تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأربعاء 17 / صفر / 1441 - 16 / أكتوبر 2019
شرح مقدمة الباب 2
تاريخ النشر: ٠٨ / ربيع الآخر / ١٤٣٠
التحميل: 1652
مرات الإستماع: 2713

قوله تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ}

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب "استحباب العزلة عند فساد الناس والزمان، أو الخوف من فتنة في الدين، ووقوع في حرام وشبهات ونحوها" ذكرنا أحكام العزلة ملخصة، وأحوال الناس في ذلك، وصدّر المؤلف -رحمه الله- على عادته هذا الباب بآية من سورة الذاريات، وهي قوله -تبارك وتعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50]، فالفرار إلى الله -تبارك وتعالى- يكون باللَّجأ إليه وعبادته وحده لا شريك له، والخروج والانخلاع عن كل ما يعوقه في هذا السبيل، وما يحول بينه وبين تحقيق هذا المطلوب العظيم الذي خلق الله من أجله الناس أجمعين.

وقال الله -تبارك وتعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] فالفرار إلى الله -تبارك وتعالى- يقتضي أن يفر العبد من مواطن الفتن التي تشوش قلبه، وتصرفه عن الحق فيضل، ويحصل له انحراف عن الصراط المستقيم، فإذا أراد العبد أن يسْلم في دينه فعليه أن ينأى بنفسه عن مواطن الضلال والإضلال، والإنسان إنما يضل بأحد أمرين:

-       إما بأمر يتصل بالشبهات.

-       أو بأمر يتصل بالشهوات.

وقد يفتن العبد بهذا أو هذا، والشيطان يتوعد وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء:119]، والله -تبارك وتعالى- يقول: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ [الإسراء:64]، فهو يتوعد في أبواب الضلال من تُغير خلق الله كالنمص وكثيرٍ من عمليات التجميل التي لا يحل فعلها، من عمليات التجميل ما يجوز، ومنه ما يحرم، القسم المحرم داخل في هذا، ومن تغيير خلق الله ما قد يظن الناس أنه من الأمور اليسيرة كقطع آذان الأنعام، وما شابه ذلك مما قد يُفعل بها، وهكذا أيضاً يمنيهم بالتوبة، والله -تبارك وتعالى- يقول: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ [الإسراء:64]، وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بكل مستطاع، هذا المعنى.

فبالخيل كما قال بعض السلف: كل راكب في معصية الله فهو من خيله، كل راكب على بعير أو على سيارة، أو على غير ذلك من المراكب كالطائرات وغيرها.

وهكذا أيضاً وَرَجِلِكَ كل ماشٍ على قدميه في معصية الله -تبارك وتعالى- فهو داخل في هذا، والناس بين ماشٍ وراكب، فهو يجلب عليهم بكل مستطاع، والخلاص لا يكون إلا بالاعتصام بالله وحده والإقبال عليه وتحقيق العبودية له، وإصلاح القلب والحال، والعمل، والجوارح، فهذا حقيقة الفرار إلى الله وهكذا في باب الشبهات، يأتي الشيطان لأحدكم كما قال النبي ﷺ فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟[1]، حتى يصل به إلى أمور لا يحل له السؤال عنها، وما يلقيه من الخواطر السيئة، والأفكار الرديئة، والشبهات، ويشوش على الناس، ولربما ألقى ذلك على ألسن بعض الناس، ولهذا قال الله -تبارك وتعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [الأنعام:121]، فيلقي الشيطان في قلوب أوليائه فيقولون: تقولون: الميتة حرام، ما ذبحتموه بيدكم حلال، وما ذبحه الله بيده الشريفة بسكين من ذهب حرام، فأنتم إذاً أفضل من الله، كيف تحرمون ما ذبحه الله بيده الشريفة -وهو الميتة بزعمهم- وتبيحون ما ذبحتموه أنتم بأيديكم؟.

