تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 16 / صفر / 1441 - 15 / أكتوبر 2019
شرح مقدمة الباب وحديث سهلِ بنِ سعدٍ رضي اللَّه عنه" أَتَأْذَنُ لِي أَن أُعْطِيَ هُؤلاءِ؟"
تاريخ النشر: ٢٤ / ذو الحجة / ١٤٢٩
التحميل: 1589
مرات الإستماع: 2897

قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فبعد أن عقد المنصف -رحمه الله- الأبواب السابقة في الجود والبذل والكرم إلى أن ختمها بباب الإيثار والمواساة أعقب ذلك بباب التنافس في أمور الآخرة، والاستكثار مما يتبرك به، وهذا في غاية المناسبة في الترتيب؛ وذلك أن أمور الدنيا حريٌّ بالإنسان أن يزهد فيها، وأن يحسن إلى إخوانه منها، وأن يؤثر غيره فيها، وأما ما يتعلق بالآخرة فإنها هي محل المنافسة، فإن من عرف قدر الدنيا وقدر الآخرة فإنه يزهد في الأولى، ويشمر في طلب ما عند الله .

وصدّر هذا الباب كعادته في غيره من الأبواب بآية، أو آيات من القرآن الكريم.

يقول: قال الله -تعالى: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]، وهذه الآية صريحة واضحة في الموضوع الذي عُقد هذا الباب من أجله، وهو التنافس في أمور الآخرة والاستكثار مما يتبرك به وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ.

التنافس: هو التسارع في طلب الشيء للنفس، وقيل: إن النفوس إذا عرفت نفاسة الأشياء أقبلت عليها، وجدّت في طلبها، لتختص بذلك دون غيرها، تقول: هؤلاء يتنافسون على المركز الأول، هؤلاء يتنافسون على تحصيل الأمر الفلاني، يتنافسون يعني: كل واحد يريد أن يكون ذلك لنفسه، أن يكون له، ولا يكون لغيره، فأمور الآخرة الإنسان يشمر ويسارع في طلب النعيم المقيم الذي لا يزول ولا يحول، والإيثار بذلك يدل على زهد فيما عند الله ، ولو أن الناس اعتبروا الدنيا بالآخرة، وعملوا للآخرة كما يعملون في الدنيا لكانوا في الدرجات العلى، ولكننا للأسف لم نعطِ الآخرة ما أعطيناه للدنيا، ولا رُبع ما أعطيناه للدنيا، ولذلك تجد الإنسان يخرج إلى الدنيا مبكراً كبكور الغراب، كلٌّ يجد ويجتهد، انظر إلى الناس في الصباح الباكر مع طلوع الشمس، ينتشرون في أرجاء الدنيا، بلا استثناء، يجدّون ويجتهدون، وتجد الإنسان يبلغ من العمر ما يصلح معه أن يُكفَى عن العمل، ويستريح بعد أن شاخ وذبلت وضعفت قواه، ومع ذلك لم يسترح، ولم يقعد من عمل الدنيا، بل لربما لا يعطي لنفسه أجازة، ولا راحة، فهو مجدٌّ، وكلما ازداد ما يجنيه من حطامها كلما ازداد الجِدُّ، أما الآخرة ففي فضول الأوقات في الغالب إلا من رحم الله .

أتأذن لي أن أعطي هؤلاء
ثم أورد حديث سهل بن سعد : أن رسول الله ﷺ أُتِي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟ فقال الغلام: لا والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدًا، فتله رسول الله ﷺ في يده[1].

