تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأربعاء 17 / صفر / 1441 - 16 / أكتوبر 2019
شرح حديث أبي هُريرة رضي اللَّه عنه "قَالَ اللَّه عزَّ وجلَّ: العِزُّ إِزاري" وحديثه "بيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي في حُلَّةٍ تُعْجِبُه نفْسُه" وحديث سَلَمَة بنِ الأَكْوع رضيَ اللَّه عنه "لاَ يزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنفْسِهِ"
تاريخ النشر: ٢٤ / جمادى الأولى / ١٤٣٠
التحميل: 1740
مرات الإستماع: 3869

الكبرياء ردائي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب "تحريم الكبر والإعجاب" أورد المصنف -رحمه الله-:

حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: العِزُّ إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته[1]، رواه مسلم.

لعله هنا فيه نقص في النسخة أو في الطباعة، فهذا حديث قدسي، قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه -تبارك وتعالى، أو قال الله -تبارك وتعالى: العِزُّ إزاري، والكبرياء ردائي، والعز معروف، والإزار معروف، والرداء معروف، والكبرياء سبق الكلام عليه، والعز والكبرياء مما يختص بالله -تبارك وتعالى، والرداء والإزار كل ذلك مما يختص بصاحبه، وليس لأحد أن يشاركه فيه كما هو معلوم، فيفهم من هذا أن العز والكبرياء أن ذلك مما يختص به -تبارك وتعالى.

أما الكبرياء فلا يكون لأحد من المخلوقين لا قليله ولا كثيره، فهو لا يصلح للمخلوق؛ لأن المخلوق إنما يصلح له العبودية والتذلل، وكلما ازداد عبودية كلما كان ذلك رفعة في حقه، وأمّا ما يتعلق بالعز فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فالعزة لله جميعاً، وهذه العزة التي تكون لله جميعا يُعِزُّ بها من يشاء من عباده، فكلما كان العبد أكثر قرباً من الله كلما كان ذلك أعظم وأوفر، وأكثر في عزته، فالعزة الحقيقية إنما تكون بتحقيق العبودية، ولهذا قال الله عن أهل الإيمان في وصف من يحبهم ويحبونه قال:أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54] فهذا العز على الكفار على أهل الظلم والفجور وما أشبه ذلك هو وصف كمال؛ لأن ذلك بحق، والمؤمن يكون له من العزة بقدر ما يكون له من الطاعة والتخلص من الذنوب، وكلما ارتكس العبد ونزل وهبط بترك المأمور أو بفعل المحظور كلما كان ذلك نقصاً في عزته، وبهذا نعلم أن العزة التي تكون للمخلوقين إنما هي من الله، وتكون بحسب أحوالهم وأعمالهم من جهة الكمال والنقص.

بينما رجل يمشي في حلة تعجبه
حديث أبي هريرة أيضاً، أن رسول الله ﷺ قال: بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجل رأسه، يختال في مشيته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة، متفق عليه.

والحلة هي الثوب الذي له ظاهر وباطن، كما يقال: له شيء من الظاهر وله شيء مبطن به، قال: يمشي في حلة تعجبه نفسه، يعني أنه قد نظر إلى نفسه وأصابه الزهو والتعاظم والإعجاب، وفي بعض الروايات: أعجبتْه لِمَّته[1]، وهي الشعر الذي فيه بعض الطول، ربما يصل إلى الأذنين، أو يزيد قليلاً.

مُرجِّلٌ رأسه، أي ممشط لشعره.

يختال في مشيته، يعني يمشي مشية فيها خيلاء، والخيلاء معروف، مشية تدل على تكبر، وعلو وترفع وإعجاب وزهو.

يختال في مشيته إذ خسف الله به ، يعني: الأرض فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة[2]، متفق عليه.

يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة، بمعنى أنه يهبط فيها في كل يوم زيادة عن اليوم الذي قبله، فهو في هبوط ونزول مستمر، ومثل هذا التكرار في الحروف مثل زلزلة، وجلجلة، وصلصلة وما شابه كل ذلك يدل على حركة، الزلزلة حركة في الأرض، وتقول مثلاً: صلصلة الجرس، وهكذا تقول: جلجل، يتجلجل، أو تقول مثلاً: فهو يتزلزل، بمعنى يدل على حركة، يتجلجل بمعنى أنه يهبط حينًا بعد حين، لا يزال في هبوط ونزول، ونحن نعرف أن الأرضين سبع، فهو يهبط بها إلى يوم القيامة، هل هو حي أو غير حي؟ هذا لا يدل عليه الحديث، يعني الحديث لا يدل على أنه حي، ولذلك بعض الناس لربما يُلغز بهذه المسألة، فيقول: رجل من أهل الدنيا لا يزال حيًّا في باطن الأرض من هو؟ فيقال: هذا الذي خُسف به، لكن الحديث لا يدل على أنه باقٍ على قيد الحياة، لكنه يفهم منه أن هذا الإنسان بقيت جثته فهو يتجلجل، يعني لم يتحلل، والله على كل شيء قدير.  

يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة متفق عليه.

هذا يدل على عظم خطر الكبر والخيلاء أنْ صار على هذه الحال في الدنيا، والجنة لا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر[3]، فيدل على أن الكبر من أعظم الذنوب والكبائر، ويحتاج الإنسان أن يلتفت إلى نفسه، وأن ينظر، وكذلك أيضاً العقوبات التي تحصل للناس في هذه الحياة الدنيا، هذا رجل خُسف به، والله أخبرنا أنه خسف بقارون وبداره، ولربما يخسف بأمة بكاملها كما فعل الله بقوم لوط، وهي عدة قرى، وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [النجم:53]، وَالْمُؤْتَفِكَاتُ [الحاقة:9]، المؤتفكة هذا جنسٌ يشمل القرى التي كانت لهم، والمؤتفكات باعتبار أنها كانت أكثر من قرية فرُفعت، ثم قلبت، ثم أتبعت بالحجارة، فخسف بهؤلاء بسبب جريمتهم وجنايتهم، ولا يزال يوجد في هذه الأمة كما أخبر النبي ﷺ خسفٌ ومسخ[4]، وللأسف صار كثيرٌ ممن يشاهد هذه الأشياء، أو يسمع عنها، أو يكتب عنها، أو يتكلم عنها لربما يفسر ذلك بأمور بعيدة، بعيدة عن مراد الله -تبارك وتعالى- وعما يدعو إلى الاعتبار.

ثم ذكر الحديث الأخير، وهو حديث سلمة بن الأكوع قال: قال رسول الله ﷺ: لا يزال الرجل يَذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم[5]، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

هذا الحديث فيه رجل ضعيف في إسناده، والمقصود بقوله: لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين، يذهب بنفسه بمعنى أنه يستمر في طلب العلو، والرفعة، والمنزلة، والحظوة في قلوب الخلق، والترفع في الأرض وما أشبه ذلك، يذهب بنفسه فهو مستمر على طلب العلو والرفعة في الأرض، دائماً يطلب ذلك، والله يقول: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا [القصص:83]، وفرق بين علو الهمة حيث يطلب الإنسان معالي الأمور دائماً، وبين طلب العلو، وللأسف صار الناس في كثير من الأحيان في تربيتهم وفي ممارساتهم إذا نظرت إلى ما يصدر عن الكثيرين فإنه يدخل في طلب العلو، يبحث عن الولايات والمناصب، والرفعة من أجل أن يحصّل رئاسة، فيكون ذلك مقصوداً لذاته عند الكثيرين، ويعتبر أن هذه حظوة، وأنها من المكاسب العظيمة التي يجب أن يسعى لها، وأن يحافظ عليها إذا حصلت له، فيرى أن ذلك من قبيل التشريف، والحظ السعيد الذي يحصل له، ما علم أن هذه الأمور إذا حصلت فهي زيادة في الأمانة والمسئولية، وأن الله يسأله عن ذلك كله فيعظم حسابه، وينبغي أن يكثر عمله وجده وسعيه في القيام بما يجب عليه.

والمقصود بالجبار هو الذي يقهر غيره بغير حق، ويعلو على الناس بغير حق، والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

  1. أخرجه مسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم التبختر في المشي مع إعجابه بثيابه، برقم (2088).
  2. أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، برقم (3485)، ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب تحريم التبختر في المشي مع إعجابه بثيابه، برقم (2088).
  3. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، برقم (91).
  4. أخرجه الترمذي، في أبواب القدر عن رسول الله ﷺ، برقم (2152)، وابن ماجه، أبواب الفتن، باب الخسوف، برقم (4059)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم (1549).
  5. أخرجه الترمذي، أبواب البر والصلة عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في الكبر، برقم (2000)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم (6344).

مواد ذات صلة