تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 16 / صفر / 1441 - 15 / أكتوبر 2019
بعض ما جاء عن السلف في باب الوالي العادل 1
تاريخ النشر: ٢٩ / شوّال / ١٤٣٠
التحميل: 1349
مرات الإستماع: 2060

تنبيه

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فلطالما نبهنا ونبه كثيرون على هذه المعازف والأصوات المنكرة في المساجد، والتي لا يجوز لأحد أن يسمعها، لا في المسجد، ولا خارج المسجد، ولكنها تكون في المسجد أشد حرمة، وأعظم جرماً.

فعلى العبد أن يتقي الله ، وأن لا يخرج من المسجد بسخطه ونقمته، وعلى من رأى شيئاً من ذلك أن ينكره، وأن ينصح من صدرت منه هذه الأصوات، فإن الكثير من هؤلاء من الأعاجم الذين لا يفقهون ما نقول أو مما نقول شيئاً، وجاءوا من بلاد ليس ذلك فيها من المنكر، اعتادوا عليه في الأسواق، وفي كل مكان، والله المستعان.

بعض ما جاء عن السلف في باب الوالي العادل

في هذه الليلة أذكر بعض ما جاء عن السلف فمن بعدهم من الأقوال والفعال مما يتصل بباب "الوالي العادل".

بعث عمر حذيفة بن اليمان على المدائن، فقرأ عهده، يعني: مرسوم الولاية، قرأه على الناس.

فقالوا: سل ما شئت،يعني: ماذا تريد، أهل المدائن يقولون.

فقال: طعاماً آكله، وعلف حماري هذا، ما دمت فيكم، من تبن،يعني يقول: إن علف حماره من تبن، هذا الذي طلبه الأمير من أهل البلد.

فأقام فيهم ما شاء الله، ثم كتب إليه عمر يأمره بالقدوم إليه، فلما بلغ عمرَ قدومُه كمن له على الطريق، فلما رآه على الحال التي عليها أتاه، فالتزمه، فقال: أنت أخي وأنا أخوك[1].

يعني: رجل أرسله ليكون أميراً على بلد هي مقر الخزائن لكسرى، بيت المال في المدائن، فذهب على حمار، ورجع على حمار.

ودخل المسور بن مخرمة على معاوية، فقال له معاوية: يا مسور، ما فعلَ طعنُك على الأئمة؟.

يقول: أنت تنتقد وتتكلم في المجالس علينا.

فقال المسور: دعنا من هذا وأحسِنْ فيما جئنا له.

فقال معاوية: لَتُكلمني بذات نفسك بما تعيب عليّ؟

يقول المسور: فلم أترك شيئاً إلا بينتُه.

فقال معاوية: لا أبرأ من الذنب، فهل تَعُدُّ لنا مما نلي من الإصلاح في أمر العامة، أم تَعُدُّ الذنوب وتترك الإحسان؟.

فقال المسور: نعم.

قال معاوية: فإنا نعترف لله بكل ذنب، فهل لك ذنوب في خاصتك تخشاها؟.

قال: نعم.

قال: فما يجعلك برجاء الله أولى أو أحق مني، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولا أخيَّر بين الله وغيره إلا اخترت الله على من سواه، وإني لعلى دين يُقبل فيه العمل، ويُجزى فيه بالحسنات.

يقول المسور: فعرفت أنه قد خصمني.

قال عروة: فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه[2]. يعني: دعا له.

وخطب عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- لما ولي الخلافة، فقال: لست بخير من أحد منكم، ولكني أثقلكم حملا[3].

ولما ولي بكى فقال له رجل: كيف حبك للدينار والدرهم؟

قال: لا أحبه.

قال: لا تخف فإن الله سيعينك[4].

ووصل إلى بابه جماعة، فسمعوا بكاء، فسألوا عن ذلك، فقالوا: إنه خيّر امرأته بين أن تقيم في منزلها، وعلى حالها، وأعلمها أنه قد شُغل بما في عنقه عن النساء، وبين أن تلحق بمنزل أبيها، فبكت، وبكى جواريها[5].

وجاء إليه رجل فقال: رأيت النبي ﷺ في النوم، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، فإذا رجلان يختصمان، وأنت بين يديه، فقال لك: يا عمر، إذا عملت فاعمل بعمل هذين -يعني: أبا بكر وعمر، فاستحلفه بالله لرأيتَ؟، فحلف له، فبكى[6].

ومما جاء في هذا الباب ما جاء عن الخليفة العباسي المتوكل أنه قال: إن الخلفاء كانت تتصعب على الناس ليطيعوهم.

يعني: يعاملونهم بشيء من الرهبة والشدة.

قال: وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني[7].

ونقل الخطيب البغدادي عن الخليفة العباسي المهتدي: أنه ما زال صائماً منذ استخلف إلى أن قتل[8].

وعلى كل حال أفضل الصيام صيام داود ، والخطيب البغدادي ينقل عن الخليفة المهتدي العباسي، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى[9].

يقول أبو العباس هاشم بن القاسم: كنت عند المهتدي عشية في رمضان فقمت لأنصرف.

