تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأربعاء 17 / صفر / 1441 - 16 / أكتوبر 2019
شرح مقدمة الباب وحديث أبي هريرة رضي اللَّه عنه"آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ" وحديث عبدِ اللَّهِ بن عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما "أرْبع مِنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً"
تاريخ النشر: ٠٥ / محرّم / ١٤٣١
التحميل: 1250
مرات الإستماع: 1988

قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد، قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء:34].

قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ}

وقال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ [النحل:91].

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}

وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1].

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ...}

وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف:2، 3].

العهد والعقد والوعد كل ذلك بمعنى متقارب، فإذا أعطى الإنسان غيره موعدًا فهذا داخل في جملة العهد والوعد والعقد، وإذا تكفل له بشيء أن يفعله، أو أن لا يفعله فإن هذا من جملة العهد، وهو وعد في نفس الوقت.

وهكذا ما يحصل بين الناس من الشروط المباحة، أو الشروط المشروعة فإن ذلك يدخل في العهود والعقود، كما يدخل فيه أيضًا العهود مع الله -تبارك وتعالى- كالنذر، وما يحصل من العبد من وعد لربه -تبارك وتعالى- وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [التوبة:75]، فإن الإخلال في ذلك عاقبته شديدة؛ لأن الله قال: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ [التوبة:77]، فالباء هنا سببية، يعني: بسبب إخلافهم الوعد مع الله -تبارك وتعالى.

فكثير من الناس لربما إذا أصابه الضر أو رجا شيئًا نذر، إن رزقني الله الولد سأفعل كذا، سأتصدق بكذا، إن رزقني الله عملًا، أو كسبًا، أو ربحًا، أو نحو ذلك سأتصدق بكذا، ثم بعد ذلك الكثير من هؤلاء يسألون، يقول: أنا قلت هذا الكلام، أكفر كفارة يمين، أو ماذا أصنع؟ ولماذا لا تفي بهذا؟ لماذا لا تنجز؟

وهكذا فيما يتعلق بالشروط التي تكون بين الناس، في العقود، في المقاولات، في المعاملات، في عقود الأنكحة، المرأة تشترط شروطًا مباحة، ويوافق الزوج عليها، ثم بعد ذلك قد لا يفي لها بهذه الشروط، مع أن هذه الشروط هي من أحق ما يوفى به، وما ينبغي الوفاء به، كما جاء عن النبي ﷺ: أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج[1].

وليس له أن يتركها بعد ذلك أمام الأمر الواقع، يوافق الآن، ثم يقول: أنا ما أستطيع أن ألتزم بهذا الشرط، تريدين، وإلا الحقي بأهلك، فترضخ وتضطر.

من البداية إذا كنت مبيتًا هذه النية، وتعرف أنك لن تلتزم بهذا، صارحها، وقل لها: هذا الشرط غير مقتنع فيه، أنا لا أوافق عليه، أنا لا أريد امرأة تعمل، أنا أريد امرأة تبقى في البيت، فإذا لم يوافقوا على هذا النساء كثير.

قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف:2، 3].

لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ المفسرون يذكرون في سبب نزولها يقولون: إن الصحابة تمنوا أن يعرفوا أحب الأعمال إلى الله من أجل أن يعملوه، فلما فرض الجهاد، أو أخبروا بأنه الجهاد، كأنهم تثاقلوا ذلك، فعاتبهم الله بهذه المعاتبة لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا والمقت هو أشد البغض كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ.

قد يقول الإنسان: أنا لو كنت مكان فلان لفعلت كذا، لو كنت أملك أموال فلان لتصدقت وبذلت، فإذا حصل له شيء من هذا لم يفعل، وقد يقول الإنسان: لو أنني تخرجت من الجامعة، وصرت أعمل سأخصص جزءًا من المال للصدقة، ثم لا يفعل، سأعمل في الدعوة إلى الله ثم لا يفعل لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ.

وإذا اؤتمن خان
ثم ذكر: حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب،  وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان[1]متفق عليه.

وقد مضى الكلام على هذا الحديث في باب الأمانة، آية المنافق يعني: علامة المنافق، ثلاث يعني: ثلاث خصال.

إذا حدث كذب وهذا يدل على المداومة والاستمرار، يعني: كأن ذلك يتكرر كلما حدّث.

وإذا وعد أخلف أي: أن هذا هو ديدنه.

وإذا اؤتمن خان وهذه الأمور الثلاثة تشترك في أمر واحد، وهو راجع إلى الكذب في الحقيقة، لما سئل الإمام أحمد عن الكذابين، كيف نعرف الكذابين؟ قال: بمواعيدهم، فهذا الذي يخلف الموعد لم يصدق، وهذا الذي يخون إذا أُعطي الأمانة لم يصدق.

والنفاق يرجع إلى الكذب؛ لأنه اختلال واختلاف بين الظاهر والباطن، إلا أن النفاق الأكبر هو: إظهار الإسلام، وإبطان الكفر.

وهناك نفاق دون نفاق، النفاق العملي مثلًا.

فهذه من خصال المنافقين، وزاد في رواية مسلم: وإن صام وصلى، وزعم أنه مسلم[2].

أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا
ثم ذكر: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضى الله عنهما- في هذا السياق أيضًا أن رسول الله ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها[3].

هناك قال: ثلاث وهنا قال: أربع من كان فيه، فذلك ليس للحصر، يعني: كون النبي ﷺ يقول: آية المنافق ثلاث... لا يعني ذلك الحصر، أنه ليس له علامات أخرى.

وهنا ذكر أربع علامات، قال: ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق وهذا يدل على أن المسلم قد يوجد فيه خصلة من خصال الكفر، أو خصال النفاق، أو خصال الجاهلية، كما قال النبي ﷺ لأبي ذر: إنك امرؤ فيك جاهلية[4].

يقول: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر بمعنى: أنه يطغى في الخصومة، ويخرج عن الحد الذي فيه العدل في الاقتصاص ممن ظلمه، إن كان قد ظُلم، أو الحد الذي يسوغ له أن يطالب فيه، وأن يراجع في حقه، فيصل إلى حد الخصومة سواء كان ذلك بالابتداء بالضرب في الناس -نسأل الله العافية- أو بقذف أعراضهم، واستحلالها، وما يصدر من سباب وشتائم وأمور لا تليق، إذا خاصم، فيكون ذلك ديدنه وعادته، فيتحاشاه الناس لهذه الخصلة، فإنه لا يرعوي، ولا ينكف عن كل أمر مشين عند الخصومة.

والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق (1/ 16)، رقم: (33)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق (1/ 78)، رقم: (59).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق (1/ 79)، رقم: (59).
  3. أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق (1/ 16)، رقم: (34)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق (1/ 78)، رقم: (58).
  4. أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب: المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك (1/ 15)، رقم: (30)، ومسلم، كتاب الأيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل، وإلباسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه (3/ 1282)، رقم: (1661).

مواد ذات صلة