تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الخميس 18 / صفر / 1441 - 17 / أكتوبر 2019
شرح حديث أَنسٍ رضي اللَّه عنه "أَنَّ رسولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَاماً لَعِقَ أَصابِعه الثلاثَ"
تاريخ النشر: ٠٩ / جمادى الأولى / ١٤٣٠
التحميل: 1705
مرات الإستماع: 6054

إذا سقطت لقمة أحدكم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب "التواضع وخفض الجناح للمؤمنين" أورد المصنف -رحمه الله-:

حديث أنس : أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث، قال: وقال: إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان، وأمر أن تُسلت القصعة، قال: فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة[1].

قول أنس : "أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث"، هذا التركيب يدل على التكرار، كان يفعل كذا، بمعنى أن ذلك من عادته وديدنه، وأنه يتكرر منه، يعني: لم يفعله مرة فرآه أنس بل كان من هديه وسنته المستمرة، إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث، لعق، الأصابع الثلاث هي هذه الإبهام والمسبحة والوسطى، هذه الثلاث، لماذا حُددت هذه الثلاث؟ لأن طبيعة ما يؤكل آنذاك في عهد النبي ﷺ كان يمكن أن يتناول بالثلاث، ما كانوا يعرفون الرز -مثلاً- لا يوجد عندهم أصلاً، وما عُرف إلا من زمان ليس ببعيد، ولهذا جاء في صفة أكله ﷺ أنه كان يأكل بثلاثة أصابع، فهذا يتأتى مع بعض ما يُطعم، مثل التمر، الأقِط، الثريد، ممكن أن يؤكل بثلاثة أصابع، ولا يتكلف الإنسان في ذلك، فيحاول أن يأكل بثلاثة أصابع ما لا يؤكل بثلاث، ثم بعد ذلك ينتثر الطعام، ولا يتماسك في يديه، ولهذا كان يلعق الأصابع الثلاث، وبناء عليه لو أن الإنسان أكل بيده فإنه يلعق اليد ليس الأصابع الثلاث، خلافاً لمن ظن أن تخصيص الأصابع الثلاث لأنها مثلاً ما يصل إلى الطعام، أو نحو ذلك، هذا غير صحيح، إنما ذلك؛ لأنه كان يأكل فيها على الخصوص، فإذا أكل بملعقة فإنه يلعق هذه الملعقة، إن كان الطعام يعلق بها، يعني: من الأطعمة ما قد يعلق بالملعقة فيُلعق، هذه القضية -هذه السنة- لعق الأصابع الثلاث، لماذا؟ من أجل أن ذلك لتحصيل البركة من جهة، كما قال النبي ﷺ في آخر الحديث: فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة.

وفيه أيضاً حفظ للنعمة، فإن الإنسان مأمور بأن يلعق ذلك أو أن يُلعقه غيره، كبهيمة أو صبي، أو نحو ذلك.

وحقيقة اللعق هو إمرار اللسان على المحل، ويكون ذلك في الطعام، وأما الولوغ فهو إدخال اللسان في المشروب خاصة، إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم[2]، أدخل لسانه، وحركه، هذا يقال له الولوغ.

وهنا إذا أكل طعاماً لعق أصابعه الثلاث، هل هذا الأمر مستهجن، هذا الأمر تنفر منه الطباع، أمر يستقذره الناس؟.

الجواب: لا، فهديه ﷺ أكمل الهدي، لكن قد يفعل الإنسان ذلك بطريقة تنفر منها الطباع، فهنا الخطأ، بمعنى: أن الإنسان يمكن أن يأكل بيده، ثم لا يبقى شيء في يده بحيث إنه حينما يأكل لا يُبقي شيئاً بطريقة لا يتكلف فيها، ولربما أصدر صوتاً وهو يلعق، فيمتعض من رآه أو شاهده أو سمعه وتنفر نفوسهم من هذا الصنيع للتكلف، يجلس أمامهم يُكرر هذا، وبصوت أحياناً، وبطريقة مقززة، هذا خلاف هدي النبي ﷺ، إنما يمكن للإنسان وهو يأكل أن يحصل ذلك منه من غير تكلف، ولا تنطع، ودون أن يشعر به الآخرون، وواضح الفرق في هذا بين صنيع وآخر.

