تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
السبت 20 / صفر / 1441 - 19 / أكتوبر 2019
شرح مقدمة الباب وحديث أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ رضيَ اللَّه عنهما "مَا بَعَثَ اللَّهُ مِن نَبِيٍّ وَلاَ استَخْلَف مِنْ خَليفَةٍ إلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانتَانِ" وحديث عائشة رضي اللَّه عنها "إِذَا أرَادَ اللَّه بالأمِيرِ خَيْراً جَعَلَ لَهُ وزيرَ صِدقٍ"
تاريخ النشر: ٢٢ / ذو القعدة / ١٤٣٠
التحميل: 1396
مرات الإستماع: 2475

مقدمة باب حث السلطان على اتخاذ وزير صالح

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا باب "حث السلطان والقاضي وغيرهما من ولاة الأمور على اتخاذ وزير صالح، وتحذيرهم من قرناء السوء، والقبول منهم".

حث السلطان والقاضي: يعني: وكل من له ولاية أيًّا كانت هذه الولاية ابتداء من الخلافة العظمى -الإمامة العظمى، أو كان ملكًا، أو أميرًا، أو نحو ذلك، على اتخاذ وزير صالح، وتحذيرهم من قرناء السوء، والقبول منهم.

الوزير قيل له ذلك؛ لأنه يحمل الوزر بمعنى الحمل الثقيل عن الأمير، وزير الخليفة يحمل عبئًا كبيرًا، يعني: يُسند إليه كثير من الأعباء والأعمال، ليقوم بها وهكذا.

قوله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}

قال الله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67]، الأخلاء الذين بينهم صافي المودة والمحبة التي تخللت النفس والقلب لشدتها، فتتحول هذه العلاقة القوية المتينة في الدنيا إلى عداوة في الآخرة، إذا كانت تلك العلاقة ليست لله وفي الله، وإنما كانت عونًا على معصيته، ومحادّته وما يسخطه.

إِلَّا الْمُتَّقِينَ يعني: أن الأخلاء من أهل التقوى تكون محبتهم ومودتهم وخلّتهم التي كانت في الدنيا سببًا لرفعتهم في الآخرة.

أين المتحابون بجلالي؟، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي[1].

بخلاف ما إذا كانت العلائق ليست لله، ولا في الله، ولهذا يحرص الإنسان أن يتخير من الناس من يدله على الله -تبارك وتعالى- وعلى مرضاته، وقد ذكرت في بعض المناسبات كلامًا لابن الجوزي في الصحبة، وأنها على ثلاث دوائر، وأن الدائرة الضيقة ينبغي أن ينتقي الإنسان فيها من بين سائر الناس أفضل من يعرف، ممن إذا رآهم ذكروه بالله، ولا يسمع منهم إلا أطيب الكلام، وممن يتوفر فيهم كمال العقل، وحسن النظر في الأمور، والتؤدة والأناة والأخلاق الكاملة؛ لأن الطبع سراق.

ما بعث الله من نبي
يقول: وعن أبي سعيد وأبي هريرة -رضى الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف، وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى[1]رواه البخاري.

قوله ﷺ: ما بعث الله من نبي إلا كانت له بطانتان هذه أقوى طريقة في الحصر، وهنا: ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه.

فقد استشكل أهل العلم هذا بالنسبة  للنبي، والمقصود ببطانة الإنسان هم خاصته، كبطانة الثوب، وهو مما يكون مما يلي الجسد، إذا لبس الإنسان مثلًا معطفًا، أو لبس شيئًا من هذا القبيل يكون مما يلي الجسد، يقال له: بطانة، هؤلاء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- لا يمكن أن يقرِّبوا أحدًا، ويكون من خاصتهم يستشيرونه، ويفضون إليه بدواخلهم وأمورهم الخاصة، ويكون ممن يحض على الشر ويدعوهم إليه، لا يمكن، ولهذا استشكل أهل العلم هذا بالنسبة للأنبياء، والصيغة تدل على العموم ما بعث الله من نبي، والعموم إنما هو من جهة النكرة في سياق النفي، فـ"نبي" نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي، أو الشرط، أو الاستفهام تفيد العموم، فإذا دخلت قبلها "مِن"، فإنها تنقلها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم.

