تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 21 / صفر / 1441 - 20 / أكتوبر 2019
شرح مقدمة الباب
تاريخ النشر: ١٣ / ذو القعدة / ١٤٣٠
التحميل: 1469
مرات الإستماع: 2141

مقدمة باب النهي عن سؤال الإمارة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: 

فهذا باب "النهي عن سؤال الإمارة، واختيار ترك الولايات إذا لم يتعين عليه أو تدعُ حاجة إليه"، وذلك أن الولايات هي حمل ثقيل وعبء وأمانة يسأل عنها الإنسان ويحاسب عليها، وسيأتي ما يدل من النصوص على أن الإنسان إذا حصلت له الولاية من غير سؤال فإنه يعان عليها، بخلاف ما إذا سألها هو، فإذا كان الإنسان في عافية من ذلك كله فإن ذلك أسلم له، وأبرأ لذمته، وأخف لأحماله وأعبائه التي يقدم بها على ربه -تبارك وتعالى، فالإنسان يسأله الله ، ويحاسبه عن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن عمره، وعن شبابه[1]، ويسأله عمن استرعاه الله -تبارك وتعالى-[2] إياهم من زوجة، وولد وخادم، فكيف إذا كان يلي ولاية يدخل تحتها فئام من الناس؟ فإن ذلك لا شك أنه أشد، وأعظم وسيسأل عن هؤلاء جميعاً يحاسبه الله -تبارك وتعالى- عن جائعهم، وعاريهم، وجاهلهم، يسأله الله  عن كل تقصير يقع تجاههم.

يقول: "إذا لم يتعين عليه أو تدعو حاجة إليه" بمعنى أنه لم يوجد من يقوم بهذا، ويسد ذلك من المسلمين سواه في ولاية من الولايات، لا يوجد إلا هذا ممن استوفى الشروط فإنه يتعين عليه، يكون ذلك في حقه من فروض الأعيان، وإلا فإن الولايات من فروض الكفايات، يعني يجب أن يوجد في المسلمين من يقوم بذلك، وتحصل به الكفاية، وقد يتعين على أحدهم إن لم يوجد سواه ممن يصلح لهذا، فهنا لا يجوز له أن يعتذر يتخلى أو يتنصل من ذلك، يقول: أو تدعو حاجة إليه كما قال يوسف اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، فيوسف طلب الولاية من ملِك مصر؛ لأنه عرف من نفسه الأهلية، والحاجة داعية إليه، والبلاد مقبلة على أمر عظيم من سِنيّ القحط، وبحاجة إلى رجل أمين لا يضيع الأقوات والثروات والأموال، ثم بعد ذلك يصير الناس إلى مسغبة وجوع وهلاك، وهي بحاجة إلى رجل قوي يحسن هذا الباب من أبواب الولاية، إدارة الأموال وخزائن الأرض، فقال: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ فهذا من أخبار من سبق، وكلام أهل العلم معروف في شرع من قبلنا هل هو شرع لنا أو لا؟.

جاءت عندنا النصوص تنهى عن سؤال الإمارة، فهذا الذي شرعه الله لنا، وتعبَّدَنا به، فهل يقول قائل: أنا أسأل الإمارة ابتداء في غير هذه المواطن اقتداء بيوسف ؟

