تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الخميس 18 / صفر / 1441 - 17 / أكتوبر 2019
شرح مقدمة الباب وحديث أَبي مسعود عقبة بن عمرو البدريِّ رضي اللَّه عنه "يَا أَيهَا النَّاس إنَّ مِنكم مُنَفِّرين فأَيُّكُمْ أَمَّ النَّاسَ فَليُوجِز"
تاريخ النشر: ٠٧ / شوّال / ١٤٣٠
التحميل: 1560
مرات الإستماع: 2063

مقدمة باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فبعد أن ذكر المصنف -رحمه الله- أعني الإمام النووي- في كتابه رياض الصالحين باب "الحلم والأناة والرفق" وأتبع ذلك بباب "العفو والإعراض عن الجاهلين"، وثلث بباب "احتمال الأذى" ذكر بعد ذلك باباً قال فيه: باب "الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع"، يريد أن يقول المؤلف -رحمه الله: إن صفة الحلم والعفو والصفح والإحسان واللطف والرفق وما إلى ذلك مطلوبة، وهي من الصفات الكاملة، ولكن ليس معنى ذلك أن الغضب ينتفي بالكلية، بمعنى أن الإنسان لا يغضب مطلقاً، وإنما الغضب يكون في موضعه، وإن ذلك يكون كمالاً، وإن الإنسان لا يُمدح حينما ينتفي عنه الغضب انتفاء كليًّا، بمعنى أنه لا يغضب بحال من الأحوال، ولا يتمعر وجهه؛ فإن هذا ليس من الكمال في شيء، فالمرء حينما تصل إليه إساءة من أحد من الناس، أو يستفز بشيء من التصرفات التي يقارفها الجهلاء فإنه ينبغي أن يكظم غيظه، وأن لا يرد الإساءة بمثلها، وإنما يعفو ويصفح ما احتمل المقام لذلك، أما إذا كان الأمر يتصل بحقوق الله فإن الإنسان يغار على محارم الله، ويغضب عند انتهاكها، وعندئذ يكون الغضب كمالاً، فالله -تبارك وتعالى- وهو صاحب الصفات الكاملة من كل وجه- يغضب، وقد ذكر هذا الوصف له في القرآن، وذكره النبي ﷺ في جملة من الأحاديث النبوية الصحيحة، وهكذا كان رسول الله ﷺ يغضب إذا انتهكت حرمات الله ، فينتصر لدين الله تعالى، لكن لم يكن يغضب ﷺ لنفسه، لم يكن يغضب لشيء من أمر الدنيا، وإنما كان غضبه لربه ، هذا هو المراد، وهذا وجه الارتباط بين هذه الأبواب المتعاقبة، ويبقى النظر في هذا الغضب لله أنه لا يعني بالضرورة الإغلاظ على من وقع منه الإساءة أو التقصير في جانب الشرع، وإنما قد يُرفق به لجهله فيُعلم، والناس يتفاوتون في هذا، فالجاهل ليس كمن عرف، والقابل المستجيب ليس كالمعاند، ولهذا فإن النبي ﷺ كان يرفق في المقامات التي تحتمل ذلك وقد انتهكت حرمات الله ؛ فالرفق لا يتنافى مع الغضب، الأعرابي الذي بال في المسجد انتهك حرمة من حرمات الله ، وغضب الصحابة وزجروه، والنبي ﷺ منعهم من ذلك، تلطف به[1]، وهكذا معاوية بن أبي الحكم السُّلمي الذي تكلم في الصلاة، وقال: واثُكلَ أمِّياه[2]، إلى آخره، النبي ﷺ علمه ولم يغضب، وكذا المسيء صلاته علمه ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ[3]، ولم يغضب عليه ﷺ، أو لم يُغلظ عليه بالقول.

