافة، كأن يذهب مع هذا الإنسان إلى مطعم، فهذا الذي يجلس ويحاسب عن نفسه فقط، ويترك الآخرين، أو يأكل ثم يخرج ليتحمل الآخرون قيمة هذا الطعام، هذا يقول الناس عنه: بخيل، فهو حينما يدفع هذا المال عن نفسه فقط لا يقال: إنه فعل محرماً، ولكنه فعل شيئاً غير لائق، ويُخل بالمروءة، وتأباه الطباع السليمة والعادات الكريمة، وهذا هو الشائع طبعاً في أخلاق الغرب، لا يعرفون شيئاً من الكرم والبذل والإحسان إطلاقاً، هو لا يوجد في القاموس، لو أن لك جاراً أتيت وأعطيته طعاماً أو نحو هذا وقف وعنده تساؤلات كثيرة جدًّا: ماذا يقصد؟ ماذا يريد بهذا؟ لماذا؟ أول مرة أحد يعطيه من غير مقابل، بل لربما ابتدرك فقال: كم قيمته؟

تخرج في نزهة في مكان وتجد هذا جالس مع عجوزه، وتعطيهم طعاماً مما عندك يقول لك: بكم هذا؟ ليس في قاموسهم شيء من الكرم، ولذلك يدخلون في مطعم يدخلون في مكان كل واحد يدفع عن نفسه، هذا معروف، أما أن يوجد شخص يقول: لا، ويصارع ويعارك أنا الذي أدفع، هذا غير موجود، هذا ربما هناك يتهم في عقله أنه مجنون، أو له أهداف أخرى يريد أن يصل إليها، هذه أخلاقهم.

فالمقصود أن هذا كله من البخل، والمصنف -رحمه الله- ذكر كعادته في صدر هذا الباب جملة من الآيات، وذكر حديثاً واحداً، واكتفى بالأحاديث التي وردت في بعض الأبواب السابقة.

قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى...}

قال الله تعالى: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ۝ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى [سورة الليل:8-11].

وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، بخل بما في يده فلم ينفق ولم يبذل ولم يتصدق، وَاسْتَغْنَىاستغنى بالدنيا عن الآخرة، استغنى عن ثواب الله ، وما أعده للمحسنين والمطيعين، ومن لا يبذل ماله ابتغاء مرضات الله فهو مستغنٍ، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى الحسنى هي الجنة، لا يؤمن بها ولا يرجو ثواب الله ولا الدار الآخرة، قال: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وهذه الآية مهمة جدًّا في باب القدر، وذلك أن الجزاء من جنس العمل، فالناس الذين يسألون عن القدر يقال: الله يقول: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، الذي يسلك الطريق التي توصله إلى مساخط الله فإن الله -تبارك وتعالى- ييسره جزاء وفاقاً للعسرى، والعسرى هي الأعمال السيئة التي تورثه عذاب الله وناره، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى فيسلك طريق المغضوب عليهم، ويعمل بأعمال المنحرفين الذين يرتكبون مساخط الله ، ولهذا قال الله : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [سورة الليل:5-7]، فالإنسان يبذل ويعمل ويتصدق ويتقرب إلى الله ، والله يسدده ويوفقه ويهديه هداية بعد هداية، والذي يعرض ويعمل الجرائم، ويبخل عما في يده ونحو ذلك فإن الله -تبارك وتعالى- يزيده غيًّا على غيه، والجزاء من جنس العمل.

قال: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى إذا هلك فإن ماله لا يغني عنه شيئاً، والإنسان حينما يخرج من الدنيا يخرج وليس معه من ماله شيء، وفي الآخرة لا يوجد أموال، كل ما يملكه الناس فإنه لا يغني عنهم في الدار الآخرة، وإنما هناك الحسنات والسيئات، فالذي هلك وهو يملك المليارات هل يستطيع أن ينجو من عذاب الله وأن يتخلص ويدفع الفدية؟ أبداً، وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [سورة البقرة:48]، الطرق التي تحصل بها النجاة جميعاً أُغلقت، لا تغني نفس عن نفس شيئاً، ولا أحد يتوسط، ما في وساطات، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ، الفدية، فيفتدي الإنسان نفسه بمال أو نحو ذلك أو بغيره من ولد، لا أحد يجزي عن أحد، وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ لا يوجد من يأتي ويخلصه بالقوة، وإنما إذا وقع به عذاب الله فعندئذ لا مخلص ولا مخرج من ذلك.