ولهذا قال بعضهم: إن المراد بذلك إلا كان له بطانتان الملَك يدعوه إلى الخير ويأمره به، والقرين يدعوه إلى المعصية والمخالفة، حمله بعضهم على هذا.

وبعضهم قال: البطانة الأولى هي النفس المطمئنة، تدعوه إلى الخير، والبطانة الثانية هي النفس الأمارة بالسوء، تدعوه إلى مخالفته، وهذا لا يخلو من بعد، والله تعالى أعلم.

قال: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله رواه البخاري.

لا شك أن الأنبياء قد يأتيهم بعض من ينتسب إليهم يدعوهم إلى خلاف ما يحبه الله ولكن هذا ليس من البطانة، وإلا فعبد الله بن أبيٍّ ما كان يدعو إلى خير، وأمثال عبد الله بن أبي من المنافقين.

إذا أراد الله بالأمير خيرًا
يقول: وعن عائشة -رضى الله عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ: إذا أراد الله بالأمير خيرا، جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه[2].

وزير صدق أي: ناصح، مخلص، صالح، يعني: ليس بخائن، ليس بغاشٍّ.

إن نسي ذكره الإنسان من طبيعته أن يغفل، لاسيما مع كثرة الأعباء، والأعمال، والأشغال، وكثرة الرعايا.

وإن ذكر أعانه، وإذا أراد به غير ذلك يعني أن الله إذا لم يرد بالأمير خيرًا جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه بل إنه يحضه على المنكر، والباطل والشر، وما إلى ذلك.

وهذا الوزير يكون سيئة من سيئاته، يعني: حينما يتخذ مثل هذا لا يكون معفًى من المسئولية، ولا تكون ذمته بريئة، ويقال: إن هذا من البطانة هو الذي فعل وترك وأساء وظلم، ومن الذي جاء به؟ من الذي اختاره؟ من الذي وضعه؟

وهذا الخليفة أو الأمير ليس بصغير، أو طفل، أو نحو ذلك، لا يفهم، يأتي بأي أحد، ثم بعد ذلك يتبين أنه غير مناسب، وإنما لا يأتي بأحد إلا وقد عرفه معرفة كاملة، واختاره من بين سائر الناس، ولهذا فإن ما يصدر عنه يؤاخذ عليه هذا الأمير أو الخليفة ولا تبرأ ذمته بذلك، ويكون هذا الوزير السيئ سيئة من سيئات ذلك الأمير.

ولهذا قال بعضهم لعبد الملك بن مروان، وتعرفون أن عبد الملك قد ولى الحجاج على العراق، وحصل بذلك من الظلم ما الله به عليم، وقتل خلقًا لا يحصيهم إلا الله من العلماء والصالحين وغيرهم، فلما سأل عبدُ الملك بن مروان سأل بعضهم عن الحجاج، فقال: إنما هو سيئة من سيئاتك، وهذا صحيح، من الذي اختار الحجاج؟

من الذي وضعه؟ من الذي ولاه؟ فكل ما صدر عن الحجاج هذا في ميزان سيئات الذي ولاه، ولا يقال: هذا الحجاج الذي فعل وترك وأساء وظلم، من الذي ولاه؟ من الذي أطلق يده وكان يستطيع أن يأخذ الحجاج برجل واحدة، بأول مظلمة، ويعلقه أمام العالمين، أمام الخلائق، لكنه هو الذي أطلق يده، فصار يظلم ويقتل ويفسد.

حتى الصحابة لم يسلموا منه، ولا من شره، هو الذي قتل ابن الزبير، وهو الذي قتل   عبد الله بن عمر برمح مسموم، وهو يطوف بالكعبة، دس إليه أحد الجند، فجرحه بها حتى مات، وهو الذي أهان أسماء بنت أبي بكر -ا- بكلام قبيح، وتكلم على ابن عمر بكلام قبيح، ولم يسلم منه أحد، تكلم على سلمة بن الأكوع، وقال: نكصتَ على عقبيك، لا يعظم أحدًا لا من الصحابة، ولا ممن بعدهم.

فهذا إنما يتحمل أوزاره هو، كما أنه يتحمل مثل أوزاره في هذه المظالم من ولاه.

والله المستعان.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب بطانة الإمام وأهل مشورته (9/ 77)، رقم: (7198).
  2. أخرجه أبو داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في اتخاذ الوزير (3/131)، رقم: (2932).

مواد ذات صلة