تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الثلاثاء 16 / صفر / 1441 - 15 / أكتوبر 2019
حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه: "لا تنسانا يا أخي من الدعاء"، وحديث سالم بن عبد الله رضى الله عنه: "استودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك".
تاريخ النشر: ٢٣ / صفر / ١٤٣١
التحميل: 1562
مرات الإستماع: 2445

لا تنسنا يا أُخيَّ من دعائك

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

ففي باب وداع الصاحب ووصيته عند فراقه لسفر وغيره والدعاء له وطلب الدعاء منه أورد المصنف -رحمه الله-:

حديث عمر بن الخطاب قال: استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فأذن وقال: لا تنسنا يا أُخيَّ من دعائك، فقال كلمةً ما يسرني أنّ لي بها الدنيا، في رواية قال: أشرِكْنا يا أُخيَّ في دعائك[1]رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

هذا الحديث فيه ضعف، فيه راوٍ يقال له: عاصم بن عبد الله بن عبيد الله العمري، قال الحافظ: ضعيف، ومن صحح هذا الحديث أخذ منه مشروعية طلب الدعاء من المسافر، وربما فهم منه ما هو أعم من ذلك، وهو أن المرء يطلب من غيره أن يدعو له من غير كراهة، وأن ذلك لا يقال فيه: خلاف الأولى، ومن يصحح هذا الحديث يستنبط منه جملة من المعاني غير ما سبق، وإن كان هذا هو موضع الشاهد.

يستنبطون -مثلاً- تواضع النبي ﷺ، وأن الأعلى مرتبة يطلب من الأدنى أن يدعو له.

وإذا قيل بأن الحديث ضعيف فلا مجال لاستنباط هذه المعاني منه، ولا الوقوف عندها، ومسألة طلب الدعاء من الغير لو صح هذا الحديث لكان عمدة في الباب، ولكنه لم يصح، ولهذا ذكر بعض أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن طلب الدعاء من الغير لا يشرع، ليس معنى ذلك أنه محرم، هو جائز، ولكن هل يشرع ذلك، والمشروعية قدر زائد على الجواز؟، بمعنى أن ذلك طلب الشارع، إما ندباً، وإما وجوباً، وذلك أن طلب الدعاء من الغير لا يخلو من تزكية له، إذا قلت: ادعُ لي، ففيه تزكية لمن طُلب منه، وإن كانت غير مباشرة.

والأمر الثاني: أن الدعاء عبادة يحبها الله -تبارك وتعالى، وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].

فيتقرب العبد إلى ربه -تبارك وتعالى- بهذه العبودية، ولا يطلب ذلك من غيره، يعني: أن يدعو غيره له.

إضافة إلى أمر ثالث، وهو أن ذلك لا يخلو من نوع افتقار إلى المخلوق، فالنبي ﷺ بايع بعض أصحابه أن لا يسألوا أحدًا من الناس شيئاً، فكان السوط يسقط من أحدهم، ولا يقول لصاحبه: ناولنيه[2].

الاستغناء الكامل عن المخلوقين، ما يطلب منهم شيئاً، وإنما يكون فقره وحاجته إلى الله وحده لا شريك له، وهذا من كمال العبودية، لكن لو أن أحداً من الناس طلب من آخر أن يدعو له، هل يقال: إنك قد ارتكبت شيئًا محرماً، أو يلحقك فيه حرج في الآخرة؟ الجواب: لا، لكن غاية ما هنالك أن هذا خلاف الأولى، والله تعالى أعلم.

أستودع الله دينك وأمانتك

ثم ذكر الحديث الآخر وهو:

حديث عن سالم بن عبد الله بن عمر: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، كان يقول للرجل إذا أراد سفرا: ادن مني حتى أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودعنا، فيقول:  أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك. رواه الترمذي

سالم بن عبد الله بن عمر -رحمه الله ورضي عن أبيه وجده- وسالم هو أحد الفقهاء السبعة من التابعين.

يقول: إن عبد الله بن عمر -رضى الله عنهما- كان يقول للرجل إذا أراد سفراً: ادن مني حتى أودعك، كما كان رسول الله ﷺ يودعنا.