والجواب سهل جدًّا: هو أننا متعبدون لله -تبارك وتعالى، وقد أمرنا أن نأكل مما ذُبح، وأخبر أنه طيب حلال، وأن ما مات حتف أنفه فإنه لا يحل أكله، وأنه رجس ونجس، فهذا هو شرعه ودينه ونحن عبيده، وهكذا ما يلقيه من الوساوس والخواطر، يشوش على الإنسان يشككه أو يقلقه، ويأتي لكل إنسان بحسبه، ينظر في قلبه وفي ميوله، فالفرار إلى الله أن يدع الإنسان مواطن الشبهات فلا يرخي سمعه لها، ولا ينظر إلى ذلك، ولا يقرأ، ولا يُعِمل فكره في توليد الأسئلة التي تورثه حيرة، وإنما السلامة لا يعدلها شيء؛ ولهذا فإن من الناس من لا يكون عنده علم ولا بصر، ويذهب ويسرح نظره أو يسمع لكل أفاك، فيقرأ، أو يدخل في مواقع في البلتوك غرف لأهل الضلال من الرافضة أو النصارى أو غير هؤلاء، أو يقرأ لهم ويقول: أريد أن أتعرف، أريد أن أناقش هؤلاء، أريد أن أناظرهم، وهو لم يتسلح بسلاح العلم.

وقد ورد عن السلف آثار كثيرة جدًّا اقرءوا ما كُتب في (الإبانة الكبرى) لابن بطة، و(الإبانة الصغرى) له، و(شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) للالكائي، و(الشريعة) للآجري، وكثير من الكتب المصنفة في السنة مثل ما كتبه البغوي -رحمه الله- في كتابه (شرح السنة) في المجلد الأول، وغير هؤلاء كالدارمي، ذكروا آثاراً كثيرة عن السلف ، فكان إذا جاء أحد من أهل الضلال والبدع يريد أن يتكلم وضع الواحد منهم أصبعه في أذنه؛ لئلا يسمع، ويقوم عنه، ولكن لربما قال له: ائذن لي بكلمة، فيشير إليه ويقول: "ولا نصف كلمة"[2]، ويعللون ذلك بأن القلب ضعيف وأن الشبه خطافة، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله: "من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل"[3]، وفي بعض الروايات: "التحول"، عرضة للخصومات يعني: يجادل في الدين، يجلس مع الضُّلال وأهل الأهواء والبدع ويسمع من هذا، ويسمع من هذا، وكل يوم على دين، كل يوم على مذهب، كل يوم على ضلالة، فيعصم الإنسان سمعه وبصره وينأى بنفسه عن الشُّبه وموارد الضلال، ويسأل ربه أن يثبته، وألّا يزيغ قلبه، كل هذه الأمور مطلوبة من العبد، وهكذا في الشهوات يفتح قنوات سيئة في بيته، أو يسارق النظر إليها هنا وهناك، ويدخل في مواقع سيئة في الإنترنت أو يتلقف بعض الأشياء في جواله ويقول: للاطلاع، للنظر، نعرف، نتعرف على ما يجري وما يدور، ثم بعد ذلك يجد نفسه قد عصفت به هذه الأهواء والشهوات فأفسدت عليه دينه ودنياه، فيبقى الإنسان معطلا لا يُنتفع به في دين ولا ينتفع به في دنيا، بل هو لا ينتفع، لا يعمل لآخرته ولا يعمل لدنياه مشغوف يبحث عن هذه الشهوات، نار تضطرم في جسده، ويريد بعد ذلك السلامة!، فمن عرض نفسه للفتنة أولاً لم ينجُ منها آخرًا، وهذه امرأة قالتها يقال لها: زينب، ذكر بعض أهل العلم في ترجمتها كابن عساكر: "أنها من أشراف العرب، ولها مملوك رقيق، وأشراف العرب يأنفون من الزنا، فكيف إذا كان ذلك بمملوك، فزنت بمملوكها، بعبدها، فقالوا لها: كيف زنيت بهذا العبد؟ فقالت: طول السِّواد مع كثرة الوِساد، يعني كثرة المخالطة مع كثرة المحادثة، هذا الآن مملوك لها يجوز لها على الراجح أن تكشف له ما تكشفه للمحارم من وجه وشعر وكفين وقدمين، فمن كثرة المخالطة زنت به، مع أنهم يأنفون من ذلك، فكيف بالذي يأتي بابنته أو تأتي -وهي واثقة من نفسها بزعمها- وتعمل في مكان مختلط مع الرجال؟ ويقول أبوها: أنا واثق بها، وتعمل ثمانيَ ساعات مع رجال، وهم ينظرون إليها، ويعرفون ويدركون تماماً كل موضع في جسدها، وما يحصل به من الفتنة، فهي تتحدث، وما بين أعينهم وما يدور في قلوبهم إلا مواضع الفتنة فيها، وإن حاول أحدهم التماسك أمامها والظهور بمظهر مهذب سواء كان طبيبًا، أو كان موظفًا في شركة، أو كان غير ذلك من الأماكن التي يحصل بها الاختلاط، ولا أحد يستطيع أن يدعي خلاف ذلك أبداً، ولو كان أتقى الناس، هذا أمر قد ركب في النفوس إلا من ليس له إرْبة، من غير ذوي الإربة، أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ [النور:31]، وهم من لا يتفطن لمفاتن النساء، ولا يمتد إليهن نظره، ولا تطمح إليهن نفسه، إنسان مثل المرأة، هذا يجوز أن يعمل مع النساء، فمن ثبت أنه بهذه المثابة لا بأس أن يعمل في مكان مع النساء، وأما غيره فأبداً، هذا الكلام غير صحيح مهما حاول الإنسان أن يبرر، ويقول: الاعتياد، وغير الاعتياد، هذا الرجل يجلس مع زوجته ثلاثين وأربعين وخمسين سنة وهو يجامعها دائماً، وما قال: قد مللتها وسئمتها مع طول المعاشرة، فهذه أمور لا تُمل، تتجدد في النفوس مثل الحاجة للطعام والشراب، بل أعظم من ذلك، والله المستعان.

