تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 21 / صفر / 1441 - 20 / أكتوبر 2019
بعض ما جاء عن السلف في باب الورع وترك الشبهات 2
تاريخ النشر: ٠٣ / ربيع الآخر / ١٤٣٠
التحميل: 1742
مرات الإستماع: 2611

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فمن الآثار المنقولة عن السلف في باب "الورع وترك المشتبهات" ما جاء عن يونس بن عبيد -رحمه الله: أنه كان يبيع -له متجر في السوق- فجاء رجل شامي إلى ذلك السوق، وهو سوق الخزازين الذين يبيعون الخَزَّ، فقال ليونس بن عبيد وهو إمام من أئمة السلف من زهادهم وعبادهم وعلمائهم، فقال له: هل عندك مُطْرف بأربعمائة؟ فقال يونس بن عبيد: عندنا بمائتين، فنادى المنادي الصلاة، يعني: أذن المؤذن، فانطلق يونس إلى بني قشير ليصلي بهم، ذهب إلى ناحية يسكن فيها هؤلاء وعندهم مسجد، ذهب ليصلي بهم وترك متجره، وكان فيه ابن أخته في المتجر، فلما رجع بعد الصلاة وجد أن ابن أخته قد باع ذلك بأربعمائة، يعني: هذا ابن الأخ قال: هذا بأربعمائة، فذاك يقول: أريد بأربعمائة، قال: هذا بأربعمائة، ويونس بن عبيد قال له: بمائتين، فلما جاء أعطاه ابن أخته الدراهم، فقال له يونس بن عبيد: ما هذه الدراهم؟ قال: ثمن ذلك المُطْرف، فقال: يا عبد الله -يقول للشامي: هذا المُطْرف الذي عرضته عليك بمائتي درهم فإن شئت خذه وخذ مائتين، وإن شئت فدعه.

ما قال: فرصة، كما يقوله كثير من الناس إذا جاءهم من لا يعرف السوق، من لا يعرف السلع، من لا يعرف الأراضي، من لا يعرف العقارات، من لا يعرف السيارات، قالوا: هذه فرصة ذهبية لا تعوض، فرصة، فيبيعونه، وربما يكون فيه من الغبن الكثير الفاحش، ويعتبرون أن هذه من المكاسب والذكاء والحذق، إذا وجد امرأة كبيرة لا تعرف عندها أرض أو نحو ذلك فهذه هي الفرصة التي لا تعوض.

فيونس بن عبيد -رحمه الله- قال له: هذا بمائتين، تأخذ مائتين أو تدع لنا بضاعتنا، فقال له الشامي: من أنت؟ قال: أنا رجل من المسلمين، قال الشامي: أسألك بالله من أنت، ما اسمك؟ تعجب من هذه الأمانة، قال: يونس بن عبيد، أعلمه باسمه، قال: فوالله إنا لنكون في نحر العدو فإذا اشتد الأمر علينا قلنا: اللهم رب يونس فرج عنا، أو شبيه هذا، فقال يونس: سبحان الله!، سبحان الله![1].

قوله: اللهم رب يونس، ليس فيه محذور شرعي من جهة التوسل المحرم، أو البدعي فضلاً عن الشركي، لا إشكال فيه.

أقول: هذه النزاهة، أين توجد اليوم فيمن يبيع؟ هذا إنسان يريد أن يشتري أرضاً ليسكنها لا يعرف العيوب، فتعجبه لأول وهلة، لكن أهل الخبرة يعرفون، قد تكون هذه الأرض فيها عيوب يعرفونها مؤثرة، يقول لك: هذه الأرض مدفونة، أو هذه الأرض فيها صخور تحتاج إلى أكثر من مائة ألف من أجل تكسيرها، ونحو ذلك، وهو يرى أنه قد اشترى أرضاً جيدة، وأنه سيبني بكل سلاسة وسهولة ولا إشكال عليه، والواجب أنهم يقولون له: هذه الأرض مبيعها بكذا، لكن فيها العيب الفلاني، هذه صخور تحتاج إلى تكسير، تحتاج ما لا يقل عن مائة ألف من أجل أنك تحفر للأساسات، هذه الأرض مدفونة لا يُدرى كيف دفنت، ومن ثَمّ فيأمن الناس، ويتعاملون بطمأنينة وبثقة، لكن للأسف صار أكثر تعاملات الناس الآن بالشك والريبة، ولا يدري هذا الذي يتعامل معه أهو يخدعه، أو يتعامل معه بأمانة، لا يعرف.