قال: وقال: إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى وليأكلها، لاحظوا النبي ﷺ يقول هذا الكلام في الوقت الذي لم يكن في غالب أحوالهم في بيتهم هذه الفرش من السجاد، وما إلى ذلك، إنما الغالب أنها تقع على شيء من التراب، على شيء مما تتلوث به مما يعلق بها في الأرض، من تراب أو حصى، أو نحو هذا، ومع ذلك يأمر النبي ﷺ بإماطة الأذى عنها، وأن يأكلها الإنسان، فكيف اليوم وقد اعتاد الناس على النظافة فأعطاهم الله على قدر ذلك، فإذا سقطت اليوم لا تكون كما لو سقطت في ذلك الحين، فإنها تسقط على محل نظيف، وغالباً أنها تسقط على سفرة الطعام، وهي نظيفة جداً لم تستعمل قبل ذلك، ومع ذلك من الناس من يترك هذا، فالنبي ﷺ لا يأمر إلا بما فيه الخير والصلاح والنفع.

فليمط عنها الأذى، يعني: يزيل عنها الأذى، وليأكلها، وهذا أمر من النبيﷺ ينبغي على الإنسان أن لا يستنكف، ولا يترفع، ولا يقول الإنسان: أنا لست بحاجة إليها أصلاً، الطعام كثير، لربما قال النبي ﷺ ذلك في وقت كان الطعام فيه قليلاً، نقول: لا، ليس هذا هو المراد، إنما المقصود هو تحصيل البركة، فقد يكون ذلك فيما وقع، هذا من جهة، فلو أكل الإنسان أكلاً كثيراً وقد رفعت منه البركة فإنه لا ينتفع به بدنه، ولا يشبع، ثم أيضاً هو يترك هذه للشيطان، ولهذا قال النبي ﷺ: وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، هل الشيطان يأكل؟  

الجواب: نعم، يأكل، وتعرفون الحديث في دخول الإنسان إلى بيته أنه إذا نسي التسمية، أو ترك التسمية قال الشيطان لمن معه: أدركتم المبيت، دخلوا معه في ليلته، فيبيتون عنده في البيت، فإذا أراد أن يأكل يتعشى ولم يُسمِّ، قال: أدركتم المبيت والعشاء[3].

كم من إنسان يدخل في بيته، ومجموعة من الشياطين يدخلون يبيتون معه، ويتعشون معه!.

من يرضى بهذا؟ وهذه أمور غيبية يخبرنا عنها النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، وبيننا وبين هؤلاء التسمية، أن نقول: بسم الله، وينتهي كل شيء، إذا قلت: بسم الله فإن الشيطان لا يستطيع الدخول، وإذا أغلقت باباً، وقلت: بسم الله فإن الشيطان لا يستطيع أن يفتحه.

بل إن النبي ﷺ علمنا أن نضع على الإناء شيئاً يغطيه، ولو أن نعرض عليه عوداً، لا نتركه مكشوفاً[4].

وينزل داء في ليلة في السنة -في العام، ينزل في كل إناء مكشوف، فعن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: غطوا الإناء، وأوكوا السقاء، فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء، لا يمر بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء[5].

فكم من الأمراض التي تقع للناس، بسبب تعاطيهم الطعام والشراب في تلك الآنية المكشوفة حينما نزل ذلك الداء فيها!.

ثم يذهب إلى الأطباء، وقد لا يعرفون ما هي العلة، فالشاهد أن الشيطان يأكل، ويَنكح معه -يُجامع، ولهذا أخبر النبي ﷺ: أن الإنسان إذا أتى أهله وقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما زرقتنا[6]، وقُدر بينهما ولد لم يضره شيطان أبدًا.

