تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 14 / صفر / 1441 - 13 / أكتوبر 2019
بعض ما جاء عن السلف في باب العفو والإعراض عن الجاهلين 1
تاريخ النشر: ٠٢ / شعبان / ١٤٣٠
التحميل: 1511
مرات الإستماع: 1937

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:  

فمما ورد عن السلف في باب "العفو والإعراض عن الجاهلين"ما جاء عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة فسمى لها صداقها، ثم طلقها قبل الدخول، فتلا هذه الآية: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [البقرة:237].

فقال: أنا أحق بالعفو، فسلم إليها الصداق كاملاً[1].

لأن الرجل إذا طلق المرأة قبل الدخول وقد سمى لها صداقاً فإنها تستحق نصفه، إلا أن يعفو، فيترك لها المهر كاملاً، أو تعفو هي، أو يعفو الولي، فيرجع إليه المهر.

وهذا الحسن بن علي في آخر أيامه دخل عليه بعض أصحابه، فدخل كنيفاً ثم خرج، والكنيف المقصود به الحمام -أعزكم الله، فقال: إني والله قد لفظت طائفة من كبدي، قلّبتها بعود، وإني قد سُقيت السم مراراً، فلم أُسقَ مثل هذا.

يقول عمر بن إسحاق: فلما كان الغد أتيته وهو يسوق، يعني: في النزع، في الاحتضار، فجاء الحسين، فقال: أي أخي، أنبئني من سقاك؟ قال: لمَ؟ لتقتله؟، قال: نعم، قال: ما أنا بمحدثكم شيئاً، إن يكن صاحبي الذي أظن فالله أشد انتقاماً، وإلا فوالله لا يُقتل بي بريء[2].

وخاصم رجل الأحنف بن قيس -والأحنف بن قيس رأس في الحلم- فقال الرجل للأحنف: لئن قلت واحدة لتسمعن عشراً، يعني: إذا تكلمت بكلمة سأرد عليك بعشر، أي من الشتائم.

فقال الأحنف: لكنك إن قلت عشراً، لن تسمع واحدة[3].

لا يجاري هؤلاء السفهاء، ولا يكون قِرنًا لهم.

وهذا ابن أم برثن رمى عبداً له بسَفُّود فأخطأه -والسَّفُّود حديدة لها رأس مدبب، وأصاب ولده، فنثر دماغه، فخاف الغلام -يعني: خاف المملوك- فقال له ابن أم برثن: اذهب فأنت حر، فلو قتلتُك لكنتُ هلكت، لأني كنت متعمداً، وأصبت ابني خطأ، ثم بعد ذلك عمي بعدها ومرض[4].

وكان المهلب بن أبي صفرة يقول: ما شيء أبقى للملك من العفو، خير مناقب الملك العفو.

يقول الذهبي تعليقاً على هذا: ينبغي أن يكون العفو من الملك عن القتل، لا في الحدود، وأن لا يعفو عن والٍ ظالم، ولا عن قاضٍ مرتشٍ، بل يعجل بالعزل، ويعاقب المتهم بالسجن، فحلم الملوك محمود، إذا ما اتقوا الله، وعملوا بطاعته[5].

وهذه واقعة حصلت بين حسن بن حسن، وبين ابن عمه علي بن الحسين زين العابدين، فقام حسن وشتم ابن عمه، وما ترك شيئاً إلا قاله، وعلي بن الحسين ساكت، فذهب حسن بن حسن فلما كان في الليل أتاه عليٌّ فخرج، يعني: علي بن الحسين جاء في الليل، حسن بن حسن شتم علي بن الحسين بين أصحابه، وعلي بن الحسين سيد من سادات التابعين، ومن فقهائهم، وأجوادهم وعبّادهم، فجاءه حسن بن حسن وشتمه شتماً شديداً مقذعاً بينهم، وسكت، وما رد عليه، فلما جاء الليل جاء علي بن الحسين إلى بيت حسن بن حسن، فخرج عليه الحسن، فما ظنكم ماذا يتوقع؟

لو اليوم ربما يحمل معه سلاحاً، وينتقم لنفسه، فلما خرج حسن قال له علي بن الحسين: يا ابن عمي، إن كنتَ صادقاً فغفر الله لي، وإن كنتَ كاذباً فغفر الله لك، السلام عليك، فالتزمه حسن، وبكى، حتى رَثى له[6].