 الغلام هو الصغير، وإن كان يطلق أحياناً على الكبير، إما تقليلاً لمنزلته، أو نحو ذلك كما يقال للخادم، أو تحقيراً لشأنه كقوله ﷺ: هلاك أمتي على يد أُغيلمة من قريش[2]، وهم رجال، خلفاء، فالشاهد أن الغلام المراد به هنا مَن دون البلوغ، يقال له غلام، وعن يساره الأشياخ، والسنة أن الإنسان يأتي بالشراب، أو الطيب أو نحو هذا يأتي به لأكبر أهل المجلس إما لأكبرهم في السن، أو لأكبرهم في المنزلة، كأن يأتي به لوالده مثلاً في المجلس، مجلس فيه أناس الوالد في وسط المجلس مثلاً فيأتي به ويعطيه لأبيه، هذه السنة، ما يبدأ باليمين، أو يكون في هذا المجلس عالم فيعطيه لهذا العالم، ثم بعد ذلك يدور عن يمين هذا الآخذ، ما هو المُعطِي، يمين الآخذ الذي هو يسار المُعطِي، هو كذلك ينبغي؛ لأن العبرة بيمين الشارب، فإذا أعطاه للأكبر أو لأكبر منزلة فعن يمين هذا الآخذ يدور هذا الشراب، ما يعطيه عن يساره، ولا يقول: ارجع فيه من اليمين من أول، خطأ، هذا خلاف السنة، فالنبي ﷺ عن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فالحق لمن عن يمينه، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟، أشياخ ولربما كان فيهم أبو بكر أو من كان بهذه المثابة، وإن كان هذا جاء في بعض الروايات، لكن هؤلاء الأشياخ لا شك أنهم من الكبار، والإنسان يقال له: شيخ إذا جاوز الخمسين، أو إذا بلغ الخمسين، يقال له شيخ، وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص: 23]، ويقال لمن تقدم في العلم ولو كان صغيراً في السن، يقال له ذلك، فالشاهد أنه قال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟، راعى حقه؛ لأن الحق له، فقال الغلام: لا والله يا رسول الله، النبي ﷺ راعى حق هذا الغلام وحفظه له، ولم يعامله بأخلاق الصحراء، بالرعونة والجفاء، كما يقال: هؤلاء مَبْذرة، مَن أقعدك أصلاً في هذا المجلس؟، قم هناك مع الجيران، كما نفعل أحياناً بجفوة نحطم فيها نفوس هؤلاء الصغار ويشعرون باحتقار، وأن الواحد منهم لربما مثل الحشرة في المجلس لا يُعبأ به ولا يلتفت إليه، وليس بأهل أن يتكلم، ولا بأهل أن يجلس، ولا بأهل أن يأكل، ولا بأهل أن يشرب، هذا جفاء لا يليق، والمفروض هؤلاء تحفظ لهم كرامتهم، عندهم مشاعر، عندهم أحاسيس، هم بشر يحسون، من أجل أن يتخرج هؤلاء قادة وكباراً، لا أن يتخرج الواحد منهم يتجاوز العشرين وهو لا يُحسن أن يشتري أدنى الأشياء، ولا يُحسن أن يدبر شأنًا، ولا يتصرف في أمر من أمور حياته، وإذا قيل لأهله: عندكم فلان، قالوا: فلان!، جاوز العشرين ومع ذلك يعامله بشيء من المهانة والازدراء والاحتقار، وهذا غلط، وهذا نقع فيه كثيراً للأسف في تربيتنا في البيوت، نعامل هؤلاء الصغار ونسمعهم أسوأ ما يكرهون، عبارات جارحة: مَبْذرة، بِذران، وغدان، عبارات مستعملة تختلف من بيئة إلى بيئة لكن المؤدَّى جارح، المؤدى واحد، هذا غلط، هذا إنسان له حق.

وانظر إلى عقل هذا الغلام، جاء في بعض الروايات أنه ابن عباس -ا، نشأ ورُبي هذه التربية، فكان عمر يدخله مع الأشياخ في مجلس الشورى، ويأذن له بالكلام والجواب، وإبداء الرأي.

ماذا قال هذا الغلام الذي رُبي هذه التربية العالية الرفيعة فعنده ثقة بنفسه؟، قال: لا والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحداً، مَن مِن غلماننا اليوم يستطيع أن يُعبر بهذه الطريقة، ويفهم هذا المعنى، هو لا يريد أن يستأثر بالطعام، وليس ذلك شفقة وحرصاً على هذا الشراب، أبداً، وإنما لاحِظ العبارة فإنها تدل على المراد لا والله يا رسول الله، ناداه ﷺ بوصف الرسالة يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك.

إذاً: هو يريد معنى معينًا، وهو أن يتبرك بسؤر رسول الله ﷺ فيشرب بعده؛ لأن هذا الشراب إذا ذهب من الجهة الأخرى -اليسار- إلى الأشياخ متى سيصل إليه؟ لن يصل إليه شيء، فيكون قد فاته هذا الفضل، والنبي ﷺ يُتبرك بسؤره ﷺ بعد أن يشرب الشراب، وما يفضل منه من الطعام ﷺ.