قوله تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ}

ثم صدّر المصنف -رحمه الله- هذا الباب بقوله -تبارك وتعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30]، يعظمها بمعنى أنه يغار عليها، ويغضب عند انتهاكها، ويحرك ذلك كوامن النفس فيتمعر وجهه غيرة على هذه الحرمات التي انتهكت، فهذا من تعظيمها، فإن من تعظيمها أن تُجلَّ شرائع الدين، وأن لا يتخذ ذلك في مقام يضحك منه الناس فضلاً عن أن يكون ذلك للسخرية، وكذلك أيضاً أنه يغضب غيرة لها، قال: فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ.

والحرمات هنا يدخل فيها ما شرعه الله ، وسنه رسوله ﷺ، ويدخل فيها الأمور الظاهرة من الدين التي هي الشعائر، ويدخل فيها غير ذلك كالوضوء والصيام، هذه أمور غير ظاهرة يسميها بعضهم بالأمانات، والأمور الظاهرة مثل الأذان، والهدي، والتلبية.

قوله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}

وقال تعالى: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، بمعنى أن الإنسان ينصر دين الله -جل وعلا- وينتقم إذا انتهكت حرماته.

قال: وفي الباب حديث عائشة السابق في باب "العفو"، ويقصد به ما ذكرته من صفة النبي ﷺ: "أنه ما انتقم لنفسه قط، لكن إذا انتهكت حرمات الله تعالى"[4].

إن منكم منفرين
ثم ذكر حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري  -وهو من الخزرج من الأنصار، وقيل له: البدري ولم يشهد غزوة بدر، لكنه نزل بدرًا وهو المكان الذي وقعت فيه المعركة فنُسب إليه- قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا! فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ؛ فقال: يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز؛ فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة[1].

"إني لأتأخر عن صلاة الصبح"، بمعنى أنه لا يحضر الجماعة، لا يصلي مع الإمام، قال: "من أجل فلان مما يطيل بنا"، من أجل فلان، يعني: الإمام، وسماه ولكن الراوي لم يذكره؛ لأن ذلك مما يحسن ستره؛ لأن ذلك وقع في مقام الشكاية، والنبي ﷺ عاب فعله وغضب، فلم يحسن أن يذكر، وإن اجتهد كثير من الشراح في ذكر اسمه، فبعضهم يقول: هو حزم بن أبيّ بن كعب ، وبعضهم يقول: حازم، وبعضهم يقول: هو مليكة، وبعضهم يقول: هو سلم بن علي، وبعضهم يقول: حرام بن ملحان، إلى غير ذلك من الأقاويل، وتعيينه لا فائدة له، لكن نبه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- إلى أنه ليس معاذ بن جبل فتلك واقعة أخرى، الرجل الذي صلى خلفه ثم انفرد وصلى وحده وبلغ ذلك النبي ﷺ، تلك واقعة أخرى أثناء الصلاة الرجل انفرد، لكن هذا يترك صلاة الفجر مع الجماعة لم ينفرد أو يقطع صلاته، إنما كان لا يحضر معهم من أجل أن فلاناً كان يطيل بهم في القراءة.

وبعضهم يقول: هو أبيّ بن كعب.

قال: "فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ"، يعني: كان يغضب ﷺ لكن كان ذلك أشد في غضبه ﷺ فقال: يا أيها الناس، خطب الناس، وقال: إن منكم منفرين[2]، فهذا التنفير قد يكون بالقول، كلام يقوله فتنفر منه قلوب الناس ولا تحتمله، وقد يكون هذا التنفير بالتعامل والخشونة والجفاء، والله يقول لنبيه ﷺ: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران:159]، فإذا كان النبي ﷺ وهو رسول الله ويجب علينا محبته وطاعته لو كان غليظاً فيه فظاظة ونحو ذلك لتفرقوا من حوله فغيره من باب أولى، وقد يكون هذا التنفير في التعليم، وقد يكون هذا التنفير في الصلاة والعبادة بحيث لا يراعي حال الناس الذين خلفه،  إلى غير ذلك من الأمور التي يحصل بها التنفير، إن منكم منفرين، قد يكون يدعو غير المسلمين فيذكر لهم أشياء تنفرهم عن الإسلام وهي من الدين ولكن كان يمكن أن تؤجل ليست من قضايا التوحيد والإيمان، أو مما يحصل به دخولهم في الإسلام، فيبدأ يخاطبهم بأشياء لا تحتملها عقولهم، فالشاهد قال: يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز؛ فإن من روائه الكبير، يعني: يضعف عن الاحتمال، والصغير، أيضاً كذلك فإنه يرهقه لصغره، وذا الحاجة، فإن قلبه مشغول بحاجته فهو لا يستطيع أن يخشع في صلاته.

