تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
السبت 20 / صفر / 1441 - 19 / أكتوبر 2019
بعض ما جاء عن السلف في باب الإيثار والمواساة 2
تاريخ النشر: ٢٩ / ذو الحجة / ١٤٢٩
التحميل: 1356
مرات الإستماع: 3108

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه نماذج من أحوال السلف وبعض المتقدمين في باب الإيثار والمواساة:

يقول عطاء الخرساني -رحمه الله: إن امرأة أبي مسلم الخولاني قالت له: ليس لنا دقيق، فقال: هل عندك شيء؟

قالت: درهم بعنا به غزلاً، قال: ابغينيه -أي هاتيه- وهاتي الجراب، يعني: من أجل أن يضع به الدقيق، فدخل السوق، فأتاه سائل وألح، يعني: جاء إلى زوجها، وهو أبو مسلم الخولاني، وهو من خيار التابعين، فأعطاه الدرهم وملأ الجراب نشارة مع تراب وأتى وقلبه مرعوب منها، وذهب، ففتحته فإذا به دقيق حواري، الدقيق الحواري هو الأبيض المصفى المنقى، فعجنت وخبزت، فلما جاء الليل وضعته -يعني: الخبز، فقال: من أين هذا؟ فقالت: من الدقيق، فأكل وبكى[1].

ليس ذلك على الله بعزيز، تصدق بهذا الدرهم، فعوضه الله كما ترون، وهذه ذكرها الذهبي  -رحمه الله- في ترجمته في سير أعلام النبلاء.

وهكذا أيضاً جاء عيسى بن طلحة، يعني: عيسى بن طلحة بن عبيد الله، طلحة بن عبيد الله كان يسمي أولاده بأسماء الأنبياء، عيسى بن طلحة، ومحمد بن طلحة، وإبراهيم بن طلحة.

والزبير بن العوام كان يسمي أولاده بأسماء الصحابة، عروة، ومصعب، وعبد الله، أبناء الزبير.

فعيسى بن طلحة جاء إلى عروة بن الزبير لمّا قدم من الشام، وقد قطعت رجله، ومات ولده، كما هو معروف، فقال عروة لبعض بنيه: اكشف لعمك رجلي، ففعل، فقال عيسى: إنا والله يا أبا عبد الله...

يعني: الآن المواساة لا تكون فقط بالمال، وإنما تهوين المصيبة على المصاب، فيدخل في ذلك التعزية، وما يطيب القلوب ويزيل ما بها من حرارة المصيبة، أو نحو ذلك.

يقول عيسى لعروة: إنا والله يا أبا عبد الله ما أعددناك للصراع ولا للسباق، يعني: ما الحاجة إلى رجلك التي قطعت؟، نحن لا نعدك لا للصراع، ولا للسباق، ولقد أبقى الله منك لنا ما كنا نحتاج إليه: رأيك وعلمك، فقال: ما عزاني أحد مثلك[2].

لا شك أن هذه التعزية لها وقع كبير في النفس.

وكذلك أيضاً عزاه إبراهيم بن محمد بن طلحة، فقال: والله ما بك حاجة إلى المشي، ولا أربٌ في السعي، وقد تقدمك عضو من أعضائك، وابن من أبنائك إلى الجنة، والكل تبع للبعض -إن شاء الله، وقد أبقى الله لنا منك ما كنا إليه فقراء من علمك ورأيك، والله ولي ثوابك الضمين بحسابك[3].

هذه العبارات من التعزية لا شك أنها تهون وقع المصيبة على القلب، ومن أراد أن ينظر في عبارات في التعازي يمكن أن يُطالع في ذلك كتاب "صُبح الأعشى" فيه باب خاص في التعازي، كلام بليغ وجيد وجامع، وهكذا في التهاني، وما يقال في المناسبات، وما إلى ذلك، كل هذا له أبواب في كتاب "صُبح الأعشى" الإنسان الذي تزوج، الإنسان الذي مات ولده.

يقول علقمة بن مرثد -رحمه الله: أمّا الحسن البصري فما رأينا أحداً أطول حزناً منه، ما كنا نراه إلا حديث عهد بمصيبة[4].

