تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الجمعة 19 / صفر / 1441 - 18 / أكتوبر 2019
شرح حديث أَبي هريرة رضي اللَّه عنهُ "اذْهَبْ بِنَعْلَي هاتَيْنِ فَمنْ لقيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذا الحائِط يَشْهَدُ أَنْ لا إلهِ إلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقناً بِهَا قَلبُهُ فَبَشِّرْهُ بالجنَّةِ"
تاريخ النشر: ١٧ / صفر / ١٤٣١
التحميل: 1576
مرات الإستماع: 6301

اذهب بنعلي هاتين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب "استحباب التبشير والتهنئة بالخير" أورد المصنف -رحمه الله-:

حديث أبي هريرة قال: كنا قعوداً حول رسول الله ﷺ، ومعنا أبو بكر وعمر -رضى الله عنهما- في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا فأبطأ علينا، وخشينا أن يُقتطع دوننا، وفزعنا فقمنا، فكنتُ أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار، فدُرت به هل أجد له باباً، فلم أجد، فإذا ربيعٌ يدخل في جوف حائط من بئرٍ خارجةٍ فاحتفزت، فدخلت على رسول الله ﷺ، فقال: أبو هريرة؟، فقلت: نعم يا رسول الله، قال: ما شأنك؟، قلت: كنتَ بين ظهرينا فقمت فأبطأت علينا فخشينا أن تُقتطع دوننا، ففزعنا فكنتُ أول من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي، فقال: يا أبا هريرة وأعطاني نعليه، اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة[1]، وذكر الحديث بطوله، رواه مسلم.

قوله : "كنا قعوداً حول رسول الله ﷺ" إلى آخره، هذا الحديث مضى في "باب الرجاء".

يقول: "ومعنا أبو بكر وعمر -رضى الله عنهما- في نفر"، جماعة من أصحاب النبي ﷺ.

"فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا"، يعني: من بيننا، فأبطأ علينا، وخشينا أن يقتطع دوننا" يعني أن يلحقه مكروه، أن يُلحق به أحد أذى، "فكنت أول من فزع"، يعني قام يطلب رسول الله ﷺ خوفاً عليه، "فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار"، الحائط هو البستان، وقيل له: حائط؛ لأنه سور ليس له سقف، يقال له: حائط، ويجمع على حيطان وحوائط، يقول: فدرت به، طبعاً هنا قال: حتى أتيت حائطاً للأنصار لبني النجار، هذا هو الصحيح أن يأتي بالأعم أولاً ثم يأتي بالأخص؛ لأنه لو قال: أتيت حائطاً لبني النجار عرف أنهم من الأنصار، فلا معنى لقوله: من الأنصار بعد ذلك، لكن إذا قال: حائطاً للأنصار لبني النجار فيخصص، فيكون ذلك أبلغ وأدق في التعريف، مثل ما تقول مثلاً: فلان قرشي هاشمي، ما تقول: هاشمي قرشي، لو قلت: هاشمي فمعناه قرشي، يقول: فدرت به هل أجد له باباً، فلم أجد، فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئرٍ خارجةٍ، الربيع هو الجدول، مجرى الماء، مجرى صغير للماء يدخل في هذا الحائط، ربيع يدخل في جوف حائط من بئرٍ خارجةٍ، وبعضهم ضبطها هكذا: من بئرِ خارجةَ، أي: رجل اسمه خارجة، وهذا بعيد، وإنما هو في جوف حائط من بئرٍ خارجةٍ، والمقصود من بئرٍ خارجةٍ يعني من بستان خارجة؛ لأن البستان يقال لها: بئر كما في الحديث السابق أن النبي ﷺ جاء إلى بئر أريس، ويقال: بئرُ حاءٍ وبيرُ حاءٍ المقصود بستان، وهكذا بئر بضاعة حائط أو بستان فيه بئر، يقول: فاحتفزت وبعضهم ضبطه: احتفرت، يعني حفر كما يحفر الثعلب، والأقرب أنها احتفزت؛ لأن المكان صغير، المدخل صغير فاحتفز كما يحتفز الثعلب يعني صغّر جسمه حتى استطاع أن يدخل من هذا المنفذ، فدخل على رسول الله ﷺ فقال: أبو هريرة؟، يستفهم يعني هل هذا أبو هريرة؟، أنت أبو هريرة؟، فقلت: نعم يا رسول الله، قال: ما شأنك؟ والشأن والنبأ يقال للخبر أو للأمر الذي له خطب وأهمية، لمّا تقول للإنسان: ما خبرك؟ غير لما تقول: ما النبأ؟ ما نبؤك؟ ما شأنك؟ قلت: كنتَ بين ظهرينا فقمتَ فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا، كان أصحاب النبي ﷺ في غاية المحبة والشفقة والخوف عليه، فإذا فقدوه ذهبوا يطلبونه، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط -هذا البستان- فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي، يقصد بالناس الذين كانوا معه حينما قام النبي ﷺ من مجلسهم، فقال: يا أبا هريرة وأعطاني نعليه؛ لتكون بمنزلة الدليل أو الشاهد، الإنسان إذا أراد أن يُصدَّق رسوله فيما بعث به يعطيه شيئًا، يعطيه عمامته يقول له: اذهب إلى الناس وقل كذا، اذهب إلى فلان وقل له كذا، هذه عمامتي؛ ليَعرف أنك قد أتيت من عنده، أو يعطيه نعليه أو يعطيه شيئًا يعرف به.