ولهذا قال الله -تبارك وتعالى- للشيطان: وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ  [الإسراء:64]، ذكر جماعة من السلف أن معنى المشاركة في الأموال والأولاد أن ينكح مع الرجل، أن يُعاشر مع الرجل، إذا أتى أهله ولم يذكر الله، وأقل ما يحصل للإنسان أنه يُعاشر والشياطين يتفرجون عليه، فإذا ذكر اسم الله -تبارك وتعالى- حيل بينهم وبين ذلك.

إذا دخل دورة المياه -أعزكم الله- فإن الشياطين يشاهدونه، فإذا ذكر اسم الله حيل بينهم بين ذلك، لا يشاهدونه، فإذا أراد الإنسان أن يدخل سمى الله، إذا أراد أن يأكل سمى الله، أراد أن ينام سمى الله، إذا أراد أن يُجامع سمى الله، إذا سقطت اللقمة أكلها؛ لأنه إن لم يأكلها فإن الشيطان ينتظر سيأكلها، والشيطان هو عدوك، فلا يُمكَّن من ذلك.

قال: "وأمر أن تُسلت القَصعة"، القصعة إناء، بعضهم يقول: يكفي لعشرة، والصحفة يقولون: إناء يكفي لخمسة، وبعضهم يقول: لا فرق بينهما.

قال: فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة، هذا الحديث رواه مسلم.

النبي ﷺ نهى أن يأكل الإنسان من وسط الإناء، لماذا؟ علل ذلك بأن البركة تنزل في الوسط فلا يبدأ الإنسان بالوسط، فيكون ذلك سبباً لحرمان الآخرين من البركة، وإنما يأكل من أطرافه، فيُسلت الإناء.

للأسف الشديد الآن ما الذي يحصل عندنا؟ الذي يحصل عندنا وهذا أمر قد لا تجده في كثير من البلاد، لكن لمّا أفاض الله نعمه علينا أصبح لابد أن يبقى من الطعام أكثر مما أُكل، ولربما كان الذي يبقى ضعفي ما يؤكل، لابد أن يبقى، وإذا أكل الناس الطعام وما بقي إلا القليل، قال أهل الدار: إننا قد قللنا الطعام، وتأسفوا لذلك، أليس هذا هو الواقع؟!

نجد أن الواحد ينهش بأطراف أصابعه ويبقى أكثره، ويبقى وسط الإناء مكتنزاً بالطعام واللحم وما فيه، لا تمسه الأيدي، أو لا تكاد، والبركة تنزل في وسطه، والناس لا يصلون إليه لكثرته.

البلاد الأخرى انظر إلى البلاد الشرقية مثلاً، إندونيسيا، الفلبين دول شرق آسيا هذه مثلاً على سبيل المثال، كيف يأكلون؟

القليل من الرز المتماسك كأنه كعكة، يقوم ولا يترك قليلاً ولا كثيراً، يقوم ولا يبقى شيء من الطعام، إن وُجد معه شيء آخر، وهذا قليل عندهم، يوجد نصف فخذ الدجاجة، إن وجد نصف الفخذ يوضع معه، فترى الناس هناك يكاد يأكل العظم.

بل وُجد من إذا رأى غيره قد ترك من اللحم شيئاً كما نأكل بطريقتنا هذه بعدما ينتهي الإنسان يقول له: تأذن لي؟.

نحن لم نعتدْ على هذا، وما تربينا عليه، وليس من حاجة، ولكن نحن نطبق السنة، فيأخذون هذه العظام المليئة باللحم التي تركتها، ثم بعد ذلك يأكلونها بطريقة أخرى تماماً، فلا يبقى منها شيء.

لو طبقنا هذه الطريقة، أو قريباً منها، كم سنستطيع أن نوفر من الأطعمة؟ الناس الآن يستقبلون أزمة اقتصادية عالمية، وإذا نظرت إلى أحوالنا تجد كل يوم يبقى الكثير والكثير من الطعام، كان يمكن أن يقتصر على بعضه، ويمكن أن يأخذ كل إنسان ما يكفيه، ولو حسبته أثناء العام لوجدت شيئاً كثيراً.