قابل الإساءة بهذا اللطف والإحسان، فأثر ذلك فيه، ورجع عن إساءته، وكثير من الناس اليوم لربما يعقد بسبب ذلك عداوة لا تنقضي.  

وهذا عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- سأل مجاهدًا ما يقول الناس فيّ؟ يعني: في مرضه الذي مات فيه، قال: يقولون: مسحور، قال: لا، ما أنا بمسحور، ثم دعا غلاماً، يعني: من المماليك، فقال له: ويحك، ما حملك على أن سقيتني السم؟ قال: ألف دينار أُعطيتُها، وأن أُعتَق، قال: هاتها، فجاء بها فألقاها في بيت المال، وقال: اذهب حيث لا يراك أحد[7].

سقاه السم، هذا خليفة، ويقول له: اذهب حيث لا يراك أحد، ولابد للإنسان من عفو، وغفر، وتجاوز للزلة والخطأ.

وقد جاء عن رجاء بن حيوة قال: من لم يؤاخِ إلا من لا عيب فيه قل صديقه، ومن لم يرضَ من صديقه إلا بالإخلاص له دام سخطه، ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوه[8]. فكل الناس فيهم عيوب.

وكان يكون بين القاسم بن محمد وبين الرجل مداراة في الشيء، القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق من فقهاء التابعين.

فأحياناً يقع بينه وبين أحد من الناس شيء من المجادلة، والمماحلة، والمماحكة في قضية من القضايا، في بيع، أو شراء، هذا يقول: لا، أنت أعطيتني، دفعت ثمن هذه الأرض، وهذا يقول: لا، أنا أعطيتك نصفها، أنا ما أعطيتك، أنا كذا، أنت أخذت مني هذا الشيء؟ يقول: لا، أنا ما أخذته منك، أرجعته إليك، فماذا كان يقول؟ يقول: هذا الذي كنت تريد أن تخاصمني فيه هو لك، فإن كان حقًّا فهو لك فخذه ولا تحمدني فيه، وإن كان لي فأنت لي منه في حل، وهو لك[9].

ماذا تريد؟، يقول: أجلس أتهارش معك، وأتخاصم معك؟، خذه.  

وهذا القارئ المعروف الإمام عاصم بن أبي النجود، كان رجل يقوده، وهذا الرجل فيه عجلة، وفيه خفة، فوقع وقعة شديدة، الإمام عاصم سقط، فما نهره، ولا قال له شيئاً[10]، ما غضب على هذا الذي يقوده.

وهذا أبو الزناد، وقعت قضية، وكان سبباً في جلد ربيعة شيخ الإمام مالك الفقيه المعروف من فقهاء المدينة، وأبو الزناد أيضاً من علماء أهل المدينة، ثم بعد ذلك ولي المدينة رجلٌ تيمي، فأراد أن ينتقم لربيعة، فأرسل إلى أبي الزناد، -أرسل إليه يعني: الشُّرَط، فطيّن عليه بيتاً، يعني: طين الباب، ما عاد فيه مجال للخروج، يموت في البيت، حتى إن أبا الزناد أشرف على الموت، ومال رأسه، فمن الذي شفع فيه؟ ربيعة[11].

وكان لابن عون ناقة يغزو عليه ويحج، وكان بها معجباً، فأمر غلاماً يستقي عليها، فجاء الغلام، يعني: المملوك، فجاء وقد ضربها على وجهها، فسالت عينها على خدها، فقال الناس: إن كان من ابن عون شيء فاليوم، يعني: الآن تظهر أخلاقه الحقيقية، فلم يلبث أن نزل، فلما نظر إلى الناقة قال: سبحان الله! أفلا غير الوجه بارك الله فيك؟، اخرج عني، اشهدوا أنه حر[12]، هذا مملوك عنده، اشهدوا أنه حر.  

