تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 16 / صفر / 1441 - 15 / أكتوبر 2019
شرح حديث ابنِ شُماسَةَ "أَما بشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم بكَذَا؟"
تاريخ النشر: ١٨ / صفر / ١٤٣١
التحميل: 1621
مرات الإستماع: 2743

أما علمت أن الإسلام يهدم ماكان قبله

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذا الحديث الأخير في باب "استحباب التبشير والتهنئة بالخير" وهو:

حديث ابن شماسة، وهو عبد الرحمن أبو عمرو بن شماسة قال: عن ابن شماسة، قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلا، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه، يقول: يا أبتاه، أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟ فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، إني قد كنت على أطباق ثلاث: لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله ﷺ مني، ولا أحب إلي من أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي، فقال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟ قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه؛ إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها؟ فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني، فشنوا علي التراب شنا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ما أراجع به رسل ربي.[1]رواه مسلم

"حضرْنا عمرَو بن العاص وهو في سياقة الموت -يعني في حال الاحتضار، فبكى طويلاً وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول.. يعني عبد الله بن عمرو بن العاص -رضى الله عنهما، وكان بينه وبين أبيه ثلاث عشرة سنة، وعبد الله بن عمرو بن العاص من علماء الصحابة، ومن عبادهم، فجعل يقول لأبيه: يا أبتاه، أمَا بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟، أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟"، وهذا هو الشاهد، يعني أن عبد الله بن عمرو في المقام لا يبشر أباه، وإنما يذكره بتبشير رسول الله ﷺ له، وهذا "باب التبشير بالخير" أي: أن النبي ﷺ كان يبشر أصحابه فبشر عمرو بن العاص بأمور أبهمها الراوي، وإلا فإن عبد الله بن عمرو ذكرها لأبيه، وهذا أمر يحسن عند الموت، وقد تكلمت طويلًا عن موضوع الخوف والرجاء في الأعمال القلبية، وقد مضى "باب الرجاء" أيضاً في هذا الكتاب، وذكرتُ في الأعمال القلبية تفصيلاً في مسألة الخوف والرجاء ما الذي يغلَّب؟ فمن أهل العلم من يقول: يغلب جانب الخوف، ومنهم من يقول: يغلب جانب الرجاء، ومنهم من يقول: يفرق بين حال العافية، وحال المرض، ففي حال العافية يغلب جانب الخوف؛ ليردعه عن مقارفة ما لا يليق، وفي حال السياق والموت والاحتضار، ونحو ذلك، يغلب جانب الرجاء؛ ليموت وهو يحسن الظن بربه، ومن أهل من العلم من يقول: هما كالجناحين للطائر لا يطير إلا بهما، وأن نصوص الكتاب والسنة أثنت على عباد الله المتقين أنهم يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، يرجون رحمته ويخافون عذابه، ومن ثَمّ فإن الإنسان يجمع بين هذا وهذا، وهذا قول له وجه من النظر، وتدل عليه دلائل الكتاب والسنة، ويختلف الأمر بالنسبة إلى الأفراد كلٌّ بحسبه، فمن الناس من هو بحاجة إلى مزيد من التخويف، ومنهم من هو بحاجة إلى مزيد من الترجية، فالإنسان الذي قد قسا على نفسه، ولربما آل به ذلك إلى شيء من القنوط فهذا يحتاج إلى كثير من الترجية، والإنسان الذي عنده تساهل هذا بحاجة إلى شيء من التخويف، والإنسان المعتدل يطير بالجناحين بين الخوف والرجاء، والله تعالى أعلم.

فالشاهد أنه جعل يذكره بهذه الأمور، لماذا ذكره بها؟ أولاً: لما رأى من حاله من البكاء فخشي أن يكون ذلك من الجزع الذي قد يفضي إلى اليأس والقنوط من رحمة الله ، ومن أجل أن يموت وهو يحسن الظن بربه؛ لأن النبي ﷺ قال: لا يموت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه[2].

فالشاهد أنه قال هنا: "أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟، أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا؟"، يذكره بأمور، فأقبل بوجهه بعد أن أداره إلى الجدار، أقبل عليهم بوجهه فقال: "إن أفضل ما نعدّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، إني قد كنت على أطباق ثلاث - يعني على أحوال ثلاث، يعني مر بثلاث مراحل، لقد رأيتُني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله ﷺ مني، ولا أحب إليّ من أن أكون قد استمكنت منه، فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار"، ومعروفة عداوة عمرو بن العاص لرسول الله ﷺ، ولما هاجر المسلمون إلى الحبشة ضعفاء في حال من الخوف والفقر والمسغبة لم يكتفِ المشركون بأذيتهم، بإخراجهم من ديارهم بل تبرع عمرو بن العاص، وذهب مع وفد إلى ملك الحبشة ليحرض عليهم من أجل أن يخرجهم من أرضه، أو أن يسلمهم لقريش، ولما رأى منه تلكؤًا في ذلك استفزه بطلب السؤال عن عيسى ، فالحاصل أنه كان شديد العداوة ثم هداه الله إلى الإسلام، فكان من خيار الصحابة حسن إسلامه، يقول: "فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي، فقال: مالك يا عمرو؟، قلت: أردت أن أشترط، قال: تشترط ماذا؟، قلت: أن يُغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، الكبائر والصغائر ورأس ذلك الإشراك، وهو أكبر الكبائر، فإذا أسلم الإنسان غفر الله له ما كان، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، الإنسان الذي يسلم حديثاً هذا يبدأ كأنه ولدته أمه الآن، والهجرة إذا هاجر الإنسان، وعمرو بن العاص أسلم بعد الحديبية، وهاجر إلى النبي ﷺ، وكانت هجرته قبل الفتح، والنبي ﷺ يقول: لا هجرة بعد الفتح، أي: من مكة، فهو من المهاجرين ، قال: وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟، والعلماء تكلموا على الحج، "رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" هل يكون ذلك في الكبائر والصغائر؟، أو يكون في الصغائر، والكبائر لابدّ فيها من توبة؟.  

