تتصفح الآن الموقع بالنسخة الجديدة     |     العودة للموقع القديم
الإثنين 09 / ربيع الآخر / 1440 - 17 / ديسمبر 2018
‏ [13] شرح حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- " أَنَّ امْرأَةً مِنْ جُهينةَ أَتَت رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَا"
تاريخ النشر: ٢٠ / شعبان / ١٤٢٥
التحميل: 3690
مرات الإستماع: 22809

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فكنا نتحدث في شرح حديث عمران بن حصين في تلك المرأة التي جاءت للنبي    ﷺ وأخبرته أنها أصابت حداً، وطلبت منه أن يقيمه عليها، وقلنا: جاء في بعض الروايات أن هذه المرأة غامدية، وفي بعضها أنها من جهينة، وذكرنا كلاماً لأهل العلم في الجمع بين هذه الروايات، وما يتعلق بتحديد هذه المرأة باسمها وعينها، وأن ذلك لا طائل تحته.

هذه المرأة أتت رسول الله ﷺ وهي حبلى من الزنا، فقالت: "يا رسول الله، أصبت حداً فأقمه عليّ".

فهذه المرأة جاءت معترفة بطواعيتها -من غير إكراه- إلى النبي ﷺ تطلب منه أن يقيم عليها الحد، وكما ذكرنا لكم في المرة الماضية: أن معرّة الزنا عظيمة جداً، وهي في حق المرأة أشد، وذكرنا خبر تلك المرأة التي قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، لما استُوقفت في الخامسة في الملاعنة، وقيل لها: إنها مُوجِبة[1].

فالمقصود: أن هذا ليس بالأمر السهل، كون هذه المرأة تأتي، وتقر عند النبي ﷺ لا شك أنه أمر عظيم.

وهذا يدل على عظم التربية التي تلقاها أصحاب النبي ﷺ، وما كان يعمر قلوبهم من الإيمان، وأن طاعة الله والخوف منه، وإصلاح الآخرة مقدم عندهم على كل شيء من مصالح الدنيا؛ إذ أن هذه المرأة بهذا الصنيع لا شك أنها تخرب بيتها، وتفضح زوجها، وتفضح قومها، ثم تقتل بهذه الطريقة التي ليس لها نظير من القتلات، ومع ذلك جاءت تعترف عند النبي ﷺ، ولا شك أن هذا من النادر، ولذلك احتاط الله لقضية الأعراض، فالزنا لا يمكن أن يثبت إلا بأحد أمرين: إما بشهادة أربعة يشهدون شهادة مفصلة دقيقة يصعب غاية الصعوبة إثباتها، أو بالإقرار والاعتراف، ومن الذي يعترف؟ لو لم يكن فيه عقوبة من الذي يعترف لما فيه من الفضيحة والرزية، فكيف إذا كان يترتب عليه هذا الحد الرمي بالحجارة حتى الموت؟!

وهذا يفسر قلة وندرة إقامة حدود الزنا في الشريعة الإسلامية على مدى التاريخ، أما السرقة فتحصل بشكل أكثر، لكن الزنا نادر؛ لأنه لا يثبت إلا بهذه الطريقة، وذلك أمر عسير.

قالت: "أصبت حداً فأقمه عليّ"، يعني: أصبت ما يوجب الحد، وفي بعض الروايات أنها قالت: "فطهرني"، فهذا يدل على أن الإنسان إذا أقيم عليه الحد فإن ذلك يكون كفارة له، فالحد يطهره، كما أخبر النبي ﷺ أن من قارف شيئاً من المحرمات فأقيم عليه الحد فهو كفارة له[2].

فدعا نبي الله ﷺ وليها، فقال: أحسنْ إليها، وهذا يدل على كمال الشريعة، وكمال رحمة الشارع بالمخلوقين، هذه المرأة ستقتل بطريقة ليس لها نظير، ترمى بالحجارة حتى الموت، وفي فترة الانتظار حتى تضع الحمل يُؤمر وليها بالإحسان إليها؛ وذلك أن المظنون –غالباً- أن هذا الولي سيسيء إليها بالقول، ويسيء إليها بالفعل، هو سيصبر الآن تسعة أشهر على مدة الحمل، ثم يؤمر بعد ذلك بالصبر عليها حتى تفطم هذا الصبي، معناه: أنها تجلس عامين، حتى جاءت إلى النبي ﷺ ومعها الغلام يحمل كسرة خبز، لتثبت للنبي ﷺ أنه فطم، فهذه مدة طويلة.