ادن مني، فالذي يظهر أن هذا أخذه من رسول الله ﷺ، فقد كان ابن عمر -رضى الله عنهما- أشد الناس اتباعاً للنبي ﷺ واقتداء به في كل شيء، فلو أن أحداً أراد أن يودع آخر، وقال له: ادن مني، يعني: لا يودع من بعيد، ادن مني: اقترب حتى أودعك.

وقوله: كما كان رسول الله ﷺ يودعنا، يؤخذ منه أو قد يفهم من ظاهره أمران:

الأمر الأول: ما كان يقال في الصيغة، والأمر الثاني: ما يكون من حال القرب، ادن مني حتى يتحقق ذلك، اقترب حتى أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودعنا، فيقول: أستودع اللهَ دينك، وأمانتك وخواتيم عملك[3]رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

أستودع الله دينك... باعتبار أن السفر مظنة للمشقة، ولهذا شرع فيه بعض الترخص كقصر الصلاة، والجمع بين الصلاتين، والفطر في رمضان، ولربما كانت هذه المشقة حاملة للإنسان، أو لبعض الناس على شيء من التفريط، إضافة إلى أن الإنسان إذا كان في حال السفر فهو في غربة، والغربة مظنة للتخفف من كثير من المروءات، وما كان يراعيه الإنسان في بلده، قد يحفظ الإنسان مروءته في بلده، في كثير من مزاولاته، في لباسه، وفي تصرفاته، وفي علاقاته، وفي لهوه، وما إلى ذلك، لكنه إذا سافر قد يترخص، قد يكون في بلده لا يذهب إلى المسجد بثياب النوم، وإذا سافر وذهب إلى بلد لا يُعرف فيها لربما يتبذل في اللباس -مثلًا، لربما كان هذا الإنسان في بلده لا يذهب إلى أماكن فيها اختلاط، أماكن الفرجة، أو النزهة، أو أسواق عُرفت بكثرة المنكرات، ولا يقترب منها، ولكنه قد يسافر فيترخص، فيغشى تلك الأماكن.

إلى غير ذلك من الأمور التي قد توقعه في شيء من المحرمات الواضحة، بل لربما وقع في شيء من الكبائر حينما يسافر، العامة عندهم مثل لا يصلح أن يقال هنا، يقولون: البلد التي لا تعرف أهلها، كلمة يقولونها غير مناسبة، يعني: معناها أنك لا تبالي بشيء تصنعه فيها، وهذا المثل فاسد، غير صحيح، لكن هكذا يقولون.

فهذه الأمثال، وما يسمعونه، وينشئون عليه لربما يحملهم على ما يميل إليه الطبع أحياناً من الترخص في كثير من المنكرات إذا سافروا.

المرأة تخلع حجابها، وأقل ذلك تخلع غطاء الوجه، وكثيراً ما نسمع السؤال عن هذا سأسافر مع زوجي، سافرت مع زوجي، زوجي يقول: لابدّ من خلع الحجاب، زوجي يقول: لابدّ من كشف الوجه؟، ما يجوز، الرب المعبود واحد، وإذا كان الحجاب هنا، والناس هنا أحسن حالاً على الأقل من كثير من البلاد، لا يذهب إلى بلاد الكفار وهناك ليس فقط المعصية، وإنما الكفر بعينه لا يردعهم لا دين، ولا يعرفون الله، فالحجاب منهم أولى.

وبعض العلماء قال: المرأة تحتجب من المرأة الكافرة، فكيف بالرجل الكافر؟ لا يعرفون شيئاً اسمه غض البصر، ولا التنزه عن الفواحش، لا يعرفون الحلال ولا الحرام، وليس عندهم فرق بين كبائر وصغائر؛ لأنهم لا يعرفون ذلك، مثل البهائم.