في أقل الأحوال أن ما يوضع في نصف العام يكفي للنصف الآخر، أليس كذلك؟! هذا هو الواقع ولكنها النفس التي لربما لا تقنع بشيء، لاسيما إذا اعتادت على التوسع في المأكل والمشارب، فإنها لا تقف عند حد، ولهذا أمر النبي ﷺ أن تُسلت القصعة.

كيف نسلت القصعة الآن وقد بقي أكثر الطعام وأين يُذهب به؟ كل يوم ستذهب تبحث عن فقراء تعطيهم وعُمال، هذا أمر شاق.

قال: فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة، أقول: من المعاني التي يحتاج الناس إلى التفطن لها هو قضية البركة، البركة في كل شيء، في الأكل والشرب، والبركة في المال والمكاسب، البركة في الأوقات.

ولعله يأتي حديث -إن شاء الله- يختص بهذا المعنى، فإننا بحاجة إليه كثيراً، ليست العبرة بكثرة الأكل، قد يأكل الإنسان، ولا يشبع، وإنما العبرة بالبركة، كيف تحصل هذه البركة؟ تحصل بجملة أمور منها: ما ذكره النبي ﷺ هنا، ومنها ما ذُكر في أحاديث أخرى.

والله يقول: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  [الأعراف:96].

الإيمان والتقوى يكون سبباً لنزول البركات، قد يكون عند الإنسان الأموال الكثيرة،

الإيمان والتقوى يكون سبباً لنزول البركات، قد يكون عند الإنسان الأموال الكثيرة،

 ولكن ما الفائدة؟ لا بركة فيها ستذهب، ولو سألته أين ذهبت؟ كيف ذهبت؟ فإن الجواب: لا أدري، أين ذهب راتبك والشهر لم ينتصف؟

أين ذهبت العشرة الآلاف التي كانت معك قبل أيام؟ الجواب: لا أدري، كان في جيبي ألف البارحة، أين هي الآن؟ لا توجد، أين ذهبت؟ لا أدري، ما السبب؟ نزع البركة، وهكذا في كثير من الأمور.

ولهذا أقول فيما يختص بهذا الحديث: إن الإنسان لا يُبقي شيئاً من الطعام، وإن بقي شيء فعليه أن يعطيه لغيره ممن يأكل هذا، وعلينا أن نربي مَن تحت أيدينا من النساء اللاتي ربما لا يقنعن بشيء أن يقللنَ من الطعام، بحيث يكون على قدر الحاجة، ولا يزيد، وهذا يحتاج إلى نوع من الترويض والتربية.

وأسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر نعمته، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1.  أخرجه مسلم، كتاب الأشربة، باب استحباب لعق الأصابع والقصعة، وأكل اللقمة الساقطة بعد مسح ما يصيبها من أذى، وكراهة مسح اليد قبل لعقها (3/ 1607)، رقم: (2034).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب (1/ 234)، رقم: (279).
  3. أخرجه مسلم، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (3/ 1598)، رقم: (2018).
  4. أخرجه البخاري، كتاب الأشربة، باب شرب اللبن (7/ 108)، رقم: (5605) ومسلم، كتاب الأشربة، باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله عليها، وإطفاء السراج والنار عند النوم، وكف الصبيان والمواشي بعد المغرب (3/ 1594)، رقم: (2012).
  5. أخرجه مسلم، كتاب الأشربة، باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء، وإغلاق الأبواب، وذكر اسم الله عليها، وإطفاء السراج والنار عند النوم، وكف الصبيان والمواشي بعد المغرب، رقم: (2014).
  6. أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب التسمية على كل حال، وعند الوقاع (1/ 40)، رقم: (141)، ومسلم، باب ما يستحب أن يقوله عند الجماع (2/ 1058)، رقم: (1434).

مواد ذات صلة