تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأربعاء 17 / صفر / 1441 - 16 / أكتوبر 2019
بعض ما جاء عن السلف في باب العفو والإعراض عن الجاهلين 2
تاريخ النشر: ٠٤ / شعبان / ١٤٣٠
التحميل: 1528
مرات الإستماع: 1993

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فمما ورد عن السلف في باب "العفو والإعراض عن الجاهلين"ما جاء عن عبد الله بن الربيع الحارثي أنه أتى المدينة بعدما خرج منها عيسى بن موسى، ومعه العسكر، فعاثوا في المدينة، وأفسدوا، فوثب على الحارث سُودان المدينة والرعاع، يعني: الغوغاء، فقتلوا جنده.

وعبدالله بن الربيع الحارثي هذا أمير من قبل الخليفة، فقاموا عليه، وفتكوا بجنده، هؤلاء الغوغاء، وطردوهم، ونهبوا متاع الحارث، فخرج الحارث حتى نزل ببئر المطلب، يريد العراق، فقام السُّودان، وكسورا السجن، وأخرجوا ابن أبي سبرة حتى أجلسوه على المنبر، يعني: الحارثي هذا سجن ابن أبي سبرة، فلما طُرد الحارثي، وقُتل من قتل من جنده، وأُخرجوا من المدينة، جاء هؤلاء الغوغاء، وأخرجوا ابن أبي سبرة من السجن، حتى أجلسوه على المنبر، وأرادوا كسر قيده، فقال: ليس على ذا فَوت، يعني: لا تستعجلوا، كسر القيد ملحوق عليه، دعوني حتى أتكلم، فتكلم في أسفل المنبر، وحذرهم الفتنة، وذكّرهم ما كانوا فيه، ووصف عفو المنصور عنهم؛ لأنه كما هو معروف في التاريخ أن أنصار حركة ما يسمى بالنفس الزكية قاموا على المنصور، وحفروا خندقاً حول المدينة، وصارت بذلك فتن، ثم انتصر عليهم المنصور، وقُتل خلق كثير، وكانت هذه واقعة عظيمة وقعت لأهل المدينة، بعد وقعة الحَرّة في عهد يزيد، في خلافة بني أمية، وهذه في أول خلافة بني العباس.

فالمنصور عفا عنهم، فقام هذا الرجل الذي هو ابن أبي سبرة يذكرهم بعفو المنصور، وأمرهم بالطاعة، فأقبل الناس على كلامه، وتجمع القرشيون، فخرجوا إلى عبد الله بن الربيع الذي هو الحارثي الأمير من قبل الخليفة خرجوا له، وضمنوا له ما ذهب له ولجنده، وقالوا: نحن نعوضكم، وكان قد تأمّر على السودان: وُثيق الزنجي، فأُمسك وقُيد، وأتى ابن الربيع، ثم رجع ابن أبي سبرة إلى الحبس من نفسه، سدًّا لباب الشر والفتنة، حتى قدم جعفر بن سليمان، فأطلقه وأكرمه، ثم صار إلى المنصور، فولاه القضاء[1].

فالمقصود أن من الناس من يريد أن ينتقم، فيكون ذلك سبباً لشر عظيم، وابن أبي سبرة هذا كان في الحبس، وأخرجه هؤلاء الغوغاء ووضعوه على المنبر، ومع ذلك كان هذا موقفه، فسكّن الناس، ووعظهم، وذكّرهم، فكان سبباً لسد باب شر عظيم، ولم ينتصر لنفسه، ويقول: هذه الفرصة الثمينة، هؤلاء سجنوني، وفعلوا، وفعلوا، فما جاءهم إنما هو شيء مما يستحقونه، لم يفعل هذا.

وهذا أبو جعفر المنصور لما حج أقاد مالكاً من جعفر بن سليمان، وكان جعفر بن سليمان أميراً على المدينة، وأمر بجلد الإمام مالك، فلما جاء المنصور أقاد مالكاً من جعفر بن سليمان، وقال له: الآن تقتص منه، فماذا قال الإمام مالك؟ هل قال: هذه فرصة ذهبية لا تعوض؟. 

