تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الخميس 18 / صفر / 1441 - 17 / أكتوبر 2019
شرح حديث أَبي الْيَقظان عَمَّار بن ياسر رضي اللَّه عنهما "إنَّ طُولَ صلاةِ الرَّجُلِ وَقِصر خُطْبِتِه مِئنَّةٌ مِنْ فقهِهِ"
تاريخ النشر: ٢٤ / محرّم / ١٤٣١
التحميل: 1328
مرات الإستماع: 3842

إن طول صلاة الرجل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فذكر المؤلف -رحمه الله- في باب "الوعظ والاقتصاد فيه":

حديث أبي اليقظان عمار بن ياسر -رضى الله عنهما- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة[1]، رواه مسلم.

والعلاقة بين هذا الحديث وبين الباب ظاهرة بالاقتصاد في الوعظ، إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته، يعني يوم الجمعة، مَئِنَّة من فقهه مَئِنَّة أي علامة ودليل يعرف بها فقهه، أنه فقيه، هذا لفقهه، ويمكن أن تكون العلة في هذا -والله تعالى أعلم- هي أنه لما كان المقصود الصلاة والخطبة تذكير بين يديها -فالجمعة تدرك بالصلاة كما هو معلوم- كانت العناية بالمقصود الأساس أهم، ومن ناحية أخرى يمكن أن يقال: إن الصلاة هي أشرف العبادات وهي رأس العبادات البدنية، وصلة بين العبد وربه، فالاشتغال بها والتطويل فيها تطويلاً لا يشق أهم من التطويل في الخطبة، ويمكن أن يقال أيضاً -والله تعالى أعلم: إن التطويل يكون ناتجاً عادة عن قلة البيان والفصاحة، فيضطر الإنسان إلى تكثير الكلام ليصل إلى مطلوبه، فيشرحه شرحاً قد لا يحتاج إليه غيره، وإنما يحصل التذكير بما هو دون ذلك.

هذه مسألة تحتاج إلى وقفة وتأمل، والحديث واضح، وفيه الأمر فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، ومعلوم أن صلاة الجمعة ثبت أن النبي ﷺ قرأ فيها بسبح والغاشية[2]، وإذا قرأ بسبح، والغاشية، وكان ركوعه ﷺ وسجوده قريباً من قيامه[3]، يعني أن تكون صلاته فيها توازن، فهذه الصلاة ليست طويلة كصلاة الفجر مثلاً التي قال الله فيها: وقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78]، يعني: صلاة الفجر إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، فإذا كانت صلاة الجمعة التي يُقرأ فيها بمثل هذه القراءة تكون أطول من الخطبة، وأن هذا علامة على فقه الرجل فهذا يدعونا إلى المقارنة بأحوالنا، وما نحن فيه، فاليوم نجد أن خطبنا طويلة جدًّا، يعني الذي قد لا يطوِّل كثيراً يخطب ثلث ساعة الخطبة الأولى والثانية، هذه تعتبر خطبة مختصرة، والله المستعان.  

والصلاة لربما سبع دقائق، وأما كثير من الخطباء فإنه قد يخطب نصف ساعة فأكثر، قد تصل إلى ساعة، وأذكر أني في بلد من البلاد خطبت الجمعة ثلث ساعة، وخشيت أني أطلت على الناس؛ لأني لا أعرف عادتهم، ففوجئت أن الخطيب الإمام قام بعد الصلاة، وقال: سمعنا في هذه الخطبة المختصرة حديثاً عن الموضوع الفلاني، وهذا الحديث يعني يكفي إلى آخره، تلطف بالكلام، ثم بعد ذلك بدأ يلقي كلمة طويلة، فتعجبت، فسألته بعد ذلك: أنا خشيت من الإطالة على الناس، قال: لا، نحن نخطب ساعة كاملة، لم يعهد الناس الخطبة ثلث ساعة، وسمعت بعض الخطب هناك، كلام طويل كثير يُشرق ويُغرب، فهذا خلاف مقصود الشارع -والله تعالى أعلم؛ لأن النبي ﷺ هنا يقول: فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة، ثم إذا نظرت إلى حال الناس فإنهم ينفرون ويعزفون عمن يطيل الخطبة، هذا مشاهد، ويبحثون عن المساجد الأخرى، بل رأيت كثيراً من الناس يصلون في مساجد لربما لا يستفيد من الخطبة شيئاً يذكر إلا أن هذا الخطيب خُطبه قصيرة ويخرج قبل الناس، العشر الدقائق التي يخرجون فيها قبل المساجد الأخرى للأسف هي تعني للكثير منهم الشيء الكثير، فيُقصد المسجد أحياناً من أجل قصر الخطبة، ثم إني تأملت كثيراً في هذا الموضوع نظرت في الخطب المنقولة عن النبي ﷺ، الخطب المنقولة عن الصحابة، عن الخلفاء رأيتها خطبًا قصيرة، الخطبة أحياناً صفحة، ليست خطباً طويلة، ونحن اليوم ربما نعتذر لأنفسنا بأن الناس بحاجة إلى الشرح والتفصيل، وأنها فرصة أن يجتمع الناس، لكن هل هذا فعلاً يحصل به المقصود، أو أن الناس يتضايقون من هذا ويستثقلونه؟، والمُشاهَد أنه إذا نظرت إلى كثير منهم تجده في سبات لا أقول: في نعاس، وقد لاحظت هذا، ينامون أول ما يبدأ الخطيب يخطب، أَمَنة، والأمَنَة في مجلس العلم ليست كالأمنة في الحرب، أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ [آل عمران:154] فهذا رحمة، وأما في مجلس العلم فالعلماء قالوا فيه كلامًا شديدًا، فلا يحصل المقصود، ينامون، وهناك أناس عندهم مشكلات قد لا يدركها الخطيب، شاب معافى والحمد لله، لكن هؤلاء الذين عندهم سكر مثلاً -أعزكم الله- يحتاج دورة المياه بين حين وآخر متقاربة لا يستطيع، لاسيما الذي يأتي مبكراً، يعني نحن عندنا للأسف نتأخر، يعني ندخل المسجد في وقت متأخر، لربما ندخل الحادية عشرة أو قريباً من هذا، وهذا تقصير، لكن أعرف كثيرين في نواحٍ مختلفة يجلسون يغتسل الرجل بعد صلاة الفجر، ويجلس قبل الإشراق، يدخل المسجد ولا تشرق الشمس إلا وهو في المسجد، سنين متطاولة، وأعرف رجلاً شوهد وهو يذهب الساعة الثامنة صباحاً، وكان يحاول أن ينصرف لا يراه أحد، من الحياء من الناس أنه متأخر، ليست عادته، وذهب أناس لزيارة رجل في ناحية يوم الجمعة حدود الساعة الثامنة صباحاً، فقال أهله: لا يكون هذه الساعة إلا في المسجد.   