الجواب: لا؛ لأنه جاء النهي عن ذلك من جهة، ومن جهة أخرى هل أنت مثل يوسف ؟، ومَن الذي يستطيع أن يزكي نفسه "إني حفيظ عليم"؟، لكن كما سبق أنه إن وجد فيه من القُدر، والإمكانات التي يستطيع فيها أن يقوم وينهض بأعباء قد لا يستطيع أن ينهض بها الكثيرون، وعرف ذلك من نفسه، ولم يُعرف ذلك عنه فله أن يبتدئ ويقول: أنا أستطيع القيام بهذا، أنا إن توليت على هذا الأمر كفيتكم لا حبًّا في الولاية، والتسلط، فإن ذلك أمر مذموم شرعاً، وهو مذموم أيضاً من جهة النظر العقلي، والنبي ﷺ جاء عنه في الحديث الآخر: ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه[3]، فحب الترؤُّس والتسلط والرفعة أمر مجبول في النفوس، تحبه النفوس وتميل إليه، ويدعم ذلك ويقويه البيئة التي يتربى فيها الإنسان، والتريبة التي يتلقاها منذ نعومة أظفاره، فإذا كانت الأم تنشئ طفلها وهو صغير في مراحله الأولى من التعليم وتقول: إن شاء الله تصير مديرًا كبيرًا، أو وزيرًا، فينشأ عنده مثل هذا، وإذا تقادمت به السنون والأيام تعاظم ذلك، وتنامى في نفسه فنظره مصوب إلى الولايات متى يستطيع أن يتمكن منها، فيقدم لربما، ويبذل، ويظهر مهارات وأشياء، ويدخل في برامج ودورات وتطوير لنفسه ونحو ذلك؛ من أجل أن يحصل هذه الولاية، تطوير القدرات أمر جيد، ومطلوب لكن من أجل أن تحصل الولايات لا، فإن ذلك ليس بمطلب، فهي أمانة وليست بتشريف، ولكن البيئة التي يعيش فيها الإنسان أحيانًا لربما تسوقه إلى ذلك دون أن يشعر، إن لم يكن يلتفت إلى الحقائق والمعاني، ولا يغتر بالألفاظ والمباني، والصور والمظاهر والقشور، وإنما ينظر إلى ما وراء ذلك، هذا الكرسي الذي يدور لابدّ أن يجلس عليه غيره، لم يجلس عليه إلا بعدما ذهب الذي قبله، إما أن يُقال أو يتقاعد أو يمرض مرضاً يقعده، ويعجزه عن العمل، أو يموت، ولابدّ، هي سنة الله في الخلق، ولو كانت تدوم لأحد لما وصلت إليك، فيدرك الإنسان أن هذه مسئولية، وأنها أمانة يقوم بها ويؤديها على الوجه المطلوب، ويسأل ربه أن يخرج منها ولو كفافاً، فعمر وهو عمر- كان يتمنى أن يخرج من الدنيا كفافاً لا له ولا عليه، ولما طعن وجَعل النفر الستة الذين قبض رسول الله ﷺ وهو راضٍ عنهم بحيث تحصل بينهم المشورة، وتكون الخلافة في واحد منهم جعل عبد الله ابنه وهو يصلح للخلافة معهم مرجحاً فقط دون أن تصير الولاية له، اشترط هذا الشرط، وقال: يكفي في آل الخطاب أن يكون فيهم واحد، يعني يُبتلى بهذا الأمر، فإذا دعت الحاجة إلى هذا الإنسان بحيث إن الآخرين لم يتفطنوا ولم يعلموا فله أن يقول: أنا أستطيع أن أقوم بهذا الجانب، أنا أستطيع أن ألي هذه الولاية، أما أن تكون شهوة عند الإنسان، ويفرح إذا وضع رئيساً على أصحابه في عمل من الأعمال فإن ذلك لا يبشر بخير، إذا كانت النفس تفرح بهذا وتزهو فهذه آفة، والنفوس تحتاج إلى مجاهدات، وهذا من أعظم الشهوات، شهوة الرئاسة، فإن الإنسان يبذل المال من أجلها، وبعضهم أسوأ من ذلك يبذل الدين من أجل أن يحصّل الرئاسة، فإن كان عالماً فقد يفتي بفتاوى رخيصة؛ ليحصل شيئاً من حطام الدنيا، أن يحصل شرفاً، أن يحصل تعاسة بعبارة أصح، ثم ماذا يكون بعد ذلك؟، يلفظ وتمجه النفوس، وتوضع له البغضاء في قلوب الخلق، والله المستعان.

قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ...}

يقول الله -تبارك وتعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83]، واحتجت الجنة والنار عند ربهما، فقالت الجنة: يدخلني الفقراء والضعفاء من الناس، والنار تقول: يدخلني الأغنياء والكبراء من الناس[4].

فالشاهد أن أكثر أهل الجنة من الضعفاء والفقراء؛ ولذلك ينبغي على الإنسان أن يحرص على حفظ دينه وإيمانه، وأن يتقرب إلى مولاه ؛ لأن هذه الدنيا معبر، وهي مزرعة للآخرة، وإنما أوجده الله بها لعبادته، والله يقول: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2] فلا يتهالك الإنسان من أجل جمع حطامها، وإنما يأخذ منها بالقدر الذي يحصل له به الكفاية، يأخذه من حله، ويصرفه في حله، ويؤدي حق الله فيه، لكن لا يتهالك عليها، وكذلك لا يتهالك على أنواع مطلوباتها من الرئاسات، وطلب الشرف والعلو والرفعة في الأرض، وما أشبه ذلك، والله المستعان.

وذكر بعده ما يدل على هذا من حديث رسول الله ﷺ، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله ﷺ، باب في القيامة، برقم (2416)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (7300).
  2. أخرجه البخاري، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، برقم (893)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم، برقم (1829).
  3. أخرجه الترمذي، أبواب الزهد عن رسول الله ﷺ، برقم (2376)، وأحمد في المسند، برقم (15794)، وقال محققوه: "إسناده صحيح"، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم (5620).
  4. أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، برقم (2846)، والترمذي، أبواب صفة الجنة عن رسول الله ﷺ، باب ما جاء في احتجاج الجنة والنار، برقم (2561).

مواد ذات صلة