يقول: وأعطاني نعليه، وقال: اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة، رواه مسلم.

الآن فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله، المنافقون يشهدون أن لا إله إلا الله، لكن هنا قال: مستيقنًا بها قلبه، وهذه قضية هل يمكن أن يطلع عليها أبو هريرة ؟، الجواب لا، لا يعلم السرائر إلا الله -تبارك وتعالى؛ ولذلك ما كان الصحابة يعرفون المنافقين، وإنما يقول لهم يبشرهم بما قاله -رسول الله ﷺ: من شهد أن لا إله إلا الله، أي: وأن محمدًا رسول الله فإنّ ذكر الأولى يدل على الأخرى؛ لأنهما مقترنتان.

تجد في كثير من الأحاديث يذكر الشهادة الأولى شهادة أن لا إله إلا الله مع أنه لا يمكن النجاة إلا مع الثانية، بالشهادتين، وإذا جاء الإنسان يدخل الإسلام يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقد تذكر الأولى لتدل على الثانية لاقترانهما.

فالشاهد هنا: مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة، وهذا يصدق على كل من كان كذلك في أي عصر من العصور، وشهادة أن لا إله إلا الله جاءت أحاديث بأن من قالها يحرم على النار أو يدخل الجنة، فهذه الشهادة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إذا كان الإنسان متقينًا بها صادقًا محققًا لشروطها فإنه يدخل الجنة، ولكن تحقيق لا إله إلا الله يتفاوت الناس فيه تفاوتًا عظيمًا، لها شروط هي مفتاح الجنة والمفتاح له أسنان، فإذا قالها الإنسان محققًا لشروطها على الوجه المطلوب فإنها تقوى في قلبه فتحمله على فعل المأمور واجتناب المحظور، هذا باختصار، فإذا عظم ذلك حمله على فعل المستحبات وترك المشتبهات، هذا اليقين كلما قوي، فعلى قدر ما يكون من تحقيق هذه الكلمة في قلب العبد على قدر ما يكون له من الفوز والظفر والمراتب عند الله -تبارك وتعالى، القدر الذي لابدّ من تحقيقه لتحصل النجاة هذا يحصل به دخول الجنة ولكن ذلك لا يحرمه على النار، النار يدخلها من أهل الإيمان والتوحيد ويعذبون فيها كما دلت عليه النصوص الأخرى: أخرجوا أهل الصيام، أخرجوا أهل الصلاة إلى آخره فيدخلون.

كذلك أيضًا أحاديث الشفاعة تدل على هذا، كذلك أيضًا حديث الجهنميين يُخرجون، وقد تفحموا في النار فيلقون على نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ما يحمله السيل، تجدونها تخرج صفراء ملتوية صغيرة، ثم بعد ذلك تبدأ تنفتح، ينبتون هكذا، هؤلاء الذين احترقوا في النار هؤلاء من أهل التوحيد، من أهل الإيمان.

والنبي ﷺ يقول: دخلت امرأة النار في هرة حبستها...[2]، وغير ذلك من الأحاديث، الرجل الذي قُتل مع رسول الله ﷺ وكان صاحب رحل النبي ﷺ، فلما قالوا: شهيد إلى آخره قال: إن الشملة التي غلها لتسعر عليه في قبره، فهذه الأحاديث كلها تدل على أن أهل الإيمان أهل التوحيد قد يعذب الواحد منهم بقدر مساءته وذنوبه وجرائمه لكنه لا يخلد في النار، كم يبقى؟ الله أعلم.  

فهذه الأحاديث ينبغي أن تفهم على وجهها، يعني: لا يؤخذ الحديث بمفرده ويقول الإنسان: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، ثم بعد ذلك يتمادى في التقصير.

هناك أحاديث أخرى تدل على أن من أهل الإيمان من يدخلون النار، هناك أحاديث تدل على أن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يلقي لها بالًا ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب سبعين خريفًا.

فكل الأحاديث هذه تجمع وتفهم بطريقة صحيحة، أما أن نجتزئ بحديث سواء كان من أحاديث الرجاء، أو من أحاديث الخوف والوعيد، ثم نريد أن نفهم هذه القضايا في الاعتقاد على ضوئه بمفرده فإن ذلك باب ضل به طوائف في باب الوعد والوعيد، فحكمت طوائف على أهل الكبائر بالخلود بالنار، وحكم آخرون على من وجد عنده أدنى الإيمان أن ذلك لا يضر معه ذنب، أهل الإرجاء، على كل حال الشاهد في الموضوع هنا هو التبشير، وكما قلت سابقًا: يحرص الإنسان على أن يبشر، بشِّرا ولا تنفِّرا، وصية النبي ﷺ، يحرص أن يبشر، "شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا"، لا يغلب على الإنسان منا التخويف الوعيد أو التحذير أو نقل الأخبار التي تضيق بها النفوس ويحصل بها للإنسان شيء من اليأس أو القنوط أو الضيق أو نحو ذلك، حتى في الأمور العادية الحياتية لا تكن نُقَلة لما يسوء عادة، لا تُعرف بهذا، لا تغفل عن هذا المعنى الكبير التبشير، لو اتصلت على إنسان وبشرته بشيء سار أبشر بكذا أبشرك بكذا فهذا من الأمور المستحسنة.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه مسلم، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار (1/ 59)، رقم: (31).
  2. أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق، يقتلن في الحرم (4/ 130)، رقم: (3318)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان الذي لا يؤذي (4/ 2023)، رقم: (2619).

مواد ذات صلة