تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 23 / صفر / 1441 - 22 / أكتوبر 2019
شرح حديث عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ رضي اللَّه عنه "إِن اللَّه أَوحَى إِليَّ أَنْ تَواضَعُوا" وحديث أَبي هريرة رضي اللَّه عنه "مَا نَقَصَتْ صَدقَةٌ مِنْ مالٍ"
تاريخ النشر: ٢٣ / ربيع الآخر / ١٤٣٠
التحميل: 2286
مرات الإستماع: 17914

إن الله أوحى إلي أنْ تواضعوا

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب "التواضع وخفض الجناح للمؤمنين" أورد المنصف -رحمه الله-:

حديث عِياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله أوحى إليّ أنْ تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد[1]، رواه مسلم.

وهذا الإيحاء قد يكون عن طريق الملَك، وقد يكون بغير ذلك من طرق الوحي المعروفة، و"أن" هنا تفسيرية؛ لأن أوحى في معنى القول، وليست بحروفه أو لفظه.

قال: أن تواضعوا؛ حتى لا يفخر أحد على أحد، وحتى هذه للغاية، يعني: تواضعوا التواضع الذي يؤثر، الذي يبلغ بكم، الذي تصيرون معه إلى حال يحصل فيها ما ذُكر، وهو أن لا يفخر أحد على أحد؛ لأن الإنسان إذا تواضع وتذلل لإخوانه المؤمنين فمعنى ذلك أنه لن يترفع، أي: أنه لن يفخر بحال من الأحوال، فلن يقول أحد: أنا أفضل من زيد، أنا خير منه نسباً، أو خير منه بيتاً، أو عشيرة كما قال ذلك الرجل الذي دخل جنته وهو ظالم لنفسه: أَنَا أَكثَرُ مِنكَ مَالًا وَأعَزُّ نفَرًا [الكهف:39].

فالحاصل أن ذلك خلاف التواضع، بينما هذا الإنسان الذي يعتز: أنا أعز منك، قد ترفع وتكبر وتعاظم حتى افتخر على أخيه.

قال: ولا يبغي أحد على أحد، والبغي هو الاعتداء، فإذا كان الإنسان متكبراً متعاظماً فإنه يبغي على الآخرين ويتعدى عليهم ويظلمهم؛ لأنه يحتقرهم ويرى أنه فوقهم، فلا يرى الناس شيئاً، فيأخذ أموالهم، ويقع في أعراضهم ولا يبالي، أما المتذلل لإخوانه فإنه لا يصل منه إليهم شيء يكرهونه، لا بالقول باللسان، ولا بالجوارح، ولا يوجد في قلبه ما يبعث على ذلك من الترفع عليهم، انظروا إلى الشاعر الجاهلي ماذا يقول حينما تعاظم واستشعر أنه أرفع وأعلى مرتبة من غيره.

ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا

ثم يقول:

إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا

فمثل هؤلاء هم أبعد ما يكونون عن التواضع، ولا يحصل على كل حال الإساءة والأذى للآخرين إلا بسبب ترك هذا الخلق، وإلا فإن الإنسان إذا تحقق من هذا الوصف أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ  [المائدة:54]، فإنه لا يصل أذاه إلى الناس.

ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله[1]، رواه مسلم.

قد سبق الكلام على هذا، والأرجح أن الحديث على ظاهره، بمعنى أن الصدقة لا تورث نقصاً في المال، بل تزيده، وأن ذلك حقيقة سواء قيل بأن الله -تبارك وتعالى- يُسبب عن ذلك البركة، فإذا وجدت البركة في المال ولو كان قليلاً فإنه ينتفع به ما لا ينتفع بالمال الكثير الذي نُزعت منه البركة، ومن أهل العلم من يقول: إن ذلك في الآخرة، أي أنها لا تكون نقصاً في حق صاحبها، وإنما ذلك يُربيه الله -تبارك وتعالى- لصاحبه كما يُربي أحدنا فلوّه، حتى إن الإنسان يجد الصدقة اليسيرة كالتمرة مثل الجبل يوم القيامة.

والأقرب -والله تعالى أعلم- أن هذا محمول على المعنيين، على الدارين، أنه في الدنيا، وفي الآخرة، فالله يفتح له من أبواب الرزق والنماء، ويحصل له من البركة في هذا المال ما لا يقادر قدره.

قال: وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزًّا، وهذا أيضاً من أهل العلم من يقول: إنه في الآخرة، وهذا فيه نظر بل الصحيح أن هذا أيضاً في الدنيا، فالله يرفعه في الدنيا ويرفعه في الآخرة، والله -تبارك وتعالى- يقول: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134]، وقال: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النــور:22]، إلى غير ذلك وهذا حيث ينفع العفو، أمّا إذا كان العفو يورثه ذلًّا ومهانة فإن ذلك لا يكون للمؤمن، ولهذا قال الله -تبارك وتعالى- في موضع واحد في مقام الانتصار: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ [الشورى:39]، وفي سائر المواضع والمقامات يندبهم إلى العفو ويرغبهم فيه.   