فقال: لا والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدا، فتَلّه رسول الله ﷺ في يده، يعني: وضعه في يده، انظروا، أقول: هذا يدل على مراعاة حق ذي الحق، ولو كان صغيراً، تربية هؤلاء الصغار، الطريقة الصحيحة في التعامل معهم في المجالس، لا تحتقرهم، إنك إذا احتقرتهم فلا تلومن إلا نفسك، إذا صار هؤلاء كباراً وهم بنفوس وعقول الصغار لا يُحسن شيئاً إلا شهواته فقط يريد أن يطلب من المطعم، ويريد أن يلبس ألبسة معينة يُحاكي فيها زملاءه، لكن همم الرجال، وعزائم الرجال، وعقول الرجال والطريقة الصحيحة في التفكير والمبادرة وما إلى ذلك هو بمنأى عن هذه الأمور جميعاً.

فأقول: هذه أشياء عظيمة في التربية النبوية، وهذا يدل على أصل الموضوع الذي عُقد من أجله الباب، وهو أن الإنسان لا يؤثر بمثل هذه الأمور، ابن عباس لا ينقصه الأدب والأخلاق، ولكنه سيؤثر بأمر يتعلق بقضية لا يمكن الإيثار بها وهو سؤر رسول الله ﷺ.

والأعرابي الذي كان يجلس على يمين رسول الله ﷺ في الحديث الآخر لما جيء للنبي ﷺ بشراب دفعه النبي ﷺ إليه، وعلى يساره أبو بكر الصديق ، فأعطى هذا الأعرابي ولم يعطِ أبا بكر [3]، فتراعى مثل هذه الآداب.

وكثير من الناس يخطئ في هذا، فإذا جيء بالشراب بدأ به من اليمين من يمين المجلس بغض النظر عن هؤلاء الجلوس، وهذا خطأ، إذا جيء بالطيب بالبخور ما يبدأ به من يمين المجلس، إذا جيء بشيء، بطعام، بحلوى في المجلس يبدأ بالكبير، إن كان كبيرًا في القدر، أو كبيرًا في السن فيقدم له، ثم بعد ذلك هذا الآخذ يعطيه مَن عن يمينه بهذه الطريقة، فإذا أراد أن يعطيه عمن يساره فإنه يستأذن، وأظن أن الإذن هنا متاح؛ لأن الذي على يمينه لن يقول: لا، لن أوثر بنصيبي منك؛ لأنه لا يمكن أن يتبرك بغير الرسول ﷺ، لكنك إذا قلت له ذلك واستأذنته حفظت حقه وشعر بأن له قيمة ومنزلة، وأنه له احترام، وله وجود، وله تقدير، ولذلك تجد الصغير أحياناً عندنا يرفع صوته في البيت ويتطاول، ولربما يعارك، ولربما يحاول أن يزعج ويعبث من أجل ماذا؟ هو يريد أن يقول باختصار: أنا موجود، للأسف ماذا نفعل به نحن إذا فعل هذه الحركات؛ لأننا ما قدرناه من قبل، ولا أشعرناه بقيمته؟، نأتي ونوقع به، نسمعه من الكلام الذي يحطم نفسه، ولربما نلحقه بالتعنيف والضرب ما يتمنى معه أنه لم يتكلم ولم يصرخ ولم يعبث ولم يرفع صوته، ليقول: اسمعوني، أنا موجود هنا، أنا حاضر فالتفتوا إليّ، لذلك تجد الصغير أحياناً إذا يكلم أحدًا أكبر منه أو والده ذاك يسمع يقول: نعم، نعم أسمع، والصغير يدور برقبته بقوة، هو يريدك أن تلتفت إليه، يريدك أن تنظر إليه، يقول لك: أنا موجود، ولربما يتكلم الكبير ويتكلم معه الصغير، ويرفع صوته، يقول: أنا أسمع لهذا أو أسمع لهذا؟، فوجهْه بطريقة مناسبة، ولا تجرحه، ولا تعنفه، أسلوب مناسب تقول: الآن سأستمع إليك، تفضل، تقول للكبير مثلاً: أكمل كلامك، ثم تقول: نعم، تفضل يا فلان، أن تعطيه اعتبارًا كبيرًا، لكن لغة مَبْذرة، لغة وغدان، هذه ما تصلح، ولا تربي، وينبغي أن نحفظ ألسنتنا من هذا، وأن نعامل هؤلاء معاملة محترمة من أجل أن يتخرج هؤلاء الأولاد بشيء من الثقة في النفس، الكثيرون ممن أسمع منهم أحياناً بعض الشباب الذين يأتون ويتحدثون عن مشاكلهم وعن قضاياهم بعد الزواج أو قبل الزواج أو غير ذلك يأتي ويتحدث أنه تجاوز الثلاثين ولا يثق بنفسه أبداً، حتى إني قلت لأحدهم مرة: أنا أتعجب من -ما شاء الله- سمتك، واتزان شخصيتك -ما شاء الله، قال: أنا أحاول أني أمامك أتماسك قدر المستطاع، لكن من الداخل شيء آخر تماماً مخلوع القلب، لماذا؟ بعض الأساتذة يقول: ما أستطيع، أحدهم يبكي جاء إلى المسجد يبكي يقول: ما أستطيع أن أدخل على الطلاب، وآخر يقول: أهلي في منطقة أخرى، تعينت هنا، يقول: الآن أنا أبكي الليل والنهار، أنا ما أستطيع أن أفارقهم، ما تعودت أن أفارقهم.