وقوله ﷺ: فأيكم أمَّ الناس فليوجز، ما المراد به؟ إلى أي حد هذا الإيجاز؟ يعني مثلاً معاذ بن جبل ماذا قرأ في صلاة العشاء؟ قرأ البقرة أو نحو ذلك، فالأمر كما يقول ابن القيم -رحمه الله: كثير من العامة يَبقى هذا الحديث في يده عصا يبتدرون به الإمام، فإذا قرأ بهم كقراءة رسول الله ﷺ أو حاول اتباع السنة في الصلاة والنبي ﷺ قال: صلوا كما رأيتموني أصلي[3]، ابتدروه بهذا الحديث: إن منكم منفرين، فأيكم أمَّ الناس فليوجز، عصا بأيدي العامة، وذكر الحافظ ابن القيم -رحمه الله- أن القصد والاعتدال في الصلاة هو صلاته ﷺ، فماذا كان يقرأ ﷺ في صلاة الفجر مثلاً؟ يقرأ طوال المفصل، في صلاة الظهر نحن لو قرأنا سبح اسم ربك الأعلى يبدأ الناس يتنحنحون، قرءوا سورة الناس وبعد ذلك ما بقي عندهم شيء يقرءونه، كان النبي ﷺ في الركعة الأولى في صلاة الظهر يصلي بهم فيذهب الذاهب إلى البقيع يقضي حاجته ثم يرجع يتوضأ ويدرك الركعة الأولى[4]، هذا في صلاة الظهر، وكانت صلاته كما وُصفت إلى تخفيف،هذا يعتبر تخفيفًا، فالمقصود بإذا صلى أحدكم بالناس فليوجز أنه لا يقرأ بهم قدرًا يشق عليهم، مع أن النبي ﷺ قرأ في المغرب الأعراف كاملة[5]، ولكن لم يكن ذلك هديه ﷺ المستمر أو الغالب، فيبقى أن الإنسان يلاحظ هدي النبي ﷺ ويحاول أن يقتدي به أو أن يقاربه، في صلاة عمر بن عبد العزيز لما ذُكرت صلاته نحو عشر تسبيحات في الركوع والسجود، وأن هذا أشبه ما يكون بصلاة النبي ﷺ، والآن لو بقي الإمام نحو عشر تسبيحات في الركوع والسجود لشق هذا على كثيرين، فالمقصود أن يُعرف المراد بقوله: إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز، ما المراد به؟ المقصود أن تكون صلاته بحيث لا تشق على الناس، وكان النبي ﷺ أرأف الأمة، وأرحم الأمة، ولربما أراد أن يقرأ السورة الطويلة فيسمع بكاء الصبي فيوجز من أجل ما يعلم من اشتغال قلب أم هذا الصبي عليه، والله تعالى أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب تخفيف الإمام في القيام، وإتمام الركوع والسجود، برقم (702)، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام، برقم (466).
  2. المصدر السابق.
  3. أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، برقم (6008).
  4. أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب القراءة في الظهر والعصر، برقم (454).
  5. أخرجه النسائي، كتاب الافتتاح، باب القراءة في المغرب بـ"المص"، برقم (991)، وصحح إسناده الألباني في صحيح أبي داود (3/ 398)، في الكلام على حديث رقم (773).

مواد ذات صلة