اليوم لو الطفل كسر تحفة، أو مزهرية في البيت، أو قلع شيئًا من التحف، أو نحو ذلك، الأثاث قطعه، اشتريتَ كنبة وإذا بالطفل قد خرقها، ماذا ستكون النتيجة؟ نسأل الله العافية.

لو اشتريت جهازاً فوضعته الزوجة على مائتين وعشرين، بدلا من مائة وعشرة، تجرب فاحترق، ربما ثلاث طلقات ما تكفي -والله أعلم- عند كثير من الناس الذين يسرع إليهم الغضب، ويستعجلون، والله المستعان.  

بقيت أشياء لكن لعلي أختم لكم بهذا الموقف الذي يدخل بهذا الباب، وهو أيضاً لطيف طريف، وقع من أحد اللصوص مع أحد أهل العلم.

هذا في السير جاء رجل وهو من جلساء ابن الماجشون، فقال: يا أبا مروان، أعجوبة، خرجتُ إلى حائطي بالغابة، الغابة في المدينة من جهة أُحد، فعرض لي رجل، يعني: هذا الرجل سارق لص، فقال: اخلع ثيابك، قلت: لمَ؟ قال: لأني أخوك، وأنا عريان، هذا اللص عريان، ما عنده شيء، لا عنده لباس، ولا طعام، ولا مال، ولا شيء، فلقي هذا، وقال: اخلع ثيابك، لماذا؟ قال: لأني أخوك، وأنا عريان، قلت: فالمواساة؟ قال: قد لبستَها برهة، يعني يقول له: فالمواساة؟ يعني النصف لي، والنصف لك، أنت تقول: أنت أخي، أعطيك نصفها، وأنا نصفها، ما أخلعها كلها.

فقال له: قد لبستَها برهة، يعني: أنا ما لبستُها الآن سألبسها مدة، فما يكفي تعطيني نصفها، قد لبستَها برهة قلت: فتعريني؟ قال: قد رَوينا -أو رُوِّينا- عن مالك أنه قال: لا بأس للرجل أن يغتسل عرياناً، هذا لص وفقيه، لا بأس للرجل أن يغتسل عرياناً، قلت: تُرى عورتي؟ قال: لو كان أحد يلقاك هنا ما تعرضت لك، ما في أحد، قلت: دعني أدخل حائطي، وأبعث بها إليك، أدخل مزرعتي هنا وأبعث بها إليك، قال: كلا، أردتَ أن توجه عبيدك فأُمسك، قلت: أحلف لك، قال: لا تلزم يمينك للص، فقيه! يعني يقول: اليمين هذه يمين خائف ما تلزم للص؛ لأنه يريد أن يأخذ بالباطل، لا تلزم يمينك، يجوز أن تكذب فيها وتحنث، لا تلزم يمينك للص، فحلفت له لأبعثن بها طيبة بها نفسي، فأطرق، ثم قال: تصفحت أمر اللصوص من عهد النبي ﷺ إلى وقتنا فلم أجد لصًّا أخذ بنسيئة، هات الآن.

يقول: ما في لص من عهد النبي ﷺ إلى اليوم أخذ بالآجل، يعني: بعد ذلك تعطيني إياها، ترسلها لي، لا، هات الآن ناجزة، يقول: فأكره أن أبتدع.

هذا اللص يقول: أكره أن أبتدع، فخلعت ثيابي له[13].

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. سير أعلام النبلاء (3/ 98).
  2. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 38).
  3. سير أعلام النبلاء (4/ 93).
  4. المصدر السابق (4/ 253).
  5. المصدر السابق (4/ 385).
  6. المصدر السابق (4/ 397).
  7. المصدر السابق (4/ 453).
  8. المصدر السابق (4/ 558).
  9. المصدر السابق (5/ 57).
  10. المصدر السابق (5/ 258).
  11. المصدر السابق (5/ 448).
  12. المصدر السابق (6/ 371).
  13. المصدر السابق (11/ 521).

مواد ذات صلة