امرأة زانية، حامل من الزنا، الغالب أن هذا الأب أو الولي سيزجرها، ويسيء إليها، ويعنفها، ولربما ضربها، ولربما حرمها من كثير من حقوقها الآدمية.

فأقول: الشارع أمره بهذا، وهذا فيه أعظم رد على الذين يقولون: إن الحدود قسوة، ولا زال أقوام يثيرون هذه القضية منذ زمن طويل.

أضف إلى ذلك أن الشريعة فتحت الطريق النظيف النزيه الذي يمكن به أن يحصل تنفيس للغرائز، فالله حينما خلق الخلق أوجد فيهم هذه الغريزة لحكمة، وهي بقاء النسل، فهذه الغريزة لم يجعلها الشارع مكبوتة، بل فتح الطرق والوسائل إلى تصريفها بالطريق النظيف، فإن كان هذا الإنسان غِراً ولم يسبق له تجربة فإنه يجلد مائة جلد، فإن جرب وعرف الطريق الصحيح، ثم بحث عن طريق آخر فذلك لا يردعه إلا هذه القتلة الشنيعة، فيرجم حتى الموت.

ولذلك أقول: إذا نظرتم إلى الزنا باعتبار أنه من السبع الموبقات نجد أن الشارع وضع عليه أكثر من سياج، وأكثر من حاجز، فنهى الشارع عن النظر الحرام، ونهى عن التبرج، ونهى عن الاختلاط، ونهى عن الخضوع بالقول، ونهى عن الخلوة بالمرأة الأجنبية، لا تسافر إلا مع ذي محرم، ونهى عن كل ما يمكن أن يوصل إلى هذه الجريمة، وبالمقابل أمر بالعفاف، وأمر بغض الأبصار، وأمر أيضاً بالإحصان بالتزوج، وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32]، ويقول النبي : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجاء[3] هذا حثٌّ فيه إغراء بالصوم، تقول: عليك بالصوم، عليك بكذا، أي الزمه، ليس معناه: أنه يصوم يوماً في الأسبوع، هذا لا يصنع أي شيء، ولا يؤثر فيه من هذه الحيثية، بل لربما يورثه حرارة في غريزته، ولذلك تجد بعض من يصومون رمضان يقعون في الفواحش، ولربما واقع أهله في نهار رمضان، كما يقول بعضهم: في كل صبيحة يوم يواقع أهله في رمضان طول الشهر، فلماذا لم يكسر الصوم غريزته؟

الجواب: هو ما ذكره الحافظ ابن حجر -رحمه الله، وهو أن إدمان الصوم يكسر الغريزة، ولا يقتلها، بل يضعفها، فإذا عاد عادت إليه غريزته، إذا عادت إليه طبيعته في الأكل والشرب، لكنه يحتاج إلى إدمان، وإكثار من الصوم، فبهذا تنكسر الغريزة، وإلا فالصوم المفرق القليل لا يؤثر كثيراً في هذا الجانب.

فجعل الشارع هذه الحواجز، وأمر بالعفاف والستر، وأمر بالصيام لمن لم يستطع النكاح، فإذا جاء إنسان وتعدى طوره، وقارف من ذلك شيئاً فإن هذا الإنسان ينبغي أن يردع ويقام عليه الحد، تطهيراً له وردعاً لغيره، ولهذا قال الله ، ولْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2]، لا شك أن هذا أشد نكاية على من يقام عليه الحد، فمن الناس من يتمنى أن يقام عليه أضعاف ذلك، لكن لا يراه الناس، يُضرب مائة ضربة، ولا يضرب ضربة واحدة أمام الناس، وكذلك الناس إذا رأوا هذا ارتدعوا ولم يفكروا في هذه الفواحش، وكان ذلك أعظم زجر لهم.

  1. أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير سورة النور (4/ 1772)، رقم: (4470).
  2. عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند النبي ﷺ فقال: أتبايعونني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا -وقرأ آية النساء وأكثر لفظ سليمان قرأ الآية- فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فهو كفارة له، ومن أصاب منها شيئا من ذلك فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب تفسير سورة الممتحنة (4/ 1857)، رقم: (4612).
  3. أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب قول النبي ﷺ: من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، وهل يتزوج من لا أرب له في النكاح، (5/ 1950)، رقم: (4778)، ومسلم، كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم (2/ 1018)، رقم: (1400).

مواد ذات صلة