قال: "وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله ﷺ"، يعني بعدما أسلم، "ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له"، من شدة المحبة والمهابة والتعظيم، فإذا جلس نكس رأسه، يقول: "ولو سُئلت أن أصفه ما أطقت"؛ لأنه لم يكن يملأ عينه من رسول الله ﷺ، من النظر إليه، يقول: "لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم وَلِينا أشياءَ ما أدري ما حالي فيها"، ولينا أشياء لما وقعت الفتنة بين الصحابة خرج أهل الشام مع معاوية ، وعمرو بن العاص، وحصل ما حصل من القتال بين الصحابة ، وحصلت أمور كثيرة، ثم بعد ذلك استقر الأمر بخلافة معاوية بعد قتل علي  ، وتنازل الحسن ، ثم بعد ذلك كان عمرو بن العاص والياً لمعاوية على مصر، يقول: "ثم ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مت"، الآن هو يبين لماذا كان يبكي، يقول: المرحلة الثالثة التي أنا فيها الآن هي التي ما كنت أود أن أموت عليها، كنت أود أن أموت في المرحلة الثانية، ذكر ذلك فسر بكاءه، ثم أوصاهم قال: "فإذا أنا مت فلا تصحبنِّي نائحة".

والنائحة هي المرأة التي ترفع صوتها بالصياح والبكاء والعويل على الميت، ولربما مزقت شعرها، وشقت جيبها ونحو ذلك مما يفعله، بعض الناس في النياحة "فلا تصحبني نائحة، ولا نار"، لا نار يعني لا يكون ذلك لا في سراج، ولا في مبخرة، ولا في مشعل، ولا في غيره.  

وبعض أهل العلم يقولون: إن ذلك من أجل التفاؤل بالنجاة من النار، وبعضهم يفسره بغير ذلك، الميت لا يُصحب بنار، ويقول: "فإذا دفنتموني فشُنوا عليّ التراب شنًّا".

وبعضهم ضبطه بالسين، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تُنحر جزور، والجزور هي ما ذبح من الإبل ذكراً كان أو أنثى على سبيل الخصوص، يعني الشاة المذبوحة لا يقال لها: جزور، الناقة الحية لا يقال لها: جزور، إنما ما نحر من الإبل يقال له: جزور بقدر ما تُنحر جزور، ويُقسم لحمها، وهذه هي السنة، يقول: "حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي".

يعني أن الملكين يسألانه في قبره بعد دفنه بهذا المقدار تقريباً كم يستغرق من الجزار نحر الجزور مع سلخها وتقطيع لحمها؟ كم يستغرق الجزار الماهر مقدار عشرين دقيقة إلى نصف ساعة تقريباً؟

إذن السنة أن يوقف على القبر قبر الميت بعدما يدفن بهذا المقدار، يُدعى له بالثبات، وللأسف الواقع خلاف ذلك تماماً إلا من رحم الله، تجد الرجل أحياناً يقرر هذه الأمور، ويعلمها للناس، وينظِّر لها، ويدعوهم إليها فإذا مات له أحد استفزه الناس استفزازاً شديداً وجرجروه بعد الدفن مباشرة من أجل أن يتخلص، يريدون أن يسلموا عليه، ثم يتسابقون إلى الأبواب، فيحرمون الميت من مثل هذا الأمر العظيم الذي هو أحوج ما يكون إليه، الدعاء له بالثبات، فتجد أهل الميت يُجرجَرون حتى لو أراد أحد منهم أن يبقى يُسحب بيده أحياناً ليوقف في صف من أجل التعزية حتى لا يضطر الناس أن يتعطلوا، وينتظروا، أين فلان؟ ويتأخرون عن الانصراف، واللائق أن يقول الإنسان لهم: كثر الله خيركم، جزاكم الله، شيعتم الجنازة، وتعزيتكم وصلتْ، ودعونا في حالنا، ويبقى عند القبر، يتركهم، وكل من سحب يده نفض يده وتركها، ويدعو لهذا الميت بالثبات هذا هو المطلوب، هذا هو المهم، وأمّا الذين يشيعون فإنهم يحصل لهم القنطاران بالصلاة على الجنازة، وبتشييعها، حصل الأجر انتهى، أمّا أنه يُحرم الميت من مثل الدعاء بالثبات بهذه الطريقة فهذه مشكلة -والله المستعان، ولذلك لا تكاد تجد أهل الميت يقفون على قبره، فيضطر آخرون أحياناً -حتى لا يترك القبر هكذا- إلى أن يقفوا ويدعوا له، مع أن الذين يدعون يشتركون، ليس فقط أهل الميت، من حضره يدعون له.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.  

  1. أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، برقم (121).
  2. أخرجه أحمد في المسند، برقم (14481)، وقال محققوه: "إسناده صحيح على شرط مسلم".

مواد ذات صلة