قال: وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، وهذا هو الشاهد، بمعنى أن هذا التواضع يكون لله سواء كان هذا التواضع للوالدين، أو لمن هم فوقه من العلماء وأئمة العدل ونحو ذلك، أو كان هذا التواضع لإخوانه وأقرانه وأصحابه، بل لمن دونه من الصغار، ومن تحت يده، فإن الله يرفعه بذلك، لكن إذا كان هذا التواضع لغير الله فإنه يورثه مذلة، ولهذا إذا كان الإنسان يترفع على الناس، يترفع على إخوانه لكنه يتذلل لأهل الدنيا من الكبراء والأغنياء، ونحو ذلك، فمثل هذا لا يقال: إنه لا يزداد بهذا التواضع إلا رفعة، بل إنه يزداد ذلًّا ومهانة ويحتقره الناس، وتنحط مرتبته، ولا يزيده ذلك من الله -تبارك وتعالى- إلا بعداً، فليس هذا هو التواضع المحمود، أن يتكبر الإنسان على عباد الله، وإذا جلس مع الكبراء أو أهل الدنيا والغنى والثراء فإنه في غاية التذلل عندهم، ليس هذا هو التواضع الشرعي الذي يحبه الله ويرفع صاحبه، إنما المقصود بذلك أن يتواضع لله.

والباعث على التواضع أن يتذكر العبد ثلاثة أمور؛ لأن النفوس تحتاج إلى مجاهدة، وقد لا يُعان الإنسان على التواضع، تحمله نفسه على العلو والنفوس مجبولة على الظلم وحب العلو والظهور في الأرض والله يقول: كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى ۝ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7].

فلا يخلو أحد من ظلم، لكن هذا التواضع يبعث عليه ثلاثة أمور أصلية يرجع إليها ما عداها:

الأمر الأول: أن يعرف العبد ربه معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته، فإذا عرفه معرفة صحيحة فإنه لا يترفع،  فالله -تبارك وتعالى- هو العظيم الأعظم والكبرياء وصف يختص به، لا يصح للمخلوقين، فيتواضع العبد لربه، ويتواضع للمخلوقين، ويدرك أنه أضعف وأعجز وأصغر من أن يتكبر على أحد من الناس، ولهذا قال النبي ﷺ: لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر[2].

الأمر الثاني: معرفة النفس بحقيقتها، إذا عرف الإنسان ضعفه وعجزه ومسكنته يتكبر على ماذا؟ يترفع على ماذا؟ لو جلس الإنسان مع نفسه، يتأمل في جوانب النقص التي فيها فإنه يدرك تماماً أن التكبر لا يصلح له.

الأمر الثالث: أن يتذكر تماماً أن هؤلاء الذين يترفع عليهم أنهم يستوون معه في أصل الخلقة، فهم مثله من لحم ودم، وهم كلهم يرجعون إلى أب واحد، فعلى أي شيء يترفع عليهم؟، فإن حباه الله ببعض الأوصاف والكمالات فإن ذلك من فضل الله ، فينبغي أن يزداد تواضعاً لله وشكراً وخضوعاً وعبودية، لا أن يترفع عن الناس، إنما يفعل ذلك المغرور الجاهل الذي يظن أنه يُحصل ذلك جميعاً بكسبه وجده واجتهاده وذكائه ومهاراته وقدراته، وهذا خطأ، فكل ما يعطاه العبد من النعم فإنما هو من الله ، ولكن الله فاوت بين الناس ليتخذ بعضهم بعضاً سُخريا، يُسخر بعضهم لبعض، وإلا فهؤلاء الذين لربما لا يجدون لقمة العيش، ولربما يكدحون في أعمال ومهن وضيعة ونحو ذلك، لو شاء الله لجعل هؤلاء في غاية الغنى، وما يدريك قد يتحول كما ترى وكما تشاهد، فهل معنى ذلك أن هؤلاء يتحولون إلى كائن آخر؟

فلا يصح أن يترفع الإنسان بمركب، أو بثوب، أو بنعل يلبسه أو ببيت يسكنه، فإن هذا العرض الذي يكون في الدنيا يقع في يد المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وهذا الإنسان هو نفس هذا الإنسان لو ركب سيارة هي أفخم السيارات، وأحسن السيارات، أو ركب سيارة هي أردأ السيارات هو نفسه، ولكن الناس في كثير من الأحيان تختل عندهم الموازين، فيرى في نفسه شيئاً، ويتعاظم ويصيبه الزهو، أو أنه ينظر إلى الآخرين الذين أعطوا من هذا أنهم عظماء، وأنهم في مرتبة فوق مرتبته، ونحو ذلك، وهذا خطأ.

فهذه الأمور هي عرض زائل، ومتاع يحصل بيد الإنسان ثم ما يلبث أن يفارقه، ثم يُنقل بعد ذلك، الجميع يوضعون في مقبرة واحدة يتجاورون فيها، لا فرق بين هذا الذي يملك المليارات وأصغر عامل يكنس في مكتبه، هذا بجوار هذا، وبنفس التربة، ونفس الكفن، ونفس المواصفات في تغسيله وتحنيطه لا فرق، لكن قد يكون ذاك الضعيف المسكين أقل حساباً وأبر عند الله ، وهذا الإنسان يُحاسب على هذه الأموال الكثيرة التي حصلها وجمعها من هنا وهنا من حلها وغيره.

أقول: هذه الثلاثة الأمور تعين الإنسان إذا تأمل فيها على التواضع لله ، وهي جديرة بالعناية والنظر والتأمل، وإذا خلا الإنسان بنفسه يستطيع أن يدرك الكثير من هذا، والله المستعان.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب العفو والتواضع (4/ 2001)، رقم: (2588).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه (1/ 93)، رقم: (91).

مواد ذات صلة