فقال: اجلس، فجلست، فصلى بنا، ودعا بالطعام فأُحضر طبق عليه أرغفة وآنية فيها ملح وزيت وخل، فدعاني إلى الأكل، فأكلت أكل من ينتظر الطبيخ.

يعني: ظن أن هذه مقدمات.

فقال: ألم تكن صائماً؟ يعني: لماذا لم تأكل كما ينبغي.

قلت: بلى.

قال: فكل واستوفِ، فليس هنا غير ما ترى.

يعني: ليس هناك دفعات من الطعام بعد ذلك.

يقول: فعجبت، ثم قلت: ولمَ يا أمير المؤمنين وقد أنعم الله عليك؟

قال: إني فكرت أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز، يقول: فغرت على بني هاشم، وأخذت نفسي بما رأيت[10].

ولو كان ذلك ابتداء من غير مغايرة لكان أولى وأفضل، وعلى كل حال قد يفعل الإنسان هذا من باب التنافس في الخير، كما كان يتنافس الأنصار أعني الأوس والخزرج.

وهذا ابن الأغلب صاحب المغرب كان ملكاً حازماً صارماً مهيباً، كانت التجارة تسير في الأمن من مصر إلى سبتة لا تُعارض ولا تُروع، وكان سديد السيرة شهماً.

لكن الأمن قد لا يحصل بطريقة شرعية بإقامة العدل في الناس، وإنما قد يحصل ذلك بالعسف والظلم، والقهر والشدة، التي تفوق الوصف، وهذا مذموم، فإن العدل هو سبب الأمن.

فهذا الرجل ذكر الذهبي -رحمه الله- عنه: أنه ظفر بامرأة متعبدة قادت قَوْدة، يعني: مرة فقط ربطت بين رجل وامرأة، فدفنها حية، دفنها وهي حية، هذه العقوبة، يعني: الزاني يُرجم المحصن، وغير المحصن يُجلد، هذه قادت قودة، فدفنها حية، وشنق سبعة أجناد أخذوا لتاجر ثلاثة آلاف دينار، وهذا يدل على أن الشنق قديم، يعني: ليس من الأشياء التي نقلت عن الغرب، أو وجدت في العصر الحديث، أو في القرن الماضي، أو قبل الماضي.

وأخذ منهم الذهب، وجده لم ينقص سوى سبعة دنانير[11].

وهذا آخر يقال له جمهور بن محمد القرطبي هذا ولي على قرطبة، لكن كان من الصالحين، لم يتلقب بالإمرة، وإنما كان يقول: أنا ممسك أمر الناس إلى أن يتهيأ لهم من يصلح للخلافة، فاستقل بالسلطنة، واستراح من اسمها، وإذا حصل زيادة في الأموال في بيت المال كان يضع ذلك ودائع عند التجار ومضاربة لينمي ويثمر بيت المال[12].

وهذا أبو علي الحسين بن جعفر خدم بهاء الدولة، فاستنابه على العراق فقدمها في سنة 396هـ، والفتن ثائرة بها، فضبط العراق بأتم السياسة، وأباد الحرامية، وقتل عدة، وأبطل مآتم عاشوراء، وأمر مملوكاً له بالمسير في محال بغداد -في الأحياء يعني ونواحيها، وعلى يديه صينية مملوءة دنانير من ذهب، ففعل، فما تعرض له أحد لا في ليل ولا في نهار. حينما جاء كانت فوضى.

ومات نصراني تاجر من مصر، وخلف أموالاً، فأمر بحفظها، حتى جاء الورثة من مصر فتسلموها، وكان له هيبة وعدل وإنصاف، ولي العراق تسع سنين سوى أشهر[13].

وهذا الرئيس أبو علي الحاجي الملقب بشيخ الإسلام، وكان في شبابه تاجراً، ثم عظم حتى كان من المخاطبين من مجالس السلاطين.

هؤلاء الذين نذكرهم بعضهم ملوك، وبعض هؤلاء خلفاء، وبعض هؤلاء وزراء، وبعض هؤلاء من البطانة، من جلساء الخلفاء، ومن خاصتهم.

هذا كان في شبابه تاجراً، ثم عظم حتى كان من المخاطبين من مجالس السلاطين، ولم يستغنوا عن رأيه، فرغب إلى الخيرات، وأناب إلى التقوى، وبنى المساجد، والرباطات -الرباطات أي: أبنية أوقاف يلجأ إليها الفقراء يسكنون فيها، وطلاب العلم، وبنى المساجد والجوامع، وكان يكسو في الشتاء نحوًا من ألف نفس، وسعى في إبطال الأعشار عن بلده -يعني: المكوس والضرائب، ورفعَ الوظائف عن القرى، واستدعى صدقة عامة على أهل البلد غنيهم وفقيرهم، فتدفع إلى كل واحد خمسة دراهم، وتم ذلك بعده، وكان ذا تهجد وصيام واجتهاد.

يعني: انتفع الناس به الفقراء وعامة الناس.