قوله تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

وقال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [سورة الحشر:9]، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِفأضاف الشح إلى النفس؛ لشدة تعلقه بالنفوس، ولشدة تمكنه منها، كما قال الله : وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [سورة النساء:128] فهو حاضر فيها، فأخلاق الناس قد غُرز ذلك فيها فيحتاج هذا إلى مجاهدة؛ ولهذا قال الله : فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، يعني أنه علق الفلاح على الوقاية من شح النفوس، فمن تخلص من شح النفس فقد أفلح، لماذا؟ لأن الإنسان إذا كان شحيحاً فإن هذا الشح يؤدي به إلى ركوب المعاطب والمهالك في الدنيا وفي الآخرة -نسأل الله العافية، في الدنيا يقطع الرحم، يقارف المعاصي والمنكرات والجرائم والذنوب ويأكل الحرام ويختلس ويأخذ الرشوة، ولا يوجد عنده معروف، ولا يوجد عنده شيء من الإحسان إلى الخلق، إنسان شحيح، ما في شيء إلا بشيء، هذا الإنسان يريد أن يدرس في هذه الجامعة أو هذه الكلية، وهذه البنت تريد أن تدرس، هذه تريد أن تنتقل من مدرسة إلى مدرسة، كم؟ عشرة آلاف ريال، ادفع، ما في شيء اسمه إحسان، ما في مروءة، ما في دين، ما في خوف من الله ، كل شيء عنده له تسعيرة، له قيمة، يأخذ الرشوة ولا يبالي، يأكل أموال الناس، يحتال بكل طريقة يستطيع أن يحتال بها عليهم -نسأل الله العافية- في أخذ أموالهم، فهذا إنسان تذهب دنياه، فالناس يعرفونه بالشح والبخل وارتكاب الدنايا، ومن ثم لا يتعاملون معه، ولا يحبونه، وقد ينخدع به الإنسان مرة لكن هي آخر مرة يتعامل معه، والناس لا يرضون بحال من الأحوال أن يتعاملوا مع من يخدعهم ولو كان ذلك في شيء يسير.

وأما في الآخرة فإذا ارتكب الإنسان كل هذه القبائح فما ظنكم؟، كيف تكون حاله في الآخرة؟ ولهذا الإنسان من أجل أن يتخلص من الشح يحتاج إلى مجاهدة؛ لأن النفوس قد جُبلت على حب المال، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [سورة الفجر:20]، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [سورة العاديات:8]، والخير المقصود به المال، كما قال الله : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [سورة البقرة:180] يعني ترك مالاً، فالخير هو المال، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ، فالنفوس قد مُزج فيها حب المال؛ ولهذا جُعل المال قريناً للنفس، قريناً للنفوس، فالله حينما ذكر الجهاد ذكر الجهاد بالمال والنفوس، وذلك أن الإنسان حينما يُخرج ماله رجاء ما عند الله فهو إنما يخرج شيئاً محبوباً إلى نفسه، وهذا ما يتيسر لكل الناس، ولهذا نسمع ما عند الله من الجزاء، وأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ونسمع قول الله : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [سورة البقرة:261]، كل هذه الأشياء نسمعها، لكن ما هي نتائج ذلك، وما هي آثاره على تعاملنا وأخلاقنا وما نبذله؟ قليل وضعيف، لماذا؟ لأن النفوس تحب المال، بل إذا جاء الإنسان يتصدق أحياناً بطعام أو ثياب أو نحو ذلك لربما يستخسر بعض الأشياء يقول: لا، هذا جيد، هذا يمكن أن نحتاجه، هذا كذا، وكل إنسان تحت ظل صدقته يوم القيامة[1]كما أخبر النبي ﷺ، والنبي ﷺ عندما وجد رجلا أتى في المسجد بعذق من شيص -الرطب الذي ما نضج، ما استوى، ما أُبِّر أصلاً- فهو كأنه ربع بسرة؛ لضعفه وضآلته، لا تأكله إلا الحيوانات، يقال له: شيص، قال: إن هذا ليأكله شيصاً يوم القيامة، علقه في المسجد من أجل أن يأكل منه الفقراء، جاء بشيص، ما جاء بالرطب الجيد، لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [سورة آل عمران:92]، من منا اليوم إذا سمع بفقير وأراد أن يتصدق عليه بشيء مما عنده من الثياب بحث عن أفضل ثوب وأعطاه إياه؟ هذا هو اختبار النفوس، من؟ بحث عن أفضل شماغ وأعطاه إياه، لا، يبحث عن الأردأ الذي لا يحتاجه الذي ما يلبسه ويعطى، هذا خطأ وللأسف نحن نقدم لأنفسنا، فنقدم الرديء، وما يكون في الآخرة هو الذي نقبل عليه ونقدم عليه، فهذا يَلقى شماغًا رديئًا، وهذا يَلقى ثوبًا رديئًا، وهذا يَلقى طعامًا رديئًا لا يصلح لأكل الآدمي، ويعطيه لهؤلاء المحتاجين والفقراء، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، كم من أناس حصلت بينهم قطيعة، حصل بينهم شر، حصل بينهم من أجل المال.

اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات

وذكر الحديث الوحيد وهو:

حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة. واتقوا الشح؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم، رواه مسلم.

اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة...، قد تكون هذه الظلمات حسية فعلاً، يعيش الظالم في ظلمة، وقد تكون معنوية، ظلمات، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكمماذا فعل بهم؟ قال: حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم[1]رواه مسلم.

استحلوا محارمهم يعني: استحلوا ما حرم الله عليهم، فمثلاً اليهود لما حرم الله عليهم الشحوم جملوها أذابوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها، لما حرم عليهم العمل يوم السبت نصبوا الشباك في يوم الجمعة ثم سحبوها في يوم الأحد، وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ۝ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ۝ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ۝ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [سورة الأعراف:163- 166]، فمسخهم الله بسبب ذلك، ما الذي أوقعهم بهذا؟ هو الشح، وانظروا الآن هذه الأزمة المالية العريضة التي لم يبقَ بيت إلا دخلته ما سببها؟ سببها الشح، والقضية ترجع إلى البنوك وتدور عليها، ماذا فعلت هذه البنوك سواءً قلت: الرهن العقاري، فهذا مبني على ماذا؟ على الشح، لا يعرفون الإحسان ولا القرض الحسن، ولا كذا، رهنوا بيوت الناس وصاروا يعطونهم القروض، فما استطاع الناس أن يدفعوا، وأما هذه البطاقات الائتمانية والبطاقات التي اكتفى الناس بوضع هذه القطعة من البلاستيك في جيوبهم، وصارت أموالهم عند البنوك، وصارت تتكدس عليهم الديون بسبب التوسع في الشراء، وهؤلاء عندهم من الأخصائيين والدراسات النفسية التي توضح كيف أن الإنسان يمكن أن يبذل دون أن يشعر عن طريق بطاقة، الأمر سهل، غير لمّا يدفع النقود، فاستنزفوا ما عند هؤلاء الناس، ثم ركبتهم الديون، فإذا جاءت هذه الطامة فعند ذلك لا تسأل عن أحوالهم، ثم إذا جاءت المقاصة بين البنوك والمشاكل، المطالبات التي بينهم حينما يبيعون هذه الديون من بنك إلى آخر ومن بنك إلى آخر بأسعار أعلى، كل ذلك عن طريق الربا فهنا تأتي الكارثة والإفلاس الحقيقي، فإذا وقع هذا الإفلاس في البنوك وكل تعاملات الناس عن طريق البنوك فعندئذ لا يوجد مال يتداوله الناس، -نسأل الله العافية، والآن نسمع في كل يوم، اليابان قبل أسابيع أعلنت الانكماش رسميًّا، وروسيا قبل أمس أعلنت أنها دخلت مرحلة كساد اقتصادي، إعلانات رسمية أمام العالم، والبنوك تعلن إفلاسها الواحد تلو الآخر، والشركات الكبيرة العالمية التي تملك المليارات ورءوس الأموال الطائلة تعلن إفلاسها الواحدة بعد الأخرى، كل هذا بسبب ماذا؟ بسبب الشح، وكل ذلك يرجع إلى هذا المعنى -نسأل الله العافية، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

أسأل الله أن يقينا وإياكم شح أنفسنا، وأن يجعلنا وإياكم من المفلحين.

  1. رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم (2578).

مواد ذات صلة