ورأيت في أحد المساجد الصف الأول والصف الثاني في الساعة السابعة صباحاً، وليست بعادة أن أذهب إلى الجمعة في هذا الوقت، لكن رأيت الصف الأول والثاني ممتلئًا.  

فأقول: فإذا كان الناس يأتون مبكرين هب أنهم يأتون في العاشرة، فينتظر قريباً من ساعتين فإذا كانت الخطبة طويلة أيضاً سيستقبل نحو ساعة أخرى مثلاً فلا شك أن هذا شاق، بخلاف من جاء ودخل أثناء الخطبة، أمّا الواقف فإنه يتململ ينتظر متى تنتهي؛ ولذلك أقول: هذه في ظني سنة مهجورة، قد لا نتصور هذا المعنى بطريقة صحيحة لما ألفنا من التطويل، فيحتاج الإنسان في أول أمره أن ينظر ويتأمل هذا المعنى مع نفسه ويقارن خطب النبي ﷺ وخطب الخلفاء مثلاً ، وهذا الأمر في الحديث، ويقارن ذلك بخطبنا، فتكون خطبة مركزة ما فيها تكرار، لا تعاد فيها بعض الجمل كثيراً، يصل المقصود بكلام موجه مباشر، وهذا يكفي، والله تعالى أعلم.

وقد رأيت بعض من يفتخر بأنه في الخطبة لا يتحدث عن موضوع معين، يتحدث عن موضوعات كثيرة جدًّا، يقول: لأن الموضوع المعين قد لا يتعلق إلا ببعض من حضر، وأنا أريد أن أفيد الجميع، فتكون خطبته تعوم وتحوم حول موضوعات كثيرة، ويقول: هذا هو الصحيح، وينتقد الآخرين بقوة، والناس وما يعشقون مذاهب، فقد نألف أشياء أحياناً وقد لا تكون كما ينبغي، ولا أقل من أن يقال: الخطبة لا تطول، ينبغي ألا تطول طولاً يشق على الناس، فلابدّ من مراعاتهم، وبعض الذين يقدمون دورات في الخطابة سمعت أنهم يقولون: إن المعيار حينما يقف الخطيب هو أن يحتاج إلى تغيير وقوفه، ويشعر أن رجله قد تعبت، هذا معيار غير منضبط؛ لأن الناس يتفاوتون، ومن الناس من يتململ بعد وقوفه دقيقة واحدة أو دقيقتين، فيحتاج أن يراوح مراوحة شديدة تجده حتى في الصلاة، فهذا ليس بمقياس، يختلف باختلاف الناس واختلاف النشاط والقوة والشباب، لكن هناك أشياء تُعرف، والناس يتفاوتون، الخطيب الجيد تجد الناس قد رفعوا أبصارهم ينظرون إليه لا يضعون طرفهم، هذه علامة، بخلاف ما إذا رأيت الناس في سبات، وفي نوم، أو يتلفتون لبعضهم، ينتظرون فقط متى ينتهي، يلاحظون شعور الآخرين هل هو مشترك أنهم قد ملوا وسئموا أو لا؟، والله المستعان، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، برقم (869).
  2. أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة، برقم (878).
  3. أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، برقم (772).

مواد ذات صلة