تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الأحد 21 / صفر / 1441 - 20 / أكتوبر 2019
شرح حديث أَبي موسى الأشعريِّ رضي اللَّه عنه "ائْذَنْ لَه وبشِّرْه بالجنَّةِ"
تاريخ النشر: ١٦ / صفر / ١٤٣١
التحميل: 1573
مرات الإستماع: 6635

ائذن له وبشره بالجنة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:   

ففي باب "استحباب التبشير بالخير" أورد المصنف -رحمه الله-:

حديث أبي موسى الأشعري أنه توضأ في بيته ثم خرج فقال: "لألزمن رسول الله ﷺ ولأكونن معه يومي هذا، فجاء المسجد فسأل عن النبي ﷺ، فقالوا: وجّه هاهنا...".

وجّه هاهنا: أي توجه من هذه الناحية، ذهب بهذا الاتجاه، قال: فخرجت على أثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس، دخل النبي ﷺ بئر أريس: ليس المقصود دخل البئر، وإنما دخل الحائط، يعني البستان الذي فيه البئر، وبئر أريس معروف في ناحية قباء، وهو الذي ضاع فيه خاتم النبي ﷺ حينما كان على عثمان ، يقول: فجلست عند الباب حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته، وتوضأ، فقمت إليه فإذا هو قد جلس على بئر أريس، وتوسط قُفّها وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر، يعني: قضى النبي ﷺ حاجته كان الناس في ذلك الوقت يأتون هذه النواحي، هذه الأماكن، وجاء إلى البئر ﷺ يقول: فجلست عند الباب -يعني ينتظر تأدباً- حتى قضى رسول الله ﷺ حاجته، وتوضأ فقمت إليه فإذا هو قد جلس على بئر أريس، لاحظوا هنا أن أبا موسى الأشعري حينما خرج من بيته توضأ، ولم يذكر أنه صلى، ما جاء ليصلي، ما جاء إلى المسجد، وحينما قضى النبي ﷺ حاجته أيضاً توضأ ولم يتوضأ للصلاة، وإنما جلس على قُفّ البئر، فيؤخذ من هذا أن الإنسان إذا أراد أن يخرج من بيته أو قضى حاجته أنه يحسن أن يتوضأ، يعني يحرص المؤمن دائماً أن يكون على طهارة؛ لأنه لا يخلو ولا ينفك من ذكر الله -تبارك وتعالى، والنبي ﷺ يقول: فإني كرهت أن أذكر الله إلا وأنا على طهر، الذكر وردّ السلام، فإن النبي ﷺ في بعض مراته لم يرد السلام حتى ضرب بكفيه الحائط، تيمم يعني ثم رد السلام، مع أنه يجوز للإنسان أن يرد السلام وأن يذكر الله -تبارك وتعالى- على كل أحواله من طهارة وغيرها، ولكن الأفضل والأكمل أن يكون على طهارة. 

يقول: وتوسط قُفَّها، القُفّ هو البناء الذي يكون حول البئر، فجلس النبي ﷺ في واسطتها، وكشف عن ساقيه، وهذا يدل على أن ذلك ليس بعيب وأن الساق ليست بعورة، ودلاهما في البئر، "فسلمت عليه، ثم انصرفت فجلست عند الباب"، يعني جعل من نفسه بواباً لرسول الله ﷺ، فقلت: "لأكونن بواب رسول الله ﷺ اليوم"، وفي بعض الروايات أنه قال: ولم يأمرني، وفي بعضها: أنه أمره أن يكون كذلك، يعني أن يلزم الباب أو يمسك الباب أو نحو ذلك، فيمكن أن يكون -والله تعالى أعلم- أنه قال ذلك في نفسه ثم أمره به النبي ﷺ لما عزم عليه، ويمكن أن يكون النبي ﷺ أمره بذلك حينما كان يقضي حاجته، أراد أن يقضي حاجته، ولم يأمره بمداومة ولا ملازمة، وإنما بقي هو كذلك من نفسه، يقول: فقلت: لأكونن بواب رسول الله ﷺ اليوم، فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، وهذا أدب في الاستئذان أن الإنسان يذكر اسمه إذا قيل من؟ لا يقول: أنا، والنبي ﷺ قد كره ذلك، وقال لمن أجابه بهذا الجواب: أنا، أنا، لأن ذلك لا يفيد، قال: أبو بكر، وكذلك لا يذكر اسماً مبهماً غير معروف أو كنية غير معروفة، لكنّ أبا بكر إذا قال: أبو بكر، عُرف، وتوجه ذلك إليه، لكن أحياناً يتصل شخص أو يرسل لك رسالة، وإن كان هذا ليس من باب الاستئذان، لكن أحياناً من باب الاستئذان، ويقول: أبو مصعب، من أبو مصعب؟ نعرف مشايخ وعلماء يكنون بأبي مصعب، ثم تفاجأ بأنه طالب في المتوسط، يعني مع احترامي للجميع لكن أيضاً ما يدريني أن كنيته هي هذه أبو مصعب، من أبو مصعب؟ كثير الذين يكنون بهذا الاسم، ويرسل عدة رسائل، أريد أن أقابلك، أريد أن أحادثك، أريد أن أتصل عليك، أرجو أن ترد، أخوك أبو مصعب، من هو أبو مصعب؟ ثم تفاجأ أنه شاب صغير لا يُعرف لا باسمه ولا بكنيته، أبو مصعب، فالشاهد أن الإنسان يذكر ما يُعرف به، الشيء الذي يعرفه الناس به، أنا فلان بن فلان، لا يأتي بألغاز، أو بشيء مبهم يلتبس على الآخرين.     

"فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك"، يعني على مهلك انتظر، "ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله، هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة"، وهذا الشاهد: التبشير بالخير، بالأمور السارة.

"فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله ﷺ يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر فجلس عن يمين النبي ﷺ"، وهذه بشرى تعدل الدنيا وما فيها، لا يمكن أن يضاهيها شيء من هذه الدنيا، تصور لو أن النبي ﷺ قال: أبشر بالجنة، كيف يكون حال الإنسان؟ وكيف يطير من الفرح؟ لا يستطيع أن ينام، يطير من الفرح، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58]، واليمين أشرف من غيره، فتخير هذا المكان، وهو اللائق بأبي بكر الصديق  أن يكون عن يمين رسول الله ﷺ، ولا زال الناس يراعون هذا إلى اليوم، تجد الكبراء ونحو ذلك لا يجلس الناس عندهم إلا بعناية، يعني هذا المكان مخصص لفلان، وهذا المكان مخصص لفلان، ووُضع قصداً يعني ما تأتي اتفاقاً، يقول: فجلس عن يمين النبي ﷺ معه في القُفّ، -وعرفنا القُفّ- ودلّى رجليه في البئر كما صنع رسول الله ﷺ، وكشف عن ساقيه، أبو بكر بماذا بلغ؟ بماذا وصل إلى هذا المستوى حتى صار الصديق، والصديق هو من كمل صدقه -يعني أنه صادق دائماً، يقول الله: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، ومَن كمل تصديقه؟، ما قال رسول الله ﷺ شيئاً إلا قال: صدق، لما ذكروا له قصة المعراج، وظنوا أنه سيكذب بذلك، قال: "إن كان قال فقد صدق"، فلقب بالصديق، كثير الصدق وكثير التصديق، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] فأبو بكر هو رأس الصديقين، ومريم قال الله عنها -أم عيسى وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ [المائدة:75]، فالشاهد هنا أن أبا بكر جلس على القُف ودلّى رجليه في البئر كما صنع رسول الله ﷺ، وكشف عن ساقيه، يعني اقتدى بالنبي ﷺ في هذه الأمور العادية، طريقة الجلوس، الكشف عن الساقين، تدلية الرجلين في البئر، فبهذا وصل، فما بالنا نرى اليوم بعض من ينتسب للدعوة إلى الله، أو ينتسب إلى طلب العلم، وللأسف يجادل في بعض القضايا: اللحية أصلًا في خلاف في الأخذ منها، ولا تزال هذه اللحية تتقاصر شيئاً فشيئاً على تقاصر ما في قلبه حتى تتلاشى فأين هذا؟ بماذا بلغ أبو بكر هذه المنزلة؟، والثوب يبدأ يطول، ويطول، ويطول، يا فلان، قال: المسألة خلافية، والنووي -رحمه الله- قال كذا، ويجلس يجادل ما الذي أصابك، وما الذي غيرك، لم تكن كذلك من قبل؟! أين الاقتداء برسول الله ﷺ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]؟، وهكذا في أعمال العبد وعباداته وما أشبه ذلك، فرسول الله ﷺ نحن مأمورون بالاتساء به، نعم هذه الأمور العادية لم نُتعبد بها، ولكن لكمال مرتبة أبي بكر  كان يقتدي حتى في مثل هذا، وانظروا إلي قرينه وهو عمر ، يقول أبو موسى: ثم رجعت فجلست، يعني عند الباب وقد تركت أخي يتوضأ يلحقني، أبو موسى له أخ سيأتي يتبعه كان يتوضأ، وله أكثر من أخ، له أخ يقال له: أبو بردة، فالشاهد أن أخاه كان يتوضأ، وسيلحق به، فأبو موسى يتمنى الخير لأخيه، وهكذا الشأن نتمنى الخير، هذه المراتب، هذه المنازل لأهلنا، لأقرب الناس إلينا، نحن نقدم لهم الطعام والشراب والمال وما أشبه ذلك، لكن أولى ما نحرص عليه ونقدمه هو مثل هذه الأمور التي تتصل بالدين، يقول: "وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان -يريد أخاه- خيراً يأتِ به، فإذا إنسان يحرك الباب"، يعني يستأذن، فقلت من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، ، انظر كيف قدر الله مجيئهم وعلى هذا التتابع بحسب مراتبهم، ودرجاتهم، وانظر إلى ملازمتهم لرسول الله ﷺ، يعني من غير ميعاد، وأين ذهب النبي ﷺ؟ ناحية قريبًا من قباء ومع ذلك يبحثون عنه، ويأتون ويجلسون معه، وكم كان رسول الله ﷺ يقول: دخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر.