يعني: كأن من رآه يقول: هذا حديث عهد بمصيبة، لكن حزنه كان ناتجاً من الإشفاق والخوف من الله .

يقول الحسن: نضحك، ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا، وقال: لا أقبل منكم شيئاً، ويحك يا ابن آدم هل لك بمحاربة الله، يعني: القوة؟.

والله لقد رأيت أقواماً كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه، وهذا الشاهد الآن، ولقد رأيت أقواماً يمسي أحدهم، ولا يجد عنده إلا قوتاً فيقول: لا أجعل هذا كله في بطني، فيتصدق ببعضه، ولعله أجوع إليه ممن يتصدق به عليه[5].

ونحن الآن في أوائل هذا الشتاء، وكم من الناس لا يجد لباساً ولا لحافاً.

وأعجب من هذا في المواساة بل في الإيثار بالنفس ما جاء أن الحجاج طلب إبراهيم النخعي، إبراهيم من فقهاء التابعين، والحجاج غشوم، ظالم، فاجر، لا يرعى في مؤمن إلا ولا ذمة.

فجاء الرسول مندوب الحجاج، فقال: أريد إبراهيم، ما قال: إبراهيم ابن مَن، لكن السامع عرف مراده، هو يريد إبراهيم النخعي.

فقال إبراهيم التيمي وهو إمام عابد من كبار العباد في زمان التابعين، قيل عنه: ما أتينا إبراهيم التيمي في ساعة يطاع الله فيها إلا وجدناه مطيعًا، إن كان في ساعة صلاة وجدناه مصليًا، وإن لم تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئاً، أو مشيعاً لجنازة، أو عائداً مريضاً، أو قاعداًَ في المسجد، فكنا نرى أنه لا يُحسن يعصي الله [6].

هكذا جاء في صفة إبراهيم التيمي، إبراهيم التيمي ماذا قال؟

قال: أنا إبراهيم، أوهمهم أنه النخعي المطلوب، قال: أنا إبراهيم، ولم يستحل أن يدله على إبراهيم النخعي، فأمر الحجاج بحسبه في الدِّماس، ولم يكن لهم ظل من الشمس، ولا كِلٌّ من البرد، نسأل الله العافية.

عالم وعبّاد وكبار، وكان كل اثنين في سلسلة، لما حصل ما حصل أن القراء خرجوا على الحجاج مع ابن الأشعث، ثم بعد ذلك هزموا فصار يتطلبهم الحجاج، ويأتي بهم فقتل سعيد بن جبير، وطلب الحسن البصري فاختفى منه.

الحاصل أنه الآن يريد إبراهيم النخعي، فحبسهم، وجعل كل اثنين في سلسلة، فتغير إبراهيم، يعني: تغير وجهه وهيئته، من شدة الإرهاق والتعب والشمس، فتغير إبراهيم فعادته أمه فلم تعرفه حتى كلمها، ما عرفته إلا لمّا تكلم، وقال: أنا إبراهيم، تغيرت هيئته تماماً، فمات، فرأى الحجاج في نومه قائلاً يقول: مات في البلد الليلة رجل من أهل الجنة، فسأل الحجاج من مات؟ فقالوا: مات في السجن إبراهيم التيمي، فقال الحجاج: حُلمٌ، نزغة من نزغات الشيطان، وأَمر به فأُلقي على الكُناسة[7]، نسأل الله العافية.

ويقول عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: ما رأيت أحداً أفضل من القاسم بن أبي عبد الرحمن بن أبي القاسم، كنا بالقسطنطينية، وكان الناس يرزقون رغيفين رغيفين، يعني: العطاء الذي يُعطَى لهم، المئونة، فكان يتصدق برغيف، ويصوم ويفطر على رغيف[8].

ويقول أبو حازم الأعرج: لقد رأيتُنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقهياً، أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا، وما رأيت في مجلسه متمارين، ولا متنازعين في حديث لا ينفعنا[9].

هذه مجالسهم، ما فيها لا مراء، ولا حديث فيما لا ينفع، فضلاً عما يضر مثل الغيبة، والنيل في أعراض الناس، والله المستعان.