وأتته امرأة بثوب لينفق ثمنه في بناء الجامع، وقيمة هذا الثوب يساوي نصف دينار، فاشتراه منها بألف دينار من ذهب، فسلمت المال إلى الخازن لإنفاقه، يعني: على الجامع، هي تريد أن تتبرع للجامع، ما عندها إلا هذا الثوب، فاشتراه بألف دينار، فتبرعت بالألف، وخبأ الثوب كفناً له[14].

وهكذا ظهير الدين وزير المقتدي، كان كثير التلاوة والتهجد، ويكتب مصاحف، ويجلس للمظالم، فيغتص الديوان بالسادة والكبراء، وينادي الحُجاب أين أصحاب الحوائج؟

فينصف المظلوم، ويؤدي عن المحبوس، وله في عدله حكايات في إنصاف الضعيف من الأمير[15].

وهكذا نظام الملك، وكان أبوه من دَهَاقين بيهق، فنشأ وقرأ نحوًا، وتعانى الكتابة والديوان، وخدم بغزنة، وتنقلت به الأحوال إلى أن وزر للسلطان ألب آرسلان، ثم لابنه ملكشاه، فدبر ممالكه على أتم ما ينبغي، وخفف المظالم، ورفق بالرعايا، وبنى الوقوف، وهاجرت الكبار إلى جنابه، وازدادت رفعته، واستمر عشرين سنة.

وكان فيه خير وتقوى، وميل إلى الصالحين، وخضوع لموعظتهم، يعجبه من يبين له عيوب نفسه، فينكسر ويبكي[16].

وهكذا أبو سعيد البُرسقي والي الموصل، يقول: كان ديناً عادلاً حسن الأخلاق، وصى قاضيه بالعدل، بحيث إنه أمر زوجته، يعني: من أجل أن ينظر ويختبر القاضي بالعدل طلب من زوجته أن تدعي عليه بصداقها، أنه ما أعطاها، ما سلم لها الصداق، ذهبت إلى القاضي، فنزل إلى القاضي، وجلس بين يديه، فتأدب الناس[17].

وكان المستنجد بالله العباسي موصوفاً بالعدل والرفق، وأطلق المكوس، بحيث إنه لم يترك بالعراق مَكساً، وكان شديداً على المفسدين، سجن عوانيًّا كان يسعى بالناس مدة، يعني: هذا الرجل كان يشي بالناس عند السلطان قبله، فيعاقبون ويحبسون، فأخذه وسجنه، فجاء رجل يشفع له، فبذل فيه عشرة آلاف دينار، يقول: أطلقوه وهذه عشرة آلاف فدية.

فقال المستنجد: فأنا أبذل عشرة آلاف دينار لتأتيني بآخر مثله لأحبسه[18].

الذهبي -رحمه الله- يعلق هنا بتعليق جيد أختم به يقول: الإمام إذا كان له عقل جيد، ودين متين صلح به أمر الممالك، فإن ضعف عقله، وحسنت ديانته حمله الدين على مشاورة أهل الحزم، فتسددت أموره، ومشت الأحوال، وإن قل دينه، ونبُلَ رأيه تعبت به البلاد والعباد، وقد يحمله نبل رأيه على إصلاح ملكه ورعيته للدنيا، لا للتقوى، فإن نقص رأيه، وقل دينه وعقله كثر الفساد، وضاعت الرعية، وتعبوا به، إلا أن يكون فيه شجاعة، وله سطوة، وهيبة في النفوس، فينجبر الحال، فإن كان جباناً، قليل الدين، عديم الرأي، كثير العسف فقد تعرض لبلاء عاجل، وربما عُزل وسُجن، إن لم يُقتل، وذهبت عنه الدنيا، وأحاطت به خطاياه، وندم والله حيث لا يغني الندم، ونحن آيسون اليوم من وجود إمام راشد من سائر الوجوه، فإن يسر الله للأمة بإمام فيه كثرة محاسن، وفيه مساوئ قليلة، فمن لنا له، اللهم فأصلح الراعي والرعية وارحم عبادك ووفقهم وأيد سلطانهم وأعنه بتوفيقك[19].

والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. سير أعلام النبلاء (2/ 366).
  2. المصدر السابق (3/ 392).
  3. المصدر السابق (5/ 127).
  4. المصدر السابق (5/ 128).
  5. المصدر السابق.
  6. المصدر السابق (5/ 127).
  7. المصدر السابق (12/ 32).
  8. المصدر السابق (12/ 536).
  9. أخرجه البخاري، باب بدء الوحي (1/ 6)، رقم: (1).
  10. سير أعلام النبلاء (12/ 536).
  11.  المصدر السابق (13/ 488).
  12. المصدر السابق (17/ 140).
  13. المصدر السابق (17/ 231).
  14. المصدر السابق (18/ 267).
  15. المصدر السابق (19/ 29).
  16. المصدر السابق (19/ 95).
  17. المصدر السابق (19/ 512).
  18. المصدر السابق (20/ 414).
  19. المصدر السابق (20/ 418).

مواد ذات صلة