يقول: "فقال: عمر بن الخطاب"، وهذا يدل على أن هذا الأدب في الاستئذان شائع يعرفه الصحابة ، لم يقل: أنا، ولم يدخل من غير استئذان، "فقلت: على رسلك، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فسلمت عليه، وقلت: هذا عمر يستأذن، وإذا قال: هذا عمر، يكفي؛ لأن ذلك ينصرف إليه عند الإطلاق، فقال: ائذن له، وبشره بالجنة، فجئت عمر، فقلت: أذن ويبشرك رسول الله ﷺ، بالجنة، فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القُفِّ عن يساره، هما وزيراه ﷺ هذا عن يمينه، وهذا عن يساره، ودلّى رجليه في البئر، ثم رجعت فجلست، يعني عند الباب، فقلت: "إن يرد الله بفلان خيراً"، -يعني أخاه- يأتِ به، فجاء إنسان فحرك الباب، استأذن فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، وجئت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: ائذن له وبشره بالجنة مع بلوى تصيبه، النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى، ولا يعلم الغيب، ولكن الله يطلعه على ما شاء، قال: مع بلوى تصيبه، يقول: فجئت، وقلت: ادخل ويبشرك رسول الله ﷺ بالجنة مع بلوى تصيبك، يعني مصاحبة لذلك، على بلوى تصيبك، فدخل فوجد القُفَّ قد ملئ، وفي بعض الروايات أنه قال حينما بشره بذلك قال: "الله المستعان"، ودعا بالصبر، قال: "اللهم صبراً"، يقول: "فوجد القُفَّ قد ملئ، -البئر صغير ما فيه مكان له- فجلس وجاههم من الشق الآخر، لم يجلس معهم في القف، يقول سعيد بن المسيب من التابعين: "فأولتها قبورهم"، متفق عليه، يعني جلس على القف الثلاثة النبي ﷺ وأبو بكر وعمر فهؤلاء دفنوا جميعاً في حجرة عائشة -ا، عثمان كان في ناحية عنهم فلم يدفن معهم في الحجرة، يقول سعيد بن المسيب: "فأولتها قبورهم"، لاحظ هنا التأويل ليس على رؤيا في المنام، هذا على أمر واقع في الحقيقة، فهذه الوقائع في الخارج أحياناً يكون لها تأويل، وهذا يدخل في جنس الفراسة، يعني ليس من تعبير الرؤيا، وإنما هو من جنس الفراسة، "فأولتها قبورهم"[1]، متفق عليه. 

فهذا الشاهد في هذا الحديث هو أنه بشرهم، بشِّره بكذا، قال: وزاد في رواية: "وأمرني رسول الله ﷺ بحفظ الباب"، وفيها أن عثمان حين بشره حمد الله تعالى، ثم قال: "الله المستعان"، فالتبشير هذا ورد فيه أحاديث متعددة أيضاً غير هذا، وجاء في حديث آخر يشبه ذلك لكن عن غير أبي موسى ، جاء في غير حديث النبي ﷺ جلس على بئر، وكذلك ﷺ دلّى رجليه بالبئر، ثم جاء أبو بكر ثم جاء عمر، كل هذا فيمكن أن يحمل ذلك -والله أعلم- على تعدد الوقائع، فهذا يرويه أبو موسى وهو الذي كان على الباب، وفي بعضها أن الذي كان على الباب غير أبي موسى، في بعضها بلال، وفي بعضها من رواية غير أبي موسى ، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه. 

  1. أخرجه البخاري، كتاب أصحاب النبي ﷺ، باب قول النبي ﷺ: لو كنت متخذا خليلا، برقم (3674)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل عثمان بن عفان ، برقم (2403).

مواد ذات صلة