فالمقصود أن الإنسان أحياناً قد يحصل له شيء من الترخص، والتخفف، والتفلت من أحكام الله فيحتاج إلى مثل هذا عند الوداع، أستودع اللهَ دينك لئلا يضيع عليه دينه، كم من إنسان سافر ثم رجع بحال أخرى!، ضيع كثيراً من الدين في هذا السفر، يذهب الشاب يدرس ويسكن مع أسرة، نساء وبنات، ما الذي أحل لك هذا؟، والله المستعان

وأمانتك كل ما يؤتمن عليه الإنسان، فيدخل في هذا قضايا الدين، أن يحافظ على مواقيت الصلاة، وعلى الطهارة، والنظر أمانة، فيغض بصره، والسمع أمانة فيحفظ سمعه من كل محرم، وهكذا أيضًا لا يخطو خطوة إلا في مباح، أو في طاعة، لا يذهب إلى أماكن الريبة، ومحال المنكر، ويدخل في الأمانات أيضاً عهود الإنسان ووعده إلى غير ذلك.

وخواتيم عملك هذه وصية عظيمة، نقولها وقد لا نفكر في معناها، النبي ﷺ يقول: إنما الأعمال بالخواتيم[4].

خواتيم العمل هي التي عليها المعول إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة[5].

فهذا الإنسان الذي يسافر هو مظنة لركوب الأخطار، ولذلك إذا رجع الإنسان، يقول: الحمد لله على السلامة، وأهله يتصلون عليه دائمًا رجاء هذه السلامة؛ لأن الإنسان تعتريه الأخطار من كل ناحية في السفر، والآن زادت هذه الأمور، في السابق المخاوف كانت بسبب الوسائل التي يسافر الناس عليها، وما يعتور الناس في الطريق من أنواع الآفات، والآن هذه المراكب التي استراح الناس فيها بعض الشيء، إلا أنه أيضا فيها من الأخطار ما لا يخفى، أرقام أعداد الحوادث أكثر من قتلى الحروب، فخواتم العمل الإنسان يختم له بماذا؟

راكب في هذه السيارة، ويسمع أغنية، وحصل له حادث، الخاتمة سيئة، أو مسافر سكن في الفندق وفتح قناة سيئة، وجلس ينظر إليها، ثم وُجد ميتاً في غرفته، والجهاز يعمل، أو معه جهاز محمول، ثم فتح هذا الجهاز على مواقع سيئة، وجلس ينظر فمات، وقد تسمعون أشياء غريبة امرأة تتعرى أمام الناس في موقع من مواقع الإنترنت هذه التي يشاهدها جموع من الشباب البائس، ثم تسقط ميتة.

وهنا يُدعى له بذلك قال: وخواتيم عملك بمعنى أنه يختم للإنسان بخاتمة حسنة، وهذا يدعو الإنسان أن يجتهد في السفر كما يجتهد في الإقامة، أو أكثر، يتحرى؛ لأن السفر المخاوف تزداد فيه على المسافر من كل وجه أكثر مما يعتور المقيم، ومن ثَمّ يحتاج الإنسان إلى الاحتياط في دينه، صلاح الحال، الاستقامة، مراقبة الله في السر والعلن، وأن يداوم على الأعمال الصالحة، إلا ما شُرع فيه الترخص، أو كان ذلك من السنة كالسنن الرواتب سوى الفجر، والوتر، لكنه يحافظ على الصلوات المكتوبة، كان له ورد من الليل يحافظ عليه، إلى غير ذلك من الأذكار، وقراءة القرآن.  

والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه.

  1. أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب الدعاء (2/ 80)، رقم: (1498)، والترمذي، أبواب الدعوات عن رسول الله ﷺ (5/ 559)، رقم: (3562).
  2. أخرجه مسلم، باب كراهة المسألة للناس (2/ 721)، رقم: (1043).
  3. أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الدعاء عند الوداع (3/ 34)، رقم: (2600)، والترمذي، أبواب الدعوات عن رسول الله ﷺ، باب ما يقول إذا ودع إنسانا (5/ 499) ، رقم: (3442).
  4. أخرجه البخاري، كتاب القدر، باب: العمل بالخواتيم (8/124)، رقم: (6607).
  5. أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا يقول فلان شهيد (4/ 37)، رقم: (2898)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وأن من قتل نفسه بشيء عذب به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة (1/ 106)، رقم: (112).

مواد ذات صلة