وآخر يقول: ما أستطيع أن أشتري -هذا تخرج من الثانوي- يقول: ما أستطيع، أهلي لا يثقون بي أشتري أنبوب الغاز، وآخر يريد أن يتزوج وتأخر قليلاً في الزواج، يقول: أنا لا أستطيع أن أتحمل مسئولية زوجة، أنا ما أتحمل مسئولية نفسي، فكيف أتحمل ذمة ومسئولية زوجة وغداً أولاد؟، يتكلمون بهذه الطريقة، لربما أمامك أمام الأب لا يتكلم؛ لأنه إذا تكلم جاءه ما يندم معه أحياناً على الكلام، لكن هو يتكلم لربما عند الآخرين إذا وجد من يصغي إليه أخرج أشياء، أو أحياناً تخرج على شكل سؤال ماذا أصنع؟ كيف أتصرف؟ أنا أشعر بارتباك في المواقف، أنا أشعر بكذا، أنا ما أستطيع أن أواجه إذا حضرت مناسبات عامة زواج أو إلى آخره، لماذا؟ لأن التربية هي هذه تربية مَبْذرة، اطلعوا بالخارج، لا تجلسوا هنا، لا أرى واحدًا منكم، كلمات ما أستطيع حتى أن أقولها على سبيل الحكاية، ما أستطيع أن أحكيها، لماذا هذا التعامل؟ يا أخي، أعز ما عندنا هم هؤلاء الأولاد،الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:46]، والذي ما عنده أولاد في حالة يرثى له، كم من امرأة تبكي!، وكم من رجل السؤال الذي يجرحه والسؤال المحرج بالنسبة إليه إذا قيل: ما حملت زوجتك؟! ما في نصيب؟! ما جاءكم أولاد؟ ما جاءكم شيء؟ لا يتحمل هذا السؤال كثير منهم، طيب وإذا جاء الأولاد يعاملون بهذه الطريقة! كأنهم من سقط المتاع، هذا غلط.

أسأل الله أن يلطف بنا، وأن يعيننا وإياكم على أنفسنا، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا المسلمين.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب المظالم والغصب، باب إذا أذن له أو أحله، ولم يبين كم هو (3/ 130)، رقم: (2451).
  2. أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، (4/ 244)، رقم: (2630)، وأخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي ﷺ:  هلاك أمتي على يدي أغيلمة سفهاء (9/ 47)، رقم: (7058)، بلفظ: هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش.
  3. أخرجه البخاري، كتاب الأشربة، باب الأيمن فالأيمن في الشرب (7/ 111)، رقم: (5619)، ومسلم، كتاب الأشربة، باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ (3/ 1603)، رقم: (2029).

مواد ذات صلة