فأبى، وقال: معاذ الله[2].

نحن في هذه القضايا دائماً -كما أذكر- نحتاج في كل موقف أن نضع أنفسنا فيه، من أجل أن يعرف الإنسان المسافة بينه وبين هؤلاء، فهذا هو الإمام مالك الذي كان يقول: ما جالست سفيهاً قط، لو كان يجالس السفهاء لربما تأثر بهم، وظهر عليه شيئاً من أخلاقهم، وحاشاه من ذلك.

وجاءه مرةً سَنْدل، وسَنْدل هذا لقب لعمر بن قيس المكي، وهذا قال عنه الأئمة الكبار مثل أحمد، وابن معين وأمثال هؤلاء: إنه متروك، لا يحتج به في الرواية، لا قيمة له في الرواية.

جاء للإمام مالك فسأله مسألة، فأجابه الإمام مالك، فماذا قال سندل؟ قال: أنت من الناس، يقول للإمام مالك: أنت من الناس، أحياناً تخطئ وأحياناً لا تصيب، ما شاء الله، انظر السؤال هذا، ثم انظر التعقيب، يعني: لا يصدر إلا من سفيه، أحياناً تخطي، وأحياناً لا تصيب، يقول لمن؟ يقول: لإمام دار الهجرة.

لو جاءك إنسان وسألك سؤالا وأجبته، ثم قال لك: أنت من الناس أحياناً تخطئ وأحياناً لا تصيب، لربما تتغيظ عليه أو نحو ذلك.

فقال الإمام مالك: صدقتَ، هكذا الناس، فقيل لمالك: لم تدرِ ما قال لك؟ ففطن الإمام مالك، وقال: عهدت العلماء لا يتكلمون بمثل هذا، وإنما أجيبه على جواب الناس[3].

يعني: هذا رجل الآن يعتبر نفسه من الرواة، ويصدر منه مثل هذا، ما عهدنا أهل العلم يصدر منهم مثل هذا، فأجبته على جواب الناس، يعني: لم أحمل كلامه على قصد الإساءة، أنت رجل تخطئ وتصيب.

ولو جاءك أحد وقال هذا، على الأقل هل ستحب هذا الإنسان وتذكره بخير؟ أو سيكون عدوًّا لدوداً نسأل الله العافية؟.

وجاء عن المأمون أنه قال: لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا إلي بالجرائم، وأخاف أن لا أؤجر فيه، يعني: لكثرة عفوه، ولكثرة حبه، لربما يعفو لأنه يحب العفو، لربما لا يقصد به التقرب إلى الله إنما ليحصل له شيء من التلذذ.

وكان المأمون كما قال يحيى بن أكثم: يحلم حتى يغيظنا، قيل: مر ملّاح، فقال: أتظنون أن هذا ينبل عندي وقد قتل أخاه الأمين؟

معروف أن المأمون والأمين أبناء هارون الرشيد، الأمين ابن حرة، والمأمون ابن أمة، فقدمه الرشيد في الخلافة، وضع الأمين، فوقع بينه وبين أخيه شيء، فالمأمون قتل الأمين، فهذا الملاح ماذا يقول؟ يقول: أتظنون أن هذا ينبل عندي، وقد قتل أخاه الأمين؟ فسمعها المأمون، فتبسم، وقال: ما الحيلة حتى أنبل في عين هذا السيد الجليل؟[4].

وهذا الإمام أحمد -رحمه الله- أوذي، وحبس، وضرب، وكان يجلد في رمضان في الظهر، حتى يغمى عليه في مسألة خلق القرآن على يد المعتصم، ومن معه.

فكان يقول: لقد جعلت الميت في حل من ضربه إياي، ثم قال: مررت بهذه الآية فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]، فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما أخبرنا هاشم بن القاسم أخبرنا المبارك بن فضالة قال: أخبرني من سمع الحسن يقول: إذا كان يوم القيامة جثت الأمم كلها بين يدي الله رب العالمين، ثم نودي أن لا يقوم إلا من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، قال: فجعلت الميت في حل، ثم قال: وما على رجلٍ أن لا يعذب الله بسببه أحداً[5].