وهذا أمية بن خالد يقول: جاءت امرأة إلى يونس بن عبيد بجبة خز، فطلبت منه أن يشتريها، فقال: بكم؟ قالت: بخمسمائة.

الآن هذه امرأة، فهي ما تعرف هذه السلعة، ولا ما تستحق، قالت: بخمسمائة، قال: هي خير من ذلك، هي أفضل من هذا، ما قال: هذه ما تعرف، وممتاز أني أشتريها بخمسمائة، وهي تساوي ألفًا وخمسمائة، قال لها: هي بأكثر من ذلك.

قالت: بستمائة، قال: هي خير من ذلك، فلم يزل حتى بلغت ألفاً.

وكان يشتري الإبريسم من البصرة فيبعث به إلى وكيله بالسوس، وكان وكيله يبعث إليه بالخز، فإن كتب وكيله إليه: أن المتاع عندهم زائد لم يشتر منهم حتى يخبرهم أن وكيله كتب إليه أن المتاع عندهم زائد[2].

هو الآن يشتري الإبريسم من البصرة، ويبعثه إلى وكيله بالسوس، فإذا قال له وكيله بالسوس: إن الإبريسم قد ارتفع سعره عندنا، ولم يكن هناك وسائل اتصالات مثل الآن، ويعرفون بسرعة أن الأسعار ارتفعت في البلد الفلاني التي يصدّر لها، فكان لا يشتري من أهل البصرة الإبريسم ليبعثه إلى السوس حتى يقول لهم: السعر ارتفع في السوس، طبعاً الناس في هذا العصر يعتبرون هذه الشطارة في البيع والتجارة أنك تكتشف مثل هذه، جيد، أن الأسهم سترتفع، أو ستنزل أو تعطي واحدًا مبلغاً من المال، أو تعطيه سيارة جديدة "جيب" من أحسن الأنواع لأجل أن يسرب لك معلومات أن الأسهم الفلانية ستنزل فجأة، أو سترتفع، فاشتر أو بع ما عندك، وهذا الحذق في التجارة عند الكثيرين الآن، الخداع والغش والتلبيس على الناس، والإيقاع بهم، فكان لا يشتري من أهل البصرة هذا الإبريسم حتى يقول لهم: إنه ارتفع في السوس، في هذا البلد، فكان يتعامل بهذه الطريقة، ومن يفعل هذا اليوم؟.

وهذا بشر بن المفضل يقول: جاءت امرأة بمُطْرف خز إلى يونس بن عبيد تعرضه عليه، فقال لها: بكم؟ قالت: بستين درهماً، فألقاه إلى جاره، فقال: كيف تراه؟ قال: بعشرين ومائة، يعني الضعف، قال: أرى ذلك ثمنه أو نحواً من ثمنه، فقال لها: اذهبي فاستأمري أهلك في بيعه بخمسة وعشرين ومائة، يريد أن يزيد على السعر الذي يستحقه هذا.

هي جاءت بستين، وجاره قال له: إنه يستحق مائة وعشرين، قال: اذهبي فشاوري أهلك بمائة وخمسة وعشرين.

لو أحد تعامل بهذه الطريقة اليوم لشنع عليه الناس وضحكوا منه، وكتبوا في الصحف وفي الإنترنت، قالوا: هذا مجنون، مغفل، أحمق لا يفهم.

قال: اذهبي فاستأمري أهلك في بيعه بخمسة وعشرين ومائة، قالت: أمروني أن أبيعه بستين.

قال: ارجعي فاستأمريهم[3].

اذهبي فشاوريهم بمائة وخمسة وعشرين، هم يريدونه بستين.