وخرج يحيى بن سعيد الأنصاري الإمام المعروف إمام من أئمة السنة والحديث، خرج إلى إفريقيا في ميراث له، إفريقيا تطلق على بلاد الغرب سابقاً، إفريقيا بلاد المغرب، وما جاورها، فطلب له ربيعة بن أبي عبد الرحمن البريد، يعني: ربيعة بن أبي عبد الرحمن كان في المدينة هو شيخ الإمام مالك، فطلب له البريد.

البريد كانت نجائب سريعة جدًّا توصل ما يراد إيصاله بأسرع وقت بلا توقف؛ لأنها ما تتوقف، هذا يوصل إلى هذه المحطة، هناك في هذه المحطة يوجد نجائب أخرى مستريحة، يركب الثانية، وينطلق أو يركب آخر وينطلق، ثم توجد محطة أخرى، وهكذا فيصل بأسرع ما يمكن من الوقت.

فطلب له ربيعة بن أبي عبد الرحمن البريد فركبه إلى إفريقيا، فقدم بذلك الميراث، وهو خمسمائة دينار، فأتاه الناس يسلمون عليه، وأتاه ربيعة، فأغلق الباب عليهما، ودعا بمِنطقته فسيرها بين يدي ربيعة، جاء بالحزام أو مثل الحقيبة الصغيرة التي يوضع فيها النقود، ويربطها الإنسان يشدها على جسده، فسيرها بين يدي ربيعة.

وقال: يا أبا عثمان، والله ما غيبتُ منها ديناراً إلا ما أنفقناه في الطريق، ثم عد مائتين وخمسين ديناراً، فدفعها إلى ربيعة، وأخذ هو مثلها، قاسمه ماله[10].

وجاء فُضيل بن مرزوق -وكان من أئمة الهدى، زهداً وفضلاً- إلى الحسن بن حي، فأخبره أنه ليس عنده شيء، فأخرج له ستة دراهم، وقال: ليس معي غيرها.

قال: سبحان الله! ليس عندك غيرها، وأنا آخذها؟! فأبى ابن حي إلا أن يأخذها، فأخذ ثلاثة، وترك ثلاثة[11].

ويقول رواد بن الجراح: كنت ليلة مع إبراهيم بن أدهم -رحمه الله- فأتاه رجل بباكورة، يعني: أوائل الثمر، الثمر في أوله، أول بدوّ الثمر.

جاءه الرجل بهذه الثمار التي ما رآها الناس في السوق إلى الآن، جاء رجل بباكورة، فنظر حوله، هل يرى ما يكافئه، هو يريد أن يرد هذه الهدية أيضاً، ما وجد شيئًا.

يقول رواد بن الجراح: فنظر -يعني: إبراهيم بن أدهم- إلى سرجي، فقال: خذ ذلك السرج، فأخذه، يقول رواد بن الجراح: فسررت حين نزّل مالي منزلة ماله[12].

ويقول قتيبة بن سعيد: لما احترقت كتب ابن لهيعة، -وهو إمام من أئمة السنة- احترقت كتبه، فاختلط، يعني: صارت روايته فيها شيء، بعث إليه الليث بن سعد من الغد بألف دينار[13].

وهناك أشياء أخرى من هذه النماذج الفذة أتركها في ليلة قادمة.

أسأل الله أن يلحقنا وإياكم بهؤلاء، وأن يعيننا على أنفسنا، ويرزقنا وإياكم الصبر، والثبات، والإيثار والمواساة.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. سير أعلام النبلاء (4/ 12).
  2. المصدر السابق (4/ 434).
  3. المصدر السابق.
  4. المصدر السابق (4/ 575).
  5. المصدر السابق (4/ 585).
  6. المصدر السابق (6/ 198).
  7. المصدر السابق (5/ 62).
  8. المصدر السابق (5/ 195).
  9. المصدر السابق (5/ 316).
  10. المصدر السابق (5/ 472).
  11. المصدر السابق (7/ 343).
  12. المصدر السابق (7/ 392).
  13. المصدر السابق (8/ 26).

مواد ذات صلة