يعني: ما الذي يضرك إذا ما عذب الله بسببك أحدًا من الناس؟.

وكان يقول: كل من ذكرني ففي حل إلا مبتدعاً، وقد جعلت أبا إسحاق -يعني: المعتصم- في حل، ورأيت الله يقول: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: 22] أمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مسطح.

قال: أبو عبد الله -يعني: أحمد- وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك؟[6].

وجاء عن هشام، قال: كان أبو السوار يعرض له الرجل، فيشتمه، فيقول: إن كنتُ كما قلت إني إذاً لرجل سوء[7].

وكان ابن المُعذَّل شيخ المالكية، وكان من الفقه والسكينة والأدب والحلاوة في غاية، وكان أخوه عبد الصمد الشاعر يؤذيه، فكان ابن المعذل يقول لأخيه هذا الذي يؤذيه: أنت كالأصبع الزائدة، إن تُركت شانت، يعني تؤذينا وتشتمنا، وإن قُطعت آلمت، وقد كان أهل البصرة يسمونه بالراهب؛ لتعبده، ودينه[8].

وكان أحمد بن المعذل في مجلس أبي عاصم، فمزح أبو عاصم يُخجِّل أحمد، يعني: بدأ يحاول أن يمزح معه ممازحة فيها تخجيل، فقال: يا أبا عاصم، إن الله خلقك جِدًّا، فلا تهزلنّ، فإن المستهزئ جاهل، قال تعالى: قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [البقرة:67]، فخجل أبو عاصم، ثم كان يُقعد ابن المعذل إلى جنبه[9].

وكان بعضهم يقول: لذة العفو أعذب من لذة التشفي، وأقبح فعال المقتدر الانتقام[10].

قدم يحيى بن أكثم دمشق مع المأمون، فبعث إلى أحمد بن أبي الحواري، فجاء إليه وجالسه، فخلع يحيى عليه طويلة وملبوسًا، وأعطاه خمسة آلاف درهم، وقال: فرقها يا أبا الحسن حيث ترى.

فدخل بها المسجد، وصلى صلوات بالخِلعة، فقال قاسم الجوعي: أخذ دراهم اللصوص، ولبس ثيابهم.

ثم أتى الجامع، ومر به وهو في التحيات، فلما حاذاه لطم القلنسوة، فسلم أحمد، وأعطى القلنسوة ابنه إبراهيم، فذهب بها، فقال له من رآه: ما رأيتَ ما فعل بك هذا؟

فقال: رحمه الله[11].

وهذا عبد الله بن محمد الصارفي يقول: كنت عند أبي عبد الله فى منزله، فجاءته جارية، وأرادت دخول المنزل، فعثرت على محبرة بين يديه، فقال لها: كيف تمشين؟

قالت: إذا لم يكن طريق، كيف أمشي؟

يعني: تردّ، أراقت الحبر برجلها، كبت هذه المحبرة، ويقول لها: كيف تمشين؟ بدلا من أن تقول: أنا ما رأيت، معذرة، آسفة، قالت: إذا لم يكن طريق، كيف أمشي؟

فبسط يديه، وقال لها: اذهبي فقد أعتقتك.

قال: فقيل له فيما بعد: يا أبا عبد الله، أغضبتك الجارية؟

قال: إن كانت أغضبتني فإني أرضيت نفسي بما فعلتُ[12].

والله المستعان.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

  1. سير أعلام النبلاء (7/ 332).
  2. المصدر السابق (8/ 113).
  3. المصدر السابق (8/ 67).
  4. المصدر السابق (10/ 279).
  5. المصدر السابق (11/ 257).
  6. المصدر السابق (11/ 261).
  7. المصدر السابق (11/ 351).
  8. المصدر السابق (11/ 520).
  9. المصدر السابق.
  10. المصدر السابق (12/ 44).
  11. المصدر السابق (12/ 78).
  12. المصدر السابق (12/ 452).

مواد ذات صلة