فالإنسان يبتعد عن مواطن الفتن، لا تدخل في موقع يشوش عليك قلبك، وقد لا يرجع إلى ما كان عليه، ولا تسافر حيث الفتنة، ولا تسمع لصاحب فتنة، ولا تنظر في كتاب يعرض لك الفتن، والله يقول: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36] فالسمع والبصر مِيزابان يصبان في وعاء القلب، فيمتلئ بالشهوات، بالصور الإباحية، بالشُّبه، يمتلئ ثم يعتلج بما في داخله، ثم يضطرم الجسد، وقد لا ينام الإنسان إلى الصبح بسبب شبهة، أو بسبب شهوة، يصلي ويسجد وهو ساجد ما بين عينيه إلا الصورة التي رآها، يجلس مع أمه وأخواته وما بين عينيه إلا الصورة، هذا الولد في الابتدائي أو المتوسط وهو جالس مع أمه وهو يتصور الصورة العارية وهو ينظر إلى أمه فهذا بلاء كبير، ينبغي للإنسان أن يتحفظ، وأن يبتعد عن الشر، وأهل الشر، ويدعو ربه مع ذلك كثيراً، النبي ﷺ أطهر الخلق ويقول في السجود: يا مثبت القلوب ثبت قلبي على دينك[4].

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

  1. أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، برقم (3276)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، برقم (134).
  2. أخرجه الدارمي في سننه (1/ 116) رقم (44)، والإبانة، لابن بطة (1/ 141).
  3. أخرجه مالك في الموطأ، رواية محمد بن الحسن الشيباني، برقم (918)، والفريابي في كتاب القدر، برقم (385)، والآجري في الشريعة، برقم (116).
  4. أخرجه الترمذي، أبواب القدر عن رسول الله ﷺ باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن، برقم (2140)، وأحمد في المسند، برقم (12107)، وقال محققوه: "إسناده قوي على شرط مسلم"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (7987 - 3081).

مواد ذات صلة