ويقول النضر بن شميل: غلا الخز في موضعٍ كان إذا غلا هناك غلا بالبصرة، وكان يونس بن عبيد خزازاً فعلم بذلك، فاشترى من رجل متاعاً بثلاثين ألفاً، فلما كان بعد ذلك قال لصاحبه: هل كنت تعلم أن المتاع غلا بأرض كذا وكذا؟، قال: لا، ولو علمت لم أبع، قال: هلمّ إليّ مالي وخذ مالك، فرد عليه الثلاثين الألف[4].

وهذا الأصمعي يذكر عن سكنٍ صاحبِ الغنم أنه قال: جاءني يونس بن عبيد بشاة فقال: بعها، وابْرأ من أنها تقلب العلف وتنزع الوتد، فبيِّنْ قبل أن يقع البيع، يعني: هذا رجل يبيع غنمًا، فجاءه يونس بن عبيد بشاة، وقال: بيّنْ عيبها، ما هو العيب؟ تقلب العلف، يعني: أنها ما تأكل بطريقة هادئة، لا، تقلب العلف بمعنى أنها بيدها أو نحو ذلك فتفسده، لا تتركه بحاله، وتقلع -تنزع- الوتد الذي ربطت فيه، تشتد في الانفلات حتى ينفلت الوتد، يعني: عندها هذه القوة، يعني: ليست شاة سلسة القياد، فيقول: بيّن عيبها لمن أراد أن يشتريها[5].

وأكل معمر من عند أهله فاكهة، معمر بن راشد إمام أهل اليمن في الحديث والسنة، أكل من عند أهله فاكهة ثم سأل، فقيل: هدية من فلانة النوّاحة.

يعني: مهنتها النياحة، تنوح عند الناس بالأجرة ويعطونها مقابلا، مثل الطَّقّاقة، هذه نواحة، فلانة النواحة، فقام فتقيأ[6].

مع أنه أكل وهو لا يعلم، ولا يجب عليه أن يتقيأ لكن فعل ذلك ورعاً.

وهذا أيضاً رجل يقال له: أبو مرحوم قدم من مكة إلى الأوزاعي، فأهدى له طرائف، يعني جاء له بأشياء، فقال: إن شئتَ قبلتُ منك، ولم تسمع مني حرفاً، وإن شئت فضم هديتك واسمع[7].

بمعنى أن هذا الرجل طالب علم، وكان يسمع العلم، ويأخذ العلم عن الأوزاعي -رحمه الله- والعلماء -رحمهم الله- في زهدهم وورعهم كانوا يريدون في تعليمهم للناس ما عند الله ما يريدون مقابلا على ذلك، فإذا جاء الواحد ممن أخذ عنهم العلم، تعلم منهم العلم، جاء وقدم لهم هدية، أو نحو ذلك أبوا أن يقبلوها منه، ولهذا قال له: إن شئت قبلتها ولم تسمع مني حرفاً، لا أحدث، أو ضم إليك هديتك.

فكانوا يتورعون من هذا، ولربما استسقى الواحد منهم، يعني طلب الماء فإذا جاء به أحد تلامذته، قال: أنت ممن يأخذ منا الحديث؟، فلا يقبل منه، من أجل أنهم يريدون ألا يأخذوا على ذلك جزاءً من أحد.

فأين هذا ممن يشترط على الطلاب إذا أقرأهم القرآن أو نحو ذلك أن يأخذ مقابلا على هذا، ويجعل للختمة تسعيرة، وللإقراء تسعيرة، والرواية من طريق تسعيرة، والإقراء بالسبعة لها تسعيرة، وبالعشر لها تسعيرة؟!، هذا لا يليق لأهل القرآن، كيف إذا كان يشترط هذا في الأذان، أو يشترط هذا في الإمامة، ويساوم على ذلك؟!، إن هذا أشد، فكل هذه الأمور إنما يطلب بها ويراد بها ما عند الله لا يراد بها شيء من عرض الدنيا، وما الدنيا من أجل أن يكون ذلك الذي يراد به وجه الله في مقابل هذا؟.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. سير أعلام النبلاء (6/ 289).
  2. المصدر السابق.
  3. المصدر السابق (6/ 290).
  4. المصدر السابق (6/ 293).
  5. المصدر السابق (6/ 290).
  6. المصدر السابق (7/ 11).
  7. المصدر السابق (7/ 132).

مواد ذات صلة